الفصل الثالث:
لم يسقط برج إيفل، كلا ولا حمائم مدريد، لم تمت أيضاً مساحات التشيك الخضراء، كل ما هنالك أني نتأت هكذا، أتتبع ذبالات المصابيح، حين يكون أول كائن حياتي أراه، هو هذا الضوء الذي يملأني بالسكينة، ومن ثم ألكز قدمي وأتجول في هذه الشوارع الخالية إلا من مرتادي الليل.
يسمونني البومة، وتسميتهم هذه قائمة على المفهوم القاصر للبوم، وهو التوقيت الليلي للخروج إلى أي مكان، لكن لم يعلموا معنى البوم الحقيقي، وهو مراقبة كل ما يتحرك أمامها، وحفظه في ركن قصي عن متناول الحكي أو الزلاَّت اللسانية، من هنا بدأت حكايتي مع هذا الليل، الليل الذي تتعرى فيه المدن بكل شرود، الليل وفورة الرغبات المكتومة، الليل وسرَّاق الفرح، الليل والمواربة الفجة، الليل وهو ينسى نفسه في نفسه، حكايات الليل لا تنتهي، وفي مدينة كهذه فإن لليلة الواحدة ألف حكاية، تكفي سرد تاريخ كامل من الدهشة، ولأننا موتى، فإنا لا نشعر بأن لسان الليل قد لعق كل أطباق انتباهنا للتفاصيل، ومنه بدأ الليل يتمدد حتى جاوز اللسان إلى اليد.
سيكون من الساذج أن أحكي عني، لأني دوماً أترك مثل هذا للآخرين، لأنهم يتلذذون بسرد شرودي وهذياني المتواصل، فقط لكي أوصلك إلى خيط تستدل به علي، حال هروبي منك، هو أنهم يقسمون أني مجنون وأن عقلي قد سرقه جني نسي مفتاح حصنه في الريح، ومن ثم استمر محبوساً هناك حتى يجد المفتاح أحد ما، أو يجيء موتي، أكتفي مع كل هذا بصمت مطبق لأني أعيش في عالمي الخاص، دون أن أتماس مع أحد منهم سوى واحد، ربما شعرت أنه يستهوي انتباهي لشيء ما، وهذا له قطع كثيرة من الروح، لست جاهزاً لأن أتكلم عنها على الأقل الآن.
خيوط حذاءه المتدلية لم يكن من المتوقع أن تكبده خسارة سن واحد، شرخ في منتصف الرأس، ودم كبير كانوا يستعطفونه أن يتبرع به لعمه المسكين، أن تسير هذا شيء، أما أن تسقط فهذا شيء آخر لم تستعد له، هكذا كان يقول وهو يبكي، الجميع يسقطون، ولم ولن يكون هذا أول وآخر متعثر بنفسه، لكن ما استفزني لحالته، فداحة الفلسفة التي ظل يهذي بها هذا المصاب، مما جعل الناس يهربون من عنده، لأجد نفسي في النهاية مجبراً على التعاطف كي أظفر بقصته، وهل كان هذا الهذيان نتيجة الصدمة، أو أنه أمر طبيعي يسير على ما كان عليه قبل الحادث، حين جاءت سيارة الإسعاف، أصررت على مرافقته، مما جعلهم يحذرونني من خطر مثل هذا، وأنه سيضطرني للمسائلة أكثر من مرة، إلا أنهم رضخوا للأمر، بعد إصراري الشديد:
" سن واحد يعني ذكرى كاملة سقطت، دم كثير يعني أن أمي لن تسمع صوتي لأكثر من سنة، شرخ في الجمجمة يعني أن السائق سينسى صنبور الماء مفتوحاً ، وستغرق النباتات التي في المنزل، لأكثر من مرة أخبرتهم أن الأحذية متى ما طال مكثها، فإنها تحقد على صاحبها وتلقي به في متاعب كثيرة، ابتداء بآلام القدم وانتهاء بسقوط مفزع مثل هذا، أنا لا أندم لأني سقطت، أو لأني فقدت سناً من أسناني التي أهتم بتنظيفها كل يوم، أو لذلك الشرخ الذي اعتلى جمجمتي، ما يزعجني هو أني انتقلت من شخص مسالم إلى شخص مستفز حتى للجماد، وهذا يعني أني أحتاج إلى جلسات طويلة مع النفس، كي يخرج في النهاية واحد منا لا أكثر، تعدد الشخصيات شيء سيء حقاً، وهو دليل على إمكانية الإصابة بأكثر من عطل نفسي، ينتهي بي إلى مصحة نفسية، لا بد أن شيئاً آخر حدث في هذا الصباح، أتذكر أن ابن جارنا استنجدني لأن أخرج له كرته العالقة في أغصان الشجرة، لكني كذبت عليه وأخبرته بأن الكيس الذي في يدي، سيفسد بمجرد أن أتركه بضع دقائق معلق في الشمس، أتذكر أن زوجتي حين أمرتني أن أذهب بها إلى زيارة أختها المريضة، تعذرت بأن وقود السيارة انتهى وأن المحطة مغلقة للتعبئة، بمثل هذه الأعذار الواهية جداً، ابتدَأ صباحي، هل يكون لمثل خطأين فقط، كل هذا العقاب، ربما، لابد أن أعرف الآن حسبة كل خطئ ومن ثم قسمته على عدد الإصابات، ثم طرح الباقي كزيادة مني، تبرعاً لأي عابر سبيل سيخرج لي، أحياناً الإصابات لا تقدر بوقعها الحسي والمعنوي، بل تقدر بحجم الحسابات الخاطئة في القناعات والمبادئ، لهذا فإن مجرد التأخير في مدة بقاء الحذاء داخل الرجل، كان كافياً لمثل هذا، مع أني لا زلت أحس بأنه كان من حقه الذهاب بي إلى مرحلة متقدمة من الألم، كأن يجعل في طريقي نتوءاً حاداً من البلاطات التي أمشي عليها كل يوم في مضمار المشي، لأقع مباشرة على وجهي، هكذا كمثل قطعة عجين في طاولة المطبخ، لأجد أنفاً مهشماً، وأسناناً أمامية كاملة قد سقطت، كان رحيماً هذا الحذاء بحق"
حين أحسست بوعيه، جرَّاء نظراته المستفهمة عن سبب تواجدي، سألته:
- من أين تُؤكل الكتف؟
- من حيث ينتهي خط (الهُم) ويبدأ خط (الأنا).
لا شك أني حين سمعت جوابه، علمت أني لست المجنون الوحيد في هذه المدينة بل هناك الكثير الكثير من هذا الصنف، الذين يترمدون في منافض اللمز، بعد أن تلوكهم الألسن فيذبلون في الوحدة.
الذين يعبرون، لا يتركون رائحة، ولا حتى لون، كل ما يتركونه شرارة في الذكرى، تخرج كلما أوغلنا في نسيانهم، هكذا هم العابرون أبداً، ولأن الكل يتنكر لحياتهم، فأنا أصر على أن أملأ ليلي بهم، لأن الحياة تستمد منهم ومنهم فقط.
يستفزني هذا الليل، أصر على أن أطرق رأسه بيدي ألف مرة على الأقل في الليلة الواحدة، اليوم لم أستطع أن أطرقه بيدي سوى مرتين، كنت مشغولاً مع ذاك النحيل، تتأمل ظله أكثر من جسده؛ لأنه لا يحمل سوى مسميات حواس أما الحواس الفعلية بشكلها العام، فهو شيء يشبه، مسرحيات السيناريو الصامت، ترى لكن لا تسمع ولا ترى كما يرى الآخرون في مكان آخر، وجدته يقلب نظره في الأرض، مرة يميناً ومرة شمالاً، حتى إنه لم يهتم بيده التي ضربت مؤخرتي، حين عبرت أمامه، التفت وأنا أراقب تصرفه الغريب، سألته هل تبحث عن شيء؟ تعلق برقبتي، وبدأ يصرخ، لم أفهم كلمة واحدة منه، كان كلامه أشبه بطاحونة للقهوة، في محمصة مكتظة بالنسوة، بالكاد سمعت كلمة (مفتاح)، أريته مباشرة مفتاح صندوق بريدي، استجمع نفَسه، ثم جلس على طرف الرصيف، وأشار لي بيده أن أجلس بالقرب منه، حين جلست، خرج صوته، كخرير لا تسمع مثله في مدينة مثل هذه أبداً، حتماً ستسمع صوتاً أجشاً، أو آخر مبحوحاً، لكن بمثل هذه الحدة الملائكية لن تجد، دخلت مباشرة في تضارب في العقل، قبل قليل لم أسمع من صراخه سوى صوت أشبه بآلة موسيقية قطعت أوتارها وبقي واحد يعالج نشازه المتبلد، والآن صوت يأخذك إلى حيث بيتهفون أو مارسيل خليفة، قال لي بعد أن أمسك بكتفي، حين تسأل أحداً عن مفتاح ضائع، فإنك تخبره بأن يده ليست يد بشر على الإطلاق، بل يد اصطناعية رُكِّبت حين داهمه حادث مروري، ولأن الأغلب لم يحصل لهم حوادث مرورية، فإنك تكون قد تعديت على حياتهم، وهذا ما لا يرضاه أحد، كنت أفتح فمي حتى كاد فكي أن ينكسر من صدمة الدهشة، ما دخل المفتاح باليد، وما دخل اليد بالحوادث وبالأطراف الاصطناعية، لم يتركني أكمل هواجسي، قال:
" لكل شيء رابط في هذا الحياة، ربما أنت لا تعلم أن رابطك هو أنك مهووس بمتابعة الرسائل، وأن المفتاح يعني لك مباشرة صندوق البريد، أنا بخلافك، المفتاح يذكرني بقفازات كرة القدم، والتي أرتديها دوماً بوصفي حارس مرمى فريق مدينتي التي أنتمي إليها، وحين يضيع المفتاح، وتسأل أحداً عن هذا، فإنه يظن أنك تهزأ منه وتصمه بأنه لا ينتمي للرابط الذي، تعيش ذاكرته وأعماله عليه، حين أخبرتك أنك بمجرد سؤالك عن مفاتيحهم الضائعة، فإن هذا يعني أن أيديهم اصطناعية، لك أن تقول ولماذا التعميم، إذ ليس الناس أجمعهم هم حراس مرمى، هذا لا يحتاج إلى تفسير أو إلى تبريرات، الأمر يتجاوز هذا التعميم، الأمر يشبه كونك في طابور لتفتيش أمني، ثم يؤخرك هذا الشرطي الذي يلبث عند كل سيارة أكثر من ثلاث دقائق، وبمجرد تقدير سريع، فإن أمامك الآن ست سيارات على الأقل، وهذا يعني 18 دقيقة كحد أدنى، ستجمع كل غيظك لترشقه في وجه الشرطي المسكين الذي يؤدي واجباته النظامية كإجراء أمني، حين تصل له لا تترك في قاموسك أي كلمة سيئة إلا وتدسها في تجاويف وجهه المملوءة بالجدري، ينتظر أن تصمت وأنت لا تصمت، وحين تتأكد أنك نافحت عن نفسك جيداً، وأن هجومك سيجعل منك بطلاً يرضي قلوب كل أصحاب السيارات التي ورائك، يجيبك ببرود:
- ممكن إثباتك لو سمحت؟
ستتحرك يدك مباشرة إلى جيبك، وأنت تلعن هؤلاء الذين يشبهون الحمير، حتى بعد أن تملأهم بالتقريع، فإنهم يظلون في أماكنهم دون حراك، اللعنة، أين المحفظة، ستتجمد يدك في جيبك، وسينقلب وجهك بدلاً من اللون الأحمر الخاص بوقت الخوف أو الخجل، إلى أسود فاحم يشبه زيت سيارة، نسي صاحبها تغييره لمدة طويلة، سيبتسم لأنه يعرف إجابتك، ويأمرك بأن تنتحي الجانب الأيمن من الشارع وتنتظره حتى يأتي، لست ألفت انتباهك بعد كل هذا المثال إلى قيمة الحرج، أو الموقف التافه الذي وضع السائق نفسه فيه، بل إلى أن الشارع الذي وقف فيه كان مليئاً بالسيارات المخالفة، فهم جميعهم واقفين، لكن مخالفة كل واحد منهم غير الآخر، ولهذا كان من الطبيعي أن أقول أنك حين تسأل شخصاً عن مفتاحه الضائع، فإنك تصفه بأن يده اصطناعية، لابد أن تكون لكل حبة في حياتك، بيدر تضعه فيها، حتى توائم بين كل هذه المتضادات التي تمارسها بكل بلاهة، انتبه مرة أخرى أرجوك، فليسوا جميعاً مثلي، يشرحون كل شيء يمر بهم، انتبه الآن أرجوك" أحسست بصفعة واحدة في أول حديثه، ثم ما زال يصفعني في كل كلمة يقولها، قمت وأنا أحدث نفسي عن كل هذا الجنون من قِبل البشر، لم أكن أسأل كيف يعيش هؤلاء، بل كنت أسأل كيف يمكن لي أن أصل إلى العيش من خلال هذه الأنماط المختلفة من التفكير، لم أعلم وقتها سوى أن يدي قد حركت الكرسي بغضب، مما جعل سيقان الكرسي المعدنية تصدراً صوتاً مزعجاً للغاية، لتتحول أوجه كل رواد المقهى إلي بسحنات مملوءة بالغضب، هذه المرة لم أشر إلى ما أريد كعادتي مع هذا النادل، قلت له بنبرة هادئة:
- قهوة سوداء دون سكر
- حاضـ ـ ـ ر
كان كل حرف يخرج من لسانه أشبه، بجهاز تسجيل فقدت بطارياته شحنها، لم أعر له اهتماماً له إذ كنت مشغولاً بما فيه الكفاية عن مثل هذه التفاهات والتي لا تهمني أبداً، ماذا يعني أن تعيش مختلفاً عن الآخرين، ثم ماذا حقاً لو كنت مثلهم، الأمر سيَّان، مع أن معايشتي لهؤلاء الغرباء واقعهم، تشعرني بأنهم يعتقدون أنهم يمارسون شيئاً مختلفاً عن المجتمع الذين يندمجون معه في كل تفاصيله، الدقيقة منها قبل الكبيرة، أنظر إلى كوب القهوة وأتذكر، أن هذا السواد هو أيضاً يعيش حياة غير حياتنا، إنه يمر أولاً عبر الشفتين، ليرى كيف تبدو من الداخل مفارقة للجمال الذي يكون في الخارج، ثم تتفحص الأسنان المليئة بالتسوس، وربما اقترحت دون صوت أنه يتحتم الذهاب إلى الطبيب بمجرد أن ينتهي من شرب الفنجان، ستقرأ المكتوب على اللهاة، ثم دون أن تشعر تسقط في البلعوم ثم إلى الأمعاء، لتكون قد علمت كل صغيرة وكبيرة في جسم الإنسان، لا أصدق أن كل هذا يمر بنا دون أن يُكتب عنه، أو يقوله الأصدقاء مع أصدقائهم، مرعب كل هذا التهميش للتفاصيل، والمرعب أكثر أن يستمر النظر إلى الشخص المختلف عنهم، على أنه مجنون أو أنه كاذب، وحين تبدأ الفكرة بالتسلل إلى العقل، يصدونها بكلمة خرافة، كل شيء في هذه اللحظة يسوده الركود، سوى همهمات من المقاعد المقاربة لي، ترتفع تارة وتنخفض في أغلب الوقت، أن تكون وحيداً، مصطحباً معك فنجان قهوتك، تقلم أظافر الوقت اللانهائي، تأخذك الهواجس إلى بحار غير نائمة أبداً، تعيد مشاهدك التي مررت عليها، وحين تنتهي تبدأ بالعد تنازلياً من ألف حتى واحد، ثم تأخذ الصحيفة التي لا تحبها وتقرأ، تسقط عينك من كثرة التقليب، تساعدها على الهدوء، بأن تغمض عينيك قليلاً وتنتقل إلى مشاهد أقل فزعاً، كأن ترتحل إلى جزر الهاواي وتتخيل نفسك تتسلق، نخلة جوز هند، أو تقود دراجة بين الطرق هبوطاً من الطريق الجبلي، دون أن تجد أحداً يلمزك بأنك تقود دراجة، والتي هي من العيب في مدينتك، أفكار مثل هذه جيدة لاستعادة انتباهك لتقوم من جديد للبحث عن عناصر أخرى من البشر، تساعدك على مواصلة بحثك عن ذاتك لتكون مختلفاً بدرجة متقدمة جداً، أحياناً هناك أشياء لا تدعك تكمل هدوئك بسلام أبداً، تلفتك دائماً إلى أنك أكثر من تافه حين تشرد عن تفاصيلها، باتجاه تفاصيل أخرى أقل منها، سقطت قارورة السفن أب الزجاجية محدثة بشظياها المدببة فزع الجالسين، كانت جميع الأنظار معلقة على الطاولة التي سقطت من الزجاجة، والتي لم يكن يستقل كرسيها سوى كهل، بذقن مهمل، وأسنان مشوهة بالتبغ، وعصا يحركها في الهواء، كان يصرخ في الجميع، وهو يردد أن مثل هذا العمل ليس سوى واجب على كل من انتهى من شرب هذا المشروب الكاذب، كان يردد بصوت يعلو كلما استمر في الكلام أكثر، وكأن أحداً ما يحرك نبرات صوته، أعلى وأعلى وأعلى، عاد الجميع إلى سكونهم بعد أن نظروا إلي ونظروا إليه، ثم أشاروا إلى السماء كي تحفظهم من شر مجنونين يجلسان بالقرب منهم، استغليت مثل هذا الارتباك، وأخذته إلى طاولتي، بعد أن طلبت له شاياً منعنعاً، عَلَّ فورة غضبه تسكن، أخبرته مباشرة عن الأدوات التي أستخدمها في قص شاربي، ونوع المعجون الذي أستعمله في كل شهرين مرة وتحديداً وقت العصر، حيث يخف دفق الوجبات الرئيسية في مثل هذا الوقت المنتصفي، كان يستمع بكل سكينة، صرت أسرد عليه أشياء دون مقدمات ودون خواتيم، ومع هذا كان جاداً في سماعه لكل هذا ولم أجد منه لحظة شرود واحدة، بل لاحظت عليه تلك العلامات التي أشاهدها في برنامج تلفزيوني، يتناول التربية والتعليم في البلدان النامية، والتي غالباً ما يتفق المستضافون على بكائياتهم وسردهم التراجيدي، فينتظر أحدهم ليضيف الآخر مباشرة، وكأنها أحاديث فضفضة نفسية لا أكثر، هكذا وجدته متأهباً للحديث، قال بصوت واهن:
" هذا الجيل لا يفقه في صناعة الأشياء شيئاً، هل تصدق أن زجاجة سفن أب تنتهي، هل وصل بهم تقييد حيواتنا حتى هذه الدرجة، أفي كل شيء حد ائتماني، الهاتف، الهاتف النقال، الأطعمة، ال..ال، حتى السفن أب، لماذا وحده البترول من يملك كل هذا الزخم التناسلي، أم لأن لونه يشبه القطط التي تتوالد بالثواني لا بالأيام، حين كنت تفحصت رقم 7 في كلمة (سفن) تعجبت من الانحناء التي تَكَوَّن في آخر الرقم، مثل هذا الانحناء غير مبرر أبداً، الانحناءات التي تكون في الأشياء هي لا تُعَبِّر إلا لمعاني لا تصلح لمشروب مثل هذا، مثلاً الانحناء الذي يصاحب الدائرة هو انحناء مبرر لأن نقطة البدء ونقطة الانتهاء في الرسم واحدة، كذلك الانحناء الذي يصاحب أعلى الأصابع، هو انحناء مشروع، لأنه يفسر نظريات الصعود إلى الجبال ثم السقوط مباشرة في أدنى قعر من هذه الأرض، أما انحناء في مثل هذا المنتج فغير مبرر أبداً، يا ولدي، حين تبدأ بالشرب، لا تنظر إلى وقت فراغك من الكأس، فكر دوماً بكيفية إعادة ملأ الكأس وأنت تشرب، لست أطلب منك أن تضع النادل رهن شربك، كلا المسألة أبعد من هذا، المسألة أنه يجب علينا أن نقوم بمظاهرات تنديدية لمثل هذا العمل الساذج، انتهاء الشيء في عصر المعرفة والتكنولوجيا، يعني أن السوس قد بدأ ينخر في الأشياء الصغيرة أولاً، متربصاً بالأشياء الكبيرة، لذلك تجد أن الأماكن الصغيرة تمتلئ بالناس أكثر من الأماكن الكبيرة، لأن الباب لم يعد يتسع لأحد، وهذا القانون تصالح عليه البرلمانيون، وبعد ذلك كان كل شيء على ما يرام وأن..."
دفعت فاتورتي بسرعة، وهربت من هذا المجنون الذي تجري الكلمات على فمه دون حواجز مرورية، أو فلترة من نوع ما، الحقيقة أن أجمل ما في كلامه، كلمة "يا ولدي" ذكرتني بعصور قديمة تلك التي كانوا يستخدمون فيها شيئاً حاداً، والذي لم أره إلا في الأفلام، يشبه أسماء بعض الناس، والصدق أنه لو لم يكن يشبه في لفظه أسماء أشخاص، لكان في مهب ذاكرتي، ذاك الذي يدعونه "سيف"، أعاد لي قولهم" أنعمت صباحاً" وتلك الأسماء التي تحتاج إلى ترجمة لترجمتها كـ"صعصة"، ربما هي أكلة شعبية، أو رقصة لخيل ما، فهم يربطون كل شيء بواقع حياتي صِرف، هل حقاً كان العرب سابقاً مجانين، ربطهم كل التفاصيل بأسماء ذواتهم، ربما قوَّى هذا الشك في نفسي، وهذا يجعلني في قمة الراحة، أن ينقلب السحر على الساحر، فهذا كل ما ترجوه النفس، إذاً الجنون صفة فطرية، تنتقل من زمن إلى آخر، وحتى لا نُحَجِّم هذا الأمر، فإنا نقول - بوصفي مكتشف لمثل هذا الأمر فلا بأس من تعظيمي بضمير الجمع- أن الجنون يمكن أن يكون صفة مكتسبة بالمران والتدريب، لا كما يرى الشعراء بأن الشعر إنما هو شيء فطري، يتخلق مع الإنسان وقت قطع مشيمته، هذا يعني أن كل هؤلاء الذين يسيرون على هذه الأرض هم مجانين وأن العقل الذين يدعونه، هو جنون آخر، لكنه جنون سلبي، لا إيجابي كسابقه، الأمور تبدأ بالتعري كلما أصررت على أن يكون لك يد في كل شيء، وبما أن ( كل القضايا سقطت، فإنه لا أكثر من ملامسة التفاصيل، والخفايا) والضرب أسفل الحزام كما يقوله عمي البائس، ليس هناك من مكان تسكن إليه في هذا الليل، وأنت قد أكلت تفاحة النوم خلال وقت النهار بأكمله، إذاً لا بد من العودة إلى المقهى، خصوصاً أن قول النادل:"حاضـ ـ ر، كان مرتبكاً دون سبب، ولعلي أختم به ليلتي هذه، بحديث يجمعنا، سهَّل هذا الحديث أن الزبائن يقلون بعد الثانية عشرة، فيتبقى لنا ساعة كاملة، تكفي لأن أعرف كل شيء عنه، لكن لا بد من التأكد بأن المجنون الأكبر قد رحل، طاولة واحد بعيدة يجلس على كرسيها شاب، يبدو من ملامح وجهه والكتاب الكبير الذي يحمله، بأنه يدرس كيمياء، لأن أولئك الذين يدرسون الكيمياء، تبدو على ملامحهم عوامل الانصهار، والبدء في الذوبان تدرجياً، طلبت فنجانين قهوة، وسط دهشة النادل، إذ لا يوجد على الطاولة سوى أنا وأنا، مع ذلك لم يستفهم عن أي شيء ومضى، حين أحضر طلبي، أمرته بالجلوس ففعل، ابتسم وبادرني:
"اليوم أحسست وأنا أكتب على المرآة بأن شيئاً ما سيكون على خلاف الأيام الماضية، ولأول مرة منذ مجيئي إلى هنا، تركت عادة الكتابة، وتركت لليوم أن يفسر نفسه، كانت دهشتي كبيرة، حين طلبت فنجان القهوة السوداء بصوتك خلافاً لعادة إشارتك وملامحك الجافة، بعدها علمت أن المساء سيكون مخبئاً لي فرحة كنت أترصد لها منذ زمن بعيد، كنت أقسم بيني وبين نفسي، أن ما بيننا أقرب من أن نشيح عن بعض، وأن يمارس كل واحد منا بلاهة عدم إحساسه بانتماءه للآخر، مرة كتبت في قصاصة لي:
"هذا العابر والذي يجلس بمجرد الليل وينتهي بمجرد الليل، هو أنا الذي يتحول إلى شخص آخر"، دائماً ما نكون موزعين بشكل ما غير مرئي في آخرين يشبهوننا في كل شيء سوى تفكيرنا، مع هذا فإنا نندمج معهم، غير آبهين بالفرق الذي يفصل تفكيرنا وتفكيرهم، لأن النهاية واحدة، التفاصيل.
لكل شيء وقته المحدد، متى ما تقدم أو تأخر فإنه يفقد طعمه الأصلي، ويتحول إلى مجرد هامش، غير محسوب من ممارسة الحياة، كنت أتتبع تلك العلامات التي تلوح على قسمات وجهك، أترصد كريختر شعوري كل ردَّات الفعل التي تكون غالباً في العينين والحواجب، كل هؤلاء الذين يتسمرون في هذا المقهى، ليسوا سوى مسامير زائدة في عدد هذه الكراسي، يتركون كل أشيائهم هنا، حتى روائحهم النتنة ينسون أخذها معهم، لأدخل مع الكراسي في سجال تنظيفي مضنٍ، لكن مع كل هذا الكدر، كنت أرى أن انسلاخي الوحيد هو مع هذه التفاصيل التي تملأ المقهى، وجلساتك التي تضفي عليها بصَمتك هالة كارزمية، تجبرني على مراقبتها، متى ما تسنى لي هذا"
المتعة ليست أن ترى ما تفعل، المتعة أن ترى نفسك في عيون الآخرين، بحيث تشعر أنك تمارس كل دهشتهم، وكأنك تخلع حذاءك أو ترتدي ثوبك، ولأزيد من ذبذبته، أخذت أنظر في ملامحه، وخصوصاً في أنفه، حين تنظر في أنف شخص ما، فإنك تفقده توازنه، ظل ينظر لي ببرود وهذا ما كنت أتمناه منه، كي أضمن من أنه يصلح لي، وخصوصاً أن كلماته التي سربها، لم يكن فيها مدح أو ذم، كان مجرد استهواء جعله يفكر أكثر من مرة في صياغته إلى تفكير ومن ثم إلى قناعات مسبقة، ما زلت أكرر بحثي لهؤلاء الذين يخطون في هذه الحياة، نقاطاً تسير حياتهم فيها عكس التيار، لتكون لكل منهم جنته الخاصة، التي لا يمكن لأحد أن يشاركه فيها، إلا أولئك الذين يفهمون معنى أن تكون حياتك وفق معاييرك أنت لا معايير الآخرين، من هنا صرت أسأله أسئلة متواصلة، ما إن يخبرني بإجابته حتى أنتقل لسؤال آخر، وهكذا، حتى إذا ما انتهت بي أسئلتي عدت وسألته عن السؤال نفسه طالباً منه أن تكون الإجابة مختلفة هذه المرة، حتى الآن لم أشاهد أحداً يتلاعب بالألفاظ مثله، نظرت في عينيه مباشرة وسألت محاولاً إرباكه:
- منذ متى وأنت تموت؟
- الموت شيء، والسؤال عن الوقت شيء آخر، حين تفهم معنى الموت فإنك تعلم، أن الوقت لا دخل له في مثل هذا المفهوم.
- ومتى يكون للوقت فائدة؟
- حين يكون لك القدرة على الاندماج في أكثر من زمن.
- أليس الزمن وقتاً؟
- ترادف في معنى، لكن تباين في النتيجة.
- لن أحرص على أن أفهم، ما هو الفهم؟
- أن تنظر إلى القهوة باعتبارها إنساناً متخثراً.
- وما التخثر؟
- النائمون في يقظتهم القصوى.
- هل أنت شاعر؟
- لست آلة على الأقل.
- أكره الإجابات المختصر، متى ستعطيني إجابة وافية؟
- السؤال فخ، والفخ تمويه، والتمويه تسلسل غير منتهي من الاضطرابات الشعورية، بعدها لا يكون سوى كلمات قليلة، قادرة على استحضار ردة الفعل المناسبة للجواب.
- ما الفهم إذاً كإجابة مختلفة عن سابقها؟
- أن تعيد السؤال وتنتظر إجابة أخرى، يعني أن تعيش ذات الحياة وتتطلع إلى نتائج مختلفة.
- هل تقرأ؟
- نعم، الغبار، الكراسي، الحقائب، المطارات، السيارات، تبدو كافية لأن أفلسف كل شيء على مزاجي.
- هل تريد أن تضيف شيئاً على ما قلت سابقاً؟
- حين تسأل، لا تفكر في السؤال الذي يسبق الإجابة، فكر بالإجابة التي سبقت السؤال، كل جواب هو سؤال لجواب آخر.
- هل تعلم أني أكرهك الآن؟
- ربما هو عارض سيزول عما قريب.
- أتستهزئ؟
- الاستهزاء نوع من وفاء الآدمي للببغاء.
أعترف أني تعبت من كلماتك، وأن كل ما مر علي من مشاهد وأحداث، ليست بوقع أجوبتك المخيفة والتي تترسب الآن في عقلي الباطن، ستتحمل أي نتيجة تنعكس سلباً على حياتي، أقسم أني أتمنى أني لم أكن قابلتك، الحياة تكون ممتعة ما لم تقابل أولئك الذين يفصدون أوردتك، ثم يخبروك أن لون دمك لم يكن رائعاً بالدرجة الكافية، وأن الشريان الأيسر كان من المفترض أن يزيد لون اخضراره خارج الجلد، ثم في الأخير، يمضون حتى دون أن يرفعوا قبعاتهم إلى أعلى وينصرفون، كم هي تافهة حياتنا أمام هؤلاء، إنهم يعرون ذواتنا أمامنا، ليخبرونا في النهاية أن علينا، أن نحفر قبورنا وننتظر الموت بدل هذا العيش الزائد، طفقت أتابع خطواته وهو يبتعد مبتسماً، يجمع الأغطية، والعلب الفارغة، والأكواب، ثم يبدأ بمسح الطاولات، يلح علي السؤال، شخص مثل هذا، كيف يمكنه حصر كل الحياة في كلمات قليلة، هل حقاً تلبس التفاصيل، تصنع من الإنسان شخصاً خرافياً على الأقل في ذاته، وفيمن يحسون بنشوة مثل هذه الأعمال، السؤال طُعم السؤال، والصنارة لا تخرج لسانها المسموم، كي تصطاد إجابة كافية، فيبقى الفِكر مشغولاً حتى أوان الإجابة، هل علي أن أبدأ الآن بطرق رأسي على هذه الطاولة، حتى أرى الدم أحمراً قانياً، ومن ثم داكناً أكثر، حتى درجة التخثر، بعدها أحمل رأسي إلى المنزل، أو يحملني الآخرون إلى المستشفى"
بذر الريح
أخاف المطر كثيراً..كثيراً يا أبي..
وربما يصل الخوف إلى درجة الكراهية، حين تمطر السماء، يكون للفتيات صدور رحبة عند آبائهم، حتى إذا ما ابتلوا، كانت أيدي الآباء مناشف تتجفف بلل أجسادهن، أما أنا يا أبي، فلا أحد يجفف بلل قلبي، بلل دمعي، بلل جسدي، حياتي كلها بلل، و لا أحد يعرف كيف يجف هذا البلل، مرة كنت أقرأ في كتاب لك تحبه وجدتك قد وضعت خطاً تحت هذه العبارة:
" حين تبتل أوراقنا، نبكي، وحين تبتل معاطفنا نضحك، لكنا لا ندري ما نفعل حين تبتل غرفتنا الوحيدة"
هذا أنا لست أدري أي شيء أفعله في هذا الفراغ، يئست تماماً من مجيئك أو الاستدلال عليك، لكن ما زلت أحبك يا أبت.