الفصل الأول
افسحوا لي الآن..
في أي مكان..
في حقائبكم الجلدية، في جيوب معاطفكم، في شقوق الكراسي، في الدائرة المفتوحة من الرقم 9 أسفل بطاقاتكم الثبوتية..
لا يهم، المهم أن أستريح الآن فقط..
تعبت من كل السنوات التي وقفتها متنقلاً من طاولة إلى أخرى، كذبابة لا تكف عن الطنين، كلما جاءها نبئ عن منفذ لقمامة..
لا أريد أن أظل كإبرة نسيتها خياطة عجوز، بطرف قماش، كنتوء زائد يربك حتى الكلمات التي تتشبث بالنواجذ كي تظهر..
يابس هذا المساء ككل الأيام التي انتهي من أوزارها حاملاً كوباً من الشاي أدلقه في فمي وأمضي إلى سريري منهك الأعصاب لألتقي بشياطين أعرفهم جيداً كل صباح..
خمسة،عشرة،خمسمائة ولتذهب كل البورصات حاملة أرغفة الصغار والمعوزين وأصحاب الفاقة،وليعش ما سواهم، سدنة البذخ،الذين تتأرجح معاطفهم من ثقل المال..
لم أكن حسوداً يوماً من الأيام،كلا ولم أكن قنوعاً،كان يكفيني في كل يوم أن أعرف كم على هذا أن يبذل وعلى هذا، وعلي بعد كل هذا أن أجمع قسمة هذا وقسمة ذاك الذي يمضي، وهو يشير إلي بإصبعه الأوسط، ليخبرني أنه لم يعد لي الحق أن أطلب منه ما ليس من حقي سلبه، ثم أسلمها إلى الرجل الجلف الذي يأخذ الجباية مني عن يد وأنا صاغر، وكأنه يمسك بكتاب يملي عليه مثل هذا التعسف الطلبي.
اللعنة لا تكفي لكي أكون على مقربة من نفسي، في كل يوم أفقد مني جانباً كنت أهيئه للرجوع يوماً ما.
اللون البني الفاتح، رائحة القهوة، المفتاح الذي علي أعتني به كما يعتني بشاربه هذا الشرطي، القابع أمامي كل يوم، المصابيح التي يبدأ عدها التصاعدي بمجرد دخولي هذا المكان المقفر بالنسبة لي، المليء بالضحك والنكات القذرة معية كل طاولة بالنسبة لهم.
هنا عليك أن تفصل بين ما( هُم) وما (أنت)، يجب أن تدرك جيداً أن عليك أن تبدل سحنة وجهك في الدقيقة الواحدة ثلاثين إلى أربعين مرة تقريباً، عليك أن تحيي هذا بوجه مشرق، وأن تظل محتفظاً بسحنتك المتأثرة حينما يشير لك هذا العجوز بأنه نسي محفظته كعادته دوماً، تتذكر في اللحظة ذاتها أن حذائك ضيق وأنك لم تزل ربطة الحذاء قليلاً كي يريح قدمك التي نتأت عظمة المقدمة من الجانبين، لتسبب لك الآلام التي تكرهها من جديد، كل شيء هنا معرض للاستبدال حتى أنا وإن كنت أبدو كثور عتيد لا يكف عن الدوران كلما رأى لوناً احمر يلكز به أظلافه، مع فارق بسيط بيني وبينه، هو أنني أقسم شعوري بين النيل واللانَيل بحفنة من النقود، لا تكفي حتى لغسل وجهي بصابون جيد مدة شهر بأكمله، معرض لسبابة تشير لي أن أرحل دون صوت،الحياة ليست سوى روائح كلما انتقلت من رائحة جذبتك رائحة أخرى لتصاب في النهاية بحساسية في الجيوب الأنفية/الموت وفي أحسن الأحوال المرض.
بذر الريح
اليوم يا أبي أخبرتني أمي، أن علي أن أساعدها، وأني منذ اللحظة قد خرجت من نفق نحو آخر أكبر سعة منه، نفق اسمه الشباب..
لا أدري أين سمعت كلمة نفق، لكني أحس أن الحياة كلها أصبحت نفقاً منذ ابتعدت عنا، لو كنت هنا يا أبي لعلمتني ما أفعل بهذا السائل الأحمر، أو تلك الكدرة الصفراء التي تخرج مني، ولا أملك لها جواباً؛ لأنه وباختصار شديد لا يوجد أحد أستطيع أن أصارحه سواك.
اليوم يا أبي رأيت في نافذتي، عصفوراً جريحاً، لم أساعده كما علمتني، ربما تعلمه الحياة أن يعيش وحيداً، وأن يعالج نفسه بنفسه، كما أنا مع غيابك.
صرت أكره الصباح، رائحة القهوة، اللون الأزرق، الكتب ذات الأغلفة الجلدية، لأنها جميعاً تذكرني بك وبما كنت تحبه بالقرب مني.
عندما ذكرت اسمك بالأمس، ضربتني أمي، وأمرتني ألا أذكره مرة أخرى، هل رأيت يا أبي كيف أعيش النفق جيداً.
حتى أنت لن تعرف هذا!!!
لماذا؟