الفصل الثاني
ككل الأشياء التي تتراكم داخل سياقها الوجودي، وجدتني هنا دون أي مبرر، أو سبب حقيقي يدعوني لكل هذا العنت اليومي، أفكار مثل هذه لا تساورك إلا وأنت تقضي حاجتك في دورة المياه، ربما لأنه الوقت الوحيد الذي تتصالح فيه مع نفسك وتتوحد مع حاجاتها، دون أن يقاسمك الآخرون بوصايتهم الكريهة ونظرياتهم المقززة، ما تفكر به وتُسَيِّر به حياتك، لا يوجد الوقت لتقول لنفسك لماذا أنا الآن هنا، ولماذا بالذات بعد ثلاث سنوات من العمل، ستنتهي أفكارك بمجرد أن تغسل يديك وتخرج من دورة المياه بجسد خفيف وعقل مليء بكل الأعباء العملية التي ستخوضها وستظل تخوضها في اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة.
آخر مرة أخذت فيها نفساً، كان حينما وقعت مداهمة لهذا الحي، وتفرق الناس إلى أفواج مسرعة، فارين إلى بيوتهم، حينها فقط، استطعت أن أجمع أفكاري وأبدأ بعصر كل هذه السنين، كثيراً ما أسأل: من قال بأن اليوم 24 ساعة فقط، أنا أعمل في اليوم أكثر من ثلاثة أيام للفرد الواحد، أستيقظ في الخامسة صباحاً، لأكمل مسح وجهي في المقهى، وألبث هناك النهار كله، حتى الواحدة بعد منتصف الليل، وهكذا دون أن يكون لي الحق أن أسأل: لماذا؟ لأن المال سيجيبني بالنقص، كم هو مبهج أن تكون قيمتك بضعة دراهم، لتدخل في مساومة مع نفسك تنتهي بخسارتكم جميعاً.
أنت هنا ملك الوقت، وحدك من يعرف كم يكون لكل الأشياء مدة زمنية، حين يطلب منك أحدهم قهوة سوداء، فإنك مباشرة تتذكر الرقم ثلاثة، أي ثلاث دقائق، دقيقة لتحريك يديك محركاً الآلة أو محضراً الأكواب، ودقيقة لتسخن القهوة، ودقيقة لذهابك ورجوعك، كل شيء في ذهنك له وقت محدد، لا ينقص ولا يزيد، فتح الإضاءة يحتاج إلى ثانيتين، وحين تكون مرهقاً فإن ثانية جديدة ستدخل في حسابك، وهذا يسبب لك ضيقاً كبيراً لخرقك قيمة الوقت المفروض عليك، الشاي المغربي يحتاج إلى خمسة دقائق، الماء يحتاج إلى ربع دقيقة، الكروسان، الدونات تحتاج إلى ثلاث أرباع الدقيقة، وإذا ما خالفت الآلة ترمومترك الزمني، فإن بقية اليوم ستكون في اتصالات مكثفة مع المسئولين في الشركة، والتي خصصت موظفاً مستقلاً لمثل هذه الاضطرابات لك وحدك، لا لشيء سوى أن تكف عن إشغالهم عن أعمالهم الأصلية، هذا الوقت لا يهم أحداً سواك، لأن هذه الأشياء ببساطتها الفائقة تعني أنك ما زلت قادراً على التلذذ بكل تفاصيل الحياة، حتى الزمن الفاصل بين أن تنحدر القهوة إلى الفنجان، هذا الخيط الرقيق من السائل، هو في النهاية الغاية الوحيدة التي أسعى لأن أعرف كم تتأثر المدة خاصتها حسب حركة اليد المسببة لهذا الصب.
إننا حين نعرف كيف يسير كل شيء حسب وقته المخصص له، فإنا ندرك معنى أن هذا الشيء قبل أوانه، أو قد فات أوانه.
هنا تماهيت مع كل التفاصيل، حتى تلك التي تتكوم أسفل المقاعد كنت أعيش معها لحظات السقوط من الملابس أو من طرف الطاولات، لكل جزء من هذا المكان رواسب في نفسي، ربما لن تخرج، وربما حين يكون أوان البوح قد ابتدأ، بالأمس نسي أحدهم علبة سيجارته لمجرد أنها انتهت، أستغرب من هؤلاء كيف يتركون تفاصيلهم نهب القمامة، أو في متناول الآخرين، الآن عندي مثل هذه 60 علبة جمعتها خلال أسبوعين فقط، هذا يعني أني بدأت أعرف كم على كل واحد من هؤلاء، أن يستهلك من التبغ بحسبة بسيطة، لا تستغرق سوى عدة دقائق، في علب السجائر أخبئ قصاصات الأوراق التي أكتبها كل يوم كمحصلة نهائية من حصاد الأيام الذابلة، كتبت مرة:
" حين يمرون، يتركون سحناتهم البائسة على الأكواب، لأظل الليل بأكمله أعالج وجوههم بالصابون وبالذاكرة، ويستعصي الأمر كلما وجدت كدمة تظلل وجوههم"
ومرة:
" الباب ليس ما يدخله الناس، الباب ما ينسونه من أياد تطرق الذاكرة أبداً"
حتى إذا ما امتلأت العلب بالقصاصات، مخبرة عقلي بأنني قد عشت ستين يوماً بذاكرة كتابية، ابتسمت وألقيتها في صندوق معدني مخصص لبقايا الذاكرة التي تنسى في مدينة كهذه، وبدأت أكمل العلب بقصاصات أخرى، لكل شيء من هذا الوجود منفعة مستترة، بمجرد أن تُقلب تتحول إلى عبئ إضافي، ومن ثم فلا يتبقى سوى النسيان أو التهميش رديفاً لهذه الجماليات المستترة في باطن هذه السطحيات.
الزبائن هنا ليسوا بمعزل عن كل هذا الانتماء للتفاصيل إلا أنهم مجرد عابرين يتركون على مقاعدهم أكوام الغبار لألعق بأصابعي ما بقي منه، الغبار سيرة كاملة، هذا اللون الرمادي المتدرج نحو الأسود، كان رديفي منذ اللحظة الأولى من تواجدي في هذا المقهى، في أول يوم أتيت هنا، لم أكن لأحسن التعامل مع طبقات الناس وخصوصاً أولئك المتعجرفين الذين تسحقك نظراتهم بمجرد تنظر إلى وجوههم مباشرة، ومن دون تذلل، حينما انفض مجلسهم وحان موعد ذهابي، أغلقت الباب ورائي، وذهبت لأكمل دورة الليل وحدي، في الصباح كان أول ما لامس أنفي رائحة الغبار، النافذ من شق الباب بعد ليلة عكرة، لمست أول كرسي بسبابتي وجلست دقائق طويلة أنظر إليها، شعرت بها تخاطبني، أحسست بأن ليلتي لم أكن نديمها الوحيد، كان هناك أيضاً من لا ينام إلا حين نمسه نحن، لنميته، الغبار حياة الأثير، لكن من يملك للأثير حقوقه؟ لم أجرب يوماً أن ألعق هذا الغشاء الرمادي الداكن، لا استقذراً كلا، بل لأني أخشى موته فأتركه لبقية يومي حتى أضطر لغسله حين يكون علي أن آكل، والذي لا يأخذ منه جوفي سوى وجبة واحدة في منتصف النهار.
الزبائن قادمون، هكذا تحدثني وقع أقدامهم، هذا الوقع الموسيقي الذي التحمت به، فأصبح تسليتي الوحيدة، أعرف أن هذه أقدام خالد أو رائد أو ذاك البائس الذي لا يفتح لي مجال الحديث معه، فقط يشير إلي من غير كلام لما يريد، مع أني أتربص بعينيه التي تحاولان فتح الحديث معي، لولا وجود هؤلاء الزبائن المرتكزين على كراسيهم، كملك يخشى إفلات مملكته لمجرد ذهابه إلى نزهة قصيرة، مع هذا فإني غير مستعجل لهذا الحديث؛ لأن مجرد هذا التواصل البصري كاف لإزالة العوائق بيننا، حتى إذا ما تم الحديث كنا قد قضينا النصف الأول الساذج من كل علاقة، والذي يسرف فيه الكذبة ليبرهن كل واحد للآخر، بأنه أكثر رزانة وبصيرة بالعلاقات الإنسانية.
هذه الأيام لا أدري أي شيء أصابني لأصبح بكل هذا الامتلاء الذهني في الفترة القصيرة التي تفصل بين فتح المقهى صباحاً وبين حضور أول مرتاد لهذا المكان القصي.
الأمكنة وكما أعلم لا تخضع لأي نظام ذوقي، سوى المصلحة الشخصية والتي ترتفع فوق أي سقف اجتماعي أو أخلاقي أو ثقافي أو اقتصادي، لذا فإن هذا المقهى يقع على شارع عام، مكتظ بالمشاة والسيارات، دون مراعاة للأثر الذي يسببه مثل هذا الموقع والذي لا يصلح إلا كمضمار للمشي أو للدراجات، لكن أسئلة كهذه هي كالغيبيات التي لا يحق لنا أن نتكلم بها أبداً، ساحة متوسطة الحجم يبلغ عرضها من 5 إلى 6 أمتار تتوسطها واجهة بزجاج مُطَعَّم بالديكور الخشبي، على شكل أمواج من الأسفل و من الأعلى يأتي كإطار ينحدر تحته الزجاج إلى أدنى نقطة من الواجهة، تترامى في الخارج 12 طاولة من الخيزران وطاولات من الزجاج ذات الحواف المعدنية، ثم في الداخل توجد خمسة أرائك مفردة واثنتان مزدوجة، ومن ثم طاولة بنصف دائرة تتمدد في المنتصف، تتعامد معها عدة كراسي من الصنف الطويل، والتي تخصص سابقاً لأولئك الذين يَدَّعون " الكيف " والآن لمن يعشقون النظر لتصليح القهوة وباقي المشروبات، تمر علي كل يوم أصناف البشر بأسرها، ومن هنا يبدأ فرز كل شخصية للتعامل معها في النهاية بحياد تام، أميل لأصحاب البشرة السمراء ربما لأنهم يتركون في جيبي كثيراً من الابتسام والحلوى الروحية، التي أخبئها كي أكمل معها بقية الليل وما يساورني من كدر، أخاف طوال القامات والقصيرين كحد سواء، يذكرونني بأن ما قارب الأرض زاد شره والتبست نيته، وأن من قارب السماء اكتنفت أرواحهم الفراغ كالسنابل التي تعلو بقامتها وهي مصفرة غابرة، أحب التعميم، أعشق تلك الأحكام التي أخضعها على الأصناف جميعاً من أجل أن أبرهن لنفسي صدق حدسي بكل هؤلاء، الحدس هو الآلة الوحيدة التي يتخذها الغرباء كعكاز يتكئون عليه في وحدتهم المريرة، الليل، والماء، والنساء اللاتي يمررن من أمامي، كل هؤلاء يعززون معنى أن تحدس فتصيب.
الثرثرة مع الذات، السبيل الأمثل لتجاوز أي عرضة للإصابة بمرض نفسي أو وسواس، أو حتى العيش في أكثر من مكان وأكثر من زمن وأكثر من شخص، الحياة تبقى في ريعان تجذرها فيك، ما لم تصبك بعارض من النفس، فتنساك الدنيا، لتودعك قفص الانطفاء البطيء، لأجل هذا أهتم بهذه الأوعية الفخارية التي تقف في وسطها أنواع من النباتات الخضراء والتي تقارع بأغصانها الريح، كما أفعل أنا تماماً مع هذه الغربة.
بين رائحة القهوة ورائحة سجادة أمي، ما بين راحتي اليمنى وقدرتي على لمس الفقرة الثانية من عمودي الفقري، المسافات لا تعد مشكلة في هذا العالم، كل مكان هو أقرب للآخر إذا اصطفيت له وسيلة نقل، كافية لمثل هذا الوصول، لكن مع هذا تفر منك إمكانية مثل هذا الحلم لمجرد تذكرك أنه لا مكان سوى هذا يستقبلك ويريق عليك بعض المال، الذي يقيم أودك لإكمال الحياة بسلام، مبدأ بعض الحريق أهون من بعضه، هو البيدق المتاح في رقعة الحياة هذه، تقاس شروط عيشك دائماً وفق عنصر مرتبط مباشرة بمكان عملك، هنا لا مكان للمرض أو لالتواء الكاحل، أو لتمزق في أربطة الركبة إثر سقوط آلة القهوة عليها، حينما كنت تنظف ما تحتها، لا رحمة في مثل هذه الأمور، لذا عليك أن تكون مستعداً لأن تبدو كحصان سباق وأنت في أشد حالات ضعفك، إن لم تبدو كفراشة تنتقل من طاولة نحو أخرى وإلا فإن المكان لا يحتمل جوامد أكثر من هذه القطع التي تملأ فضاء المقهى، أجمل ما يُكَوِّنه هذا العمل: التجربة، ستجرب كيف تخلط البيرة مع القهوة السوداء، أو عصير الليمون مع القهوة المثلجة، ستتمدد على رخام المحل ورجليك تحملان كرسياً، ستحاول أن تجرب أن تضع رأسك إلى أسفل ورجليك تتشبثان بمقعدة الكرسي الطويل بوضعية مُعَلَّقة، ستتصالح مع نفسك بقدر الجنون الذي تمارسه، لا أحد باستطاعته كشف ما تفعله، أنت وحدك من يجري كل شيء هنا باستثناء، الاستفراد بكل المال. الأربع ساعات اللاتي أنامها في حجرتي الباردة تبقى هزالاً لا يسمن ولا يغني من أرق، أعلق النعاس بعيني ثم لا ألبث أن أطرده، الأرق هو أن تتجاوز موعد نومك دائماً، لتجد أنك في النهاية قد تلبست وضعية الصحو في كل أحوالك، تكتفي بقليل من النوم، مع كثير من فقد أعصابك التي كانت معروفة ببرودها التام.حين تخترع لك قوانين مجنونة لأيامك فإنك تتلذذ بكل دقائق حياتك، حين أستيقظ من نومي صباحاً، يحلو لي أن أمارس الكتابة على المرآة، أفتح صنبور الماء الحار، وأبدأ بكتابة الأشياء التي علي أن أفعلها في هذا اليوم، وتحقيقاً لرغبتي في قتل الروتين فإني أهتم بأن أضيف لي شيئاً جديداً كل يوم، أكتب مثلاً:
" جرب أن تموت، تظاهر أن تموت وأنت تضحك، مارس رياضة الجري في مكان لا يتجاوز متر ونصف، أضف على كل جملة تقولها للزبائن كلمة (واحد)، لا تهتم إذا زاد منسوب الماء من أعلى فوهة الأصيص"، وإذا امتلأت المرآة بالكتابة، فتحت الصنبور من جديد، وهكذا حتى أكتب كل ما يكفي ساعات العمل، يعجبني القلم الأحمر، لا لأنه كان رفيق علاماتي في كل سنوات الدراسة، ولا لأني أحب الدم، الأمر يتجاوز هذا كثيراً، اللون الأحمر يذكرني بوصايا جدتي حين كانت تقول:
" كن مثل النافذة، إن أغلقتها اكتفيت بنفسك، وإن شرعتها امتلأت بالضوء، احترس أن تكون باباً، الأبواب شيء قذر فتحه وغلقه واحد، حين تنام لا تطفئ الإضاءة، تابع خيوط الضوء وستجد أنها توصلك إلى عمق النوم، لا تهتم بما يقوله الآخرون، اهتم بما تقوله يدك، اليد مكان السر، والسر بوصلة الدرب..."، أتذكر أني كنت أستمع إليها وأغرق في تلاطم هواجسي، اللون الأحمر هكذا يجعلك تجوس ذاتك، تحفر عن كل ما تخبئه عن اللون الأسود أو الأزرق أو حتى الأخضر الذي يبعث في نفسك الشعور بأن هذا اللون لا يصلح لغير النبات، الأحمر ذاكرة وأجمل ما في الإنسان ذاكرته، هل باستطاعتنا أن نمضي دون ذاكرة، لو كان بإمكاننا، لرسبت رؤوسنا في الوحل ولامست أرجلنا الهواء، وبتنا نسير بوضعيات فانتازية، بالذاكرة ثرثرت حتى نسيت أني أتحدث عن نفسي وعن نفسي فقط.
بذر الريح
ليس الآن يا أبي..
ليس الآن وأنا في أقسى حالات الوحدة يعبرني طيفك، لماذا يا أبي كلما حاولت قبرك في تربة النسيان، أقبلت من جديد، وفي كل مرة تجيئني بزي مختلف، المرة الأولى حين أتيت، كان الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أتيت تحمل في يدك ثمار المانجو، ترتدي بزة رمادية، وتعتمر قبعة بنفس اللون، لم يتسنى لي أن أنظر إلى حذائك مع أني كنت أول من يبادر لمسح أحذيتك الجلدية، والتي تهتم بأن تكون دائماً بذات اللمعان حين ابتعتها أول مرة، اليوم أتيتني في الواحدة ظهراً، لم أسمع من قبل بأن هناك زواراً يأتون في النهار، كل أولئك الذين يأتون والذي أنت من ضمنهم لا يأتون إلا في ساعات متأخرة من الليل، لماذا يا أبت أتيت في هذه الظهيرة القاتلة، هل أصابك شيء، لن تعرف أن ابنتك قد تُركت في بيت جدتها لأبيها، وأن أمها تخلت عنها بعد أن تعذرت بانشغالها بعملها الجديد، لن تعلم أن أمك والتي أتفانى في مساعدتها، لا تفتأ تذكرك ، وأن الحرَض والهلاك باتا أقرب إليها من نفَس صدرها، كل هذا يأتي بعد رحيلك يا أبي، هل ستصدق أن الذي كانت الدنيا تتمايل بجدائلها عنده، أصبح مجرد عابر في الذكرى، ولا أحد يعرف ما الذي دفعه لكل هذا، أتيتني اليوم وأنا أسبح في عرَق الوحدة، بعد أن باتت الشمس لا تؤثر سوى في سحنتي المتآكلة التي تأخذ كل يوم ملمحاً جديداً من اللون الأسود.