(3)

6 0 00

(3)

أحسّ بوقع الركض المبتعد ففتح عينيه. كان يلمح الدماء على صدره فيدرك أنه أصيب هنا، لكن الألم يتلوى في عموده الفقري، كأنه أفعى الطاقة في حالة استنزاف. علقت نظرته الواهنة بالسقف القريب جداً، لمحه يتدرج في بياضه حتى السواد. ناصع وكامد، مثل استعارة مبهمة، مثل قصيدة لم يستطع أبداً كتابتها أو اختيار كتابتها. أراد أن يقول بقسوة التجربة أو الإحساس، كحال من استكشف أمراً موضوعياً غير متوقّع:

"ناصع وكامد

هذا الموت

الداكن"

لكنه لم يستطع تحريك لسانه المشلول أو الجاف، فحرّك الكلمات في ذهنه. كانت ميّتة دون إيقاع. أجل هو الموت. يمكن للموت أن يكون توقفاً كاملاً عن الإيقاع.. كلا يحسّ الله هناك..

انحشر نفس هائل قبيل أوتاره الصوتية فشعر بالاختناق. تحشّرج النفس وامتنع عن الانسياب. تضخم الأبيض المتدرج، الكامد الأسود، الناصع الرمادي، في نقاط في الذهن. رأى نفسه في حيّز مقلوب ممطوط إلى الداخل، مقعر، مثل حيّز الكون في منظور ثلاثي المساقط من الخطوط، قبل أن يتفجّر إلى مجرّات. شعر بالنفس سيقتله لكنه، أخيراً، سعل فهوى..

و.. كاد يختنق:

أدارها بفرح. كانت عملة معدنية جديدة كبيرة يتمدد الأسد على جانب من جانبيها. ولأمر ما خطر له أن يقذفها في جوّ الغرفة. كانت جدته تدخن قد فتحت الشبّاك لتخرج الرائحة إلى الخارج.. أطار القطعة ثم التقطها بفمه. حركة ممتعة. أطارها مرّة أخرى والتقطها.. اندحشت بجنون في حلّقه واعترضت نفساً يريد الخروج، وبقي كذلك. حاول إخراجها لكنّها أبت. دقّ على صدره ومؤخرة عنقه وما طالته يده من ظهره، ولم تخرج. ذهب إليها يتنطنط يشير أنه مخنوق وسيموت، وفهمت سريعاً. قذفت السيجارة من الشبّاك، ثم دقت ظهره بلطف ومن ثمّ بقسوة. لم تخرج القطعة أو تدخل. بقيت محشورة في مكانها. جرّته لتأخذه إلى شخص ما، لكن طاقته تهالكت ولم يعد يستطيع أن يتحرّك فتصّلب في وقفته. كان يرى الموت فكّرة مكوّنة من بخار ليس رطّباً لكنه لا يتيح رؤية شيء.. بخار جافّ لا حركة فيه. بعد حدّ معيّن من الاختناق لم يعد يحسّ به، وبدأ يغيب فتراخى جسده.. حين سيسقط جسده بعد أن:

أطبقت على عنقه كفوف لا تحصى؛ سيقاوم، ويرفسَ، وسيشلّون حركته. أكثر وجه كان خلال الشهور السابقة يتظاهر بالمودة، كان الأكثر "غيرة"، فأطبق بكفّين جبارتين على عنقه يريد -بالفعل- قتله. فكّك يديه حارسٌ مختصٌ قام بتفتيشه بحثاً عن سلاح لم يكن يحتاج إليه، فالغرفة مليئة بالأقداح والأغراض التي تصير، عند اللزوم، سلاحاً.

حين سيطلق سراحه متدهور الصحّة، مرضّضاً، بعد شهر، سيمرّ بالقرب من المقرّ. سيسمع الغيّور ذاته يقول لآخر يتأبط ذراعه ساخراً:

قبل أسابيع ضربه أحدهم. إن شاء الله يُضرب ثانية، وعقبال البقيةّ!

الجماعة تجمع العزم فتجمعت حينها عزيمته بل تمادت، فانتزع قدم الطاولة المكسورة ودقّ أصابعه بها. سيحرص بعد شهرين على أن تقع العين في العين -مباشرة- ليرهبه؛ لأنه يعلم حقيقته..

فرّ "الغيّور" سريعاً ليختفي وسط المارّة. كان أكثر شخص ضربه مستغلاً حركته المشلولة.. وعندما لم يشف الضرب غليله، عاد وأطبق بكفّيه وخنقه بالكامل. في المرحلة الثالثة من الاختناق (والأولى كانت مذبوحةً متدافعةً بالشلل المحكم، مجنونةً، والثانية مرتعشةً خائفةً من الموت) شعر بالسكون كأنه يسبح في كون لا تجاذب -أو تناقض- فيه. "رأى" الله، فنطق بالشهادتين وسكنته أسرار مسرّة مبهمة. سيسقط ثانية جسده في زمن تغيّر مكانه فاستغرقت السقطة دهوراً.

لمّا سيرتطم بالأرض، ستتحرك القطعة إلى الداخل ويخرج النفس أخيراً كالريح التي تهبّ.

هبّت بعد احتباس..

ريــح ح ح..

ويرتعش إحساسه الذي تثقبه المسامير. أهو البرد حقّاً أم شيء وخز خاصرة الأرض غفلةً فاهتزّت؟؟

أخيراً خرج النفس المحبوس كريح واستعاد عينيه. كانت جدته لأبيه تبتسم له. كان يستكشفها كأنه لم يرها من قبل.

في المستشفى، وصورة الأشعة تظهر الدائرة الكبيرة، استغرب الطبيب من قدرة حنجرته على التمدد لتبتلع قطعة بهذا الحجم.

"حنجرة كبيرة"، قال.

حنجرة جبّارة.. مجوف لحمي يبتلع الكائنات، كهف أو طبل..

حنجرة جبّارة؟ هي مألوفة له: "حنجرة عسكرية مثل مارش"..

راح صوتك..

وأبى أن يعترف. ليثبت العكس حشّد صوته مجدداً وقاد المظاهرة مستعيناً بقبضة تهوي في الفراغ مثل مطرقة. صوته، بالفعل، مثل مواء قطط ولدت للتوّ، بالكاد يخرج.. لكنه مسموع ويرددون الهتاف من خلفه.

حدّق فيه وقال له إنه مخطئ، فصوته قويّ..

تملّقه الآخر فتراجع عن قوله السابق بآخر مناقض:

حنجرتك مارش عسكري!

أعجبته الفكرة التي أزَّت في فيه، فأعادها:

حنجرتك عسكرية!!

ولكي يثبت له صدقه، ربت على كتفه.

صوته..

صوته لا يمكن أن يذهب أبداً..

الصوت واللسان..

ماذا حدث معك وما الذي تفعله الآن؟

كيف يقول له إنه لم يعد مسؤولاً عنه دون أن يجرحه؟ كيف يبلغه بقرار النقل؟

لا شيء.. أكتب الآن شعراً.. أنا متأكّد أن أحدهم سيتكلم معك.

أجاب بمرح. ولكي يؤدي دوره حتى النهاية، أضاف:

أنا لا أعرفه، ويجب ألا أعرفه، لهذا فمن واجبك أن تحافظ على سرّيته.

كان يكذب. يقدّر سلفاً من هو المسؤول القادم.. لأنَّ المراتب التنظيمية تعمل بنسق معيّن من المخاطرة يجب أن لا تتجاوزه، التنقلات تتم بين المراتب الشقيقة والتي تجمع بينها روابط الخؤولة والعمومة داخل القطاع التنظيمي الواحد، إلا إن تبدلت المنطقة جذرياً أو تبدّل الإقليم أو طرأ طارئ، كالموت أو الاعتقال الطويل..

نادر:

لك تجربتك، لكنّي أخشى أنه يتوجب عليك نسيانها من أجل أن تستطيع الانسجام معنا، فهناك ما هو أفضل.

نسيتها بالفعل.

واثق؟ لا أريد أن تبحث عن تكرار ما أو تعويض.

تعويض؟ لا شيء يعوض عن آخر. ثم إنه لا خيار أمامه. إمّا أن يستحيل فكرة حقيقية حتّى النهاية أو يتلاشى، ولا يستطيع أن يتلاشى الآن. لم يعد يهمّ إن كان التنظيم هو ذاته أو آخر أو مجرّد مجموعة لم تعد تكترث بالتنظيمات، إلا بقدر ما تساندها الأخيرة.

ثق بي.

أنا أثق.

كل ما يخشى منه أن لا يتصلوا به فعلا. ستكون إهانة مزدوجة لهما.

شعر، بعد النضال؟

حسناً.. بحثت لنفسي عن لسان آخر.

وكانت، بعد أسابيع، "المزدوجة". لمحها في نظرة الأسى التي تحتلّ ملامحه كلما تصادفا في الشارع. لم يعد يستطيع شيئاً. ربما أخذوه بجريرته هو.

وماذا كانت جريرته؟ أنه، قبل فترة طويلة، اعترف؟

طنين.. حركة.. ربتة.. نقرة، وكان كائناً بشعاً.

لا يستطيع حتّى أن يدفعه بقبضة تراب.

هل تبع ملكَ الموتِ أم ملكَ الدمِ؟ وكم مضى من الوقت؟

لا بد أنّه وقت طويل ليأتي الغرّاب. هذه ناحية لم تخطر له.. ناحية..

أهو غراب حقّا؟

يعجز عن رؤية شيء. الرمادي الكامد، النقاط الفضية، صارا سواداً بالكامل.

ونقر الشيء في جرحه المفتوحة، فندت عنه صرخّة جافة قلعت زلعومه فتوتّر مثل ذيل أفعى الجرس، وتفجّر الوتران..

كانت صرخة هائلة و..

غاب.