ـ 2 ـ
الشمس تغيب قبل الأوان .. هذه هي عادتها دائماً .. والليل يتسلل في بطء كحرباء تتسلق في حذر .. وتصفق أجنحة خفافيش الليل بين جوانحه .. تتكسر لها ضلوعه المخبوء وراءها سر يضطرب في نفسه كاضطراب أمعائه حين يشعر بالقيء والدوار كلما فرغ من عملية جنسية معها ..
زحف الليل لا يتوقف . والهم في قلبي لا يتوقف . وأنا لا أدري شيئاً أثقل من هذا الفراغ الذي توجه نفسي وتسأمه . ويسري لم تأت بعد . والقمر لم يظهر في السماء بعد . وخفافيش الليل بدأت تتصافق أجنحتها .
وينهض من مجلسه الذي تبوأه من ساعة ، حينما جلس مواجهاً للأشجار الجرداء التي بدأت تنمو كزغب العصافير . فحديقة بيته تضم أنواعاً لا حصر لها من الورود، ينسقها ، ويشذب أغصانها في أوقات فراغه ، وحين وصل إلى مدخل البيت ضغط بإصبعه زراً في الحائط الملون فبدد النور ظلام المكان .
دائماً أشعر بالخوف يتسرب في مفاصلي كلما تذكرت الليل .. ووحشية الليل .. ورهبة الليل .. وخوف الليل .. وليل الليل .
انتشر الضوء وتخلل كل الموجودات لكنه لم يستطع أن يتخلل نفسه العليلة .. النور انتشر .. والخوف فيّ لا زال ينتشر . لماذا أرتجف كلما فكرت أني وحيد ؟ وأني أستقبل الغروب بمفردي ؟ وهدوء الليل يتحول إلى صالات صخب للشياطين . وروعته تتحول إلى كابوس يقض مضجعي ويشوك وقاري .. وينسل ينسل .. يحجب عني رجولتي .
نكص من مكانه عائداً إلى حيث مجلسه الأول .. قرر أن يتربع فوق الكرسي العريض ، لكنه لم يستطع ، فضاقت نفسه . كل شيء أريده أستطيع أن أتربع عليه كما على الاعتدال وأنا لا أكره إلا الاعتدال , شيئان متماثلان .. المدرسة والكرسي .. كل منهما يرفضني .. رفضتني المدرسة ، ترفعت بعفوية وغش وخداع .. لكني لم أنل التوجيهية .. مات والدي في ذلك العام .. فاضطررت للخروج من المدرسة لإدارة أمواله وممتلكاته .. أضاعني الليل ، ورفقاء السوء ، ورغم ذلك كنت قوياً .. قوياً .. جبلاً ونفذت بجلدي .. وبنصف أموال والدي وممتلكاته .. تربعت فوق الأموال ، وفوق الممتلكات .. وفوق الناس .. كل الناس الذين يقتربون مني للتعاون معي أو منافستي .. زادت الأموال .. وتربعت أكثر ، وزادت الممتلكات فتربعت في عيون الجميع ، وصرت حلماً يعجز الكثيرون عن الوصول إلى ما وصلت إليه من غنى وجاه .. أما أولئك الذين كانوا يصفعونني عندما كنت تلميذاً في المدرسة استطعت أن أصفعهم مراراً .. صفعات أقوى .. وأقوى . وأدس أنفي في أيامهم ، وأعربد على نسائهم كما أشتهي .. ورغم ذلك .. الحقيرون يتملقونني وهم يعلمون أني نسجت في نسائهم نسجاً غير شريف : مرات ومرات .. وفي الليالي الباردة كان يحلو لي النسيج .. إلا سمير .. إنه الصرصار الوحيد الذي تملص كالرغوة .. رفض الزواج إلى أجل غير محدود .. وراق له أن يكون المحامي الذي يتولى قضاياي ، وإدارة أعمالي ، ورغم أنه كان يدافع عني ضد تلاميذ المدرسة الذين كانوا يعتدون علي وأنا صغير ، إلا أنني كنت أحسده على ذكائه الشديد الذي اشتهر به .. واشتهر في المحاماة .. وتربعت أنا فوقه وفوق كل الذين يصادقوني ويتعاملون معي .. المال يفعل الأعاجيب .. إنه كالسحر الأسود .. والشعوذة .
أطلق حمدي عبد العال لتصوراته العنان ، ورفض أن يلجم فاهاً . وبدأ النسيم البارد يلفح قسمات وجهه القمحي ، ويتخلل خصلات شعره الصغيرة السوداء ، تعلقت عيناه المحمرة الأجفان بسعدانة الباب ، وأرهف السمع ، لكن يسرى لم تظهر جراح قلبي تنفتح أكثر .. هذا الليل يذوب على جوانب دائرة الضوء القوية ، فيتبدد ويتلاشى .. ما أشد فرحتي لهذا الليل الذي ينصرع قريباً مني ويتلاشى دون أن تختلج عضلة واحدة في وجهي .. بعد ساعات سيبدأ منع التجول وهي لا زالت في الخارج .. لعنة الله على الخارج والداخل .. تصلبت الكلمات في حلقه . وتوقف نهر الخواطر المسود ، بفضل اللعنات ، حينما رأى سعدانة تتحرك .. وتظهر يسرى عند الباب لا زالت في دائرة الليل والظلام فمتى تدخل دائرة الضوء ؟ ..
ودخلتها ..
إنها صادقة .. تسريحة الشعر أنيقة .. لكن الوقت الضائع من أجل التسريحة طويل .. وعذابي في انتظارها كبير .. وما يدريني أن تسريحة أخرى في مكان آخر لم تحدث في هذا الوقت الضائع .. والوقت الضائع طويل .. طويل .. يوم تزوجتها كانت حاصلة على التوجيهية فقط ... أو أقول فقط إني برغم الثراء والوجاهة لم أحصل إلا على التوجيهية .. توجيهية الحياة أضخم وهذا ما لم تنله يسرى .. فقد نشأت في أسرة متوسطة الحال ، ومع ذلك دللوها .. وأنا دللتها أكثر .. أطلقت يدها في كل شيء .. ومنحتها كل شيء .
ونهض يستقبلها ..
توقف نبض الشمس ولاذ الناس ببيوتهم ، فالأخطار لا تحدق بهم إلا في الليل ، والسيارات العسكرية تظل تجوب الشوارع حتى مطلع الفجر ، وتمتد يد يسرى تدير مفتاح التلفزيون .. إنها تعشق مسلسلات الرعب والجريمة لأنها تحملها فوق سماوات بعيدة حين أفتح أنا جهاز التلفزيون تنفتح أفواه كثيرة جائعة في المخيم . وأبي الذي مات وهو يكافح من أجل لقمة العيش لم يمت سعيداً . ولا أذكر أنني شاهدت البسمة الحلوة ترتسم ولو مرة .. ولو مرة واحدة على شفتيه المزرقة بفعل التبغ ، وعظام وجنتيه البارزتين تتحدى قسوة تقتير الرزق على المخيم لتصب هناك في مواخير الدعارة والبغاء في أزقة المدن التي يلفها الليل والقمار والبؤس والتشريد . كان والدي موظفاً في هيئة السكة الحديد .. يرقب القطار القادم من مصر كل مساء .. ومنذ توقف القطار .. توقفت أنفاس والدي .
وصل إلى أسماعها مزيج من الأصوات الصادرة عن زحزحة بعض قطع الأثاث .. التفتت ناحية الحجرة التي دخلها زوجها حمدي فلم تر شيئاً ، وعادت تنظر أمامها وشيء خفي يحكم طوقه حول تعبيرات وجهها .. وصوت الزحزحة أطلق كوامن الأشجان في قلبها . حمدي وحيد في الحجرة ، يعبث في مكتبه وأشيائه .. وأنا هنا وحدي أحاول النسيان ، وحمدي غافل عني ، يقف على محطة لا أمر بها . ولا أعرفها . ولا أريدها . إنها محطة الإذعان على صفحة الحسابات التي لا تنتهي وهو لاه عني بأمواله .
وتستمر أصوات الزحزحة ، لكنها هذه المرة أقل حدة .. ناعمة .. ناعمة .. هذا الصوت يضجرني ...
يذكرني بسريري الذي يظل فارغاً من حمدي حتى أنصاف الليالي ، وثلاثة أرباعها .. ومرات كثيرة .. وهو لا يدري وجع اللوز .. ولا شراسة اللوز .. وحمدي لا زال ينتصب آلاف المرات فوق سلة المهملات يرى الأوراق التي أنهى فيها حسابات أرباحه .. وأنا من شهور لا أعرف الرياح ولا الأمطار .
سمعت صوت حمدي ينادي ..
رغم أني أحتقره أهرع إليه , اشتراني بأمواله .
قال بتثاؤب :
ـ فنجان قهوة ..
ـ فقط ؟!
قالتها بصوت ناعم ممطوط .. فعاد يتثاءب مرة أخرى بصوت جهوري .. فتأوهت .. منحها قبلة ، وعاد إلى حساباته .. وانصرفت تعد القهوة .
( لا أحبها . أحب المال أكثر من أي شيء آخر .. المال هو الذي يجعلها تمنحني كل شيء ) . نضجت القهوة ، عادت بها .
لعله يسعد بها الآن .. أتراه يمنحني قبلة ؟! تهللت أساريره وهو يحمل كوب القهوة ( ما أحلى السمراوات ، كثيراً ما تذكرني القهوة بأن عليّ أن أضاجع امرأة سمراء ) .
انتظرت أن يلاطفها فلم يفعل .. اغتصبت قبلة وخرجت ..
ـ كل شئ يغتصب يظل جميلاً ولذيذاً .
ـ لا تنسي أن لذة الاغتصاب لا تستمر طويلاً .
وعادت تتابع المسلسل . تسلل حمدي متلصصاً .
شاهدها مستغرقة .. ( أشاهد في داخلي طبقة زجاج مليء بالعفن والنتانة والقيء .. أهذه امرأة ؟!! أهذه زوجة ؟!!
إنها تمنح جسدها لغيري ، كيف وافقت على خيانتي ) ؟!
وتسلل صاعداً بحذر سلم الدرج المؤدي إلى سطح البيت كانت الأنوار منبعثة من ( الفيلات ) المتناثرة في حي الرمال غرب مدينة غزة . وهناك عند خط الأفق البعيد الذي يتلاقى مع مياه البحر الزرقاء تناثرت الأضواء على صفحة المياه غير المرئية .. الظلام يلف السطح .. أخرج بطارية يد صغيرة .. حجب مقدمتها وضغط عليها فانبعث نور دائري .. وأسرع إلى ركن منزو وأحضر حبلاً طويلاً يصل إلى أرض الحديقة التي تحيط بالبيت ، وانهمك في ربط الحبل بعامود من الخرسانة وقذفه بحذر إلى أسفل . اختبر قوته بشده ، ولما تأكد له متانته أودع بطارية اليد الصغيرة جيبه ، وأمسك الحبل ، وتدلى إلى أسفل ، وبدأ ينزلق على الحبل بدون ضجة حتى لامست قدماه أرض الحديقة .. أخرج البطارية مرة ثانية ، وطفق يرسل منها نوراً متقطعاً ، وتتفحص عيناه المكان .. إنه يبحث عن مكان مناسب ، دفقات النور توقفت وهو شاخص أسفل شجرة الزيتون هذه العاهرة امتصت من دمائي وأعضائي , ما يصنع آلاف الأطفال في مختبرات العلماء الذين يبحثون عن خلق خلايا الحية .. إنها رغم كل المال تفضل أن تخونني .. وهنا سيكون القبر .
ابتسم في خبـث . زم شفتيـه في عنـاد وإصرار . ولم تحرك صليات الرشاشات التي هدرت في مكان قريب واخترقت أذنيه أدنى عضلة في وجهه العابس , هذا الشرف يظهر كالسراب الصحراوي .. يتراءى لي في كل اتجاه .. يتوعدني .. ويهدم فوق رأسي كل قصور الأحلام ، وينسف تحتي كل الجسور ، وأسرع متجهاً نحو الجدار ، تسلق الحبل الذي يتمرد على الثبات حتى حطمت قدماه على السطح مرة أخرى .. طوى الحبل ونحاه جانباً ، ونزل السـلم بحذر شديد ، ودلف إلى حجره مكتبـه ، وأصاخ السمع فلاحظ أن المسلسـل التلفزيوني لم ينتـه بعد ، نـظر في المرآة فرأى وجهه الشاحب ، وراحت أصابعه تعيد ترتيب ملابسه ثم أطفأ النور وهو يتحسس السـكين المثبـت إلى خاصرته خلف السترة ما هذا القلق ؟! شئ يزن في رأسي .. وزن التلفزيون لا زال يصلني واضحاً توقفت أصابعه لحظات على السكين .. وأحس بقشعريرة تنتابه ، وتعلو حتى تطفو فوق دماغه فيهتز لها تفكيره ، ويظل واقفاً خلف الباب والظلمة تحجبه عن يسرى .. إنه لا يشاهد إلا كتفها ، ورأسها ، وبقية جسدها غائب المعالم في المقعد الوثير ، أخرج السكين من مكانـها ، وأودعـها أحد الأدراج .. ثم عاود وأخذها دون أن يدري سبباً لهذا التردد والوجل .
تريث لحظات حتى سكن روعه ، وهدأ انفعاله . وعندما ألقى نظرة أخيرة على وجهـه في المرآة لم يـر شـيئاً ...
الموت أسود ، لكن الشرف يفوق حواجز الموت بمراحل ، والشرف دائماً هو القضية . دخل الصالون وهي لا تشعر بخطواته . كانت منفعلة مع الحوادث وقد انتهى المسلسل ، وبدأ المذيع يتحدث عن حرب الكرامة . ظل يقترب ببطء يواريه الظلام .. لم يبق مسـافة إلا أن يخرج السكين وضربة واحدة .. لحظة الانتصار حلوة .. وهذه فرصتي أزاح السترة .. توقفت أصابعه على مقبض السكين .. تيبس في مكانه . وهبطت ذراعه عن المقبض وهو يسمع رنيناً متصلاً ينبعث من جرس الـباب الخـارجي . . التفتت إلى الخـلف .. سـبقها إلى زر الـنور . ضغطه . تقابلت العيون .. ونظراته كلها دهشة ..
لم أتوقع أحداً .. آه لو أنـي أنجزت كـل شـئ .. مـن تراه القـادم ؟
نهضت بخطوات سريعة إلى الممر الخارجي لترى القادم في حين هرول إلى حجرة مكتبه . انتزع السكين وألقاها في درج المكتب ساخطاً .. ووقف ينتظر .
هذه المرأة تمتلك جسداً أنثوياً رائعاً ، إنها فاتنة .. منذ زمن وأنا أرمي شباكي لصيدها .
ـ أهلاً .. أهلاً نادية .
قالها حمدي باسماً وقد انفجرت أساريره .
ـ أهلاً بك .
قالت نادية وهي تخطو نحو الصالون وتأخذ مكانها .
جلسوا في أماكنهم .. وحمدي يردد لنفسه : من زمن لم تأت ، وأنا أريد هذه المرأة أما نادية فأعجبتها الحفاوة وتناست وجود يسرى .. وسألها حمدي :
ـ كيف أحوال محمود ؟
" محمود ؟ يا للمهزلة حين يسأل حمدي الذي يريد انتزاع جسدي عن زوجي محمود ، فحمـدي رغم أنـي أصـده إلا أني أشعر في قرارة نفسي أنـه ملحاح .. أمامه يأتيني الضعف .. وكلما قررت الاستسلام له تراجعت . لا أدري كيف يحـدث هذا .. يسـألني عن محمود ومحمود نـصف رجل يلتصق بي متي أشاء ، وأنحيه متى أشاء ؟! أين هو من حمدي ؟! محمود مهموم دائماً لا أدري لماذا ؟ "
ـ مبسوط .
أنصت إليـها حمدي .. تداعى الإنصات والاهتمام .. كان في واد آخر ..
نادية تدغدغ أوصالي بأنفاسها رغم أنها بعيدة عني ، كيف سولت لي نفسي القول بأن أموالي تجلب لي من أشاء وهي لا تكاد تجلب نادية .. الزوجة المتوسطة الحال الفائقة الجمال وهي التي تعيش في بيئة كادحة !! ما معني أن يسجن هذا الجمال في كوادر الوظائف في الشركات ...
وتتسلـل عينـا حمـدي خلسة إلـى وجـه نادية .. وهبـط بنظـره إلـى الإزرار الـذي انـفلت مـن محبسه فبدا بعض نهديها .. منذ أن سعيت لزوجها محمود بالوظيفة وأنا أحلم بامتلاك هذا الجسـد .. لكن يسـرى الخبيثة لا تترك لي أدنى فرصة للاختلاء بها عندما تأتي لزيارتنا كلما سنحت لها فرصـة .. لا بـد أن أدعوها إلى لقاء بعيد عن جو البيت .. وهناك سأحدثها بكل شيء وسأكون واضحاً في تحديد رغباتي .. ولها أن أدفع بسخاء .
أفاق على صوت رنين الهاتف .. نهض متثاقلاً من هذا ثقيل الظل الذي قطع علي لحظات نشوتي .. سحقاً للأغبياء الذيـن لا يقدرون قيـمة اللحظات في حـضور امرأة فاتنة كنادية ؟!
ـ . . . . .
ـ مساء الخير .. أهلاً سمير .
يا للوقـح .. هـل انتـهى من بحث القضايا الأخيرة ؟!
أتراه يريد أن يسمع صوتي أم صوت يسرى .. ما أقسى هـذه الكـلمة .. سيأتي يـوم انتـقامي منه هو الآخر ..
وتابع مخاطباً سمير عبر السماعة :
ـ هل انتهيت ؟
وبدت غشاوة فوق عيني يسرى أهذا أنت يا سمير ؟! لست أخشى شيـئاً بعد اللحظـة سـوى افتقادك .. وأنت لم تأت من زمن .. وحمدي متمرس في البيت لا يغادره هذه الأيام ... أتـراه بـدأ يشـك فـي ؟! لا .. لا ..
قطع حبل أفكارها صوت حمدي الذي ارتفع قليلاً .. وبدا على قسمات وجهه الغيظ ..
ـ يجب أن تفعل شيئاً .
نادية تلتزم الصمت ولا زالت تحدق في وردة حمراء موضوعة في الركن الشرقي .
ـ لا يوجد أحد غير يسرى ونادية .
تلتقط نادية إحدى الصحف وتمر بعينيها على العناوين الكبيرة : يارنغ يبحث مشكلة الشرق الأوسط في القاهرة .. أجسام غريبة يعتقد أنها دخلت المجال الجوي للأرض وطـاردتها أسـراب مـن القاذفات الأمريكية .. هذا الرجل غني .. غناه بحجم الفقر في المخيمات ويزيد .. عضلاته لم تنم على إعانات الأمم المتحدة .. بل نمت في مطاعم العواصم المختلفة .. ورغم أنه غير وسيم إلا أنه غني .. يكفيني أن يـكون حمـدي غنياً .. سأصطـاده .. سـأكذب عليه .. وسيغدق على الأموال فهو مغرور . . هكذا أقرأ في عينيه وهو يتأمل صدري البـارز الذي تـعمدت أن يـكون كما رآه .. كدت أرى لعابـه .. لكنه لن يمتلك جسدي .. لا بد أن يـدفع وإلا سـيظل الشـبك منـصوباً وستجرفه الأمـواج إلى عمـق البحر بلا أسـماك ولا أعشاب .. أما سـمير فـهو شـخصية ثانية .. أنيق وجذاب .. بل هو مثير .. وأشك في أنه يتعاطى أشياء أخـرى غير القضايا .. أشياء خطيرة وغريبة .. أسلمته جسدي ورغم ذلك ما تحدث لي .. لم أكن أريد معلومـات أقدمـها لجهـة .. بل حب الاسـتطلاع .. لكـن سيأتي اليوم الذي يتحدث فيه ..
إن الجسد الذي أمتلكه سيحول قدري ومصيري .. ومحمود زوجي .. ذلك القذر الذي يترك فراشي كثيراً باحثاً عن أعمال أخرى سأتركه يتمتع بالفقر والشقاء كما يريد .
أفاقت على حمدي يحدق في السماعة ..
ـ ألا منفذ آخر غير السفر ؟!
ـ ………
لم تسـمع يسـرى شـيئاً آخر . فكرة السـفر تبعث فيها حيوية ونشاطاً ، وتجعلها تهيم في بحر من التصورات غير الشريفة .. وران على المكان صمت فيه كلام كثير .. يتمطى ويتثاءب داخل الرءوس الثلاثة وكل واحد يدير الرياح على شراعه .
***