الفصل الثالث

14 0 00

الفصل الثالث

الوباء الجميل

استلقيتُ على السرير الوحيد الذي أملكه في الغرفة. أرجحت ساقيّ، اللتين لم أنزع عنهما الحذاء بعد. بحثت يدي عن جهاز تشغيل التلفاز تحت الوسادة و الغطاء بكسل. لم يستمرّ الأمر طويلا. وجدت الجهاز و شغّلتُ التلفاز. انبعث صوت أحبّه كثيرا، إنّه نفس الصوت الذي ينطق به الممثّل الامريكي "روبار دي نيرو" في الدبلجة الألمانيّة للافلام الهوليوديّة. كان الصوت هذه المرّة يقوم بالتعليق على برنامج وثائقي في قناة "الارتي" الاروبيّة. موضوع البرنامج هو الفيروسات و البكتيريا. تلك الكائنات الدقيقة، التي تسببت في الحياة على سطح الأرض و غيّرت و لازالت تُغيّر وجه التاريخ البيولوجي على الكوكب. تلك الكائنات التي حيّرت العلماء، حتّى تمكن الفيزيائي الألماني "أرنست روسكا" من اختراع الميكروسكوب الالكتروني سنة 1931 و ذلك بمعيّة المهندس الكهربائي ماكس نول و رآها رأي العين.

ولكن هنا لا يمكننا أن نُغفل العالم و الطبيب الفيلسوف ابن سينا، الذي إنتبه إلى ذلك، منذ ما يزيد عن الألف عام، حين قال في كتابه " القانون في الطّب" :"إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدا لا تُرى بالعين المجرّدة، وهي التي تسبب بعض الأمراض..."

المهم، ما يعرضه البرنامج الوثائقي هو فعلا أمر غريب، فقد تمكّن مجموعة من العلماء من إحداث تحوير جيني في بعض البكتيريا و غيروا في سلسلة برنامجها الجينومي المعروف ب آ.د.ن، ليجعلوا منها قادرة على إنتاج الطاقة الكهروبائيّة. و الطريف في المسألة، أن أحدهم أخرج من البرّاد الموجود في المخبر قنينة صغيرة وهو يقول:" يحتوي هذا السائل المجّمد الذي لا يتجاوز بعض الميليلترات بكتيريا قادرة على انتاج كمّية من الطاقة يمكن أن تشغّل سيّارة...".

بدا لي الأمر، و رغم السُّمعة العلميّة الرفيعة التي تحظى بها قناة " الآرتي" ضربا من الخيال العلمي، فغيّرتها باتجاه الوطن.

أخبار تونس: قامت اليوم مجموعة إرهابيّة بذبح مجموعة من الجنود في جبل الشعانبي و ذلك غدرا أثناء إفطارهم، بعد يوم شاقّ من الصيام.

قام إرهابيّ بتفجير نفسه في حافلة تقل مجموعة من الأمن الرّئاسي و ذلك في شارع محمد الخامس، في قلب العاصمة تونس.

المعلّمون يقومون بإضراب عام عن تدريس الأطفال، حتّى تستجيب الحكومة لمطالبهم في ترفيع الأُجور.

إضراب المُصلّين عن صلاة يوم الجمعة و طرد الإمام، الذي عيّنته وزارة الشؤون الدينيّة من المنبر، وذلك للمطالبة بعودة إمام آخر، تقرّر عزله لميوله المُتطرّفة.

سعر البيرة يرتفع للمرّة الثالثة في نفس السنة.

مرض الشّاعر التونسي صغير أولاد أحمد بالسّرطان.

مُغنّي راب يلتحق بداعش.

فوز رُباعي الحوار بجائزة نوبل للسلام.

أيّام قرطاج السينمائية و فوز فيلم تونسي.

قلابس جلال بريك في إحدى القنوات وهو يصرخ:" تيت تيييت ...دين ربكم..."

أغلقتُ جهاز التلفاز و قد أوشكت رأسي على الإنفجار. في نفس الرأس دارت فكرة غريبة عجيبة، قرّرت من أجلها إستدعاء الشياطين ثانية، و ليكن ما سوف يكون!!

جاء شيطاني حاملا تحت إبطه كتابه الشهير و جلس إلى مكتبي. قلت له و أنا أدخل في الموضوع مباشرة:" أمامنا الكثير من العمل...أحتاج شيطانين..."

هزّ رأسه و أضاف باقتضاب :" أعرف..."

فُتح الكتاب و طارت الحروف كعادتها و تمخّضت عن كلّ من شيطان الطبيب القيرواني التونسيّ: ابن الجزّار و شيطان أبو الطبّ القديم نفسه: ابن سينا.

لا بيرة و لا خمر و لا حتّى تعارف...أمامنا الكثير من العمل. يجب أن نعمل. لا وقت للمجاملات ولا وقت للاحتفالات.

أخرج شيطان ابن سينا بعض معدّاته القديمة و مجموعة من الكتب، التي يحتاجها. طبعا أخرج مجموعة صغيرة، فكتبه التي ألّفها تفوق 200 كتاب و سوف لن تتسع لها الغرفة بأسرها. وضعها على الطاولة. شيطان ابن الجزّار أخرج بعض الحشائش و العقاقير و كذلك بعضا من كتبه. و شرعنا في العمل، إلى أن قال شيطاني:" أقترح أن نذهب للعمل في أحد مخابر هذا البلد...هذه الغرفة لا تصلح حتّى لتضميد جرح بسيط. وهذان الشّيطانان للعالمين الجليلين ابن سينا و ابن الجزّار بمعدّاتهما القروسطيّة وعقاقيرهما وأعشابهما، يبدوان كعرّافين رعوانيّين..."

لم أغضب، وإنّما بالعكس، فرحتُ لإقتراح شيطاني و أنا أذكر مؤسّسة روبارت كوخ ببرلين و التي تمّ تحديثها أخيرا، لتصبح أكبر مخبر طبيّ في كامل القارة الأروبيّة.

طرنا جميعا إلى هناك و في لمح البصر و وجدنا أنفسنا داخل عالم من الزجاج المعقّم. عالم من الآلات والمُعدّات، يصحّ عليها قول: ما لاعين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب طبيب.

لقد سبق و رأيتُ دهشة شيطان ابن الهيثم و ولعه بشبكة الأنابيب المائيّة في دار غوندا و لكنّ إنبهار شيطانيّ ابن سينا و ابن الجزّار أمام ما تراه عيونهم، كان فعلا ضربا من الجنون. لقد جعلا يلمسان كل شيء. يفحصان كل آلة و كلّ جهاز و كل طاولة و كلّ برّاد و كل مقص و كلّ مبضع و كلّ أنبوب تجارب. يمررّان أناملهما على الجدران و الألواح الزجاجيّة و الكراسي المتحرّكة و شاشات الكمبيوتر، كما يمرّر عاشق ولهان أنامله على وجه حبيبته وهو يردّد بينه و بين نفسه :" أنت جميلة جدا بالنسبة لي...أنت أجمل من أن تكوني حبيبتي..."

أنا نفسي راودني إحساس، أنّي داخل فيلم من أفلام الخيال العلمي. مركز روبرت كوخ ببرلين زارته في الأيّام القليلة الأخيرة المستشارة "انجيلكا ماركيل" و توصلت إلى دفع وزارة الصحّة الألمانيّة إلى تبنّيه، كما ضخّت فيه شركة سيمانس الرّهيبة ما لا يعدّ من الأموال و العلماء. إنّه باختصار مفخرة الإنسان الأوربّي أمام نظيره الامريكاني و الياباني. شركة سيمانس هي حقا رهيبة، الأمر الذي وصل مرّة بعجوز ألمانيّة، كنتُ أعمل معها في نقل التُحف القديمة إلى القول ـ و هي تتفاخر بإبنها الذي يشتغل في هذه الشركة :" إبني سيمانسيّ..." وهو إسم نسبة أستحدثه الألمان في لغتهم، سمعته بعد ذلك من الكثيرين و ينطق سيمانسيانرsiemensiener.

أعطيتُ لجماعة الشياطين حقّ الإنبهار بمُخترعات بني جنسي. جنس البشر و ذلك لساعة أو يزيد، ثمّ قلت بصوت المُسيطر على الأمور:" يا جماعة! وقتنا ضيّق...علينا الشُروع في العمل..."

هزّ الجميع رؤوسهم علامة التّفهم و المُوافقة. جلبوا كراسي و جلسوا قبالتي كالتلاميذ النجباء، في حين ارتديتُ أنا ميدعة بيضاء، كتلك التي يرتديها الأطبّاء و علماء المخابر. أنزلت ستارة قماشية معلقة في السقف. أطفأت الاضواء و شغلت جهاز البثّ السينمائي الموجود في الركن المقابل للغرفة. قضيب معدني أنيق جعلته في يدي و جلبته من حيث لا أدري. إستعملت القضيب أثناء شرحي لفكرتي و أشرت به على الصّور والتعاليق المكتوبة، التي انعكست على قماشة العرض.

حين انتهيتُ، استمرّ الصمت بضعة دقائق خلتها دهرا. تحوّلتُ في تلك اللحظات من معلّم مغرور كان يتباهى لتوّه أمام تلاميذه الصغار، إلى مُتسابق مُرتبك مرعوب أمام لجنة تحكيم صامتة قاسية. كنت أنظر إلى الشياطين و كانوا ينظرون إليّ. كنت أسمع أنفاسي تتردّد في تسارع دخلي رئتيّ. من جهة الشياطين لم يصلني إلاّ الصمت المطبق.

أخيرا نهض الجميع. نظروا لبعضهم البعض. همهموا فيما بينهم بأصوات مُبهمة. وفجأة التفت لي شيطاني قائلا:" نحتاج إلى العمل...نحتاج إلى الكثير منه...و نحتاج أيضا إلى الوقت...الأمر ليس سهلا...نعم ليس سهلا بالمرّة...و لكن يمكن إنجازه..."

شيطان ابن سينا و شيطان ابن الجزّار استدارا و جعلا يجمعان أدواتهما و كتبهما، دون أن يتبادلا معي كلمة واحدة. بسطا بعد ذلك، ورقة قديمة فوق مكان شاغر من الطاولة الزجاجيّة الفخمة، التي تحتلّ بهو المخبر. كانت الورقة من جلد حيوان ما أو من لحاء شجرة، لست أدري، و لكنّها قديمة و جميلة و تعبق منها رائحة التاريخ. إكتمل المشهد بإخراج الاثنين لقنّينتي حبر و ريشتين. جعلا يحبّران فوق الورقة أشكالا ما و خطوطا ما و رموزا وعلاماتا مُبهمة. كتبا على الحاشية بخط عربيّ قديم، كأنّه الطلاسم كلمات من قبيل: فيروس... بكتيريا... حيوان صغير...ماء...هواء... لمس...استنشاق...تغيير الهيئة...تغيير النواة...

فجأة استدار لي شيطان ابن سينا. نظر في وجهي. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثمّ جعلت ابتسامته تتسّع و تتّسع لتتحوّل في النهاية إلى ضحكة عالية. استمرّت الضحكة بعض الوقت و أنا أنظر إليه مدهوشا. عاد بعد ذلك إلى ورقته وهو يؤرجح رأسه. تبادل مع شيطان ابن الجزّار ما تبقى عالقا في وجهه من ابتسامته، ثم قالا في صوت واحد:" بشريّ مجنون"...ثمّ واصل الإثنان العمل فوق الطاولة.

وضع شيطاني ذراعه فوق كتفيّ. اتّجه بي اتّجاه باب الخروج. وضع يده على المقبض يفتحه وهو يقول لي:" حان وقتك رحيلك...قمت بعملك مشكورا. دع الآن الجماعة يقومون بعملهم...".

كان فضولي أقوى من أغادر تاركا الشياطين وحدها لتعمل على إنجاز فكرتي. لكنّي استسلمت تحت إلحاح منطق شيطاني بإعطاء الفرصة لشياطين الأطبّاء العلماء للقيام بعملهم.

اكتفيتُ بإلقاء نظرة أخيرة من فوق كتفيّ الشّيطان، لأرى الكلمات الأخيرة، التي خطّها شيطان ابن سينا فوق الحاشية. اللعنة إنها باللغة الفارسيّة. ضاعت الفرصة.

ذكرني هذا الموقف بصديق تونسيّ تعرفت عليه في مدينة مونيخ. كان فعلا موقفا مُضحكا. كان هذا الصديق قد قضى بضعة أشهر في مركز للاجئين الأجانب دون أن يغادره ليوم واحد. لم يتكلّم في تلك الفترة إلاّ اللغة الألمانيّة و لم ير إلاّ كُتبا و جرائدا مكتوبة باللغة الألمانيّة. إلتقينا بعد ذلك و قرّرنا القيام بجولة في المدينة.

كنا نمشي حين إعترضنا مطعم إيرانيّ في شارع داشو. توقّف صديقي أمام اللافتة، التي تعلو واجهة المطعم و جعل يقرأ الحروف الفارسيّة التي كُتبت عليها. كانت طبعا شبيهة بالحروف العربيّة مع إختلاف بسيط، يكمنُ في تلك النقاط العديدة التي تعلوها. فجأة ظرب صديقي على جبينه حسرة و عضّ على يديه ندما وأسفا و قال لي في صوت يكاد يقطعه البكاء:" يا صديقي! لقد نسيت اللغة العربيّة...تخيّل أنّي عاجز عن قراءة لافتة مطعم..."

ضحكت حتّى ابتلّت عيناي و قلت له قولة الكاتب التونسي حسن بن عثمان الشهيرة :" عربيّة ماذا؟...أيّها الأبله!"

الفيـــروس اللّــطيف

لا...لم تخطئوا قراءة العنوان. نعم هو الفيروس اللّطيف.

أنا الآن أسمعكم. أسمع همهمتكم المُعترضة. أسمع رفضكم. أرى على بعض وجوهكم علامات الإستنكار. هاهو أحدكم يقول:" يبدو أنّه هذه المرّة، قد شرب خمرة فاسدة" و آخر يقول :" من تكلّم في غير فنّه، أتى بالعجائب"...و لكن إمنحوني فرصة، حتّى أشرح الأمر. فرصة صغيرة لا أكثر...

لنبدأ من البداية. كلّكم تعرفون فيروس الكمبيوتر. أغلبكم تعرّض جهازه ولو مرّة واحدة إلى الاصابة بالفيروس و اضطرّ إلى اصلاحه. و لكن ما هو الفيروس؟ يقول أهل الاختصاص، إنّ الفيروس هو أيضا برنامج يصمّمه أحدهم ليفسد البرامج الموجودة بطبعها في الكمبيوتر. لعلّ أشهر فيروس في تاريخ الحواسيب هو فيروس تشيرنوبيل، الذي صمّمه الشاب التايواني "شان يانغ هو" و الذي انتشر عبر العالم في مدّة قصيرة وهو ذو مفعول تخريبي ضد أنظمة وينداوز. الفيروس كينونة مضرّة. هذا أمر لا جدال فيه. ولكن تُبعات هذا الضّرر هي أمر مفيد. ما فعله فيروس تشيرنوبيل هو تحريض المهندسين والمبرمجين على صنع برامج مقاومة للفيروس. حرّضهم على البحث و التطوير و التجديد. الحواسيب الحديثة و برامجها الحديثة، التي تطوّر كل يوم يعود فيها الفضل إلى الفيروس.

الأمر لا يختلف كثيرا في الطبيعة. الفيروس قد يكون مضرّا و قد يكون حتّى فتّاكا، كفيروس الانفلونزا وفيروس الإلتهاب الكبدي و الحمّى القلاعيّة و فيروس الجدري و فيروس فقدان المناعة المكتسبة "السيدا".

و لكن دعنا ننظر نظرة أخرى للأشياء. دعنا ننحرف ولو قليلا عن النظرة الكلاسيكية أو المتوارثة للأمور. دعنا نفعل كما فعل كوبرنيك، عندما قال إنّ الأرض ليست مركز الكون، بل هي الشمس و الكلّ يدور حولها بما في ذلك أرضنا نفسها. لقد ابتعد عن النظرة التقليديّة المتوارثة و أصاب رغم ذلك كبد الحقيقة.

يذهب فريق من العلماء و المختصّين في مجال الأبحاث الميكروبيولوجيّة إلى القول، بأنّ الفيروسات كانت موجودة منذ بداية الحياة على الأرض و هي إلى الآن من يعمل على تطوير هذه الحياة و يعمل على إحداث أنواع و أصناف أخرى من الحياة.

يهاجم الفيروس كل الكائنات الحيّة من نبات و حيوان و إنسان. يهاجم الخليّة الحيّة و يهاجم حتّى البكتيريا. يرتدي معطفا مخادعا من البروتين. ينطلق كمثقاب من شركة سيمانس. يتشبّث بجلد الخليّة. يحفرها. يحقنها ببرنامجه الجيني. يتكاثر داخلها و ينقسم و يتوالد. يفجّرها و ينطلق في الحياة و الكون لا يلوي على شيء. ينطلق يخرّب و يفسد و لكنّه أيضا يصنع و يُحدث. إنّه كائن بين الحياة و الموت. ضعيف لوحده. لا يتحمّل الماء و لا يتحمّل حتّى الهواء. و لكنّه مُخادع و قوي إذا ما تعلّق الأمر ببقاءه وحياته. يكفي أن تمرّ بجانبه الحياة، حتّى يعلق بها كما يعلق رضيع بحلمة أمّه. إنّه يشبه السنيور دراكولا. ميّت في تابوته. ضعيف أمام نور الشمس. يكفي هذا الكونت القادم من أعماق الأساطير في بنسيلفانيا في رومانيا، أن يمتصّ قطرة دم حيّة، حتّى ينهض من موته و يغرز أنيابه في رقاب الجميع ويحوّلهم إلى بني قومه و عشيرته من مصّاصي الدّماء.

ما أحتاجه هو أن أسيطر على هذا الكائن. أن أجعله تحت إمرتي و خاضعا لإرادتي. كما استخرج البشر من الريح العاتية و البروق العاصفة طاقة لإنارة البيوت و تشغيل المصانع و حوّلوا الغازات القاتلة السامّة في باطن الأرض إلى دفء يقاوم الصقيع في بلاد الشمال الباردة، أريد أن أحوّل هذا الكائن إلى علاج لبني وطني.

كانت فكرتي باختصار أن نقوم بما يقوم به الفيروس نفسه حين يعلق بالخليّة الحيّة. الخليّة الحيّة هي عبارة عن مكتب إداري يعاني من البيروقراطيّة. مكتب يحتوي في نواته ورقة أصليّة ينسخها آلاف المرّات ويوزّعها. خليّة الكبد أو المعدة أو الرئة أو حتّى خلايا العظام، كلّها تعمل بنفس النسق، في ورقتها الأصليّة ثمة نصّ جيني تنسخه، ثمّ توزّعه لتنتجه و تعيد إنتاجه مئات المرات، مئات الآلاف من المرّات. ما يفعله الفيروس، هو أنّه يتدخّل في نصّ الورقة الأصليّة. يغيّر مفرداته و حروفه و نقاطه. يغيّره بنصّه الخاص دون أن يتفطّن الموظّف البيروقراطي داخل الخليّة إلى ذلك. ما أريده،هو أن أعبث أنا نفسي بالورقة الأصليّة للفيروس. أن أحقن فيه معلوماتي الجينية و نصّي. نصّي، الذي أريد أن أُمليه على شعبي. نصّ جديد يعالجه من الكسل. من الغش. من الرشوة. من النفاق. من العنف. من إحتقار المرأة و الطفل و الحيوان. من تواكل الوزراء والمدراء وتكالب أصحاب السلطة. نصّ يعالجه من رفض الآخر باسم الدّين و اللون والعرق والجنس. نصّ فيروسيّ يجعله يمرض بالإنضباط و حبّ العمل. يجعله يمرض بالعلم و الحداثة و الثقافة...

تلك كانت فكرتي... قد لا تعجبكم. قد لا تستسيغونها. قد تغضبوا حتّى منها. و لكنّ وافقتني الشياطين عليها. وهذا يكفيني حتّى أستمرّ في كتابة جُنوني. وافقني شيطان ابن سينا و وافقني شيطان ابن الجزّار. وافقني التونسيّ القيروانيّ، الذي هزّت شُهرته الآفاق و زاره حتّى أعتاب داره طلاّب العلم من الأندلس و شقّت علومه كامل الحوض الشمالي للبحر المتوسط و نُقلت أعماله إلى جامعات ساليرنو و مونبيلييه وحمل نابليون بونابرت نفسه كتابه " زاد المسافر و قوت الحاضر" أثناء حملته الفرنسيّة على مصر.

وافقتني هذه الشياطين على فكرتي وخطّتي و هي الآن منكبّة على العمل. و سوف تنجح. أنتم لا تعرفون الشياطين. أنا أعرفها. أعرفها حقّ المعرفة...

ذهبت اليوم إلى جامعة الآباء اليسوعيين، حيث أتابع دروس الفلسفة. تركت الشياطين لتعمل و قرّرت أنا أيضا أن أعمل. إلتقيت بالأستاذ المُرعب الدكتور"هارالد لاش". شرحت له حاجتي إلى العمل إلى جانب الدراسة. سألني عن اللغات، التي أحذقها قراءة و كتابة، ثمّ سلّمني ورقة صغيرة فيها عنوان نزل بوسط المدينة. قال لي:" الفلسفة الحقيقيّة يتعلّمها المرء عند الإحتكاك أكثر بالبشر من مختلف الأجناس والألوان واللغات... هذا النُّزل هو ملك لصديق قديم. لو يهمّك الأمر، فهو يحتاج إلى طالب يشتغل في الاستقبال ليلا"

شكرت له صنيعه و غادرت الجامعة. الدكتور "لاش" أشهر من نار على علم في ألمانيا كلّها. له برامج في التلفزيون، يشرح فيها الفيزياء الكمّية و كيفيّة تفجير الذرّة، بطريقة تجعل من جدّتي العجوز نفسها تفهم ما يقول. عالم فذّ في شتى أنواع الميادين و الاختصاصات العلميّة من الفيزياء إلى الفلك إلى الفلسفة إلى الرياضيّات...و لكن قوّته تكمن ـ حسب رأيي ـ في تلك الطريقة السلسلة التي تجعل من أدقّ العلوم وأعقدها تبدو للمرء و كأنّها أكلة شهيّة تُبتلع بنهم و رغبة.

كانت الفلسفة و الآداب تبدو لي في ما مضى علوما إنسانيّة منفصلة، عن كلّ ما هو علم دقيق صحيح. ولكن مع الدكتور، تعلّمت كيف يجب على طالب الفلسفة أن يجيب مثلا عن سؤال :" ما هو عمر الكون؟ و كيف تمكّن العلماء من قياس ذلك؟ أو ما هي المكوّنات الأساسيّة للأشعة ما فوق البنفسجيّة؟ أو أي خطّة عسكريّة مكّنت حنّبعل عمليّا و علميّا من الإنتصار في بعض معاركه على الرومان؟..."

"هارالد لاش" رغم شهرته، التي تهزّ الآفاق. رجل بسيط المظهر، يحتضن محفظة جلديّة قديمة بين ذراعيه. يطوف بين صفوف الطلبة و يدخّن معهم. يضع غليونا بين شفتيه و نظارات طبيّة صغيرة فوق أنفه. يداعب هذا و يضحك مع ذاك. خدوم دمث الأخلاق خاصة مع صنفنا نحن: صنف الطلبة الأجانب في ألمانيا. يبدو بتلك الهيئة القصيرة الصغيرة التي كان عليها و كأنّه جاحظ عصره و قد ألمّ من كل شيء بطرف.

بعض أساتذنا في الجامعة التونسيّة، يبدو الواحد منهم كإمبراطور يجول بين صفوف رعيّته دون عرش أو صولجان. لا تستطيع الإقتراب منه دون أن تتخطى رقاب الحرس و الجنود. قد يقرّر مصيرك اختبار شفويّ، فتنتظر إلى يوم 3000 جويلية لتعيد اختبار المراقبة كتابيا و شفويّا مرّة أخرى. راودني إحساس أيام الجامعة التونسيّة، أني مقبل على العمل بعد التخرّج في وكالة الناسا أو في الشبكة السرّية لوزارة الدفاع الأمريكيّة، وذلك رغم أنّي كنت أتلقى دروسا في ما قاله مجموعة من الشّعراء الحفاة، الذين كانوا يركضون خلف معزة في الربع الخالي منذ ألفيّ عام...

طبعا أنا قلت بعض أساتذتنا و ليس كلّهم. في جامعة منوبة، حيث كنت طالب لغة عربيّة، منذ ما يزيد عن العشرة سنوات، كان ثمّة أساتذة ذوي طاقات فذَّة و هُم حسب رأيي ورأي الكثيرين، من أفضل أساتذة اللغة العربيّة في العالم العربي بأسره. و أذكر هنا، أنّي حظرت مرّة مناقشة رسالة دكتوراه لشخص فلسطينيّ تحت إشراف مجموعة من الأساتذة التونسيين، من بينهم محمد القاضي ومحمود طرشونة و حمادي صمّود. كان موضوع الرسالة هو القصّة القصيرة في فلسطين. و لأوّل مرّة في حياتي، أرى عمليّة اعتصار علميّ لإنسان ما، رأي العين. عمليّة اعتصار تشبه تلك، التي يقوم بها ثعبان الأناكوندا وهو يبتلع فرائسه. ثمّة تعليقين لا زالا إلى الآن حاضران في ذاكرتي و كأني سمعتهما يوم أمس. تعليق الأستاذ حمادي صمّود :" السيد فلان الفلسطيني، قدّم لي رسالته هذه منذ عشرة سنوات و رفضتها رفضا قاطعا واليوم ها أنّي أقبل الاشراف عليها بكثير من الاحتراز..." و تعليق الاستاذ محمّد القاضي:" مجال بحثي اليوم هو الأدب العالمي، و لكن لسوء حظ ضيفنا الفلسطيني أنّي منذ مدّة سنوات قد اهتممت بالقصّة القصيرة في فلسطين ولهذا السبب أرى، أنّه لا يمكن له أن يمرّر هذه الفكرة و تلك الأخرى بسلام في رسالته..."

و حصل شيخنا الفلسطيني رغم ذلك على شهادة الدكتوراه التونسيّة العسيرة المنال.

غرضي من هذه الحكاية، هو واضح و بسيط:" لماذا ينحو التعليم في الدول المتقدّمة منحى التكوين والإضافة، في حين أنّه عندنا أشبه بعمليّة تعذيب ساديّة؟..."

أمام جامعة تحمل اسم آنشتاين و أخرى تحمل اسم هيغل و ثالثة أخرى تحمل اسم غوته، كثيرا ما كنت أمرّ بعد أن إحتسيت زجاجتين من البيرة و قد أصابني الملل، فأدخل. أدفع باب قاعة المحاضرات وأدخل. لا أحد يعترض سبيلي و لا أحد يسأل عن وجهتي. أدفع الباب و أجلس إلى جانب الجالسين. أستمع لما يُقال و لما يُدرّس و في بعض الأحيان، أتّجه بعد أن ينتهي الدرس إلى الدكتور المحاضر وأطلب منه، أن نتناقش مثلا في أسباب صراع السنّة و الشيعة أوأسباب الانحباس الحراري فوق الكوكب، فما يفعله، هو أن ينظر في جدول أعماله و يضرب لي موعدا في مكتبه الخاص ...و على الرّحب والسّعة.

المهمّ، شرعت في العمل من توّي في النزل الذي أرسلني إليه أستاذي العزيز. كنت أعمل و أتسائل هل أتمّت الشياطين عملها؟

مضت ثلاث أسابيع قبل أن يتّصل بي شيطاني و يخبرني أن الجماعة يحتاجونني في المخبر.

قال لي شيطان ابن سينا وهو يضع عيّنة أمامي من حقل بكتيري في علبة زجاجيّة:" الفيروس كائن دقيق جدا و يصعب التعامل معه. لقد قمت بتجربة أوّليّة لتعديل بعض الجينات داخل الحمض النووي للبكتيريا وهي تبدي الآن تفاعلا ايجابيا لا بأس به..."

أجبت في عناد:" لا...لا أريد بكتيريا. البكتيريا كائن غبيّ و يسهل التغلّب عليه من أجهزة المناعة و من الأدوية. أريد فيروسا. أريد فيروسا مُعديا لشعبي، حتى يمرض في أقرب فرصة و بأسرع طريقة بأمراض الشعوب المتحضّرة..."

تدخّل شيطان ابن الجزّار، الذي كان صامتا طيلة الوقت و قال:" لقد قمت بتجربة مبدئيّة على بعض الفيروسات التي تصيب النبات و رغم أنّها أقل قدرة و أقلّ براعة من تلك التي تصيب الحيوان أو الإنسان ولكنّها تبقى أيضا عصيّة على التدخّل الجيني في حمضها النووي...و لكنّنا في طريقنا إلى ذلك..."

اعتذرتُ للجماعة عن رعونتي و إندفاعي و شجّعتهم على مزيد البحث و العمل. قبل أن أغادر سلّمتهم فلاش ديسك، كنت قد سجّلت فيه برنامجا وثائقيا عن الفيروسات و آخر ما توصّل إليه علماء بني جنسي في مجال بحثهم هذا.

داوني بالتّي كانت هي الدّاء...

البرنامج الوثائقي، الذي سلّمته لجماعة الشياطين، يتناول موضوع الفيروسات و خصائص هاته الكائنات. وهي آخر ما توصلت إليه أبحاث العلماء في هذا المجال. و لكن مسحة الطرافة في هذا البرنامج تكمن في السيد " دوفال" عالم و كاتب قصص خيال علمي فرنسي. يرى السيد "دوفال" هو و مجموعة من العلماء الأمريكان و الأروبييّن، أن الفيروس هو الجدّ الأعلى لجميع الكائنات من نبات و بشر و حيوان. وهو الذي بتدخّله في الخليّة الحيّة ويحرّضها لكي تتبدّل و تتطور و تتسبب في تعدد الأنواع البيولوجيّة الموجودة على سطح الكوكب. الفيروس داء و لكن بمعرفتنا له يمكن أن نحوّله إلى دواء. و يشطح خيال السيد " دوفال" إلى حد القول، بأنّ انفصال شجرة الإنسان عن شجرة القردة، تعود إلى فيروس أصاب الحيوان المنوي لبعض القردة العليا، فخلفت السلالات الأولى الماشية على قدمين خلفيتين، ثم جاء بعد ملايين السنين ما يعرف بالهوموسابيان وهو الجد الأعلى لإنسان اليوم أو هو ذاته...أمر غريب و لكن لا يهمّ. ما يهمني أنا هوإقناع شيطان ابن سينا و ابن الجزّار بفكرتي الفيروسيّة.

نعم سوف أقنعهما بذلك، سأقول لهما ما لم يقله السيّد "دوفال" نفسه. ثمّة شبه قوي بيننا نحن البشر و بين الفيروسات. يأتي الناس إلى منطقة مجال حيويّ. يتكاثرون. يتناسلون. يستنزفون كل الموارد الطبيعيّة الموجودة في ذلك المجال. لا يقيمون علاقات توازن مع الكائنات الموجودة معهم في نفس المجال. بل يستهلكون كل شيء. لا يفعلون كما تفعل الأسود. يفترسون الغزلان والبقر ليعطوا فرصة للنباتات حتى تنمو من جديد و تعود الدورة من البدء، عودا على بدءه. البشر يفترسون الكلّ، يفترسون الجميع: أسودا و غزلانا و بقرا و نباتا، ثم يتناسخون حتى ينفجر بهم المجال، ثمّ ينتقلون للعيش في مجال آخر. تصرّف فيروسي بامتياز...

بعد شهر من العمل المُضني للشياطين، جلست و في يدي قنّينة صغيرة في بيتي. بيتي الجديد، الذي أجّرته مؤخرا، بعد أن غادرت سكن غوندا و تحسّنت ضروفي المادّية نظرا لعملي في النُّزل.

قنّينة أُداعبها أمام أعين الشياطين الجالسين في غرفة مطبخي الفسيح الجديد، كما يداعب المرء قلم حبر جيّد الصُّنع وهو يفكّر في أشياء أخرى. قنّينة فيها من العمل و الذّكاء الشيء الكثير.

عمل شيطان ابن الجزّار صاحب كتاب "طب الفقراء والمساكين" والقائل: "يتداوى كلّ عليل بأدوية أرضه، لأن الطبيعة تفزع إلى أهلها" . وهذا قول لولا تعلمون عظيم، أي آخر ما توصّل إليه أطباء أمراض الحساسيّة في ألمانيا و ذلك بدفع المرضى إلى تناول عسل من نحل يرعى من رحيق نباتات تنمو في نفس المنطقة، التي يعيشون فيها".

وطبعا عمل شيطان ابن سينا سارق الجثث و مُشرّحها و ذلك لإنقاذ من لم يتحوّلوا بعدُ إلى جُثث.

شربنا نخب الفيروس. و عنّ لشيطاني أن يستدعي شيطان أبي نوّاس، حتى تحلو الجلسة و كذلك إعترافا له بالجميل و هو القائل:" دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء....و داوني بالتي كانت هي الدّاء

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة ....حفظت شيئا و غابت عنك أشياء

الفصل الأخير...

أفاق سي عبد الباقي كعادته هذا الصباح، مُنتفخ العينين مُنقلب السُحنة. لا يكاد يستطيع التنفّس من شدّة البلغم الذي يملأ قصبته الهوائيّة و رئتيه. ثمّة أيضا ألم حاد في أحد جنبيه يضع عليه يده اليسرى، كي يهدأ من جموحه شيئا ما. بحث بتخبّط عن نظاراته الطبيّة، التي كان يضعها دائما إلى جانب السرير قبل أن ينام. وضعها على عينيه، فبدأت الأشياء أمامه تأخذ شكلها و حجمها الطبيعيّين شيئا فشيئا. انقشع الضباب و بان طريق الحمّام، و قد كان ذلك مُراد سي عبد الباقي و غايته القُصوى...الوصول إلى المرحاض قبل الموت.

تبوّل و سعل و بصق و جدّف في الأثناء أكثر من عشرات مرّات، ثمّ عاهد الله للمرّة الألف واعدا إيّاه بالانقطاع عن التدخين. غادر الحمّام بعد غسل وجهه و صلعته بالماء و الصابون و وضع قليلا من العطر قويّ الرائحة تحت أنفه و في رقبته. و هكذا تسنى له أن يدخل شيئا من الأوكسيجين إلى رئتيه. وضع القهوة فوق الموقد الغازي و أشعل سيجارته الأولى لهذا اليوم.

سي عبد الباقي كهل تجاوز الخمسين. قصير القامة و يرتدي بدلة قديمة تشي بوظيفته، كعامل في بلديّة تونس المدينة. أي ذلك الشخص، الذي يمنح مضامين الولادة و يوقّع الوثائق المطابقة للأصل و تلك، التي تتطلّب تعريفا بالامضاء، إضافة إلى عقود الكراء و عقود البيع و الشراء.

سي عبد الباقي مُولع بالمراهنة على سباق الخيول و أيضا بزوجة جاره الحاج عمر، ذات العجيزة العريضة و اللسان السليط. الحاج عمر رجل ذو مال و جاه و هذه الزوجة، هي الثالثة التي يجلبها من بلدته في الشمال الغربي، بعد طلاق الزوجتين الأولتين. سالمة صغيرة في العمر مقارنة بالحاج و لا تنجب أطفالا و تلك مواصفات بحث عنها الأخير طويلا، فقد ملّ إنجاب الأطفال و ملّ صراعهم على الميراث وهو لا يزال على قيد الحياة.

عدم الإنجاب و صغر السنّ كان من الأمور، التي أسالت لعاب سي عبد الباقي و جعلته ينظر نظرة الشهوة إلى زوجة جارته و طبعا لا يمكننا أن نتغافل عن مسألة عجيزتها العريضة.

زوجة سي عبد الباقي معلّمة جافة الوجه و القدّ و الطبع. "لا يسيل فيها الماء و ما تعدّيش الضوء" بهذا كان يصفها زوجها وهو يتبادل الشكوى مع ندمائه حول الزوجات الشمطاوات.

سي عبد الباقي ليس رجلا سكّيرا، هو يكتفي فقط بمرّة واحدة في الأسبوع ببعض البيرات في احدى حانات العاصمة القميئة. طبعا ليس الأمر بوازع من تقوى أو إستقامة وإنّما هو مرتبط بكميّة الرشوات الصغيرة، التي يحصل عليها أثناء العمل و ما يتبقى منها بعد لعب القمار على الخيول، وهي هواية سي عبد الباقي الأولى والأساسيّة. ما يكثر منه، هو شرب القهوة الفيلتر و التدخين و قراءة الجرائد المتعلّقة بالخيل، أي ككلّ زملائه في هذا الميدان.

أمر آخر يحذقة سي عبد الباقي، هو الوصول دائما متأخرا إلى العمل. "التكركير" و كراهة هذا العمل من أصله. ما يريده فقط هو مرتّبه الشهري، الذي تحسّن في السنوات الأخيرة نظرا لأقدميّته. في ما مضى كان سي عبد الباقي يعاني من محدوديّة دخله، خاصّة و أنّ القُمار يقضم من هذا الدخل مبلغا لا يستهان به. إقترح عليه البعض الإنخراط في حزب التجمّع، الذي كان يمنح فرصة لمنخرطيه لمزيد من السلطة و بالتالي منفذا إلى الأموال، التي تكون غير مشروعة و لكن توفّر الحماية القانونيّة، بما أنّه الحزب الحاكم و الذي فاق عدد المنتمين إليه أكثر من عدد المنتمين إلى حزب الجنيرال ديغول نفسه، حتى في ذروة شعبيّته عند الفرنسيين. لم يُقبل انخراط سي عبد الباقي في الحزب و لم يحصل على بطاقة عضوية تحمل إسمه أو صورته. وإنّما تمّ تبنّيه معنويا من الجماعة. لم يفوّت إجتماعا في الشُّعبة القريبة من مسكنه أو مقرّ عمله إلاّ و حظره و ساهم في إنجاحه و تنظيمه. كان يوزّع الرايات الحمراء الصغيرة على الحاضرين. يساهم في تقديم الشالات البنفسجيّة التي تحمل لون الحزب على الناس، كما يرتدي هو واحدا أثناء الاجتماعات و اللقاءات، التي لا تحصى والتي ينظّمها الحزب بصفة قارّة ومستمرّة في طول البلاد و عرضها.

في النهاية و رغم نشاطه، فإن سي عبد الباقي لم يكن منخرطا رسميّا في الحزب و لا يوجد دليل إدانة قانوني ضدّه بعد الثورة، الأمر الذي سهّل له فيما بعد الإنضمام إلى حزب النهضة عند فوزه في الإنتخابات. في تلك الفترة، لاحظ الناس و خاصة الجيران و زملاء العمل، أنّ سي عبد الباقي قد نمت له زبيبة داكنة على جبينه من أثر السجود، كما لاحظوا أن جريدة سباق الخيل، التي يحملها في العادة تحت إبطه، أينما حلّ وإرتحل، قد عوّضتها سجّادة صلاة صغيرة و مسبحة رخيصة من صنع صيني.

كان سي عبد الباقي يسأل أعضاء حزب النهضة و خاصة القدامى منهم والذين لهم تجارب في السجون التونسيّة، عن مكان صلاة الوزراء أو المديرين النهضاويين ليتّجه إلى هناك. شوهد سي الباقي أكثر من مرّة و قد وضع منشفة على كتفيه و إتجه إلى ميضة في مسجد أو جامع وصلته معلومة من أحدهم، أنّ علي العريّض أو حمادي الجبالي أو حتى سمير ديلو، يمكن أن يصلّي فيه صلاة الجمعة هذا الأسبوع.

كانت غاية سي عبد الباقي ليست معرفة هؤلاء الأشخاص في حدّ ذاتهم، لأنّه في قرارة نفسه و كأغلب التونسيّين يحتقر بقيّة التونسيّين الآخرين، و إنّما هي الإستفادة من نفوذهم و الحصول على قرض بدون فائض. هؤلاء القوم يحرّمون الربى و حلم سي عبد الباقي هو مبلغ يرجعه بالتقسيط دون ربى و ذلك كي يتسنى له شراء كميّة أكبر من أوراق القُمار، لعلّ الحظ يبتسم له.

و فعلا و بعد كفاح مرير في المساجد و الجوامع و الصلوات خلف "إلّي يسوى و إلّي ما يسواش"، تمكّن من الحصول على قرض من البنك الإسلامي بوساطة شخص ما. الأمر الذي راع سي عبد الباقي بعد ذلك، أنّ نسبة الفائض في البنك الإسلامي، قد كانت أعلى من الربى، الذي تفرضه البنوك الكافرة العلمانيّة في بقيّة البلد.

كفر سي عبد الباقي بالنهضة و بآل النهضة كفرا شديدا و قد شاهده مرّة أحدهم في بار باب سعدون وهو يلعنُ في الغنّوشي و يسبّ حتى في الدعوة الإخوانيّة نفسها.

الأمر الوحيد الذي استفاده في تلك الفترة و التي امتدت لأكثرمن السّنة و نصف السّنة، هو الغياب عن العمل المتكرّر و المتواصل و لا أحد يستطيع الاعتراض عليه، خاصّة اذا كان سبب التغيّب هو الصلاة خلف سي علي العريّض وزير الداخليّة السابق أو سي الصّحبي عتيق رئيس كتلة حركة النهضة في المجلس التأسيسي و الذي روى مرّة و أمام الملأ في أجهزة الإعلام، أنّه تمكّن من فكّ قيوده الحديديّة في وزارة الداخليّة بعد أن دعا ربّه دعاءا مستجابا، ثمّ غادر المبنى الرهيب أمام عيون الشرطة بعد أن قرأ عليهم سورة ياسين. "فأغشيناهم فهم لا يُبصرون" و أفلت بذلك من فتية قريش، الذين كانوا يريدون ضربه ضربة رجل واحد، فيتشتّت دمه بين القبائل.

سي عبد الباقي إضافة إلى صعوبة في التنفّس، يشكو من وجع في الكلية اليمنى و قرحة في المعدة و ألم في أكثر من خمسة أضراس نخرها السوس. ثمّة ضعف جنسيّ يحسّه، عندما ينهض كلّ صباح فيجد قضيبه مرتخيا و كأنّه خرقة ميتة. يفرح بشدّة عندما يفاجئه الإنتصاب الصباحي مرّة في الشّهرين ويشتهي أكثر زوجة جاره الحاج عمر.

في ذلك الصباح، كان الأمر مختلفا بالنسبة لسي عبد الباقي. ثمّة انتصاب صباحي قويّ، رافقه حتى دورة المياه. ثمّة كحّة أقلّ. ثمّة بلغم في الحلق و الرئتين أقلّ. ألم الأضراس كان كذاكرة بعيدة. حُرقة المعدة لا تزال موجودة و لكنّها أخفّ كثيرا مما هي عليه في العادة. و لكنّ المُعجزة الحقيقيّة، التي حدثت لسي عبد الباقي هو وصوله تقريبا في موعد العمل، أي مع تأخّر طفيف لم يتجاوز النّصف ساعة. أمر آخر لاحظه. نظارته الطبيّة قعر الزجاجة آلمته قليلا وهو يحاول أن يقرأ وثيقة لأحد المواطنين في البلديّة. اتجه في المساء لطبيب العيون، فأخبره الأخير أنّه يحتاج زجاجا أقلّ سماكة، لأنّ عيناه استرجعت القدرة على الرؤية بنسبة 2 على 10.

في اليوم الموالي، تتالت الأحداث الغريبة في حياته. لقد إبتسم صباحا لزوجته و قال لها: "صباح الخير". دُهشت الزوجة لتصرّف زوجها و باتت على قناعة، أنّ زوجها المسكين قد أصابه مرض غريب يحتاج من أجله لعلاج نفسيّ عاجل، قد يصل إلى مستشفى الرازي للأمراض النفسيّة و العصبيّة. تمالكت نفسها و ردّت تحيّة الصباح باقتضاب. و لكن تفاقم الأمر عندما قال الزوج و الإبتسامة لا تفارق وجهه:" هل لي في فنجان قهوة من ايديك الملاح؟".

هل تصرخ؟ هل تستغيث؟ هل تدعو الجيران؟ لم تدري كيف تتصرّف...ماذا ستقول للشرطة اذا هاتفتهم الآن؟...زوجي ابتسم لي و يريد منّي أن أعدّ له فنجان قهوة من يديّ الملاح؟...غالبت نفسها وأعدّت له قهوة وهي تسترق النظر إليه و كأنها تراقب شخصا غريبا جالسا إلى طاولة مطبخها، رغم أنّ ملامحه هي ملامح زوجها، الذي تعرفه و تعاشره منذ أكثر من عشرين عاما.

عندما وضعت مدام حبيبة فنجان القهوة على طاولة المطبخ، تلامست يدا الزوجان و أحسّ كل واحد منهما بأنامل الآخر تلثم أنامله.

تُوفي اليوم والد نوفل تاركا له ثروة هائلة: مساحة من الأرض تبلغ العشرين هكتارا في سبّالة بن عمّار وطريق مرناق. أربع سيارات من نوع البيام و البورش و أخرى رباعيّة الدفع 4X4 و لانمبارغيني. عمارة في شارع مدريد متكوّنة من ستة طوابق مُؤجّرة لساكنيها. فيلا في قرطاج الرئاسة و بيت جميل في المدينة العتيقة.

كان عمل الوالد مُقاول بناء و قد إزدهرت هذه المقاولات بعد الحصول على عقد من شركة الهاتف تيليكوم لحفر الأنفاق، التي تمرّ منها شبكات الإتّصال من الخيوط و الأسلاك النُّحاسيّة. الحفّارات والجررّات التابعة للشركة، تمّ إستيراد أغلبها من إيطاليا و ألمانيا.

المشكلة الوحيدة، كانت عمل نوفل الوريث الوحيد للأبّ المتوفى. نوفل إنقطع عن الدراسة قبل الباكلوريا بسنوات عديدة، فأرغمه الوالد على مواصلة الدّراسة في المعاهد الحرّة، ثمّ رسّمه رغم عنه في الجامعة الحرّة و ذلك طبعا بعد إغراء ماليّ كبير لصاحب هذه المؤسسة، لأن مستوى الشابّ لا يسمح أصلا بدخول أي جامعة، سواء كانت حكوميّة أو خاصة. و لكن لا فائدة. الولد عاق و غبيّ، كما كان يصفه والده.

الوالد سي حمد، لا يكره إبنه، فهو طبعا إبنه. و إبنه الوحيد فوق ذلك. و لكن يريد أن يصنع منه رجلا ناجحا. الأمر الذي فشل فيه فشلا ذريعا، حتى وصل ببعض العاملين في شركته، أن يتبادلوا الحديث خلسة فيما بينهم، قائلين ذلك المثل التونسي الشهير:" النار تخلّفُ الرّماد". قاصدين طبعا الفرق الشاسع بين الأب المكافح والذكيّ و عصاميّ التكوين و الإبن الإمّعة الكسول، الذي وُلد و في فمه ملعقة من الذّهب.

لم تساهم الأمّ، كما قد يذهب في إعتقاد البعض، في إفساد ابنها بجعله طفلا مُدلّلا، يحصل على كلّ ما يرغب فيه. بل العكس، فقد كانت هي نفسها امرأة صارمة حازمة و مُثقّفة و ساعدت كثيرا زوجها في مسيرة نجاحه العمليّة و الماليّة. يعود فساد الابن، حسب بعض المقرّبين، إلى شلّة السّوء، التي تُحيط به و إلى الوقت الضيّق، الذي يُخصّصه كلا الوالدين للإبن.

يبلغ نوفل من العمر ثلاثين عاما. تعرّض مرتين لحادث مرور، نظرا للسرعة الجنونيّة، التي يقود بها السيّارات أو الدرّاجات الناريّة الضخمة، التي يمتلكها. خلّف له هذا الأمر عرجا ملحوظا في رجله اليسرى، كما جرحا قبيحا، يمتدّ من أعلى رقبته إلى خدّه الأيسر. لم تنجح كلّ المراهم المستوردة من أروبّا و أمريكا في اخفاء آثار الجرح. و طبعا كانت لآثار الجرح آثارها النفسيّة أيضا. نوفل شخص شرس متكبّر. سيء الطّبع. يعامل البنات الفقيرات اللواتي ينمن معه، كما يعامل تاجر قريشيّ قذر ما ملكت يمينه. أكثر من ثلاث طالبات حملن منه، فلم يعرهنّ أيّ إلتفاتة و لم يساعدهن، حتى في مصاريف الإجهاض. عندما يدخل نوفل إلى مرقص ليليّ، تحجز له طاولة خاصة به و بشلّة الطمّاعين، الذين يحيطون به كالذّباب. قد ينفق في ليلة واحدة ما يفوق الخمسة أو الستة آلاف دينار. و قد يصل به التغطرس إلى منع بعض الشباب الآخرين، من الدخول إلى المرقص و ذلك برشوة الحارس الموجود هناك. شوهد مرّة أو مرّتين وهو يقذف بمحتوى كأس الويسكي في وجه شخص أزعجه حظوره لسبب أو لآخر. تصرّف النّادل أو العاملين في المرقص معروف: ضرب الشخص، الذي تلقى محتوى الكأس في وجهه و إلقاءه في الخارج من أجل عيون نوفل.

قُبض مرّة على نوفل، بعد أن عنّف عون مرور في طريق الحمّامات وهو سكران. في مركز الشرطة تلقى نوفل من الصّفع و الرّكل ما لم يكن حتى يتصّوره في خياله. عون المرور وهو ملقى على الأرض خابر زملائه في الدوريّة عن رقم السيّارة و الشخص الذي عنّفه، فتمكّن الأخيرون من القبض عليه وحملوه معهم إلى المركز. أقاموا له هناك حفلة تعذيب دامت حتى الصّباح. الشيء، الذي أجّج من عواطف أعوان الشرطة سلاطة لسان نوفل و تهديدهم بسلطة والده.

قالوا له:" و لو كان أبوك "بن عليّ" شخصيّا، فما هي إلاّ ليلة وفراقها صباح". اضطرّ الوالد بعد ذلك، إلى تهدئة خواطر الجميع بالكثير من المال و تولّى كامل مصاريف علاج عون المرور، الذي عنّفه إبنه.

سي حمد، كان من الذّكاء، حيث أنه تصرّف التصرّف التالي: دخل مركز الشرطة لوحده و دون مرافقة محامي أو أي شخص كان. وجد ابنه مكوّما على الأرض و جسده و وجهه تغطّيه الكدمات الزرقاء والحمراء. أنهضه. بصق على وجهه مباشرة. صفعه و قال له : "هؤلاء الناس يعملون و يسهرون على حمايتك و حماية أمثالك من المستهترين العاطلين و يوفرون للجميع الأمن و الرعاية و ماذا يكون جزاءهم؟...حشرة مثلك أنت تعتدي عليهم، أثناء القيام بمهمّتهم النبيلة...حقير و ابن كلب...لعنة الله عليك"...ثمّ إلتفت للاعوان، الذين كانوا ينظرون إليه مدهوشين و قال:" أعتذر لكم أيّها السادة...". وضع على المكتب مضروفين. يحتوي الأوّل على مبلغ ألف دينار و الثاني على مبلغ خمسمائة دينار، ثم قال :" هذا شكرا لكم على القيام بواجبكم و هذا اعتذارا منيّ لزميلكم...". بعد ذلك غادر سي حمد دون أن يضيف أي كلمة. صعد في سيّارته الرابضة في الخارج و ظلّ ينتظر. قام الأعوان بتمزيق المحضر، الذي أعدّوه ضد ابنه لرفعه إلى المحكمة. حملوا نوفل حتى السيّارة المنتظرة بالخارج و قالوا له في الأثناء:" والدك رجل وسيّد الرجال و أنت فرخ ميبون"...صافحوا سي حمد و غادروا.

اليوم، تُوفي سي حمد و خلّف لنوفل كامل ثروته. جاءت الثورة التونسيّة بعد ذلك. لم يبال بها نوفل في البداية. فاز حزب النهضة في الانتخابات. أصبح الكثيرون ممن دخلوا السجون في مراكز القرار. عليّ لعريّض وبعد أكثر من عشرين سنة بين أقبية وزارة الداخليّة و السجون التونسيّة، يتحوّل بقدرة قادر إلى وزير للداخليّة. هنا بالضبط إستيقظ حقد نوفل و وجد الفرصة سانحة للانتقام من أعوان الداخليّة. تحوّل من شاب مستهتر سكّير إلى آخر مناضل ضد القمع و الإرهاب لأعوان بن عليّ. ارتدى قميصا أفغانيّا وأطال لحية سلفيّة تصل حتى صدره. لم ينخرط في حزب النهضة و لكنّه شارك في غزوة "المُنقالة" وكان من الذين دفعوا أموالا طائلة لتأمين زيارة الشيخ الرديء وجدي غنيم إلى تونس. أنصت لخطابات الغنوشي بانتباه وفهم أن الشرطة والجيش لا زالت تحت سيطرة العلمانيين و لذا وجب الضرب على أيديهم.

هل حرّض نوفل ضد أعوان الشرطة؟ نعم فعل ودفع الأموال من أجل ذلك. دفع لمجموعة من السلفيين والمنحرفين، الذين إقتنوا هراوات و هشّموا مركز الشرطة، الذي قضى فيه ليلته الشهيرة تلك. هل قتل أو ساهم في شراء أسلحة لمواجهتهم؟ كان سيفعل و لكنّه لم يفعل. أحداث الرشّ في سليانة تحت وصاية علي لعريّض، الذي صنّف أنصار الشريعة فيما بعد، تحت لائحة المجموعات الإرهابيّة، منعته من ذلك. أحسّ بالخذلان و كره حركة النهضة.

قرّر نوفل الذهاب إلى سوريا ذلك المساء. قرّر الإنضمام إلى داعش و مقاومة كفّار دولة الشام و العراق في الطرف الآخر من الكوكب. أولئك الكفّار من شيعة و نصيريّة و أزيديّة و كرديّة وعلويّة ودرزيّة ومسيحيّة نصرانيّة و كل من لم يقل لا إلاه إلا الله أو حتى قالها و لكن بطريقة معوجّة شيئا ما. قرّر أن يذبح جميع الكفّار عن بكرة أبيهم و خاصة أولئك الذين يقولون الله أكبر وهم يذبحون واحد آخر يقول هو نفسه الله أكبر...قرّر أن يذبح جماعة الله أكبر و يقول في الأثناء هو نفسه الله أكبر ...

أعدّ كل شيء: جواز السفر. الأموال اللازمة للرحلة...نسّق و خطّط و دبّر... ولكنّ...

كان عائدا من صلاة الفجر إلى المنزل، حين أحسّ أن العرج في رجله اليسرى، قد إختفى أو هو في طريقه إلى الإختفاء. الجُرح الذي في وجهه، لاحظ وهو ينظر في المرآة العاكسة للسيّارة، أنّه قد أصبح أقصر مما كان عليه. عندما حلق لحيته بعد ذلك في البيت، تأكد له بما لا يدع مجالا للشك، أن الجُرح اختفى على مستوى الخد الأيسر و ظل منه أثر طفيف، لا يكاد يرى عند الرقبة.

الأمر الغريب فعلا و الذي جعل نوفل يضطرب و يهتزّ نفسيّا هزّة شديدة، هو أنّ كلام الإمام الخطيب البارحة أثناء خطبة الجمعة لم يؤثّر فيه كالعادة. لم يرتح له، وهو الذي كان من أكبر مُعجبيه. كلام الإمام المتشدّد، كان غير مقبول. غير معقول. لقد وصل به الأمر، حتى الشعور بالإنزعاج. ثمّة شعور قديم عاود نوفل. شعور بالإحتقار لهذا الرّجل و راودته رغبة في أن يصعد إلى المنبر و يقذف في وجهه بمُحتوى كأس من الويسكي.

كان الإمام يقول: الإسلام هو دين و دُنيا و هؤلاء الخونة العلمانييّون، يريدون فصل الدين عن الدولة. لن يكون لهم هذا و لو على جثثنا. سوف نحاربهم و نجهادهم في أي مكان في العالم. سوف نقتل رجالهم ونسبي نساءهم و نستعبد أطفالهم. ما يفعله بشّار المُجرم بالسوريين، سوف يدفع ثمنه هو و من ولاه من جنود الشّيطان. سوف نقتل منهم كما قتلوا منّا. البقاء للإسلام والمسلمين... لا ديموقراطيّة ولا ديموقراطييّن... واللعنة على الكافرين...يقول تعالى:" فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ...".

لم يدر نوفل كيف كان يستسيغ هذا الرّجل؟ شارب محفوف و لحية قذرة هائجة عُفي عنها. جبّة رماديّة كالحة كلون وجهه و عينيه الكابيتين. داهمه الغثيان أكثر من مرّة وهو يستمع إلى صوته الأجشّ القاسي. لو أراد هذا الرجل أن يدخل إلى المرقص، الذي كان يرتاده نوفل فيما مضى، فسوف يرشي حتى حرّاس المرقص المُجاور، كي يمنعوه. أمّا إذا حاول التقرّب من إحدى الإناث، اللواتي كنّ يحطن به، فإنّه سوف يتولى بنفسه تحطيم وجهه.

كانت هذه الخواطر تنثال على عقل نوفل كما ضباب كثيف، فأحسّ بتعب شديد و جلس على حافة سريره. وضع رأسه بين يديه، كمن يشكو من صداع قاتل. دخلت والدته إلى غرفته، فوجدته على تلك الحال. إنفطر قلبها وهي الحازمة الصارمة، التي لا تبالي بغير المال و الأعمال. سألته عن الأمر. رفع إليها عينين مغرورقتين بالدموع. نهض واقفا. عانقها و أجهش ببكاء مُمضّ حارق. توتّر جسد الأمّ في البداية و ذراعا ابنها تحيطان بها، كما لم تفعلا منذ أن كان طفلا صغيرا في المدرسة. و لكن ما أحسّته بعد ذلك، كان شيئا أبعد من حنان الأمومة. أبعد من أي عاطفة أخرى أحسّتها في حياتها تجاه هذا الإبن البعيد. كان ثمّة إحساس بالغفران و المحبّة ولوم النفس على إبعاد هذا الطفل المسكين من قلبها طيلة هذه السنين. طوقته بذراعيها هي الأخرى وقالت له بكلمات تقطعها الدموع:" لا بأس...لا بأس عليك...يا إبني الحبيب...الغد... قطعا سوف يكون أفضل...".

عندما غادرت الأمّ، رفع نوفل غطاء سريره. أخرج كل الوثائق، التي أعدّها للسفر إلى سوريا. مزّقها وألقى بها في سلّة القمامة. عاد إلى المرآة و تثبّت من الجرح، الذي في وجهه. كان الجرح قد تحوّل فعلا إلى خدش صغير بالكاد يلاحظه المرء.

الأستاذة سامية هي خرّيجة كليّة الحقوق بتونس. تعمل كمحامية في مكتب بنهج كمال أتاتورك. كان المكتب في البداية على ملك محامي آخر من معارف والدها، الذي توسّط لها، لكي تحصل على غرفة صغيرة، في هذه الشُّقة، التي تحتوي على صالة إستقبال و مطبخ صغير و مرحاض و أربع غرف. الغرفة الكبيرة هي طبعا مكتب سي نجيب الستّينيّ المحامي البارع و صديق والدها. الغرفتين الأخرتين هما أرشيف قضايا سي نجيب، حيث تتكدّس ملفات القضايا من الأرض حتى السقف.

عندما تسلّمت سامية مفاتيح الغرفة و الباب الخارجي للعمارة، جلبت معها حاسوبا ضخما وضعته على الطاولة و كمبيوترا آخر محمولا، لا يفارقها في حلّها و ترحالها و ينام، حتى إلى جانبها في السرير ليلا. جلبت أيضا، بعض الملفّات و وضعتها في رفوف خزانة قديمة موجودة في الغرفة. آلة النسخ الوحيدة وجهازالفاكس موجودين في قاعة الاستقبال، حيث تجلس الكاتبة مدام سنيا.

الأستاذة سامية، كما تصرّ هي نفسها على تلقيبها بلقب الأستاذة، حتى في صفحتها على الفايس بوك، بلغت اليوم الرابعة و الثلاثين من عمّرها. لم تتزوج و ليس لها أطفالا. عاشت قصّة حب مريرة فاشلة وخطبتين فشلتا هما أيضا، بعد أشهر قليلة من الإحتفال بهما.

هي في الأصل امرأة جميلة بالمقاييس التونسيّة للجمال. يعني أنّها تمتلك عيونا خضرا و شعرا أشقرا وبشرة بيضاء تميل كثيرا للصفار، عند أيام دورتها الشهريّة. ليست نحيفة و ليست كذلك سمينة. صدرها معقول و مؤختها نافرة شيئا ما. الأمر الوحيد الذي يزعج الأستاذة، هو نقص الحديد في جسدها. ثمّة أيضا تقصّف في شعرها و أضافرها، يشتدّ كلّما اشتدّ عليها الضغط النفسي، جرّاء العمل أو جرّاء الفشل العاطفي. أمر أخير، ولدت الأستاذة بتفكّك بسيط في عظام الحوض نتيجة خطإ طبيّ، عند إخراجها من رحم أمّها. القابلة، آنذاك تعسّفت شيئا ما في إخراج الجنين من البطن بعد تلك الولادة العسيرة. هذا الأمر جعل من سامية لا تبدّل خطواتها الأولى إلا حين بلغت السنتين من عمرها. و ظلّت مشيتها عسيرة إلى يوم الناس هذا. لا يمكن وصف الأستاذة بالمُعاقة، لأنّها لا تعرج أو تبدل خطى مُلتوية. و لكنّها فقط بطيئة و تحسّ بألم شديد، إذا مشت لمسافات طويلة. و طيلة سنوات الدراسة في المعهد الثانوي أعفيت من حصّة الرياضة.

هذا اليوم، هو يوم جيّد بالنسبة للأستاذة. المحامي سي نجيب أعلن تقاعده و سلّم كل مكتب المحاماة إليها. تسلّمت حتى قضاياه، التي لا زالت عالقة و كلّ زبائنه وذلك بعد إحتفال صغير، أُقيم في المكتب لسي نجيب بهذه المناسبة، نقلت الأستاذة كلّ أشيائها إلى الغرفة الكبيرة. إشترت حاسوبا جديدا و آلة نسخ خاصة بها. كما قرّرت فتح غرف الأرشيف و إلقاء محتوياتها في القمامة، و ذلك طبعا بعد أن خزنت الكاتبة مدام سونيا المُهمّ منها في ذاكرة الكمبيوتر.

الأستاذة قبل أن تصبح أستاذة، كانت مراهقة من النوع الذي يعشق الشعر و حاولت أكثر من مرّة أن تكتب القصيدة الحرّة أو قصيدة النثر، كما يميّز بين ذلك أهل الإختصاص. شعر نزار القبّاني و شعر محمود درويش كان يعجبها. و لكن أيّام الجامعة، حوّلت اهتمامها للسياسة. أحبّت خطيبا مفوّها من إتّحاد الطلبة.

لم تؤمن بأفكاره الثوريّة، كإيمانها بامكانيّة الزواج به يوما ما. كان يُعجبها حُظروه المسرحي فوق صخرة سقراط بكليّة الحقوق في تونس. طريقته في تحدّي الشرطة و معاملته الراقية للطالبات. عكس الشباب الآخرين، الذين كانت ترى في عيونهم عطش الذئاب المسعورة للجنس و الجنس لا أكثر.

علاقة حُبّ دامت أكثر من سنة و نصف. قرأت بيانات الاتحاد و مقولات 9 أفريل للينين و بعضا من رأس المال لماركس. تعرفت أيضا على تشي غيفارا و أحبّت روايات غارسيا ماركيز. تعلمت كيف تسرق سجائرا من علبة أبيها، لتعطيها لحبيبها المُفلس على مدار الأيّام والأشهر و السنوات.

بعد فشل العلاقة و إكتشاف الخيانات المتعدّدة لحبيبها، قرّرت الأستاذة، أن تبتعد كليّا عن عالم العلاقات الغراميّة و لكنّها حافظت على ولعها بالسياسة. لقد قرّرت أن تدخلها من الباب المعاكس، الذي أدخله منه حبيبها في ما مضى. انخرطت في التجمّع خلسة عن الجميع. خلسة حتى عن أبيها و أمّها. تعرّفت على أشخاص مهمّين علموها معنى الوصوليّة و اللعب في عالم السياسة. عالم السياسة، الذي إختزله في السابق حزب التجمّع.

سي حمد المحامي، دخلت الأستاذة مكتبهُ ليس لأنّه صديق والدها. فلدى سي حمد من الأصدقاء و بنات الأصدقاء ما لا يحصى و لا يعدّ. كانت ورقة الأستاذة الرابحة، أن سي حمد نفسه، كان عضوا بارزا في التّجمع. تعارفهما، تمّ فعلا عن طريق الوالد و لكن الأستاذة، هي من أقنعت سي حمد، حتى يسلّمها مفاتيح مكتبه، الكائن بنهج كمال أتاتورك.

الأستاذة تجيد الكلام و لكنّها تتكلّم كثيرا. الأستاذه تجيد إيجاد الحلول لأغلب القضايا و لكنّها لا تحلّ عمليّا أيّا منها. الأستاذة تجيد ضرب المواعيد و لكنّها لا تلتزم بأيّ منها. الأستاذة تكذب. تنافق. تتحيّل. تأخذ أموال الزبائن و لا تحلّ لهم مشاكلهم. لا تحظر إلا فيما ندر للجلسات القضائيّة، بل ترسل الكاتبة المسكينة مدام سونيا، التي تضاعف عليها العمل منذ تقاعد سي حمد. ورثت الأستاذة اموال الزبائن لترث الكاتبة مشاكلهم.

من الطرائف، التي قامت بها الأستاذة هو تولّيها الدفاع عن مجموعة من السلفيين، قاموا بإحراق مركز للشرطة بعد الثورة. لقد جعلت من السلفيّين، يتحولون أمام القاضي إلى مجموعة من الشباب المهمّش، الذين كانوا لعهد قريب من شاربي الكحول و متعاطي مادة الزطلة. تمّ التّغرير بهم للقيام بهذا العمل من طرف مجموعة سياسيّة، لا تريد صالح هذا الوطن و ناقمة على المنظومة الأمنيّة التي فيه.

الخطيب الأوّل، الذي تقدّم للأستاذة بصحبة أمّه، التي كانت تعرف أمّها، يدعا محمّد. عامل بشركة السكك الحديديّة. يبلغ من العمر أربعين عاما. مطلّق و ليس له أطفال. وافقت الأستاذة تحت ضغط أمّها و تبرّم والدها من عودتها المتأخرة يوميّا إلى البيت و هؤلاء الاشخاص، الذين يرى وجوههم في شاشة حاسوبها الخاص، دون أن يعرف ما الذي يريدونه بالضبط من إبنته.

أعذار من قبيل أنا محامية و إنسانة ناضجة و أعمل بحياتي ما أشاء، لم تعد لتليّن من صلابة الأب، الذي قال لها مرّة:" انسانة حرّة في دارك و في دار راجلك...امّا تحت سقفي أنا، حتى ولو أصبحتي الماجدة وسيلة بورقيبة نفسها و ليس فقط محامية، فأنت لست أكثر من إبنتي، التي يراها الجيران تعود إلى بيت والدها بعد منتصف الليل..."

دامت الخطوبة ستّة أشهر. إستلمت فيها الأستاذة هدايا و مشتريات في موسمين. موسم عيد الإضحى وأخرى في المولد النبوي. كما استلمت سلسلة ذهبيّة و خاتما يعلوه فصّ من الماس و ساعة يد. كل هذه الأشياء إلتقطت لها الأستاذة صورا و شاركتها على صفحتها في الفايس بوك و لكن لم ترجع أيّا منها للخطيب، بعد انفصال الخطيبين.

قالت لوالدها:" هذا الرّجل يريد إستغلالي مادّيا و يطمع في مهنتي كمحامية ناجحة...لن يسترجع أي هديّة من هداياه الحقيرة و إن هو فتح فمه، فسأغلقه له في أقرب سجن للعاصمة..."

الخطيب الثاني، جلبته الأستاذة نفسها إلى المنزل. كان محاميّا زميلا لها. لم يبلغ من العمر إلاّ الثلاثين. حسن الهيئة. رياضيّ القوام. يعود نجاحه في مهنته كمحامي و كعريس محتمل إلى عدّة أسباب، لعلّ أهمّها قدرته الخارقة على الكذب و تلبيس الحقائق و إغواء الزميلات بمظهره الجذّاب و الاستعداد لخطبة أيّا منهنّ، دون أيّة مُعوّقات أو صعوبات.

الأستاذة، كانت تقريبا الضحيّة رقم ثمانية في السنتين الأخيرتين. ما يفعله المحامي الشّاب هو إستغلال لأزمة العنوسة في البلد، كما إستغلّها الغنوشي و بعض أعضاء حزبه و لكن بطريقته و أسلوبه الخاصّين. كان يتعرّف على الواحدة منهن. يتواعد معها. بعض القُبل. بعض الملامسات. الذهاب إلى الفراش، اذا كانت الضحيّة ليس لديها مانع من ذلك. في أغلب الأحيان، إن لم يكن في كلّها، تفتتحُ الضحيّةُ موضوع الخُطوبة و الزواج. لا ينزعج محامينا الشّاب، كما يفعل معظم الرّجال. يتّجه إلى البيت. يحمل معه بعض الهدايا. يخاطب الأب و الأمّ. يطلب منهما يد بنت الحسب و النّسب. بعد شهر أو شهرين أو حتى ثلاثة، المهمّ قبل أن يداهم موسم اهداء الهدايا للخطيبة. يختلق صديقنا مشكلة من الحائط للخطيبة. يخاصمها. لا يقبل منها أيّ شكل من أشكال المصالحة. لا يجيب على محاولات الاتصال به. يلغيها من قائمة الأصدقاء في الفايس بوك. في بعض الحالات تقاوم الضحيّة. تتشبّث. تهدّد. و هنا بالضبط تتلقى الضربة القاضية. بطريقة ما يجعلها تكتشف، أنّ زوج المستقبل يخونها مع أخرى أو حتى أخريات. وهنا ينتهي الموضوع بالنسبة للكثيرات. اللواتي يُصررن على مواصلة الكفاح، تكون نهايتهن فعلا دراميّة. يواصل المحامي ممارسة الجنس معهن و يستعملهن كسلاح لإفشال خطوباته القادمة.

مع الأستاذة لن نتحدّث عن العدل السماوي، كما سيتبادر إلى بعض الأذهان. "ما فعلته بخطيبها الأوّل انتقمت منه العدالة الالاهية عن طريق خطيبها الثاني". لا ليس هذا. ما سنتحدّث عنه هنا هو أمرآخر، هو فتاة مثقفة شابة محامية، تحوّلت إلى امرأة ناقمة قاسية وصوليّة، تدوس كلّ من يعترض سبيلها، نساءا أو رجالا تحت أقدام مصلحتها.

اليوم إفتتحت الأستاذة نهارها بطريقة عاديّة روتينيّة. نهضت صباحا. أعدّت لنفسها قهوة ساخنة. إرتدت ملابسها و غادرت. في الطريق إلى المكتب تنتظر في العادة، حتى تستعمل المصعد للوصول إلى الطابق الرابع. قد يصادف أن يكون المصعد مُعطّلا لسبب أو لآخر. ما تفعله الأستاذة بالضبط، هو أن تعود أدراجها من حيث أتت. لا سبيل إلى تسلّق السلالم. قد يكون ثمّة أمر مهمّ و توجّب حظورها في المكتب. ما تفعله هو الانتظار في مقهى صغيرة جانب العمارة و محاولة الاتصال بالشركة، التي تتولى إصلاح المصاعد.

ما أحسّته الأستاذة ذلك الصباح، كان شعورا غريبا. لم يكن المصعد معطّلا و لكنّها كانت ترغب في تسلّق المدارج. كان باب المصعد مفتوحا أمامها و أحدهم يسألها وهو يضع يده على الزرّ" إلى أي طابق تتجهين؟"...اكتفت بالقول وهي تتراجع بعض الخطوات مبتعدة:" لا...شكرا"

ظلّت للحظات مبهوتة في تصرّفها الغريب. غادرت المبنى و وقفت أمام باب العمارة. جعلت تتأمّل المبنى، الذي كانت تعمل فيه منذ سنوات، كما لم تفعل من قبل. الباب كبير و جميل. الجدران و إن علاها بعض الغُبار، فهي جيّدة و نظيفة مقارنة بجدران العمارات المجاورة. لأوّل مرّة منذ زمن طويل وقفت تتأمّل العابرين و المارّة في الشارع. تنظر إلى السيّارت و الشاحنات تعبر الطريق و تسمع الضجيج، الذي تُصدره المحرّكات. كانت الأستاذة قبل يوم واحد من هذا، لا ترى الناس و لا ترى الأشياء. كانت تنظر فقط إلى الداخل. داخل نفسها المغلقة المصمّتة كعلبة من فولاذ أسود. الأشياء و الأشخاص لا يوجدون بالنسبة لها، إلاّ بقدرعلاقتهم العمليّة بذاتها. هذه الذات، التي كانت محور كل شيء و مداره. لا وجود لأي شيء خارج ذات الأستاذة. رفعت عينيها إلى السماء، فأصابها الهلع من صغر هذه الذات، التي كانت تسجنها، أمام رحابة هذه الغيوم البيضاء و ارتفاعها.

تنفسّت بعُمق و دخلت ثانية إلى العمارة. كانت هناك صعوبة في تسلّق الدّرج. و لكن شتّان بين الألم، الذي كان يصيب أسفل ظهرها بمجرّد أن تسرع شيئا ما في خطواتها و بين هذا الوخز الخفيف وهي تصعد الدرجة بعد الأخرى.

كانت مدام سونيا الكاتبة، مُنكبّة على الملفّات تعمل و قد إنحنى ظهرها و أغبشت عيناها أمام شاشة الكمبيوتر. أحسّت الأستاذة سامية تجاهها بشفقة كبيرة. قالت لها :" صباح الخير". و اتجهت إلى مكتبها ولكنّها سرعان ما عادت أدراجها. عانقت المرأة المبهوتة و قبلتها قبلتين صادقتين على خدّيها. التفتت إلى قاعة الانتظار. كان هناك شخص أنيق تبدو عليه علامات الخطورة و الثراء جالسا على أحد الكراسي. نهض عندما رأى الأستاذة. مدّ يده و صافحها قائلا:" محسن بن فلان، كاتب وزير الدولة للشؤون العقاريّة...السيد الوزير يحتاج إلى خدماتكم...".

سي عبد الباقي

خرج سي عبد الباقي من منزله باتجاه العمل، تاركا وراءه زوجة بها من الدهشة و الإستغراب، ما يعادل دهشة المرء عند رؤيته لديناصور يتجوّل أمام المسرح البلدي.

مدام حبيبة المعلّمة زوجة سي عبد الباقي، كما سبق و أن وصفنا، امرأة جافة نحيلة، ذلك النُّحول الذي لا يعبّر عن رشاقة بقدرما يشي بطبع سامّ قاس يشبه طبع الأفاعي. كان الأولياء، الذين لهم أطفال في فصل مدام حبيبة، لا يتورّعون عن وصفها، فيما بينهم، بتلك المعلّمة المسمامة. طفل على إثنين سبق و إن اشتكى من قسوة المعلّمة، ذات العصا الطويلة التي تخفيها في خزانة الأدوات بالفصل و تلقّبها بمسعودة.

"مسعودة العصا، هي ما يجعل من جدول التصريف و جدول الحساب و نص المحفوظات يُحفظ عن ظهر قلب. مسعودة تفرض الصمت و الالتزام في صفوف الأطفال، مهما كانت درجة مشاغبتهم ومشاكستهم..." هكذا كانت تقول مدام حبيبة دون وازع من خوف أو خشية وهي تشرح الأمر لمجموعة من الزملاء و الزميلات، الذين يعانون تحت وطئة شغب الأطفال في المدرسة.

ما كان يقي مدام حبيبة من العقوبة، التي يمكن أن تلحقها اذا ما إشتكى أحد الأولياء، هو نتائج آخر السّنة. نسبة عالية من الأطفال في صفّها يحقّق النّجاح المطلوب أي الانتقال من الصفّ إلى الصفّ الذي يليه بسلاسة. تعطي مدام حبيبة أيضا دروسا خصوصيّة في بيتها. و ذلك طبعا، حتى توفّر بعض المال، بعد ان يكون الزوج قد خسر الكثير منه في المراهنة على سباق الخيول.

و لكن لمدام حبيبة أيضا عالمها السرّي. عالمها المُغلق، الذي تعدّدت أسراره الخفيّة خاصة بعد انقطاع العلاقة الجنسيّة بينها و بين زوجها منذ ما يزيد عن الخمس سنوات. هي لا تخون زوجها رغم علمها بتلك الشهوة التي يكنّها لزوجة الجار الحاج عمر. تعلم ذلك و قد رأت بأمّ عينيها، كيف كانت الجارة تنشر من حين لآخر، الثياب على حبل الغسيل على السطح المجاور و هي تؤرجح عجيزها العريضة. في حين كان سي عبد الباقي يدخّن بشراهة فوق السطح و يراقبها بعينيه الشّبه عمّتين من تحت نظّاراته الطبيّة. كان يجلس على كرسيّ هناك واضعا رجلا فوق أخرى، متظاهرا بقراءة الجريدة و شرب قهوة الفيلتر، التي يعدّها لنفسه.

" هذا الأصلع الدميم المُفلس، يطمع حقا في هذه المرأة الشابة...أنا نفسي لم أدر كيف تركته يوما ما يلمسني..." كانت تقول مدام حبيبة بينها و بين نفسها، ثمّ تنصرف و قد إمتلأت روحها إحتقارا له.

من أسرار مدام حبيبة هي صورة تلك الممثّلة التركية الشابة، التي تضعها على بروفيلها في الفايس بوك مع الإسم المُستعار، الذي تستعمله " العاشقة الوحيدة ".

كان أغلب الشباب الفايسبوكي يستعمل في طلب صداقتها، تلك الجملة المملّة:" اللطف عليك من الوحدة." البعض منهم، يكون أكثر جرأة، فيكتب لها في مراسلة خاصة:" لوحدك تعشقين...و أنا موجود؟..."

طوّرت مدام حبيبة مع الأيّام و الأسابيع، علاقة مثيرة مع شخص أثيري، الأمر الذي وصل بها إلى حد إرسال بعض صور أعضائها الحميمة دون أن يتبيّن المرء وجهها. التقطت هذه الصور وهي تحت الدوش أو تهمّ بالنوم بواسطة جوّالها، ثمّ أرسلتها له في رسالة خاصة.

مدام حبيبة تعرف وجه الشاب وعمره و مهنته، في حين لا يعرف هو إلاّ صورة مؤخرتها و طبعا اسما مستعارا و صورة لوجه ممثّلة تركيّة.

كانت مدام حبيبة من حين لآخر، تمارس العادة السريّة على صور حميمة لجسد هذا الشاب. صور أرسلها لها وهو يعتقد أنّه و لابد لهذه العاشقة الوحيدة، أن تطلب مقابلته يوما ما.

من أسرار مدام حبيبة أيضا، أنّها مصابة بمرض نادر وهو تشوّه خلقي في المبيضين، الأمر الذي يجعل من أيام دورتها الشهريّة أيّاما جحيميّة، كما حرمها من الإنجاب طيلة حياتها. مدام حبيبة تشتهي الجنس ولكنّها حمدت ربّها عند إنقطاعه مع زوجها. كانت العادة السريّة و الدخول في علاقة جنسيّة مع ذاتها وجسدها أرتح و أكثر متعة من تلك، التي كانت تعيشها مع سي عبد الباقي.

من عوارض هذا المرض كذلك، هو قسوة مدام حبيبة حتى على الأطفال و مزاجها العكر أغلب الأوقات. إحتقار كبير، للذين يعشقون و للمعشوقات الحمقاوات. رغبة ملحّة تراودها، من حين لآخر، وهي انقراض الحبّ من على وجه الكوكب و إنقراض سي عبد الباقي أيضا. إنقراضه كصنف من الرّجال، يكفي أن تراه إمرأة، حتى تأتيها الرغبة في الغثيان. كان يجلس على السطح بجسمه النحيف و رأسه الأصلع و وجه الرمادي و هو يراقب الجارة، فيبدو لها كقلم رصاص قديم، يعلوه مُمحاة مُهترىء لأحد التلاميذ الفقراء. جعلها هذا التشبيه، تبتسم بينها و بين نفسها و تتمنى أن تلقي بزوجها في سلّة القمامة، الموجودة إلى جانب الصبّورة في الفصل.

هل تحبّ مدام حبيبة المال؟ طبعا...و كأغلب التونسيين و التونسيّات و ذلك خاصة، عندما يكون مالا سهلا أو آت بطريقة مُلتوية شيئا ما. قد تعطف مدام حبيبة على أحد الأطفال، فتقللّ من زيارات العصا مسعودة فوق يديه، و ذلك طبعا، بعد بعض المُحاباة الماديّة الخاصّة من أولياء أمره.

قد يتساءل البعض، ما الذي يدفع الزوجين لمواصلة هذه المعيشة الضنكة تحت سقف واحد؟ لماذا لا يطلّقان بالتي هي أحسن و يتجّه كلّ واحد منهما لبناء حياة جديدة؟...السبب بسيط جدّا و واضح. سي عبد الباقي لا يزعج زوجته و لا يطالبها بممارسة الجنس، كما لا يهتمّ، إن هي تأخرت في العودة إلى البيت. لا يهتمّ إن هي سافرت أو حتى ماتت. لا يلمس أشياءها كهاتفها النقّال أو حاسوبها المحمول. نفس الشيء تأتيه الزوجة. لا يهمّها إن تأخر زوجها أو سكر أو حتى دهسه أحد الخيول، التي يراهن عليها. يقتسم الإثنان المنزل و يدفعان ثمن كراءه بالتساوي. فاتورة الماء و الضوء و الانترنات يدفعانها أيضا بالتساوي. كلّ له غرفته و كلّ يطبخ لنفسه أو يجلب أكلا من الشارع. لماذا الطلاق و مصاريف القضاء و الفضائح أمام الناس؟ لماذا الدخول في علاقة أخرى و المغامرة بحياة جديدة، قد يكون فيها الازعاج أكثر من الحبّ؟ هذا طبعا، إضافة إلى أمر آخر مهمّ جدا: الزوجان يعرفان تماما امكانياتهما الجماليّة ماديّا و معنويّا و يعرفان، أنّ امكانيّة وقوع أحد جنس بني البشر في حبّهما، إمكانيّة أضعف من الفوز في البرموسبور أو الشفاء من داء النقرس.

لكن ذلك الصباح و في الأيّام التالية للأسبوع، تغيّر الكثير في حياة الزوجين.

سي عبد الباقي، تحوّل لونه من الرمادي إلى بعض الإحمرار و النّضارة في جلدته. وجهه صار أكثر إشراقا و بشرا. إستغنى أمام دهشة الطبيب و بعض معارفه، عن النظارات الطبيّة تماما. أضراسه المنخورة لو رآها طبيب الأسنان، لأصبح على قناعة كاملة، أن نفس طبيب أسنان الفنّانة أنغام هو الذي تولّى علاجه. لن نتحدّث عن قرحة المعدة و وجع الكلى و البلغم، الذي يملأ رئتيه و بلعومه، لأنّها أصبحت فعلا، من أحاديث الماضي.

و لكن يبقى التغيّر الحقيقي، هو سلوك سي عبد الباقي. لقد أصبح يحبّ عمله. يأتي في المواعيد. يخدم المواطنين، حتى اللّجوجين منهم، بصبر و إخلاص. رفض في أكثر من مناسبة بعض الرشوات الصغيرة، التي كان يقبلها بصدر رحب و حتى يسعى إليها. جُنّ سي عبد الباقي تماما و ذلك حين توقّف عن لعب القُمار و توقّف عن إغتياب زوجته مع نُدماء يوم السبت.

مدام حبيبة، بدت عليها الأعراض مُباشرة، بعد لمس أناملها لأنامل زوجها وهي تقدّم له القهوة ذلك الصباح.

الأمر، الذي فعلته أصابها هي نفسها بالحيرة، لقد دخلت غرفة زوجها و لأوّل مرّة، منذ أكثر من أربع سنوات. رتّبت له سريره. وضعت أغراضه الملقاة هنا و هناك في مكانها. حملت بعض ثيابه المتّسخة ووضعتها في آلة الغسيل. فتحت النافذة، حتى يدخل بعض الهواء النظيف، هذا إن وُجد طبعا، إلى الغرفة ليطرد منها رائحة النوم.

إتجهت إلى عملها. عند دخولها تبادلت تقريبا مع الجميع ابتسامة بشوشة و تحيّة الصباح. ثمّة ذهول أصاب زميلتها مدام نبيلة و التي تعرف حقا من تكون هذه الزّميلة المسمامة. شكّت في أمر التحيّة والإبتسامة و قالت في نفسها:" لابدّ و أنّها تخطط لها لمصيبة ما، مع مدير هذه المدرسة..."

في الفصل، لم تضرب مدام حبيبة و طيلة حصتين كاملتين، صباحيّة و أخرى مسائيّة، أيّ تلميذ. إكتفت بمعاقبة أحدهم، لم يحفظ قصيدة " أحبّ البلاد" و ذلك بكتابتها خمسة مرّات متتالية، عندما يعود إلى البيت.

في اليوم التالي، كان ما حدث لمدام حبيبة حقا من المعجزات. لقد بدأت دورتها الشهريّة الجحيميّة. كان الألم هذه المرّة ضعيفا جدّا. في العادة تعدّ كميّة هائلة من المسكّنات و تبتلع لترات كاملة من سائل الطرنجيّة المهدّئة لآلام الدورة. ما فعلته هو إبتلاع قرص واحد مسكّن قبل أن يفاجئها الدمّ، تقيّأته في ما بعد و ألقت بباقي محتوى العلبة في سلّة المُهملات. أمضت يومها مع بعض الألم الطفيف في مبيضها. وكثير من الفرح لهذا التحوّل المُفاجىء في جسدها.

عندما عاد سي عبد الباقي مساءا من عمله، لاحظ أنّ طاولة المطبخ، قد نقلت إلى غرفة الجلوس. كان فوقها صحن كبير جميل تحيط به كأسين مترعتين باللبن. كما كان هناك صحن آخر يحتوي على غلال رُصفت بطريقة أنيقة. رفع الغطاء عن الصحن الكبير، فارتمت في أحضانه رائحة الكسكسي الزكيّة الشهيّة، كما ترتمي عاشقة في أحضان حبيبها. لم يستطع رفع رأسه عن الصحن إلاّ بصعوبة. تمنى أن يظل يعبّ من هذه الرائحة طيلة الليل. خرجت مدام حبيبة من المطبخ وهي تحمل بين يديها صينيّة تعلوها بعض كؤوس الشاي و قطع من المرطبات الفخمة. أرجع الزوج الجائع الغطاء بسرعة فوق صحن الكسكسي و همّ بالانصراف إلى غرفته. لحقه صوت زوجته :" إلى أين؟...هذا الطعام لك"

الشعور الذي داهم سي عبد الباقي، يشبه شعور الحاج و هو يتعلّق بأستار الكعبة و يقبّل الحجر الأسود. و لكن صاحبنا تمكّن من كبح جماح نفسه و لم ينفجر بالبكاء. عاد و جلس إلى الطاولة، فجلست إلى جانبه زوجته و هما يعرفان أنّهما فعلا، قد أصيبا بمرض خطير غريب يحار فيه الأطبّاء.

نوفل

بعد أن حلق تلك اللحية، التي كادت تبلغ صدره. إغتسل و إستعمل لذلك شامبو فاخر إشتراه من السوق الحرّة بالمطار. تعطّر بعطر باذخ من قارورة لم يستعملها منذ شهور، أي منذ أن أصبح سلفيّا يستعمل ذلك العطر المقدّس، الذي يستعمله التونسيّون في العادة، بعد غسل موتاهم. جمع تلك الخرق الأفغانية، التي كان يرتديها و ألقى بها في القمامة. ألقى معها أيضا عود لاراك و مسبحة و سجّادة في نفس القمامة. فتح حاسوبه المحمول و أغلق حسابه على الفايس بوك المعروف فيه بإسم طارق بن زياد. محا كلّ التسجلات، التي تحتوي على أكثر من مائة خطبة و درس لشيوخ الوهابية في تونس و خارج تونس. محا رقم هاتف كل من بشير بلحسين و عادل العلمي و خميس الماجري و رضا الجوّادي و مختار الجبالي. بعض الكتب، ككتاب عذاب القبر و أهوال القبور و الجان و العفاريت و الطريق إلى الشهادة وغيرها، جمعها كلّها و أحرقها، بعد أن تردّد في إلقائها في القمامة، لأنّها قد تحتوي بعض الآيات القرآنيّة.

إرتدى بدلة فخمة و غادر البيت. في الطريق اعترضته أمّه و لاحظت له إختفاء العرج في رجله اليُسرى، الذي كان يلازم مشيته منذ سنوات. طلبت منه، أن يخطو بعض الخطوات جيئة و ذهابا ، حتى تتأكّد مما تراه عيناها. إستجاب لطلبها. ابتسم لدهشتها البالغة. قبّلها من وجنتها، ثمّ غادر دون أن يقول أيّ شيء. هو نفسه لا يعرف تفسيرا للأمر. كان المهمّ عنده، أنّه بخير. كان فرحا مُنشرحا مُقبلا على الحياة و لم تعنه التفاصيل كثيرا.

اتّجه إلى مرآب السيّارات. إختار اللمبراغيني و انطلق بها إلى مقرّ شركة الوالد في العاصمة. هناك أصيب العمّال بالذهول لرؤيته. و لكن هذا الذهول تضاعف، عندما صافحهم بمودّة، إختفى منها كل ذلك الغرور و التكبّر ، الذين عُرف بهما فيما مضى. إستدعى بعض رؤساء العمّال في الشركة إلى مكتب الوالد القديم. سألهم عن سير الأشغال و ناقش معهم بحلم و تواضع بعض المشاكل العالقة و الحلول اللازمة لذلك. قبل أن يغادر، لم ينس أن ينبّه خبير الحسابات في الشركة بصرف بعض المنح للعمّال بمناسبة إقتراب الموسم الدّراسي للأطفال.

جاءت الأمّ بعد ذلك إلى مقرّ الشركة، فروى لها البعض ما حصل من إبنها. لم تستغرب ذلك. و لكن الإستغراب الحقيقي كان أيضا من نصيب العمّال مرّة أخرى. لقد أمرت هذه المرأة المعروفة بقسوتها وصرامتها و حتى شُحّها، بصرف مبالغ إضافيّة لكلّ عاملات التنظيف بالشركة. و كانت المفاجأة الكبرى عندما تولّت هي بنفسها، تقديم تلك المنح للنساء الفقيرات و قد شكرتهن و قبّلتهن الواحدة تلوى الأخرى.

في الظهيرة، هاتف نوفل أمّه و قال لها، إنّه يريد زيارة قبر والده. الوالد سي حمد، منذ أن دفنوه لم يزوره، كما يقول المثل التونسي. أجابت الوالدة من على الطرف الآخر من الخط، أنّها فعلا هناك، أي أنها في المقبرة، منذ ما يزيد عن الساعة و قد كلّفت أحدهم بإعادة ترميم القبر و طلائه.

في المساء، إجتمع الولد بالوالدة و تدارسا مستقبل الشركة. تناولا طعام العشاء مع بعضهما. و هذا أمر لم يحدث منذ سنين. لم يتطرّق الإثنان للحديث حول ذلك التغيير، الذي طرأ على حياتهما كأمّ و ابنها، كعائلة كانت في الماضي القريب، منفرطة الحبّات كقلادة مُمزّقة من العقيق. كان يعيشان اللحظة و يستمتعان ويخشيان الحديث عنها، كما يخشى المرء الحديث عن حلم خوفا عليه، من أن لا يتحقّق.

لامست الأم خدّ إبنها و لاحظت بصمت اختفاء ذلك الجرح القبيح منه. قالت له بعد ذلك:" نوفل...ألا ترغب في الخروج إلى السّهر و الترويح عن نفسك قليلا؟...أنت شاب وسيم و عليك إلى جانب العمل أن تستمع بحياتك ".

طبع قُبلة على جبينها و اتّجه إلى مرآب السيّارات مرّة أخرى.

أمام باب المرقص، إستقبل الحرّاس نوفل بحرارة كبيرة. صافحوه و فيهم، حتى من عانقه وهو يسأله :"أين إختفيت طيلة هذه المدّة يا رجل؟...". كان يجيب ببشاشة:" عمل...مشاغل...".

الأمر نفسه، تكرّر في الداخل مع النّادل و البارمان و بعض العاملين. صافحهم نوفل و أجابهم نفس الاجابة:" عمل...مشاغل...".

أراد النّادل أن يُنهض بعض الجالسين إلى طاولة في الرُّكن، الذي كان نوفل يحبّذ الجلوس فيه، لكنّ الأخير أمسكه من كتفه برفق و قال له في أذنه:" دعهم في مكانهم...سوف أجلس في مكان آخر...ليس هناك أي مشكل". رغم استغرابه، فإن النّادل إمتثل للأمر و أجلس نوفل في مكان آخر، كان شاغرا بطبعه.

في العادة، لا يضطرّ نوفل لطلب مشروباته و إملائها على النادل، فالأخير يحظر بطريقة آليّة زجاجة فودكا في دلو معدنيّ أنيق مع بعض الكؤوس و عدد كبير من الصحون الصغيرة، التي تحتوي أنواعا متعدّدة من الفواكه و الغلال. يضعها على الطاولة و ينصرف. في آخر السهرة و عندما يهمّ نوفل بالمُغادرة، فإنّه يضع له فاتورة مجحفة في مطويّة جلديّة أنيقة. في العادة تكون هذه الفاتورة مترعة بالغشّ و التحيّل. و لكن نوفل يدفع دون نقاش، بل و يدفع أكثر بكثير من المبلغ المرقون على الفاتورة. ومرّة صادف، أن كان سكرانا أكثر من العادة و في مزاج جيّد أيضا، فعانق النّادل من كتفيه و قال ضاحكا للجالسين إلى طاولته:" أنور النّادل يسرقني منذ أكثر من أربعة سنوات، و لكنّه إلى الآن لم يصبح ثريّا ولم يتحوّل إلى رجل أعمال...إنّه إلى اليوم نادل و إلى اليوم مستمرّ في سرقتي...".

شرب نوفل كأسه الأولى وحيدا و جعل يتأمّل الراقصين و الراقصات فوق الحلبة. أشعل سيجارة وهو يرتخي في جلسته على المقعد الوثير. بعد ما يزيد عن الرُّبع ساعة جاءه أنور النّادل مرّة أخرى و سأله في نوع من الشفقة المصطنعة :" ما بالك اليوم وحيدا؟...أين الجماعة؟...". أجاب :" لم أهاتف أيّا كان...أريد أن أبقى وحدي قليلا ...نحب نشيخ مع راسي..." قال النادل:" حسنا...هل تحتاج شيئا آخر؟" أجاب بهزّة نفي من رأسه، فانصرف النادل.

كان صخب الموسيقى و إنهمار الأضواء، تفعل فعل الحمّام المُنعش في روح نوفل. لقد اشتاق كثيرا لهذه الطقوس الصوتيّة الضوئيّة، التي فارقها منذ أشهر طويلة. وهو الآن، يتمتّع متعة مضاعفة لوحده، خاصة مع غياب تلك المجموعة الوصوليّة، التي كانت تحيط به في حلّه و ترحاله. كان يمارس على هاته المجموعة سابقا، ساديّته و يُمعن في إهانتها و إحتقارها و الاستهزاء بأفرادها، كما كان يفعل خلفاء بني العبّاس أو خلفاء الدولة العثمانيّة بندماء مجالسهم، في ما مضى. لكن نوفل، حتى في حياته السابقة، ورغم النكت و جوّ الضحك، الذي يحيط بجلساته الخمرية، لم يكن سعيدا. إنّه يعرف، أن مجموعته تكرهه رغم كل ما يدفعه. يعرف أن الكثير منهم حاقدين عليه و فيهم حتى من تمنّى، بينه و بين نفسه موته، عند تعرّضه لحوادث المرور تلك أثناء سياقته المتهوّرة. إنّه يعلم، أنّه يوجد بينهم من سأل عن أحوال السيّارة الفخمة، هل تضرّرت أم لا، قبل أن يسأل، هل عاش نوفل أم مات. هي علاقة النديم المفلس بالنديم الثريّ. النديم، الذي قد يدفع لنديمه و لكنّه أيضا يهينه و يسخر منه.

الليلة نوفل جالس بمفرده يشرب فودكاه وحيدا. يتمتّع وحيدا. لا يريد شخصا يتملّق له حتى يدفع. لا يريد أن يسخر من أحد أو يضحك من أحد. إنّه لا يريد حتى أن يغشّه النادل. هي قارورة واحدة و ثمنها معروف و لا يوجد مجال كبير للإجتهاد. نوفل لا يريد حتى فتاة، تجلس إلى جانبه وتضع يدها على قضيبه وهي في الحقيقة تضعها في جيبه.

نوفل يريد أن يبقى وحيدا.

نوفل كان يريد أن يبقى وحيدا.

لقد رآها في وسط حلبة الرّقص. هل هذه هي؟ أم واحدة أخرى؟ الأضواء المُتناثرة المُتتالية المُتسارعة تعوق الرؤية. الموسيقى العالية تعوق التركيز. الأشخاص الكثيرون الذين يحيطون بها، يعوقون هم أيضا الرؤية. لكنّه متأكّد، أنّه لمحها. لمح شعرها. لمح الجانب الأيسر من وجهها، الذي لا يمكن له أن يخطئه. ذلك الجانب، الذي انهمرت فوقه الكثير من الدموع و هي بين أحضانه، في ما مضى. هل هذه هي يُسرى؟ يسرى طالبة الجغرافيا القادمة من أعماق الريف التونسي، والتي كانت صديقته؟ يُسرى الفقيرة الرقيقة، التي أغراها بالمال و الحبّ و حطّم قلبها المحطّم بطبعه، جرّاء الخصاصة و الضياع في العاصمة.

عندما اتجهت الفتاة إلى الجلوس بعد الانتهاء من الرقص، لم يعد لدى نوفل مجال للشكّ في شخصها. إنّها فعلا يُسرى.

نهض و إتّجه إليها. رأته الفتاة، فأرادت أن تفرّ من وجهه. لحق بها. قال لها:" لحظة واحدة، من فضلك...أرجوك...أريد أن أقول لك شيئا.." لم تجب الفتاة و لم تتوقّف، بل واصلت خطواتها الفارّة إلى الخارج، حتى أنّها نسيت أغراضها فوق الكرسيّ داخل المرقص.

سأل الجالسين إلى جانبها، عن أغراضها. حملها و لحق بها. أمام باب المرقص صرخ بها قائلا:" حسنا توقفي قليلا. هذه أغراضك، لقد نسيتها بالدّاخل..."

عادت الفتاة أدراجها لتتسلّم حقيبة يدها و معطفها. كان وجهها يسبح في الدموع. الأمر، الذي انفطر له قلب نوفل. قال لها :" أنا فقط أريد أن أعتذر لك...صدقيني ...أريد فقط أن تسامحيني..."

نظرت في وجهه و أحسّت بصدق كلماته. شعور غريب جعلها تصدّق ما يقول. قاومته و لكنّه كان من القوّة إلى درجة جعلها تقول له:" لقد آذيتني كثيرا...أنت لم تؤذني...أنت قتلتني..." و ازداد انهمار دموعها. خرج الأشخاص، الذين كانوا ساهرين مع يُسرى داخل المرقص، ليتبيّنوا جليّة الأمر، و لكن إشارة طفيفة من رأس نوفل، جعلت الحرّاس يعيدونهم من حيث أتوا و أجلسوهم عُنوة في أمكنتهم، التي كانوا فيها.

عانق نوفل يُسرى وهي تهتزّ كفرخ ذبيح بين يديه من فرط البكاء. فتح باب السيّارة و أجلسها. قال لها:" كل ما أريده يا يُسرى...هو أن أصلح قليلا ما خرّبته في الماضي...إمنحيني فرصة...أرجوك...أنا أعرف أنّك حملتي منّي و تركتك لوحدك تواجهين محنتك...تركتك دون، حتى أن أساعدك في مصاريف الإجهاض...أو حتى أسأل عن حالك..."

قالت له يُسرى وهي ترفع في وجهه عينين متحدّيتين، و قد مسحت عنهما الدموع:" أنا لم أجهض الطفل ولكن لا تخف...أنا لا أحتاجك و لم أحتجك كما تعلم و الطفل أيضا لا يحتاجك...ما أجهضته في الحقيقة من حياتي، هم عائلتي و إخوتي و قريتي...هم لا يعرفون حتى أنّي ما زلت على قيد الحياة..."

و عادت إلى البكاء بقوّة و مرارة.

ما فعله نوفل جعلها تستغرب و تتوقف عن النشيج. لقد أمسك يدها. قبّلها. أحسّت دموعه على ظاهر كفّها قبل أن تراها في وجهه وهو يقول لها:" لا تخشي شيئا...لكلّ مشكلة حلّ...سوف نصلح كلّ شيء...فقط سامحيني...يا حبيبتي..."

الأستاذة...

دخلت الأستاذة إلى مكتبها يصحبها ذلك الشخص المتأنّق، ذلك المدعو محسن بن فلان و الذي قال، أنّه كاتب وزير أملاك الدولة للشؤون العقاريّة. والذي قال أيضا، أنّ السيّد الوزير يحتاج خدمات أستاذتنا.

قالت له و هي تجلس إلى مكتبها و تدعوه إلى الجلوس:" ما الأمر؟ إن شاء الله خير؟"

وضع محسن بن فلان ملفّا ضخما فوق مكتب الأستاذة وهو يقول:" طيّ هذا الملف، ثمّة كلّ الأوراق والمستندات القانونيّة المتعلّقة بالقضيّة. الحكاية في الحقيقة بسيطة و لكنّها تحدث نوعا من الضجيج والقيل و القال، الأمر الذي لا نحتاجه خاصّة في هذه المرحلة الحسّاسة من الانتخابات..." .

قالت الأستاذة و هي تفتح الملف و تلقي نظرة سريعة على محتوياته:" سيّد محسن...ما هي المشكلة بالضبط؟..."

قال في شيء من التوتّر:" القضيّة و ما فيها تتعلّق بموظفة بسيطة في مكتب النيابة العموميّة. موظفة مغمورة تبحث عن الشُهرة، اتجهت إلى إحدى الاذاعات و أدلت بتصريح مغلوط، مفاده أنّ السيّد الوزير إستولى على قطعة أرض تابعة للدولة في منطقة رواد و فرّط فيها بعد ذلك بالبيع إلى أحد الخواص. وهو طبعا أمر غير صحيح...".

كانت الأستاذة في الأثناء تتصفّح الأوراق الموجودة داخل الملف، دون أن تولي عناية كبيرة لمخاطبها. ثمّ قالت:" هل قامت هذه الموظفة المغمورة بتقديم شكوى في حق المدّعى عليه؟...أقصد شكوى قانونيّة إلى السيد وكيل النيابة؟ "

بارتباك أجاب:" للأسف نعم. و قد قامت أيضا برفع نسخة من ملف القضيّة إلى الهيئة القضائيّة بمحكمة الناحية بتونس"...صمت كاتب الوزير قليلا، ثمّ أضاف بصوت مرتفع أراد من وراءه رفع عيني الأستاذة عن الأوراق و الانتباه إليه:" سيدي الوزير يبلّغك تحيّاته و تحيّات سي نجيب المحامي الفذّ و المالك السابق لهذا المكتب و يقول لك لو نجحتي في إنصافه أمام القضاء، فإنّ الفرحة سوف تكون من نصيب الجميع و خاصّة من نصيبك..."

لو أن هذا المدعو بمحسن كاتب الوزير، قد زار مكتب الأستاذة قبل أسبوع واحد فقط من هذا اليوم، لكانت الأستاذة قامت بالتالي: ركنت الملف المنتفخ بالأوراق في دُرج المكتب. طلبت مشروبا لزبونها الفخم. أرسلت الكاتبة مدام سنيا لشراء هديّة صغيرة من محلّ العطورات الموجود في آخرالشارع، ثمّ قامت بوضعها إلى جانب رسالة أنيقة، كُتب عليها:" سيدي الوزير... شكرا لثقتكم في شخصنا المتواضع و سوف يتمّ سيدي إنصافكم أمام القضاء في أقرب فرصة...مع تحيّات الأستاذة..".

كانت ستضع كل هذا في علبة جميلة و تقدّمها لزائرها و هي ترافقه إلى باب المكتب قائلة:" أبلغوا من فضلكم... تحيّاتي الحارّة للسيد الوزير و احتراماتي لشخصه الكريم و قولوا له، إنّ الأستاذة لن يغمض لها جفن قبل إنصافكم و حمايتكم من هؤلاء الأشخاص الوُصُوليين المُتسلقين على شرف الناس، التي تعمل ليلا نهارا لخير هذا الوطن..." و لكانت فوق هذا، قدمت إعتذاراتها لإهدارها الوقت الثمين لزائرها المُهمّ.

و لكن ما حصل هو أمر آخر...أمر آخر تماما...

لم تغلق الأستاذة الملف و لم تضعه في دُرج المكتب، بل واصلت تصفّح الأوراق بدقّة، كما أنّها لم تُعر الجملة الأخيرة، التي قالها لها كاتب الوزير، أيّ إهتمام. تمنّت أن تطلب الشرطة لهذا الرّجل الفاسد، الذي يريد أن يرشيها و يشتري ذمّتها المهنيّة بالمال هو و وزيره الفاسد. و لكن سوف يكون ذلك تصرّفا مبالغا فيه. هي في الأخير محامية و شرط مهنتها الأوّل، هو الدفاع عن موكّلها إذا ما أقنعها ببرائته أو رفض إستلام القضيّة من أساسها.

قالت الأستاذة:" هذه الوثيقة تثبت إمتلاك الوزير لهذا العقّار و حوزته له بتاريخ، يعود فقط إلى الشهر الماضي. و هذه تثبت بيعه للمدعو فلان الفولاني بقيمة مليار و نصف و ذلك منذ أسبوعين. العقّار موضوع النّزاع هو على ملك الدولة و تقدّر قيمته التقريبيّة بسبعة مليارات من المليمات التونسيّة وفقا لأسعار السوق الحاليّة...."

رفعت عينين متسائلتين متشككيتين للكاتب الجالس قبالتها في المكتب. إمتقع لون وجه الأخير و لكنّه تمالك نفسه بسرعة و قال لها:" لهذا يا أستاذة... لجأنا إليك. القضيّة ليست سهلة و يلزمها شخص محنّك وعارف بأسرار المهنة مثلك. الموظفة المغمورة حبكت حولنا نسيجها العنكوبتي، لتوقع بسمعة السيد الوزير قبل الانتخابات. السيد القاضي نفسه قال لنا، إننا نحتاج محاميا بارعا من طرازك..."

قاطعته الأستاذة و قد وقفت بعد أن أغلقت الملف، الذي أمامها قائلة:" أتعرف يا سيّد كاتب الدولة؟ لولا القوانين و الظوابط التي تحكم شرف هذه المهنة و الميثاق المعنوي الموجود بين المحامي و موكّله، لكان لنا شأن آخر و لكان لنا تصرّف آخر، لا أظنه سيفرحك أو يفرح وزيرك أو يفرح حتى سي نجيب..."

قالت ذلك وهي ترجع الملف للكاتب، الذي أحسّ في أذنيه بطنين حاد من فرط سرياليّة الموقف و لا واقعيّته و إحراجه. لم يستطع النهوض و لم يمدّ يده لتسلّم الملف من يد الأستاذة الممدودة إليه.

أرجعت الأستاذة الملف فوق مكتبها و أضافت باقتضاب :" انتهت المقابلة ...شكرا".

كاد وجه الرّجل ينفجر من الغضب. نهض كمن به لسع من النّار. وجّه لها نظرة حقد عميقة بعيدة المدى لا تُسبر أغوارها. خرج دون أن يحمل معه ملف القضيّة.

و كانت تلك غلطته القاتلة...

ما فعلته الأستاذة بعد ذلك، يمكن للكثير منكم، أن يتوقّعه...

رفعت سمّاعة الهاتف. اتّصلت بالموظّفة المغمورة في النيابة العموميّة بعد أن وجدت كل المعلومات الخاصة بها في ملف القضيّة. قالت لها:" أنا الأستاذة سامية المحامية. أنا من كنت سيتولى قضيّة فساد وزير الدولة، للشؤون العقاريّة. ملف القضية، الذي رفعته مشكورة للدائرة القضائية. في العادة و كما تعلمين ثمّة دائما، ميثاق بين المحامي و موكّله. و لكنّي الآن، لا أتكلّم بصفتي تلك. كما أنّي رأيت أنّه ثمّة ميثاق أهمّ. هو ميثاق هذا الوطن و ميثاق فقراء هذا الوطن، هؤلاء الفقراء، الذين زاد في تفقيرهم أنواع هذا الوزير الفاسد. سيّدتي... أشكرك مرّة أخرى و أتمنى أن تتّصلي بي في أقرب فرصة، حتى نتعاون معا على الزجّ بهذا الخائن في السجن..." .

بعد ما يقارب الشهر، كانت الأستاذة سامية جالسة في قاعة القضاء بدائرة الجنايات بتونس العاصمة، كشاهدة في قضية فساد وزير أملاك الدولة للشؤون العقاريّة. كان الوزير مصحوبا بأربعة محامين وقد جلس بينهم في صف الكراسي الأوّل المقابل للقاضي.

الشاهدة الثانية، كانت صديقتنا الموظّفة المغمورة بالنيابة العموميّة. شاهد آخر عرفت فيه الأستاذة كاتب الوزير، الذي سبق و أن زارها في مكتبها.

كانت القاعة تغصّ بالحاضرين. لم تتوقّف فلاشات كاميرات الصحفيين عن اللمعان في عيون الوزير وفي عيون محاميه الأربعة. ثمّة نقل مباشر لأطوار القضية عبر أكثر من خمس قنوات فضائية تونسيّة، إضافة إلى بعض الاذاعات.

طالت المداولات و النقاشات إلى منتصف النهار. أراد القاضي، أن يرفع الجلسة لمواصلة المباحثات والمداولات إلى يوم آخر و لكن ثمة أمر حسم القضيّة. أمر لم يتوقّعه أحد. أمر جعل القاضي يصدر حكمه في نفس اليوم.

" هذا الرجل مذنب. هذا الوزير مزوّر. رأيته بأمّ عيني وهو يستغلّ نفوذه ليحصل على العقار. كنت معه حين أبرم عقد البيع مع الشّاري بثمن بخس. ثمن لا يعادل حتى عُشر القيمة الحقيقيّة للعقّار ملك الدولة. أعرف اسم البنك، الذي أودع فيه المال. و هذه سيدي القاضي كل الوثائق، التي تثبت كلّ كلمة قلتها. تجدون سيدي القاضي أيضا تسجيلا كامل لكلّ ما حدث صوتا و صورة في هذا الفلاش ديسك..."

كان المتحدّث و أمام دهشة الجميع، هو كاتب وزير أملاك الدولة و الشؤون العقاريّة نفسه. السيّد محسن الفلاني.

تسائل البعض، ماذا حدث لكاتب الوزير، حتى يفعل ما فعله بوزيره؟ ...

و لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث للأستاذة سامية الأنانيّة الوصوليّة؟ ما الذي حدث لسي عبد الباقي المقامر المُرتشي و زوجته مدام حبيبة المعلمة المسمامة؟ ما الذي حدث لنوفل المتكبّر المتغطرس، الذي كاد أن يتحوّل إلى إرهابي؟ ما الذي حدث للجميع؟ ماذا حدث للتونسيين؟؟

طبعا لن تجدوا جوابا إلآّ عند الشياطين...فلنعد إذن إلى الشياطين...

عودة إلى الشياطين...

طبعا لمن يهمّه أمر الشياطين..

مرّ الآن على رؤيتي للشياطين آخر مرّة، ثلاثة أشهرأو يزيد. حتى شيطاني نفسه، أصبحت زياراته لي نادرة جدا. في بعض الأحيان أقوم ببعض الأفعال الدنيئة و أريد، كالعادة أن ألبسه التهمة، فلا أنجح...هو بريء، لأنّه ببساطة ليس موجودا!!

يصيبني الملل في بعض الليالي، فأتمنّاه إلى جانبي. كان يحرّضني ابن اللئيمة و يدفعني إلى المغامرة دون قراءة حساب عواقبها. كان يقول " إذا قرأت حساب عواقب المغامرة، فلن تعود مغامرة...يمكن أن تسمّيها مخطط أو تخطيط منظم أو أيّ شيء آخر...أما المغامرة، فهي أمر مختلف...".

كان ثمّة متعة و جنون في مرافقته... حسنا... سوف أدعوه و لتحلّ بي و به اللعنة!

فجأة أقتربت الساعة وإنشقّ القمر و ظهر الشّيطان. دخل رفع زجاجة الويسكي، التي أمامي. تثبّت فيها. قاربت النصف. قال لي : عن أيّة ساعة و عن أيّ قمر تتحدّث؟ أنت معتوه بطبعك و قامت خمرة النصارى الرهيبة هذه بإتلاف ما تبقى من دماغك... انهض!

قلت له:" إلى أين؟"

قال:" الجماعة يحتاجونك في المخبر..."

لم يترك لي فرصة لمزيد الإستفسار، فقد وجدت نفسي فعلا في المخبر و شيطانا كلّ من ابن سينا و ابن الجزّار أمامي . كانا يعالجان شاشة كبيرة، تتوسّط القاعة. كانا يبحثان بإستعمال جهاز التحكّم عن بُعد عن قناة معيّنة. لم يعيراني إهتماما، فجلستُ في صمت أراقبهما. ألقيت نظرة عابرة على المكان. كتب قديمة و أخرى حديثة. كتب بالعربيّة و الفارسيّة و الألمانيّة و الانجليزيّة. أنابيب تجارب. قفص فئران. أصص نباتات مختلفة الأشكال و الألوان. ثمّة قرد شنمبانزي لا يتوقف عن النظر إليّ بعينين متشككتين. ثمّة أرنب بيضاء جميلة. ثعبان أصفر يتشبث بغصن و يبدو على درجة عالية من السُمّية.

و لكن ثمة شيء أهمّ من هذا كلّه. أهمّ من كلّ هذه الأشياء، التي جلبها هؤلاء المجانين الشياطين. ثمّة رائحة. رائحة العمل. عمل شاق مُستمر مُجتهد لا يعرف الإرتخاء أو التكاسل. هؤلاء القوم من الشياطين، هم فعلا مُثابرون.

و فجأة رأيته. لمحته بطرف عيني. أعدتُ النّظر و أنا أفرك عينيّ. قلت في نفسي:" لا ...لا يمكن أن يكون هذا الذي أراه حقيقة. لا يمكن. لابدّ إنّه فعل الويسكي..." نهضت و إتّجهت إليه. استوقفني صوت شيطان ابن سينا:" لا تلمس شيئا...و لا تقترب".

قلت بصوت متحشرج من فرط الصدمة:" هل هذا حقّا جسد إنسان؟...هل هذه جثّة؟...مجانين و ربّ الكعبة...سوف يُزجّ بنا جميعا فى السّجن..."

قال شيطان ابن سينا وهو لا يتوقّف عن العبث بجهاز التحكّم و تغيير القنوات على الشاشة:" هذا أمر فعلته منذ ألف عام و لم أخش شيئا...فكيف لا أفعله الآن؟...نحن نحتاج ذلك للعمل ".

كان الممدّد على الطاولة في أقصى المخبر جسم رجل ميّت. لم أشعر بالخوف. ما شعرت به هو الفضول. لم أر في حياتي جسم رجل ميّت. الوحيد الذي رأيته هو والدي رحمه الله و قد كان ذلك لدقائق معدودة. طلب منّي الناس آنذاك، أن أساعد في عمليّة تغسيل جثمان والدي. و لكنّي رفضت ذلك رفضا قاطعا. لقد كان ذلك قرارا صائبا. أخي الأصغر منّي والذي حظر عملية الغسل تلك، لم تفارقه صورة الجثّة طيلة أعوام. أمّا ما أحتفظ به أنا في خيالي، فهو أب يضحك لنكتي التي أرويها له. والد فرح لنجاحي في الباكلوريا. والد حزين لسفري. والد في قبر و لكنّه حيّ يُرزق في رأسي.

المهمّ، كان بي فضول شديد لرؤية الجثّة. كان الشخص الميّت ممددا على ظهره. تغطي كامل جسده قماشة خضراء كبيرة. اقتربت أكثر و ذلك خلسة من شيطان ابن سينا. ثمّة جانب منزوع من القماشة. تثبّت فيه، فرأيت ثقبا كبيرا برزت منه بعض الأمعاء و جانب من الكبد و المعدة. ثمة أيضا حفر في الرأس، يبدو أنّه أُستعمل لانتزاع أجزاء من المخّ. و هنا بالضبط، أحسستُ بإلتواء في معدتي و داهمني الغثيان. قبل أن أسقط في تلك الغيبوبة القصيرة، سمعت شيطاني يقول لي في غضب:" ألم يقل لك لا تقترب من الجثّة...أيّها الأحمق..." أقسمتُ و أنا في حالتي تلك، أن أشتمه و حتى أصفعه، فور إسترجاعي لوعي...ابن العاهرة هذا...

نهضت بعد ذلك، لأجد نفسي ممدّدا علي سريري في غرفتي و الشياطين تحيط بي. قدّم لي شيطان ابن الجزّار مشكورا ـ لو جاز شكر الشياطين طبعا ـ كأسا فيه منقوع حشائش غريبة. شربتها دون اعتراض. شعرت في الحال بتحسّن كبير. نهضت و جلست على حافة السرير. لاحظت إضافة إلى وجود شيطان ابن سينا و ابن الجزار و شيطاني الخاص، وجود شيطان آخر لا أعرفه. قال لي معرّفا بنفسه:" أنا شيطان ابن بطّوطة. زرت في ما مضى مع صاحبي إقليم تونس و قد قال فيها:" و عندما وصلت إلى تونس برز أهلها...فأقبل بعضهم على بعض بالسلام و السؤال، ولم يسلّم عليّ أحد لعدم معرفتي بهم، فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك سوابق العبرة و اشتدّ بكائي، فشعر بحالي بعض الحجاج، فأقبل عليّا بالسلام و الإيناس و ما زال يؤانسني بحديثه حتى دخلت المدينة.."

و أنا هنا اليوم، لأني أعدت زيارة تونس و لي من الأخبار ما يجب أن تسمعه.

شكرته و أردت أن أقدّم له شيئا كواجب الضيافة، خاصة و أنا أعرف، أنّه حسّاس كسيّده و ذلك رغم وهني. لكن على ما يبدو أنّ شيطاني قام بالواجب، ففي يد الشّيطان رأيت كأسا مليئة بعصير التفّاح، الذي اشتريته يوم أمس مع زجاجة الويسكي و بعض المشتريات الأخرى.

و لكنّي رغم ذلك أصررت، أن أقدّم له قطعة جبن أنيقة من الأجبان الفرنسيّة اللذيذة، التي جلبتها بعد زيارتي الأخيرة لعائلة أخي في مدينة ليون، كما قدمت له شريحة سمك مدخّن ألمانيّة. طبعا و لم لا؟...فالسيّد، يُعتبر نسيبنا بعد أن تزوّج إمرأة صفاقسيّة، كما ورد في سيرته.

قلت بعد ذلك، لشيطان ابن بطوطة:" ما هي الأخبار الأخيرة في تونس؟...إرو لنا أيّها الرحّالة العظيم..."

رحلة شيطان ابن بطوطة إلى تونس:

" و دخلنا تونس في يوم الخميس الموافق ل 14 جانفي لسنة 2016 من ميلاد المسيح. حطّت بنا الطائرة في مطار يقال له مطار تونس قرطاج. وتونس هي عاصمة هذا القطر، الذي يسميه أهله بالجمهوريّة التونسيّة. ويبدو أن القوم هناك، قد اتخذوا تلك السبيل لتسيير أمور دنياهم، دونما حاجة لملك أو خليفة. لم نجد في تونس حاكما بأمر الله أو متوكّلا عليه، لشكم الرعيّة و أداء الجباية لبيت مال المسلمين أو توجيه فيء من الغنائم و الخراج لسلطان المسلمين أو لخليفة الله عليهم. ما كان في تونس هو رجل، يدعونه الرئيس، يتولى تسيير شؤون الناس و لكن تبقى مهمّته الأصليّة، هي التعامل مع ديار الفرنجة و ديار العرب الآخرين و حتى ديار الرُّوسة و ديار التُرك و ديار الفرس و كذلك ديار الشرك من عبدة الأوثان من شعوب الصين واليابان. يُعين الرئيس مجموعة من الناس بين رجال و نساء يدعونهم بالوزراء. وهؤلاء تحاسبهم طائفة أخرى يسمونهم بأعضاء البرلمان، فيمثل الواحد فيهم، كما يمثل مجرم أمام القاضي في دار القضاء. دار البرلمان هذه، دار كبيرة جميلة تحيط بها حدائق كحدائق الأندلس أيّام حكم الوليد ابن أبيه. تحت قبّة الدار، تنعقد المجالسات و الحوارات و النقاشات و المحاسبات. ثمة قوم ضد قوم آخرين يسمونهم المعارضة أو المعارضين. تسمع الكل يتحدث، فيشتم و يهجو و يقترح و يتوعد دونما خوف أو قيد. قد يشتم فيهم الواحد الآخر و يتّهمه بالسرقة و التواكل و الرشوة و يهجوه و يقرّعه، و لكن العجب العجاب، أنّه بعد إنتهاء ذلك، يعانق فيهم الواحد الآخر و يُحادثه و يُضاحكه و كأنّ ما كان، لم يكن أبدا.

أهل تونس في الغالب الأعمّ، طيبون هادئي الطبع و نقيي السريرة و لكن يكفي، ان تهين أحدهم و لو بنظرة خاطئة، حتى تنفتح عليك أبواب الجحيم. فيهم من يصلي و يقيم شؤون دينه و فيهم من يسكر ويتعبّد في حانات البلد العديدة. لهم جامعات العلوم و كليّات الطب و الصيدلة و الآداب و الفنون و لهم كذلك بيوت الله، التي يذكر فيها إسمه في أطراف الليل وآناء النهار، كما لهم دور الدعارة، التي تشرف عليها الدولة و تنظمها و تعالج، حتى الخادمات بها وتحميهن و تكفيهن شرّ السفلة و المُنحطّين من القوم.

قيل لنا من بعض الثقاة، أنّه و منذ ما يقارب الخمس سنوات، قامت هوجة في البلد يسمّونها الثورة، كان من نتائجها، هرب الرئيس السابق و بعض من عائلته و ذويه و لجوءه إلى أرض الحجاز، حيث يحكم قوم يقال لهم: آل سعود.

بعد الثورة تحدّث القوم عن العدل و العمران وهم طبعا أهلها، فمنهم جاء العالم العلاّمة عبد الرحمان بن خلدون. تناقشوا تجادلوا و قاموا بأمر يدعونه الانتخابات، حتى يختاروا أولي الأمر منهم و حتى هذا، الذي يسمّونه رئيسا.

تولى حكم الناس بعد ذلك، قوم يدعونهم بالنهضاويين. فيهم رجل يدعا الغنوشي وهو على ما يبدو زعيمهم و كبيرهم الذي علّمهم السحر، كما يروق لمعارضيهم و مناوئيهم أن يصفوه.

الغنوشي هذا، شيخ سبعيني، يريد إعادة الحكم بأمر الله في تونس و قد عاد إلى البلد بعد هوجة الثورة. وبعد أن كان هاربا في ديار الكفر، لأكثر من عشرين عاما، عند قوم يدعونهم بالإنجليز.

إنقسم ساسة البلد و حاكموه إلى شقّين، شقّ يريد العودة إلى الخلافة و الحكم بحكم المتوكّل و المعتضد والمعصوم و شقّ يسمونه يسارا أو علمانا أو شيوعا. فتكاره الناس و تخاصموا و نسوا، كما يقول البعض المطالب الأساسية للهوجة، ألا وهي العمل و الحريّة و الكرامة.

تفاقم الفقر و قلّت ذات اليد و زادت الحاجة. تمتّع الساسة من الشقين بالمال و المتاع و تأجج غضب الجياع و المحرومين.

بعد ذلك، صعد رجل يقال له السبسي إلى سدّة الحكم و ذهب إلى قصر قرطاج... قصر المُلك. إختارت هذا الرجل مليون امرأة من نساء تونس. هو أيضا شيخ تسعيني، يتندّر بعض معارضيه قائلين أنّه درس في نفس الصف المدرسي مع حنّبعل. حنّبعل القائد القرطاجي، الذي هزم الروم... )وهم بعد غلبتهم لمنتصرون( و ذلك قبل، أن يحلّ الاسلام بأرض البربر بأكثر من ألف عام.

شباب تونس قام بالهوجة و شيوخها تولوا حكمها، فضاق الناس بالظلم و الفساد و ذهب الكثير منهم لقتل المسلمين و الكافرين في أرض الشام و العراق و عُرف جهاد جديد يسمى بجهاد النّكاح، وهو ـ و العياذ بالله ـ زنا مباح.

و لكن ما حدث في تونس بعد ذلك، هو حقا لأمر غريب...أمر يجب أن أرويه، حتى يحتار السامع ويبهت الرائي...)و بُهت الذي كفر...(

قلت للشيطان المتربع أمامي على وسادة وضعتها له على كرسي في المطبخ، وهو يرتشف من حين لآخر، عصير تفّاحه:" هيت لي أيها الرحّالة العظيم...كلّي آذان صاغية".

عدّل شيطان الرحّالة من جلسته، ثمّ قال:" دخلنا إلى حيّ يقال له حيّ التضامن. وهو حيّ عرف في قُطر تونس بفقره و كثرة ساكنيه. تنتشر فيه الجرائم و المحرّمات ما ظهر منها و ما بطن و تنتشر فيه أيضا، والعياذ بالله، عقوق الله و عقوق أولياءه من الصالحين الباريّن. حتى أنّ من كان يدعو الناس للصلاح والتقوى، هو في الأكثر فتّان أشر. يدعو المسلمين إلى قتال المسلمين، وذلك من فوق منابر و بيوت أمر الله، ان يذكر فيها إسمه و إسمه فحسب.

شوهد في هذا الحيّ بعد ذلك، أناس يتصافحون و يتراحمون. شوهد جار ينظف قذورات من أمام بيت جاره. شوهد صبيّ يبيع خبزا لإطعام والديه الفقيرين، فينال أجرا مضاعفا أضعافا عديدة لبضاعته، وذلك من عليّة القوم كما من متوسّطيهم. شوهد أحدب كسيح، كان يتسوّل في الأسواق و قد تحوّل إلى فتى قويّ، يُبشر بالناس و يعينهم في سرّاءهم و ضرّائهم.

رجل يقال له رئيس مركز الشرطة، يجمع أعوانه و يحمي الناس في حلّهم و ترحالهم و يشير عليهم بالنصيحة و الموعظة الحسنة. يهديهم قانون السير و عناوين الأماكن التي يقصدونها. يحمي ظعيفهم من قويهم و مظلومهم من ظالمه.

شوهدت إمرأة نمّامة، تستر عيوب الجيران و أعوارهم و تمسك لسانها عن أعراضهم.

و رأيت في ما رأيت، مرضى الجذام و الكساح و الجدري و الهواء الأصفر و مرضى السرطان والزحار و داء النقرس و ضغط الدم و السكّري، يغادرون المشفيات سالمين معافين، كما يغادر المرء ساحة معركة دون ما جرح أو شكوى.

رأيت في ما رأيت، أناسا تغسل شارعا و تنظف جدارا و تسقي شجرة، دون أن يكون ذلك الجدار جدار لبيوتهم و دون أن تكون تلك الشجرة، قد أنبتت في حدائقهم. يفعلون ذلك و لا يريدون جزاءا و لا شكورا.

رأيت في ما رأيت، أناسا يمشون بنظام، كأنّهم أسراب النّحل أو صفوف النمل على الأرض. يتراحمون لا يتدافعون. يقضون حوائجهم في ديوان أو وزارة أو إدارة و ليس ثمّة من يلعن أو يرجم. و كلّ في رحمة و سعة من ربّك لا يحزنون.

رأيت في ما رأيت، رجالا و نساءا و أطفالا، يغنون في العراء و يرقصون و كأنهم قوم من الجان و قد بُشّر بجنّة النعيم، حيث رحمة ربّك أوسع من العالمين.

...و هنا أوقفت شيطان الرحّالة عن الاسترسال في حديثه و قلت له": هل أنت واثق من أن الرحلة، التي تصفها كانت إلى تونس و ليست إلى الدنمارك أو كوكب اليابان الشقيق؟..."

فرجمني بنظرة استنكار عتيدة، لا تنطلق إلاّ من عيني شيطان رحّالة غاضب و قال لي:" هذا علم وأدب، أحطنا به و بفضل من الله تعالى، منذ مئات السنين. و قد شهد القاصد و الداني لأدب رحلتنا بشهادة الإستحسان و الدقّة و المعرفة...فما خطبك أيّها البشري القاصر الفاني، تنتقص من أمرنا و تحطّ من شأننا و تشكك في علمنا و معرفتنا؟..."

خجلت خجلا شديدا و عجزتُ، حتى عن طلب الاعتذار. و قلت بيني و بين نفسي: "له الحق، فلا يوجد مطار تونس قرطاج في اليابان، كما لا يوجد حسب علمي حيّ يسمونه بحيّ التضامن في الدنمارك..."

رفعت بعد ذلك، نظري إلى الشياطين الأخرى، التي كانت تستمع معي إلى وصف رحلة شيطان ابن بطوطة إلى تونس، و رسمت على وجهي علامات التساؤل...لم يجيبوني و إنّما هزّوا بأكتافهم و أشاروا عليّ بمواصلة الإستماع إلى ما يقصّه علينا شيطان الرحلات هذا.

واصل الأخير قائلا، بعد أن لان غضبه شيئا ما، وهو يرى خجلي و تراجعي عن ما قلته": دخلنا بعد ذلك، إلى جامعة يقال لها كليّة الآداب و الفنون بمنّوبة. وهي بناء كبير جميل، مقسّم تقسيما منظّما يقصده طلبة العلم من كل أصقاع القطر التونسي. فيه أساتذة علم و أدب و لغة، يتولّون تعليم الناس شتى أنواع المعارف قديمها و مُحدثها. ثمّة قسم لتدريس اللغة العربية و فنونها و آدابها وهو أشهرها و أكبرها جميعا. ثمّة قسم لتلعيم لغة الفرنجة من فرنسية و ايطالية و انجليزيّة و ألمانية و غيرها كثير، حتى أنّه ثمة صيني قصير يدرّس لغة بلد، يقال له كوريا الجنوبيّة. ثمة قسم لدراسة التاريخ و الجغرافيا و قسم لعلم الصحافة و الأخبار و آخر للاقتصاد و الحساب. و لكن قيل لنا، أن لدار العلم و الأدب هذه، رزيّة كبيرة.

يكمل الدّرس في هذه الدار كلّ سنة خلق كثير، و قد تحصلوا على شهائد ختم دروسهم و يريدون العمل، فيعجز أولي الأمر في قطر تونس على توفير أشغال لهم. الأمر، الذي جعلهم يتكدّسون العام تلو العام الذي سبقه. يتكدّسون دون عمل أوشغل أو مصدر رزق لهم و لذويهم. و يهول الخطب حين يعلم المرء، أنّ من هذا المبنى أضعاف مضاعفة، تنتشر على كامل البلد و تعاني نفس المحنة، إلاّ من رحم ربّك.

كل وزير أو حاكم جديد أو قديم في تونس يُقنع الناس، قائما فيهم خطيبا مفوّها بليغا و يعدهم بحلّ هذه المعضلة، حتى يسلموه زمام أمورهم و ينتخبوه. و لكن صاحبنا، ما إن تُدفىء قفاه طنافسُ العرش وتلتفّ راحة يده على رأس الصولجان، حتى ينسى ما قال و يخلف ما وعد. و تنتطلق الهوجة تليها الهوجة حاملة غضب المعطلين المنسيين، فيصعبُ حال البلد و تنتشر العساكر بين الناس و يغيبُ العدلُ.

يتصارع أهل التّخت و الكرسيّ في تونس صراع الديكة. ينقر أحدهم عين الآخر و يصيح به صياح النّاقم الغضوب. يملؤون الدنيا و يشغلون الناس. و يجوع الأيتام في مأدبة اللئام، تلك...

غادرنا تونس و قد كانت بها هوجة جديدة و لكن أيضا، ثمّة أمور غريبة طرأت على بعض الناس. أمور عدّها من يعرف أهلها مرضا أو وباءا. و قد تواضع البعض منهم على دعوتها، بالوباء الجميل"...

جفّ حلقي و توتّر جسدي و أحسستُ بإرتخاء في ركبتيّ. إختلط عليّ شعور بالفرح و آخر بالدهشة وجعل نفسي متوثبة متردّدة، كقط يريد القفز من فوق سُورعال. ثمّة أيضا شعور بالتوجّس و الحيرة. هل يتلاعب بي هذا الشّيطان؟ أم أنّ الشياطين نجحت حقّا في مسعاها؟...

نهض بعد ذلك، شيطان الرحّالة. لفّ عباءته السوداء حول جسده المهيب. إنحى إنحناءة صغيرة لتحيّتنا، كما يفعل أحدهم، وهو يهمّ بمغادرة مجلس ملك أو سلطان. طار و تفرّق في الهواء على شكل حروف سوداء ودخل كتاب الشياطين. أغلق شيطاني وراءه دفتيّ الكتاب، كمن يغلق بابا وراء ضيف، نزل بنا نزرا من الدّهر، ثمّ رحل.

أشفق عليّ جماعة الشياطين، الذين بقوا معي في مطبخي. قدّموا لي قطعة من الشواء و صحنا فيه فاكهة. قال لي شيطان ابن الجزّار": جسدك لا زال ضعيفا و ما يحدث من أحداث، فيه كثير من الضغط على أعصابك...كُل، ثمّ إرتح قليلا و للحديث بقيّة..."

فعلتُ ما نصحني به و قلت في نفسي:" أنا لا أريد أن أموت الآن...فهناك أغنية أخرى، لم أسمعها بعد...وهناك قصّة أخرى، لم أقرأها بعد...و هناك خمرة أخرى، لم أشربها بعد...و ثمّة امرأة أخرى في منعطف الزمن، لم أعشقها بعد...و لهذا سوف أظلّ حيّا و لو كنت في قبر، لم أدخله بعد...".

نمت طوال النّهار و بعضا من الليل. استرجع جسدي كثيرا من عافيته و صفا ذهني و ألمّت بي رغبة ملحّة في شرب بعض البيرة. ليس بي رغبة للعمل هذه الليلة في النّزل. لم أرتح يوما واحدا منذ شهور. كنت حتى في نهاية الأسبوع أعمل.

أعمل نهارا في حديقة غوندا و بعض من جاراتها الأثرياء و في الليل، أقوم بترجمة بعض نصوص الألمانيّة إلى اللغة العربيّة، لصالح شركة ترجمة في مونيخ.

ضغطت أرقام هاتف النُّزل و خاطبت المديرة المسؤولة، قلت لها": صحّتي ليست على ما يرام و سوف أتّجه غدا للطبيب. الليلة لا أستطيع العمل..."

تردّدت قليلا في الإجابة. يبدو أنها كانت في الأثناء تطالع جدول العمل و لاحظت، أنّي لم أسترح يوما واحدا. قالت لي بعد ذلك:" حسنا...لا توجد مشكلة...سوف أتّصل بزميل يعوّضك...و لكن لا تنسى، أن ترسل لنا شهادة الطبيب، قبل مرور 48 ساعة...أتمنى لك معافاة قريبة..."

شكرتها و أغلقت الخط.

كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءا. أمامي ساعة واحدة قبل أن تُغلق المحال أبوابها. لبست ثيابي سريعا و اتجهت إلى محطّة ميترو الأنفاق. دخلت دكاكين الأتراك في شارع غوته. اشتريت لحم ضأن وكثيرا من الخضروات الطازجة. مررت بمحلّ المشروبات الألماني و إشتريت صندوقين من البيرة. وعدت إلى البيت فرحا مسرورا..." عدت إلى البيت فرحا مسرورا...جملة ركيكة. يكفي أن تكتبها في ورقة الامتحان، حتى تحصل على أدنى العلامات...و لكنها تذكرني في قول الشاعر ابن الرومي وهو يهجو عمرو:

" فاعلن مستفعل فعولن...فاعلن مستفعلن فعولن.."

" بيت كمعناك ليس فيه...معنى سوى أنّه فضول..."

منحتني الشياطين أيضا، راحة تلك الليلة. غربت عن وجهي و لم أرها طيلة ليلتين أخريتين. استرجعت الكثير من قوايا و تحسّن مزاجي. شاهدت فيلمين و قرأت رواية. فيلم محامي الشّيطان لآل باتشينو و كين أوريفيز. و فيلم للمجنون تارنتينو بعنوان " أُقتل بيل". الرواية هي حقا، ما أحدث لي متعة كبيرة، للكاتب الألباني إسماعيل كاداريه بعنوان " قصّة مدينة الحجر".

شاهدت بعض مقاطع الفيديو على اليوتوب وهي مقاطع أضحكتني رغم تفاهتها. مقالب و كاميرا خفيّة وأمور من هذا القبيل. كانت رأسي تشبه كأسا، ملآنة بسوائل ثقيلة و وجب إفراغها، حتى أملأها ثانية بمياه خفيفة صافية.

قمت أيضا، ببعض الحركات الرياضيّة و ركضت مسافة أحسبها طويلة. ذهبت إلى المسبح و قضيّت ما يزيد عن الساعة في الماء.

شربت أربعة ليترات من البيرة و زجاجتي خمر أبيض على إمتداد الأسبوع. حاولت أن لا أدخّن كثيرا ولكني لا أحسبني نجحت نجاحا كبيرا. لا يهمّ. أنا الآن قويّ و لي من الطاقة، ما يجعلني أستدعي الشياطين مرّة أخرى.

حاولت قبل ذلك، أن أهاتف أولغا و لكن لا من مُجيب. شاهدت فيلم بورنو و استمنيتُ، مُكتفيا بمشاهدة الآخرين وهم يتضاجعون و كأنّهم يمارسون رياضة غريبة.

لم تكن بي رغبة لرؤية النّاس أو الشياطين. ذلك الأسبوع من الرّاحة، كان أمرا ضروريا بالنسبة لي. كان البشر يعتقدون في القرون الوسطى، أن كثرة العمل و طوال الوقت، هي السبيل الوحيدة للنجاح، ولكنهم أخطؤوا. أثبتت الدراسات الحديثة و التي تبنتها الأمم المتحدة، أنّ الإنسان يُبدع، إذا كانت هناك جولة من الراحة بين كلّ جولتين من المثابرة. تركيز التلميذ او الطالب لا يتجاوز 45 دقيقة، بعدها يحتاج ضرورة إلى راحة قصيرة ولو ب10 دقائق حتى يستعيد المرء قدرته على الإستيعاب و التركيز.

إذا كان تركيزك مع الشياطين مثلي، فأنت تحتاج ضرورة إلى أسبوع كامل، و لكن أذا أضفت إليهم مسألة إنقاذ الوطن، فأنت تحتاج الأفلام و الروايات و الرياضة و البيرة و الجنس.

و عادت الشياطين...

عادوا و أحظروا معهم شاشة بلازما كبيرة، يعادل حجمها حجم تلك، التي عندي في البيت أربع أو خمس مرّات. علّقوها على الحائط الشاغر في قاعة الجلوس، مع أنّي كنت أحبّذ لو بقينا في المطبخ. جلبوا الكراسي و طاولة وطيئة، وضعوا فوقها عُلب البيرة و بعض صُحون الغلال و الفواكه الجافة و كأنّنا مجموعة من الأصدقاء الشباب، الذين يستعدّون لمشاهدة مباراة مُشوّقة لكرة القدم.

شغّل شيطان ابن سينا الجهاز. بانت على الشاشة صورة سي عبد الباقي وهو يعانق زوجته و يقبّلها. كان رجلا وسيما يبدو على هيئة كهل قوي البنية أنيق الثياب. كان يتّجه إلى العمل و قد تبادل تحيّة بشوشة مع كل من إعترضه من الجيران في الطريق. مشهد آخر، كان فيه سي عبد الباقي ينتظر دوره للتبضّع وينتظر الاشارة ليعبر الطريق. ثمّة مشهد تظهر فيه مدام حبيبة المعلّمة المسمامة زوجته، وهي تقف إلى جانب مجموعة من التلاميذ و تسلّمهم بعض الهدايا الملفوفة في ورق مزيّن. كانت ترتدي فستانا جميلا أبرز مفاتنها الأنثوية، التي ما كان لرائي أن يراها في ما سبق في ذلك الجسم الجاف العازل للماء والكهرباء، كما كان يصفها زوجها لندمائه القدامى. مشهد لمدام حبيبة و هي تتسلّم شهادة المعلّمة المثاليّة لتلك السنة، وقد أحاط بها زملاؤها و بعض الأولياء، الذين سلّموها بدورهم بعض الهدايا. كانت مدام حبيبة، قد ابتدعت طريقة تعليم ممتازة، فهي تحمل التلاميذ نهاية كل أسبوع تقريبا على نفقتها الخاصة، إلى بعض المتاحف و بعض الجهات الفقيرة في البلاد و تعلّمهم هناك تاريخ البلد وجغرافيته. تعلّمهم جمال الوطن و خصاصة بعض مواطنيه و طرق مُساعدتهم و لو بالنزر القليل. كانت العصا مسعودة رفيقتها في مسيرتها التعليميّة، قد إختفت و أُستبدلت بنموذج " علّم الأطفال و هم يلعبون".

سي عبد الباقي إبتدع هو أيضا، خطّة جميلة أقنع بها الكثيرين من جيرانه و سكّان الحيّ. قرّروا أن يجتمعوا أسبوعيا و يتناقشوا في بعض الأشغال، التي يُمكن أن يقوموا بها بأنفسهم، دون انتظار تدخّل أعوان البلديّة. اختاروا مجموعة من شباب الحيّ العاطلين لتنظيف الطريق العام من القذورات و طلاء الجدران المُهترءة لبعض المباني و تشذيب بعض الأشجار و زرع بعضها هنا و هناك، و ذلك مقابل بعض الأموال، التي يتبرع بها الجميع، كلّ حسب مقدرته. وقد لاقت هذه المبادرة الإنتشار في كثير من الأحياء. كنس الأتربة و إصلاح البالوعات العموميّة، قام بها أيضا بعض الشباب مقابل أكلات شهيّة من المتساكنين و مشروبات و بعض الثّياب. إزداد نجاح الفكرة بعرضها في شريط الأنباء للقناة الوطنيّة التونسيّة. في أحياء شعبيّة مثل حيّ التضامن و حيّ النّور و الكباريّة و الزهروني و غيرها، شوهد شباب يرفعون الزبالة من بعض البطاح و يضعونها في أكياس تسهل حملها من طرف أعوان البلديّة و آخرون يكنّسون غبار الشوارع و يقنعون الناس بعدم إلقاء علب سجائرهم الفارغة و الزجاجات البلاستيكيّة في الطريق العام. بعد بعض الإجتماعات، التي ترأسها سي عبد الباقي، قرّر مجموعة من المواطنين الضغط على الناس، التي تمّ ترشيحهم في الانتخابات البلدية برفع ميزانيّة النظافة و دفع جزء ولو صغير منها للشباب المتطوّع للعمل الاجتماعي.

أحد الشعارات الطريفة عُلق عند مداخل بعض الأحياء الشعبية الفقيرة:" ليس عيبا، أن لا تلقي بالفضلات و ليس عيبا أن لا تتبوّل على الحائط..."

ولّيتُ وجهي شطر وجوه الشياطين. كان الجميع يشاهد ما أشاهد و يشربون ما أشرب. يأكلون ما آكل. كنت أستمتع و كانوا يفتخرون بإنجازاتهم للوطن. نهض شيطاني بعد ذلك، في وقفة مهيبة و قد لفّ من حوله رداءه الأسود. أحظر مزيدا من البيرة و عاد للجلوس.

ظهر على الشاشة، شاب وسيم يحتضن رضيعا بين يديه و يقبّل من حين لآخر جبين الأم المرهقة، شيئا ما، بعد عملية الوضع الحديثة. عرفتُ في الأب و الأم شخص نوفل و حبيبته الريفية الفقيرة يُسرى . كان مشفى فخما نظيفا، كما لم أر من قبل في تونس. كانت الممرّضات يطفن بلباسهن الأبيض و كأنّهن حقّا ملائكة الرّحمة و ليس مجازا كما هو الحال في تونس عادة. كنّ بشوشات خدومات، تكفي ابتسامة الواحدة منهن، حتى يكفّ عنك الوجع. إزدهرت أشغال نوفل و كبرت مشاريعه، حتى أنّ شركة سي حمد والده المرحوم، تحوّلت من شركة تونسية محلّية إلى أخرى قادرة على المنافسة في السوق العالمية. كانت أمّ نوفل، قد إنتدبت في الأشهر القليلة الماضية ما يزيد عن المائة عامل جديد. و أمضى نوفل عدّة عقود مع شركات ألمانيّة و أخرى يابانية. إزدهرت الأعمال و عمّ الرّبح و عُرفت الشّركة بدقّة مُنجزاتها والإنضباط في مواعيدها، الأمر الذي وفّر لها سُمعة عالمية مرموقة.

زواج نوفل من حبيبته الحامل، كان بموافقة الأمّ و مرضاتها و حتى بفرحتها، التي عبرت عنها بإقامة عرس فخم، إستدعت له القاصي و الدّاني. كان عمّال الشركة البسطاء و عاملات التنظيف، هم صفّ المدعووين الأوّل في هذا العُرس. بل و كانوا الأكثر تبجيلا في صُفوف الحاظرين.

ثمّة أمر آخر قامت به الأم و إبنها، بعد إلحاح البعض من المعارف لبناء جامع، وهو بناء دار فخمة لممارسة الأنشطة الثقافية على إختلافها. قال نوفل لمعارفه هؤلاء:" يكون شكري لله على نعمته التي أنعمها علينا، أكثر نجاعة، عندما أهدي أحدهم كتابا عوض سجادة للصلاة و قميصا أفغانيا و ربما أيضا، تذكرة سفر إلى سوريا".

كانت دارا حقا فخمة و كبيرة. تحتوي ركحا للمسرح و قاعة عرض للسينما و قاعة انترنات و مقهى. ثمة جناح للكتب يحتوي رفوفا عديدة، فيه قاعة صغيرة جميلة لتكريم الكتّاب و الشعراء التونسيين. كان الكاتب من هؤلاء و عند حصوله على جائزة أو نشره لكتاب، يقع إستدعاؤه و تُقام له قراءة للتعريف بكتابه، يتخلّلها حفل تُوزّع فيه المشروبات و المأكولات و يرافقه عرض موسيقيّ و آخر مسرحيّ. يتعرّف جمهور الحاضرين على كتابه و يتمّ نقاشه و توضع على طاولة خاصة، مجموعة من هذه الكتب للبيع تحمل إمضاء الكاتب.

ثمة أيضا جناح آخر لأصحاب الإختراعات، يوفّر فرصة للشباب العباقرة للتعريف بإختراعاتهم وإمكانية بيعها للمهتمّين بالأمر من شركات و أشخاص. و ذلك دونما تدخّل للإدارة و بيروقراطيتها القاتلة. يقع التّعريف بهذه الإختراعات و المُنجزات عبر شبكة الانترنات و عبر بعض وسائل الإعلام الحرّة المُتحمّسة لهذا النّوع من الأنشطة.

أمّ نوفل تشتري، كلّما تسنح الفرصة، جهازا طبيّا أو بعض الأدوية المفقودة في البلد و تهديها للمستوصفات و المستشفيات و خاصة تلك الموجودة في المناطق النائية و الأرياف التونسية الفقيرة المُبعدة.

أمر واحد كان يعيق العائلة، من حين لآخر، في هذا المجال من الأنشطة وهو تدخّل بعض السّاسة وبعض الأحزاب للاستفادة من هذا المشروع أو ذاك و فتح إمكانيّة للإبتزاز. يستغلّ بعضهم نصوصا معينة من القوانين للضغط و المتاجرة. و لكنّ ذلك لم يفتّ من عضد العائلة، لأنها لديها هي نفسها بعض العلاقات السياسية المهمّة، التي توفر لها كذلك حماية قانونية.

روى لي مرّة صديق، أنّه في عهد الرئيس السابق، بنى أحد رجال الأعمال معهدا و أهداه للدولة، فردّته عليه و السبب في ذلك، أنّ الدولة كانت عاجزة عن انتداب الاساتذة و توفير أجورهم. قيل له": المشكلة ليست في بناء الجدران و طلائها. المشكلة في الإحاطة بطاقم تربوي كامل و إدراجه في ميزانية الدولة" هذا الأمر تعرفه العائلة و لم تتورّط فيه. فهي تهدي و تساعد مساعدة كاملة، لا تحتاج فيها إعانة من رجال الدولة و ساستها.

إضافة إلى أنّ مشروع كمشروع دار الثقافة تلك، هو مشروع منتج، فهو يحتوي مقهى و مطعم صغير يدرّ أموالا لا بأس بها. كما أن نسبة من أرباح مبيعات الكتب و الإختراعات ترجع إلى الدار و العاملين بها.

انتشرت فكرة العائلة في البلد و نسجت الكثير من العائلات الثريّة في تونس على منوالها.

انتهى العرض. نهضت. رفعت كأسي و قرعته بكؤوس الشياطين و أنا أحييهم على مُنجزهم هذا. إبتسم شيطان ابن سينا و قال لي:" إنّه نجاح جماعي، يعود فيه الفضل لنا كلّنا و لكن هناك مشكلة صغيرة..."

قلت له :" ما هي؟"

قال :" الفيروس غير ناجع مع بعض الأشخاص..."

سألت ثانية و أنا تملؤني الحيرة:" من هم هؤلاء الأشخاص؟"

تدخّل شيطان ابن الجزّار و أجابني قائلا:" بعض السّاسة و بعض رجال الدّين، ليس للفيروس أيّ تأثير عليهم...إنّه يتعرّض لمقاومة شديدة من أجهزتهم المناعيّة، فيضطرّ للكمون و تحيّن الفرصة للمهاجمة من جديد و في بعض الحالات يموت..."

جدّفت رافعا رأسي إلى السماء دون أن أشعر، ثم قلت:" اللعنة...و لكن هؤلاء الأشخاص هم رأس الحربة...هم من يجب أن نعالجهم في المقام الأوّل...ما هو الحلّ الآن؟..."

قال شيطاني :" نحتاج تعزيزا..."

دون أن أفكّر قلت:" طبعا...صحيح...نحتاج مزيدا من الشياطين...و لكن من؟..."

ثمّ أضفت في نوع من الفرح:" وجدتها...كيف لي أن أنسى؟...نحتاج عقل العرب ألا وهو الجاحظ ونحتاج عقل الفرس ألا وهو ابن المقفّع..."

ثمّ عاودت رفع كأسي في نوع من الحُبور.

نظر الشياطين إلى بعضهم البعض، ثم قالوا لي :" فكرة جيّدة...و لكن قبل ذلك، فلنكمل المشاهدة...هناك ما يجب أن تراه..."

قالوا ذلك، في حين أعاد شيطاني تشغيل الشاشة.

ظهرت على الشاشة صورة فتاة تركض. كانت ترتدي زيّا رياضيا أنيقا و تضع في أذنيها سمّاعات. مشهد أراه مئات المرات يوميّا وأنا أقوم بجولة تدخين على ضفاف نهر الإيزار بمونيخ. فتيات رشيقات وكأنهنّ غزلان بريّة، يركضن و يستمعن إلى الموسيقى أو إلى كتب سمعيّة. أتمتّع برؤيتهن و أحييهن بإشارة خفيفة من رأسي و أواصل التدخين في حين يواصلن الرّكض.

كانت الفتاة تركض عابرة مجموعة من المساحات الخضراء. ثمّة أشجار و بعض المباني البعيدة في خلفية المشهد. المكان طبعا هو تونس. قد يكون منطقة المنازه أو العمران ناحية حديقة الحيوانات. لا أدري بالضبط. و لكنّه مكان فيه خُضرة جميلة و نظارة طبيعيّة مُمتعة للعين و الرُّوح.

لنظارة الطبيعة و الإخضرار في مونيخ حكاية أخرى. أذكر أني حين نزلت بهذه الأرض، لم أصدّق ما تراه عينايا. لم أصدّق أنه يوجد جمال على هذا الكوكب بهذا الكمّ من الروعة. بهذا الكم من البذخ. الإخضرار، لا يمكنني أن أعبّر عنه. سأترك فقط إمرأة عجوز تونسيّة بسيطة تعبّر عنه. لي صديق يقيم في مونيخ، استدعى والدته الريفية لزيارته. سافرت العجوز في الطائرة و حطّت رحالها في أرض الجرمان. في الطريق من المطار إلى المنزل، كانت العجوز تنظر عبر زجاج السيارة، صامتة شاردة لا تنطق بكلمة. سألها إبنها بعد ذلك:" ما الأمر يا أمي؟ ما لك صامتة؟" تنهدت العجوز ملىء رئتيها، ثم قالت:" كنت أفكّر، لو أن عنزاتي الهزيلات المشرّدات رأين هذا الإخضرار و سرحن فيه، لأُصبن جميعهن بالجُنون...".

إقترب المشهد المعروض على الشاشة، فتبيّنت ملامح الفتاة، التي تركض. كانت الأستاذة المحامية سامية. كانت تبدو بصحّة جيّدة خاصة و قد إحمرّ وجهها من تأثير الركض. هذه الفتاة، التي ولدت بعاهة في عظام حوضها و التي بالكاد كانت تمشي، ها هي الآن تمارس الرياضة و تتحوّل إلى عدّاءة رشيقة تقطع المسافات الطويلة.

إنقطع المشهد و ظهر بعد ذلك آخر مختلف تماما. كانت الأستاذة هذه المرّة تجلس في قاعة مُغلقة. كانت مرتبكة و خائفة و لكنها ظلت رابطة الجأش أمام الشخص، الذي يجلس في الكرسيّ المُقابل. كان الرّجل قاسي الملامح ضخم البنية، أي ذلك الشكل النموذجي لرجال التحقيق.

تساءلت بيني و بين نفسي:" ما الذي فعلته الأستاذة؟ و لماذا تخضع إلى تحقيق؟"

جائني الجواب السريع و أنا أسمع الحوار الذي يدور بينهما.

المحقق:" أستاذة سامية...ما الذي دفعك إلى إتّهام السيد الوزير بالسرقة و إستغلال وظيفته و نفوذه لاختلاس ممتلكات الدولة؟..."

الأستاذة:" لأنّه فعل ذلك...و كل الأدلّة تؤكّد ما قلته"

المحقق:" أنا ليست لديّا أيّة أدلة. كل ما لديّ هو محامية مغمورة تلقي التُهم جزافا لتصل إلى الشُهرة..."

الأستاذة:" أنا لست مغمورة. و لنفترض أنّي مغمورة، فأنا لا أبحث عن الشُهرة. كل ما أبحث عنه هو العدالة...هذا الرجل مختلس و مستغل لوظيفه لمصالحه الشخصيّة..."

المحقق:" لا يوجد أي دليل على ما تقولينه. أنت تمعنين في توريط نفسك و تصرّين على تشويه سمعة رجال الدولة"

الأستاذة:" كل الأدلّة تمّ تقديمها إلى السيد القاضي و قد أثبت صحّتها، الأمر الذي جعله يصدر حكمه بسجن الوزير...أنا لا أفهم ما يجري هنا. تستدعونني و تحققون معي وكأني أنا المذنبة، في حين يطلق سراح المجرم الحقيقي بعد صدور الحكم ضدّه..."

المحقق:" قلت لك ليست لديّا أيّة أدلّة..." قال ذلك و فتح درج مكتبه و أخرج مجموعة من الأوراق. بسطها على مكتبه و أضاف :" هذا كل ما لديّ في درج مكتبي...اسمعي يا أستاذة...اسمعي يا من تبحثين عن العدالة...هذه الوثيقة هي بطاقة انخراط في حزب التجمع المنحل تحمل اسمك و صورتك. هذه الوثيقة هي إستلام أموال زبون عندك في المكتب، دون أن ترافعي عنه وقد سُجن بسبب غيابك عن قاعة المحكمة لمدّة ستة أشهر. هذه وثيقة ثالثة، فيها شكوى ضدّك تمّ سحبها وهي لخطيبك السابق العامل بالسكك الحديدية، يتّهمك فيها بعدم إرجاع أشياء ثمينة تعود إليه، منها خاتم و ساعة ذهبية و أشياء أخرى...وثيقة رابعة تثبت تورّطك مع المالك السابق لمكتب المحاماة بشارع كمال أتاتورك سي نجيب في قضايا ضد بعض المعارضين السياسيين للنظام السابق..."

الأستاذة و بكل برود:" هل تقصد مجموعة الإرهابيين المورّطين في أحداث سليمان؟ لو أتيحت لي الفرصة، فإني سأورّطهم ثانية دون تردد..."

المحقق:" لن تتاح لك الفرصة. الفرصة الوحيدة المتاحة لك الآن، هو الدخول إلى السجن بتهمة تشويه سُمعة و إتّهام باطل لموظف دولة..."

ابتسمت الأستاذة وقالت:" حاول ذلك أنت و مجموعة الفاسدين التي تنتمي إليها. أنا محامية و أعرف حقوقي جيدا. هذه التهديدات و التلفيقات لن تفيدك كثيرا. و ليكن في علمك قبل أن أغادر، سوف لن أتراجع، حتى أزجّ بوزيرك هذا و بسُمعته معه في السجن"...نهضت الأستاذة و غادرت مكتب التحقيق أمام أنظار المحقق المبهوتة و الحانقة. في الخارج كانت مجموعة من المحامين و المحاميات زملائها بإنتظارها و كأنهم مجموعة من مقاتلي النينجا بلباسهم الأسود. أحاطت كوكبة الزملاء بالأستاذة وخرجوا معها مجتازين أروقة المبنى و كأنّهم حرّاس شخصيين لزعيم مهمّ.

أثناء شرب القهوة في كافيتيريا صغيرة في شارع باب بنات، قال أحد المحامين:" هؤلاء الساسة يعتقدون أنفسهم فوق القانون...إنهم يتصرّفون في البلد و كأنّه من تركات السيّد الوالد..."

أضافت محامية أخرى :" و الأسوأ، أنّ الكثير منهم قد لبّس السياسة بالدين، فأحاط نفسه بقداستين: قداسة صاحب السجّادة و قداسة صاحب الكرسي، مثل صديقنا الوزير هذا..."

تدخّلت الأستاذة سامية قائلة:" هذا الوزير جمع الدين مع السياسة و وضع الإثنين في صندوق الثورة السحري، فهو أيضا ثوريّ من الذين أطاحوا بالنظام السابق وهو جالس في إحدى الحدائق السكندينافية!!"

ضحك الجمع لقولها، فأضافت:" حقا...لقد إتّهمني المحقق قبل قليل، بالتورّط مع التجمّع في قهر الشعب التونسي، بصفتي منخرطة سابقة فيه..."

قال أحد المحامين الآخرين:" هؤلاء الحمقى أضاعوا دماء الناس في ترّهاتهم السياسية. زادوهم فقرا على فقرهم. لقد أصبحت عندي حساسية من جميع السياسيين على اختلاف أحزابهم و اختلاف مشاربهم وإتجهاتهم. كلّما فتح أحدهم فمه ليتكلم في الوطن، يعتريني حكاك في الجلد...مع استثناء بسيط وهم الخوانجية، فحين يتكلّم هؤلاء تنبت لي دُمّلة مقلوبة بين فخذي...".

قال ذلك وهو يشير إلى ما بين فخذيه. إنحنى الجميع دون أن يشعروا، للتثبت في المكان الذي أشار إليه. كان المشهد يبدو من بعيد كالآتي": أحد المحامين يبدي قضيبه لجمع من الزملاء، الذين يتثبتون فيه وكأنّهم مجموعة من أطباء الأعضاء التناسلية..."

الوحيدة، التي تفطنت للأمر هي الأستاذة سامية، فضحكت و قالت ": ما الذي تفعلونه أيها الحمقى1 انكم في مقهى و الناس تتفرّج عليكم..."

تراجع الجميع وهم يضحكون. فقالت الأستاذة": زميل وقح و مضحك و زملاء و زميلات سُذّج...كالعادة".

بعض المواقع الإجتماعية في تونس و خاصة الفايسبوك، كانت تتبادل أخبارا مفزعة. ثمّة نوع من الصفحات أصحابها، هم فعلا من الصحفيين المحنّكين. تفتح صفحة أحدهم، فتجد مثلا، عمارة على ملك علي لعريّض ـ يعلم الله وحده ـ متى بناها و بأيّة أموال إشتراها. تجد أموالا طائلة يمتلكها أحد مساجين حركة النهضة القدامى و كأن علي بابا نفسه، هو من أهداها له. تجد تعليقا على إتّفاق الشيخين الباجي والغنوشي للتداول على السلطة أو تقاسمها، المهم و كما يقال بالعاميّة التونسية " مشّيني ونمشّيك..."...بعض الصحفات الاخرى تتداول تورّط قضاة و محامين تونسيين في تبييض الإرهاب. أخبار مفزعة فيها الكاذب و لكن فيها أيضا الكثير من الصحّة. الغريب في هذا البلد أن السياسي فيهم، يقع عرضه في التلفاز و تُوّجه إليه تهم فساد، تكفي في العادة لحرمانه من نور الشمس لسنين طويلة، ولكنك تراه في قناة أخرى غدا صباحا، يتحدث عن الشرف و المصداقية و الشفافية...

أذكر مرّة، أن برلمانية ألمانية، إستعملت سيّارة العمل للسفر إلى إسبانيا و هناك و لسوء حظّها سُرقت السيّارةُ. النتيجة هي الإستقالة الفوريّة و دفع غرامة مالية خيالية من أجل سيّارة، لا يفوق ثمنها في ألمانيا ثمن درّاجة هوائية في تونس.

الوزير، الذي باع أرض الدولة بعد إن استولى عليها و الذي أثبتت الاستاذة سامية، تورّطه أمام القاضي وأمام المحكمة. هو الآن حرّ طليق. لا و أكثر من ذلك، التحقيق الآن يسعى إلى توريطها هي.

أين الفيروس اللطيف؟؟؟...إنطلق من حلقي هذا السؤال و توجّه كسدّادة فلين إلى حلق الشياطين، التي كانت تشاهد معي الشاشة.

لم أتلقّ أيّة إجابة لمدة دقائق. نهضت و واجهت بنظراتي المتسائلة الجميع. ضغط شيطان ابن سينا زرّا في جهاز التحكم و أطفأ الشاشة. وضع يده على وجهه، حاكا ذقنه في نوع من العصبيّة، ثم قال:" كنّا على علم أنّك سوف تسأل هذا السؤال...الأمور ليست بالبساطة التي تتخيّلها. لقد إشتغلنا على هذا المشروع ما يزيد عن الشهرين. و أنت تعلم أن عمل الشياطين أسرع من عمل بني جنسك من البشر بما لايقاس من الأضعاف. ما تقومون به أنتم في ساعات نقوم به نحن في ثواني. و ما تقومون به في سنوات نقوم به في أيّام. و لكن رغم ذلك، هناك مشكلة. مشكلة ليست فينا، بل هي كامنة فيكم أنتم معشر البشر..."

قلت معترضا:" هذه حيلة العاجز. لماذا أتعامل إذن مع الشياطين؟ لأنّها هي الأسرع و الأبرع... حسنا...فلنفترض أنّ كلامك صحيح. ما هي مشكلة بني جنسي؟ و ما هو الحل الآن؟ ".

تدخّل شيطاني :" أنت نفسك مشكلة. ألا ترى أنّك لجوج لحوح؟...لقد عملنا بتفان و إخلاص، حتى كدنا نهلك من الإرهاق...ألم تر التحوّلات، التي طرأت على الجميع: سي عبد الباقي، مدام حبيبة، نوفل، الأستاذة سامية المحامية...الناس في الشارع؟...المشكلة أنّكم لستم بالملائكة و لستم بالشياطين. أنتم مزيج مزعج من هذا و ذاك. و لكن طبقة الحُكّام أو السياسيين عندكم، أخبث من أعتى أنواع الشياطين عندنا. خبيثة إلى درجة، أنّ الفيروس نفسه إحتار فيها..."

قلت :" و لكن أيّها الشّيطان...أنت أكثر من يعلم أن التحدّي، ومنذ البداية، لم و لن يكون سهلا. و أنتم قبلتم التحدّي...أنا كنت واضحا، منذ زيارتك الأولى لي. سبق وأن قلت لك، أنّي لست رجلا وطنيّا. أنت من أصرّ بتحمّسه الزائد للوطن على هذا المشروع. والآن و بعد كل هذا العمل الشاق، ماهي النتيجة؟... أنا أعرف أنّكم مثابرين و مخلصين. لم أنكر ذلك. أنتم أيضا تعملون بسرعة كما قال شيطان ابن سينا وكما قالت لي أيضا جدّتي...هل تعرفون ما قالت لي جدّتي؟..."

يا للعنة... لقد نسي الجميع أمر الفيروس و الوطن و أمر كل شيء و تحوّلوا إلى أطفال آخر الليل وهم ينتظرون بفارغ الصبر حكاية الجدّة، قبل أن يناموا. قالوا في صوت واحد": ماذا قالت لك الجدّة؟..."

قالت جدّتي و هي تروي لي إحدى قصص العفاريت و الجان و حتى قصصكم أنتم، معشر الشياطين...

" كانت جدتي قبل أن تأتي إلى العاصمة، تعيش في قرية نائية من قرى الوطن القبلي. كانت تلك القرية وكأغلب القرى التونسيّة، تعيش على محصول فلاحي سنوي هزيل، بالكاد يسد رمق مالكي الأرض والخادمين فيها. كانوا يزرعون بعض الخضروات و بعض الأشجار المثمرة و ينتظرون محصولها، الذي يتقاسمونه مع آفات الطبيعة من جفاف و أمراض تسببها الحشرات و الأوبئة التي تصيب النباتات. المُهم، صاحب الأرض كان فقيرا و الذي لا يمتلك الأرض، فإنّ الفقر نفسه يناديه بلقب أخي و عمّي.

كان في قرية جدّتي، رجل يُدعا الدردوري، وهو من أولئك الناس، الذين لهم قرابة عائلية وطيدة بالفقر. فهو لا يمتلك أرضا، كما لم يمتلكها من قبله لا أبوه و لا جدّه. كان الدردوري يعيش على ما يتصدّق به الناس عليه. وفي بعض الأحيان يشتغل حمّالا أو حطّابا أو أي شغل آخر، يضمن له لقمة تقيه شرّ الموت جوعا.

كان في القرية مجموعة من الشيوخ القائمين على بعض زوايا الأولياء الصالحين هنا و هناك. و حيث تنتشر حكايا الجان و العفاريت، كما تنتشر اليوم أجهزة الهواتف المحمولة. انتشرت حكايات هؤلاء الثلّة من الشيوخ. لقد عُرفوا بعلومهم الغريبة من فكّ السحر و طرد القرينة من الجان و إستخراج الكنوز المرصودة و غيرها من الأمور، التي كانت تمثّل المادّة الدراميّة الأولى لحياة الناس في القرية.

في أحد الأيّام، إنتشر خبر بحث الشيوخ عن الدردوري لأمر جلل. إنّهم يحتاجونه لفك الرّصد عن كنز في باطن الأرض تحرسه مناصفة، شلّة من الجان و أخرى من الشياطين. لماذا الدردوري؟ لماذا هو بالذات؟ و في هذه المهمّة الصّعبة؟...الدردوري يحمل في بؤبؤ عينه العلامة. علامة مميّزة تحيط بعدسة العين أو تخرج عنها في شكل لطخة من اللون البنّي. المُهمّ العلامة هي في عين الدردوري. و دماء الدردوري من فصيلة تحبّذها الشياطين و الجان. ربّما فصيلة دم الدردوري هي فئة O إيجابي، القادر على التبرّع لجميع حاملي فئات الدم الأخرى. لست أدري.

هناك في العادة طريقتان لتقديم الدم لحرّاس الكنوز من شياطين و جان. الأولى هي ذبح الدردوري، وهو أمر مستبعد، خاصة و أنّه شخصية معروفة في القرية و الشيوخ أيضا، هُم في غنى عن هذا النوع من المشاكل مع الشرطة. النوع الثاني وهو جرح بسيط في خنصر الدردوري. يتقاطر الدم. تلعقه الجنيّة رويدا رويدا. في الأثناء يسرق الشيوخ الكنز. و ينتهي الأمر.

ليومين أو أكثر و جماعة الشيوخ، يشرحون لعقل الدردوري الجاف، كشريحة من التين المجفّف، تفاصيل المهمّة.

سوف نقوم بثقب طرف إصبع يدك الصغير. إنّها مجرّد وخزة بسيطة. لا تخف. سيتقاطر الدم. سوف تخرج من الأرض إمرأة أجمل من كل نساء البرّ القبلي و البرّ البحري و كل البراري، التي عرفتها في حياتك و لم تعرفها. سوف تلعق الدم المُتقاطر من إصبعك. لا تخف. لا تتحرّك. لا تخاطبها. إبق فقط واقفا في مكانك. لا تتزحح قيد أنملة. سنخرج نحن خير الأرض. سنخرج بطنها المليء بالذهب والجواهر. نصيبك سيضمن لك الثراء،حتى ينقطع نسلك و حتى آخر حفيد من صلبك. سوف لن تجوع ثانية. سوف تدفن في قبرك يوما ما و أنت شبعان حتى التُخمة. إتفقنا؟ واضح؟...الدردوري يهزّ برأسه مُوافقا و مُتحمّسا.

لا تخف. قيلت أكثر من خمسين مرّة في مدّة يومين و ليلة. الدردوري لا يخاف.

كان اللقاء ليلة خميس في مفترق الثنايا عند القصر المهجور. كان منتصف الليل شق شعرة، كما تقول جدّتي. جاء الدردوري و جاء الشيوخ أهل العزم و الحكمة. جلبوا معهم أكياسا من الخيش. في الكيس الأول ثمّة حبّ الخردل الدقيق. في الثاني ثمّة سمسم. كيس آخر فيه أرز و آخر فيه كسكسي نملي وطحين الشعير و القمح المدقوق. ثمّة فلفل أحمر و فلفل أسود و فلفل أبيض، كلها مطحونة و مدقوقة. ثمة كمّون و كركم و تابل...و كل ما كان دقيقا صغيرا من البهارات والحبوب. أخرجوا محتوى الأكياس. مزجوها كما يُمزج الرمل بالإسمنت عند البناء. وضعوا الأكياس إلى جانبها. أخرجوا كتب علمهم المغلق على عامة الخلق من بشر و جان. شرعوا في القراءة و التمتمة بصوت منغّم مخيف.

جلب أحدهم الدردوري. وضعه في نصف حلقة القراءة، التي شكّلها الشيوخ. أخرج من جيبه موسى حادّة. أشار بسبابته على الدردوري، واضعا إيّاها فوق شفتيه إشارة بإلتزام الصمت و مواصلته. ثقب بذبابة الموسى خنصره. بدأ الدّم يتقاطر. إرتفع ترتيل الشيوخ. إنشقّت الأرض و خرجت مجموعة من الشياطين المردة. كانت مهمّتها هي فرز الحبوب و البهارات الدقيقة. فصل كل نوع على حدة و وضعه في الكيس الخاص به. عمل شبه مستحيل على بني البشر. عمل يتطلّب أياما او أسابيعا و قد لا ينجح أبدا ولكن الشياطين سريعة. دقيقة في عملها. لا تيأس. كانت تلك خطة الشيوخ، الذين شرعوا في الأثناء في جمع محتوى الكنز. ذهب فضة جواهر... كلها كانت تحت الرّصد و تحت مراقبة العسس من شياطين وجان. الشيوخ الآن يجمعونها من الأرض، كما يجمع المرء حجارة من عرض الطريق. الدردوري ينظر إلى عجائب خلق الله. مبهوت في هذه الكائنات، التي تعمل بسرعة البرق. تعمل بإخلاص و جدّ لتحقّق المستحيل. الدردوري ثابت لا يتحرك و الدّم يتقاطر من إصبعه. جاءت لحظة الحسم. لحظة إستخراج الكنز، الذي لا يفنى. كنز في شكل كتاب. كتاب قديم مليء بحكمة لا يعلمها إلاّ الشيوخ. حكمة فكّ لغز الكون و سرّ الخلود. الكتاب تحرسه جنّية أنثى. صعبة المراس. عسيرة المنال. لا يمكن مخادعتها أو التلاعب بها. لها نقطة ضعف وحيدة. نقطة ضعفها، هي دم الدردوري.

كانت الجنّية من أجمل ما رأى الدردوري في حياته. إمرأة أنثى ذات شعر من الحرير و بشرة من المرمر الصقيل. خرجت من شق في الأرض أو السماء. لا أحد يدري. تقدّمت بخطى بطيئة نحو الدردوري. جثت أمامه على ركبتيها. إنحنت. سجدت. إلتصقت بالأرض. شرعت في لعق الدم المتقاطر. أحبّها الدردوري كما لم يحبّ إمرأة في حياته. أراد أن يسدي لها معروفا. ضغط إصبعه، حتى يزيد من تقاطر الدم و يعطي المزيد منه لحبيبته العطشى. كاد الشيوخ أن يخرجوا الكتاب من مخبئه. لحظات ويمسكون بحكمة الكون و سرّه الأعظم. قطرات الدم تنثال على فم الجنية و فوق شفتيها. رفعت رأسها من الأرض. إلتقت نظراتها بنظرات الدردوري. كاد يغمى عليه من فرط الجمال الساجد تحت رجليه. فتحت الجنيّة فمها لتتلقف الدم قبل أن يسقط على الأرض. أخرجت لسانها لتلعق مباشرة من المصدر من إصبع الدردوري. و هنا بالضبط لاحظ، أسنانها الحادة و لسانها الطويل كلسان أفعى. هنا بالضبط حصلت الكارثة. ظنّ الدردوري، و ربّما يكون على حق في ظنّه، أنّ الجنيّة سوف لن تكتفي بلعق إصبعه. سوف تلعقه بأكمله. سوف تبتلعه بين أسنانها الحادة و لسانها الطويل. صرخ الدردوري صرخة شقّت عنان السماء. صرخة هلع، إنطبقت لها كل الشُقوق الناضحة بالكنوز من الأرض و إنغلقت. هبّت ريح عاصفة و دمدم رعد و قصف برق و إنهال تراب و صخر على الوجوه و الأجساد. اختفى كل شيء في رمشة عين. إختفى و كأنّ شيئا لم يكن. إختفت الشياطين و إختفت المجوهرات و الكنوز و إختفى كتاب الحكمة و الأسرار. إختفت الجنيّة و إختفى الدردوري. إختفى في حرش من أحراش التّين الشّوكي ليوم و ليلة. حين وجدوه، بعد ذلك، اندهشوا لبقائه على قيد الحياة. قال له الشيوخ:" يا وجه الفقر و معدن البؤس...سوف تظلّ فقيرا ما حييت و ما حيى بعدك من ولد و نسل..." .

حين أنهيتُ الحكاية، إنفجرت الشياطين ضاحكة ضحكا عاليا صخبا. و إتّفقوا على أن تلك الحكاية من أطرف ما سمعوا في حياتهم.

قال شيطان ابن الجزّار :" مع إحترامنا الكبير لجدّتك، فإن الحكاية هي فعلا طريفة و تعكس خيالا جامحا...هل تعتقد حقا أن الشياطين المردة سوف ينشغلون بفصل البهارات، في حين يسرق الشيوخ التافهون كنوزهم؟...يسرقون كنوزا معهود لهم بحراستها؟...أنا أرجّح أن يمسك هؤلاء الشياطين المردة، وهم طبعا أعتى أنواع الشياطين، بشيوخك و يضعون لهم البهارات في مؤخراتهم. ثمّ هناك أمر آخر : لماذا لم يخف الدردوري منهم و خاف من جنيّة جميلة، فقط لأن لسانها طويل شيئا ما و أسنانها حادّة؟...لا يهم، فالحكاية هي فعلا جميلة و مشوّقة...و شكرا لجدّتك..."

أضاف شيطان ابن سينا:" لو أنّ معنا شيطان الجاحظ الآن، لجلدنا بسياط عقله و وبّخنا على إيماننا بهكذا تُرّهات..."

قلت معترضا:" يا جماعة...إنّها فقط حكاية...مجرّد حكاية للتسلية. و هي كما قلنا، المادة الدراميّة الوحيدة المتوفرة في ذلك الزمان. فلا تلفاز و لا كمبيوتر و لا مسرح...و لا أي شيء آخر يمكن له، أن يسرّ عن الناس و خاصة الأطفال منهم، في تلك الأزمنة..."

تدخّل شيطاني:" شيطان الجاحظ، هو فعلا من نحتاجه الآن. يجب أن نجد حلاّ لمشكلة فيروسنا".

أضفتُ:" نعم...و معه شيطان ابن المقفع أيضا...لو سمحت..."

اتّجه شيطاني إلى كتابه الموضوع على الطاولة و فتحه.

حكايا الجان و الشّيطان، سوف تظل تأسرني ما حييت. سوف تظلّ الأميرة النائمة في القصر المرصود من أجمل الأميرات عندي. علاء الدين و المصباح السحري، رحلات السندباء و طائر الرخّ العظيم. كلّها أقرؤها وأنا في الأربعين من عمري، بشغف حبيب يقرأ رسالة حبيبة بعيدة. أقرأها و أخفيها عن زوجتي وزوّاري في البيت، كما يخفي مراهق مجلّة إباحية عن والديه. في النهاية رحمك الله يا جدّتي و رحم حكايتك الجميلة برحمته الواسعة الشاسعة، التي تسع كل الحكايات. و ليذهب هؤلاء النقّاد من الشياطين إلى الجحيم.

فتح شيطاني كتابه الشّهير كالعادة. و انطلقت كالعادة مجموعة من الحروف السوداء تحلّق في فضاء الغرفة. و لكن خلافا للعادة، إنطلقت مع الحروف ضحكة تشقّ السديم. ضحكة ساخرة قوية تبعث هي نفسها على الضحك. كانت و كأنها لمسة من الجنون ألمّت بعقولنا جميعا، فأغرقنا في الضحك. ضحكنا حتى إنثنينا على أجسادنا و تقاطرت دموع الضحك من مآقينا. كنّا نضحك و ننظر إلى وجوه بعضنا البعض و نمعن أكثر في الضحك. استمرّ الأمر لما يزيد عن الربع ساعة. تشكّلت بعدها هيأة رجل. خطى خطواته داخل الغرفة. كان يحمل بين يديه كتابين ضخمين. رفعت عنهما نظري لأتبيّن ملامحه. صدمت من شدّة قبحه. بارز العينين على وجه تعلوه أثار الجدري المرعبة. أفطس الأنف بارز العظام. المهم أنّه، كان قبيحا كعفريت.

الغريب في أمر هذه الشّيطان القبيح، أن المرء لا يحسّ تجاهه بكره أو اشمئزاز. على العكس إنّك تحبّه وتتمنى أن يجالسك. فيه نوع من السحر الغريب. و فيه أيضا نوع من القوّة يجعلك تضحك كلّما تثبّت في ملامحه و تُجلّه في نفس الوقت.

كان ذلك شيطان بحر العلوم و سيّد العقول عثمان بن بحر الجاحظ. جلس إلى طاولتنا و جلب بطريقة عفوية إليه أحد الصحون و شرع في الأكل. لم يزعجنا ذلك البتّة، بل قام الجميع بتقديم، ما كان أمامه من صحون إلى جانب شيطاننا القبيح الجميل.

فتح زجاجة بيرة و كرعها في نفس واحدة. و قال": سيدي كان قبيحا، فما بالكم بشيطانه؟..."

ضحكنا لقوله و أن أتذكّر ما قرأته مرّة عن الجاحظ.

يُروى، أن رجلا جاء مرّة لبيته و أراد مقابلته، ففتح خادمه الباب. قال الرّجل: أين سيّدك؟ قال الخادم: إنّه بالداخل. سأل الرجل ثانية: و ماذا يفعل؟. أجاب الخادم بصدق: إنّه يكذب على الله؟. قال الرجل مفزوعا: ويحك...و كيف ذلك؟ كيف يكذب على الله؟. قال الخادم ببساطة: إنه يقف منذ ساعة أمام المرآة و يقول: سبحان الله الذي خلقني، فأبدع خلقتي و صوّرني، فأحسن صورتي.

و يروي الجاحظ نفسه حكاية أخرى يقول فيها: كنتُ مارّا بالشارع، فاستوقفتني إمرأة معها صبيّ ونجّار. قالت المرأة و هي تشير إليّ و تخاطب النجّار: أريده مثل هذا. قلت: يا قوم يرحمكم الله...ما الأمر؟ فقال لي النجّار: لا تخشى يا سيدي...هذه المرأة لها هذا الصبي المشاكس و تريد أن أصنع لها عفريتا حتى تخيفه، فيكفّ عن هرجه و مرجه. قلت لها: عفريتا...يشبه ماذا؟...فأشارت إليك و قالت مثل هذا.

يقول اكتافيو باث:" لم يعرف هوميروس و لا فرجيل الفكاهة، و يبدو أنّ اريوست استشعر بها، لكن الفكاهة لم تتشكّل الا مع سرفانتس و كتابه دون كيشوت...و يواصل باث: الفكاهة هي الابتكار العظيم للروح الحديثة...الفكاهة تجعل من كل ما تلمسه غامضا..."

و الفكاهة أيضا تجعل من كلّ ما تلمسه متعدّد المعنى. تجعل من الحكم الأخلاقي الصارم على الأشياء والأحداث و النّاس، يتراجع شيئا ما، ليفسح مجالا للتفكير. ذلك الحكم الأوّلي المُتسرّع يتراجع، ليفسح مجالا للضحك ربّما. و لكنّه ضحك قد يتحوّل إلى ابتسامة معلّقة على الشّفاه. ضحك يجعل المرء و هو يقرأ بخلاء الجاحظ، الذي سبق سرفانتس ودون كيشوته بقرون، يقول: من أنت يا معاذة العنبرية؟...ماذا يريد الشيخ صاحب الماء و الحمار؟...ثمّ يهزّ رأسه معلّقا: لذيذ هذا الجاحظ وعبقري حدّ الجنون.

في كتابيه "الحيوان" و "البيان و التبين" يتحوّل الجاحظ إلى عقل كانطيّ خالص. إلى لوغوس لاتيني حادّ قاطع كسكين. تتحول جمله و تفاسيره إلى مبضع جرّاح، يتعامل مع الأساطير و الخرافات، كما يتعامل طبيب تشريح مع جثّة محايدة.

و لهذا إستدعينا شيطانه، لعلّه يجد لنا من أمرنا حلاّ.

قدّمت لشيطان الجاحظ بيرة أخرى و تثبّت في محيّاه أكثر. إنّه أسود البشرة. وهنا تساءلتُ ذلك السؤال الحارق: كيف شقّ هذا الرجل طريقه بين جماعة العرب العُنصريّين؟ دميم و أسود و يقال أيضا إنّه زنديق، رغم إنّه يُنكر ذلك.

قال شيطاني ـ ابن اللئيمة ـ ما فكرت فيه بيني و بين نفسي، بصوت مرتفع. نظر لي شيطان الجاحظ، ثمّ قال:" لقد كتبت رسالة في مفاخر السودان على البيضان و قد ورد فيها الآتي : "وقد قالت الزِّنج للعرب: من جهلكم أنَّكم رأيتمونا لكم أكفاءً في الجاهلية في نسائكم، فلمَّا جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسداً، وما بنا الرغبة عنكم. مع أن البادية منا ملأى ممن قد تزوَّج ورأس وساد، ومنع الذِّمار، وكنفكم من العدوّ.

قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظَّمتم أمر ملوكنا، وقدَّمتموهم في كثيرٍ من المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم..."

لهذا الرجل قلب أسد وعقل حكيم و روح فكهة تعبرُ العصور بدعة، و كأنها بيت شعر جميل تحفظه الأجيال، فلا يُقدح في جماله و لا يزول. روح تعبر الكون، فتحوّله إلى ضحكة بريئة خالصة.

قلت للشياطين:" هل نتابع المشاهدة الآن؟ أم نستدعي شيطان ابن المقفّع، حتى يشاهد معنا؟..."

قال شيطاني: " قبل هذا و ذاك، يجب أن نطبخ شيئا ما و نعدّ خمرة طيبة، فابن المقفّع رجل حزين و ذاق من مصائب الدهر الشيء الكثير. أريد جلسة بحجم الفرح..."

و كان له ذلك.

إتّجهت إلى مطعم يوناني قريب من محلّ سكناي. طلبت أكلات أعرفها. أكلات سبق و أن إختبرتها. فيها لحم خروف طيّب و سمك طازج و خضار و أجبان مختلفة الطعم و الشكل. فيها أيضا لحم طير مما يشتهون و فاكهة و نعيم. اقتنيت أيضا قنينة "أوزو" و قنينتي نبيذ أبيض.

و جاء شيطان ابن المقفّع. جاء ملتفا في عباءة تتقاطر منها الدماء. دماء لم تجفّ منذ ألف عام. دماء حارّة و كأن صاحبها جرح للتوّ. هالني مشهده، فسارعت إلى مدّة ببعض الثياب الجديدة. سارع ابن سينا في رتق جراحه، كما أحظر ابن الجزّار خليطا من الأعشاب، جعل يضمّد بها ما يمكن تضميده. سقاه شيطاني شراب الأُوزو القويّ، حتى يخفّف من ألمه. كان في الأثناء يبتسم وكنا كلّما رتقنا جرحا انفتح آخر. أحسست بوجع كبير في صدري، و كأنّ حجرا ثقيلا وضعه رخّ السندباد العظيم فوقه. قلت له: ألا تشعر بالألم؟ لماذا تبتسم؟..."

قال لي :" تضمدون جراحا في جسدي، في حين أنّ ما ينزف هو عقلي...و لكنّي رغم ذلك أشكر لكم نواياكم الطيّبة..."

قال سفيان بن معاوية لابن المقفّع:" أقتلك قتلة، لم يُقتل بها أحد قبلا و لن يُقتل بها أحد بعدا..."

قال ذلك، ثمّ ربطه و آمر بإحضار تنّور فُرن، فسجّره و أوقده، حتى أصبح حاميا متوقّدا. عندئذ أمر سفيان رجاله بتقطيع أعضاء ابن المقفّع و أطرافه عضوا عضوا و كلّما قطعوا عضوا من جسمه، يقول لهم سفيان بن معاوية: "ألقوه و أرموه في النار"

فجعل رجال سفيان يقطعون أعضاؤه، ثمّ يرمونها في النار، حتى تحترق، بينما يرى وينظر لها عبد الله بن المقفّع، حتى هلك و مات من شدّة التعذيب.

و قال له سفيان عندما كان يُحتضر:" ليس في المثلة بك حرج، لأنّك زنديق قد أفسدت الناس"

إلتوت أمعائي داخل بطني و فارقتني كلّ شهيّة للطعام أو الشراب. لعنت بداخلي يوم إنتمائي لهكذا تاريخ و هكذا حضارة. لعنت الخلفاء و الأمراء عن بكرة أبيهم كائنا من كانوا.

كان الشّيطان النازف يجلس بمحاذاتي، فأحسّ اضطرابي و حزني، فقال:" أتعرف، أنّي سخرت من قاتلي و هزئت به أيّما استهزاء و جعلت منه ضحكة للعالمين؟..."

قلت له:" كيف ذلك؟"

قال": كان سفيان بن معاوية واليا على البصرة و كان صاحب أنف عظيمة. كنت كلّما أدخل مجلسه، اقول له: السلام عليكما...قاصدا شخصه و شخص أنفه الكبيرة..."

ضحكت، دون أن أشعر، ثمّ تذكرت، إنه كان في حييّنا أيضا، شاب ذو أنف كبيرة. كنّا نداعبه قائلين له:" إن كل الناس تمدّ أيديها لتصافح أو تعاهد، ما عداك أنت، فأنفك سوف يقوم بذلك عوض عن يدك، فهو ممدود بطبعه" و فينا من يجمح به الخيال، فقال له مرّة: حين تشرب كأس ماء أو ترتشف من فنجان، فإن أنفك سوف يمنعك من ذلك. أقترح عليك أن تشتري له رافعة كتلك، التي تُستعمل في إبعاد الستائر عند فتح النوافذ، فتُبعده كلّما شربت، ثمّ تُعيده كلّما ارتويت..."

رويت لجماعة الشياطين ذلك، فضحكوا و ضحك معهم شيطان ابن المقفّع ضحكا شديدا وعمّ جوّ من الفرح و الحُبور على الجلسة و عادت شهيّة الطعام و الشراب.

أعدنا تشغيل الشاشة. ظهرت صورة كارتونية لكوكب الأرض ترافقها موسيقى مرحة. كانت الأرض عبارة عن صخرة مشتعلة تضج بالبراكين و النيران و السحب الفسفورية. صخرة معلّقة في الفضاء منذ ملايين السنين، لم تظهر عليها الحياة بعد. دخان و نار و جو جحيمي لا ماء فيه و لا هواء و لا سماء. فجأة تقترب منها صخرة أخرى أصغر منها. صخرة بحجم كوكب. صخرة يعرّفها العلماء بإسم كوكب "ثيّا" أو "تيّا". يرتطم الكوكب بالكوكب إرتطاما يشبه الهول. تتفتت الصخور و تتشظى و تتفرق العناصر في كل حدب و صوب. رغم إنّ خلفية المشهد هي موسيقى مرحة، فإنّ الإرتطام كان من العُنف بحيث جاوبه إهتزاز قويّ، أحسسته في قفص صدري. تجتمع العناصر و الأتربة و الغُبار ثانية. شيئا فشيئا يعيد كوكب الأرض لملمة أحجاره و يأخذ شكله الكروي. غير بعيد منه لملم كوكب آخر صغير، أيضا أحجاره و أتربته و صخوره و قال ": أنا القمر".

من البعيد جاء. من أعماق الفضاء جاء. جاء سابحا كسمكة قرش عمياء بلا وجهة و لا دليل. جاء كقوة غاشمة سوداء سريعة سرعة مفزعة. كان جلمودا يحمل ثقوبا يتنفس منها غازا و يحمل ثلجا و يحمل ماء. إصطدم هو أيضا بالأرض. إختلطت العناصر و المواد و إمتزجت. تقابلت الذرّات و تصارعت وتنافرت، ثم تقاربت و إلتحمت و تلاصقت. شكّلت مجموعات و تحالفات...و ابتدأت الحياة.

ظهر على الشاشة كائن كارطوني مدوّر الشكل. يحمل عدّة شعيرات و أشواك حادّة حول جسده. و لأنّه شخصيّة كارطونية، فقد كان له فم و عينان و يدان و رجلان.

هدأت الخلفية الموسيقية و قال الكائن:" أهلا بكم ...أنا السيّد فيروس"

ضحكت و ضحكت الشياطين معي. أعجبتني الفكرة و أعجبني الإخراج. التفتُ إلى شيطانيّ ابن سينا وابن الجزار و رفعت لهما إبهامي علامة إستحسان. إنحنيا انحناءة قصيرة و كأنّهما يقولان :" العفو".

فتحت بيرة و واصلت المُشاهدة.

قال السيّد فيروس:" يعتقد علماء الميكروبيولوجيا الكلاسكيّون، أنّني كائن طفيلي مسبب للأمراض. ويعتقد كذلك هؤلاء التقليديون، أنّني جُزيء لا ينتمي إلى الحياة، لأنّني لا أتنقّل و لا أتكاثر إلا داخل الخلية الحيّة و الكائنات الأخرى من إنسان و حيوان و نبات و حتى بكتيريا. أنا فعلا كذلك. و لكن ما نسيه هؤلاء العلماء المقلّدون ـ كعادة كلّ المقلّدين ـ أنّني أكثر من ذلك بكثير. العالمة السويسرية ذات الإثنين وسبعين عاما، السيّدة كارين مولينغ، أكّدت في حوار لها، أجرته مع مجلة "دير شبيغل" الألمانيّة، أنّ نصف التطوّر، الذي عرفه تاريخ البيولوجيا يحتوي على جينات الفيروس، يحتوي على جيناتي أنا. بمعنى آخر يمككنا أن نثبت اليوم في المخبر، تأثير الجين الفيروسي في خلايا الإنسان من لحم و عظام و شعر و ذلك بمعدّل النصف تقريبا.

الخلاصة: أنا لست مجرّد كائن طفيلي مسبب للأمراض. أنا من أهل البيت. أنا جزء هام من جسد الإنسان، بل أنا من حرّض بقية الأجزاء لكي تتطوّر و تتعقّد وتصبح على ما هي عليه اليوم.

و لندخل في صُلب الموضوع الآن.

ما فعلته الشياطين بي هو الآتي: لقد لقّحوا في برنامجي الجيني كروموزوما مُشتقّا من خلية عصبية. أي خليّة تابعة للدماغ و بذلك أصبحت لي القدرة على المناورة و الذكاء. أصبح لي وعي بذاتي بفضل التواصل الالكتروني، الذي يقيمه هذا النوع من الخلايا فيما بينهم. لم أعد ذلك البرنامج البيولوجي، الذي يعمل بصفة آلية، ليبقى على قيد الحياة داخل الجسم الحيّ. لقد أصبحتُ كائنا ذكيا مستقلا قادرا على التفكير و إتّخاذ القرارات.

يبدو الأمر معقّدا. أنتم لا تحتاجون هذا الوصف العلمي المفصّل. حسنا... سوف أكتفي بوصف رحلتي في جسد سي عبد الباقي و سوف تفهمون ما أقصد.

داخل أنبوب في مخبر، تحولت من كائن خامل على شكل بلّورات جامدة إلى ذات مستقلة مفكّرة. أصبحت لي مناعة ضد الهواء و الماء و أستطيع التنقل عبر عدّة وسائل للعدوى. قد أطير في الهواء أوأسبح في الماء وألتصق بالأشياء و يكفي وصولي إلى جلد الانسان، حتى أثقبه و أدخل فيه. أستطيع الانتقال من شخص لآخر بمجرّد المُصافحة أو إرتداء ثياب الآخرين أو حتى عبر الشّهيق و الزّفير.

منذ شهرين، دخلتُ جسد سي عبد الباقي.

وجدت نفسي في عالم غريب. عالم أو هو كون ضخم من مليارات الخلايا. حاولت بعض من هذه الخلايا، في البداية مقاومتي و طردي أو حتى إفتراسي، بما أنّني كائن غريب داخل جسم. و لكنّني إرتديتُ معطفي البروتيني المُموّه، وهو طبعا خطّ دفاعي الأوّل والبسيط. شرعتُ في التجوّل بينها ودراسة الوضعيّة. الوضعية كانت فعلا مُزرية. خلايا عضلات مهترئة و مرهقة. خلايا عظام هشّة. خلايا عين بالكاد تقوم بوظيفتها في توضيح الرؤية. خلايا رئة متشنّجة يعوق حركتها البلغم. كان كونا كارثيّا من الخلايا. ولكن الكارثة الحقيقيّة كانت خلايا المُخ.

المخ و كما تعلمون، هو المسؤول الأوّل عن إصلاح بقيّة الخلايا إذا ما أصابها عطب أو تلف ما. وخلايا مخ سي عبد الباقي هي ما يحتاج إلى الإصلاح. إتجهت إليها مباشرة. ما وجدته، هو اتصال ضعيف فيما بينها. الخلية العصبية مرهقة و لا توصل المعلومة إلى الخلية الأخرى، التي من صنفها، إلاّ بعد الجهد الجهيد. أصلحتُ الناقل الالكتروني. أصلحتُ النيرونات. خلايا الذاكرة ملآنة بالترّهات: لعب القمار. كره الزوجة و كره الآخرين. محاولة الغشّ و الرشوة و السرقة التي تسبب الضغط العصبي و إهدار الطّاقة. شرعت في إفراغها من محتواها البروتيني الفاسد و تعويضه بمعلومات جديدة في صالحها. في صالح الجسد بأكمله. حقنت فيها معلومات جديدة. عدم الرغبة في النيكوتين. عدم الرغبة في القهوة و السكّر والكحول. الإبتعاد عن إدمان القمار وبالتالي تخفيف الضغط العصبي. الإبتعاد عن السرقة و التحيّل والرشوة و الغشّ، لانّها تسبب هي الأخرى الضغط و الإرهاق. جددت برنامج الذاكرة بآخر يضمن الإستمرار في الحياة. بعد مدّة إستعادت أغلبُ خلايا الدماغ عافيتها و اتجهت إلى مهمّتها الرئيسية وهي إصلاح بقيّة الخلايا. خلايا اللّحم و العظم و حتى الشّعر. و هكذا إستعاد جسدُ سي عبد الباقي مهمّته الأساسيّة، وهي البقاء على قيد الحياة و السّعي إلى توفير الظروف المناسبة، الخارجية منها و الداخلية، لتوفير أسباب هذا البقاء.

نفس البرنامج الإصلاحي، صنعتُ منه نسخة و مرّرته إلى زوجته مدام حبيبة. عندما لامست أصابعه أصابعها و هي تقدّم له فنجان القهوة صباحا.

نسخة أخرى مرّرتها إلى الأستاذة سامية المحامية عبر أحد زبائنها و الذي كان بدوره زبونا عند سي عبد الباقي في البلديّة. مرّرت مدام حبيبة أيضا، نسخة إصلاح برنامج جيني إلى أحد الأولياء، الذين يزورونها في المدرسة. هذا الولي، كان عاملا بشركة المُقاولات التابعة لسي حمد والد نوفل وهكذا أصيب الأخير بالعدوى.

ما رآه شيطان الرحّالة ابن بطوطة بعد ذلك، و وصفه في رحلته إلى القطر التونسي، هو نتيجة آلاف بل مئات الآلاف من النُّسخ الإصلاحيّة الجينيّة، التي طبعتُها و وزّعتُها عبر العدوى في زمن قياسيّ على الناس.

و لكن...

بطريقة ما وصلت إلى جسد رجل دين. إمام خطيب في أحد المساجد. إمام متعصّب. خلايا رأسه صلبة كالفولاذ. تتناقل معلومات شديدة الخطورة في ما بينها و بسرعة فائقة. كمنتُ و شرعتُ في المراقبة والإنتظار. الجسد سليم و يمكن القول، أنّه قويّ. طبعا ماعدى بعض الإرهاق في خلايا الرئة، نتيجة تلوّث الهواء، الذي يستنشقه. توجد كذلك بعض المشاكل في خلايا المعدة و الأمعاء. إنّه يأكل بإفراط ونهم، ثمّ يتوقف عن الأكل مرّة واحدة في شهر رمضان و الأدهى، أنّه يتوقف عن شُرب الماء أيضا. ثمّة بعض المشاكل في بطنه. ولكنّ رغم ذلك، تعرّضتُ لمقاومة شديدة و أنا أسبح بين خلاياه. بعد مدّة إنقضضتُ على إحدى الخلايا العصبية، و هنا انفتحت عليّ أبواب الجحيم. أردت حقنها ببرنامجي الجيني و لكن الخلية العصبية كانت نفسها متعصّبة و سرعان ما نقلت معلومة وجودي إلى بقية الخلايا وهاجمني الجميع. فررتُ إلى خلية جلديّة و قرّرت الكُمون هناك، دون حراك و دون لفت الإنتباه. كنت ألاحظ، كيف رسمت الخلايا العصبية صورتي و وزّعتها على خلايا الدفاع في الجسد. كنت المطلوب رقم واحد من كامل الجسد. و طبعا أنا مطلوب ميتا و رأسي يجب أن يصل على طبق لخلايا الدماغ الملكيّة.

ما يقارب الأسبوع و أنا كامن كبلورة صامتة، تراقب بعينين من زجاج ما يحدث حولها. كانت حالة الدماغ تشبه المرجل. يفور بمعلومات غاية في الخطورة. كل بروتين في الذاكرة يحمل فكرة قاسية ويتبادلها مع الآخرين و يخزّنها بحرص شديد. معلومات من قبيل وجوب الجهاد و قتل الكافرين و كره المخالفين. معلومات أخرى، تصف الحكومة بالطاغوت و تكره الإعلاميّين و الصحافيّين و الفنّانين وتصفهم بالمُجون و الزندقة و العمالة. ثمة معلومة حزينة على فشل دولة الخلافة و سقوط الإخوان في مصر. كلّ هذا كان يسبح في عقل صاحبنا و بين خلاياه العصبيّة العنيدة.

إحترتُ في ماذا سأفعل، خاصة و أنّ هذه المعلومات مقبولة تماما من طرف المخ. و الذاكرة تخزّنها بحرص و تؤمن بصحّتها إيمانا أعمى. في جسد سي عبد الباقي، كان الأمر مختلفا، فمعلومات دماغه كانت قابلة للنقاش. أي أنّه رافض في قرارة نفسه لعب القمار و التدخين و لكنّه مجبر على ذلك بحكم الإدمان. كان الأمر سهلا و لا توجد مقاومة تذكر أثناء تدخّلي في برنامجه الجيني. و ذلك طبعا عكس هذا الكائن المتعصّب مغسول الدماغ.

و فجأة توصلت إلى حلّ. جسد سي عبد الباقي كان يعاني من الأمراض و كان ضعيفا و هذا ما ساعدني كثيرا في السيطرة على خلاياه العصبية و على أفكاره.

قرّرت، أن أُضعف جسد الإمام. و هذا ما فعلته. أصبته بحكّة مزعجة في خصيتيه. و أصبت عضلات قضيبه بالإرتخاء. إختلّ توازنه النفسي، عندما فشل في مُعاشرة زوجته، ثم فشل مرّة أخرى في مُعاشرة عاهرة يعرفها، منذ كان شابا يافعا. إهتزّ من الأعماق و أصابت خلايا رأسه البلبلة والإضطراب. فقد الكثير من إنسجامه الديني و تدهورت القناعات العمياء التي يخزّنها في ذاكرته. و هنا انقضضتُ. تحوّرتُ إلى خلية عصبية شبيهة بخلاياه و شرعتُ في العمل.

كان عملا مرهقا و لكنّي نجحت في الأخير. تطلّب الأمر شهرا من العمل المُضني أو أكثر قليلا. كره صاحبنا الشباب المجاهد في سوريا كرها شديدا و كره نفسه، خاصة و أنّه كان من الذين دعوا إلى إرسال فتياتنا إلى جهاد النّكاح. و تبدّلت عنده الكثير من القناعات البالية و بدأ حياة جديدة مُختلفة.

كدتُ أن أصفّق لذكاء الفيروس و لكنّه تنهّد و واصل قائلا:" إلى أن جاء اليوم المشؤوم. إنتقلت عبر الأستاذة سامية المحامية إلى كاتب الوزير، فالوزير نفسه. سياسيّ قذر شرس نفعي وصولي، كأغلب السياسيين، إن لم نقل ككلّهم. طبعا بإستثناء مانديلا و غاندي.

كان أعجب ما في خلاياه العصبيّة، أنّها تحمل المعلومة و نقيضها. تحمل الفكرة و فكرة أخرى تعاكسها تماما. و لكنّها تتعايش مع بعضها، تتبادل المواقع، تتمترس في خط الدّفاع، ثمّ في خط الهجوم. مع الأعداء و الأصدقاء في نفس الوقت. تتلوّن حسب المنفعة و الحاجة. بعبارة مقتضبة هذا الرّجل هو من النّوع، الذي يقتلك صباحا و يتتبّع متأسّفا خطى جنازتك مساءا. كان يحبّ الوطن و يكرهه في نفس الوقت. دخل السجن لإصلاح الوطن و لكنّه عندما خرج شرع في إفساده مباشرة. إحترتُ حقا في أمره.

قرّرت أن أستعمل معه نفس الإستراتيجية، التي إستعملتها مع الإمام. أصبته بمرض في عموده الفقري. كما سببّت له إلتهابا مؤقتا في كبده. دافعت خلاياه بقسوة و تحوّلت عقده اللنمفاوية إلى آلات حرب شرسة. ضخّ إضافة إلى ذلك، كمّا هائلا من أحدث عقاقير العلاج في جسده. إلتزم بحمية غذائية ورياضية، قوّت من مناعته أضعافا مضاعفة. فشلت الخطّة فشلا ذريعا، بل أنّ وجودي أصبح مهدّدا تماما داخل جسمه. إنّه يملك المال و العلاقات و يحصل على كلّ ما يريده من أنجع الأطبّاء و أمهر الصيادلة. دواء ما، حاصرني و أراد إفنائي. تحوّرت أكثر من عشر مرّات في أقل من أسبوع و لكنّه كل مرة يكشف أمري. تحوصلتُ في منطقة معزولة و بعيدة من خلايا الجلد و لكنّ جهاز المناعة لاحقني حتى هناك. تشبّثتُ بشُعيرة دقيقة في أعلى رأسه. خفتت حركة المقاومة و لكنّ وصلتني معلومة، أنّ الكثير من الفيروسات الشبيهة بي والحاملة لنفس جينومي، كان حظها أقلّ من حظي. لقد لقيت مصرعها في أجسام السياسيين. إنهارت معنوياتي. أنا الآن عبارة على بلّورة مجهريّة بين الحياة و الموت. لا حول لي و لا قوّة. لم أتوقّع أن يكون السياسيّون بهذا السُّوء و ما لم أتوقعه أكثر، هو الإصرار على هذا السُّوء.

إنتهى العرض و أطفأ شيطان ابن سينا الشّاشة.

عمّ صمت مقيت جميع الحاضرين و أحتبست في حلقي جرعة بيرة مريرة.

ما العمل؟ سؤال لم أسمعه و لكنّي رأيته معلّقا كلافتة تائهة على وجوه الشياطين.

ما العمل؟؟

أراد شيطان الجاحظ أن يقول شيئا ما و لكنّه تراجع. يبدو أنّه يحتاج مُهلة للتفكير. إحترمنا ذلك و لزمنا الصمت.

جرع شيطان ابن المقفّع جرعة " أوزو" و لزم الصمت أيضا.

أشعلت أنا سيجارة و نفثت دخانها في توتّر.

قال شيطاني في غضب و هو حانق:" لماذا نحتاج السياسيين؟...فلنقتلهم جميعا و ينتهي الأمر..."

وافقته قائلا:" معك حق...غدا عندما يختفي أحد أعضاء البرلمان، فسوف لن أفتقده و لكن إذا غاب عامل النظافة، فإنّي سوف أموت تحت أكوام نفاياتي..."

ردّ عليّ شيطان الجاحظ:" هذا ليس حلاّ..."

أضاف شيطان ابن المقفّع:" كلّ سفينة تحتاج إلى ربّان و لو كان رعديدا جبان و كلّ سكن يحتاج إلى عنوان ولو سكنه برصان و عميان..."

أردتُ أن أعترض، فقالت لي الشياطين في صوت واحد:" أهدأ و لا تتسرّع ...دع لنا مُهلة للتفكير...".

نهضتُ. وضعتُ بعضا من الموسيقى. جلبتُ بيرة أخرى. أشعلتُ سيجارة ثانية في أقلّ من خمسة دقائق. قررتُ، هذه المرّة، أن أدخّنها بإستمتاع على ألحان بيتهوفن السماويّة. نفثتُ سُحب الدّخان وأنا أرجعُ رأسي إلى الوراء و أتذكّرُ قولة درويش الرائعة و أسمع معه:" صرخة الحجر الأسيرة: حرّروا جسدي. و أبصرُ في الكمنجة هجرة الأشواق من بلد تُرابيّ إلى بلد سماويّ...".

انشغلت جماعة الشياطين بعدد من النشاطات. شيطان ابن سينا، أعاد بسط بعض أوراقه على الطاولة وانكبّ معه شيطان ابن الجزّار على مراجعتها. شيطان ابن المقفّع، مسح بعض قطرات من الدمّ، التي انسكبت منه على الأرض، ثمّ أخرج مجلّدا ضخما و جعل يتصفّحه. شيطان الجاحظ، تأملنا قليلا بعينيه الجاحظتين، ثمّ جعل يخطّ على ورقة بعض الكلمات.

أمّا شيطاني أنا، فقد قرّب مقعده من مقعدي. أرجع رأسه إلى الوراء كما أرجعت أنا. جلب بيرة و جعل يتمتّع، كما أفعل، بأنغام بيتهوفن و لكن دون أن يدخّن.

مضت على حالنا تلك، ربع ساعة. نصف ساعة. ساعة كاملة. لا أدري.

كلّ ما أذكره، أنّي قلت للشياطين:" لماذا لا نصبه بمرض الإيبولا أو السيدا؟..."

نظروا لي في حيرة، ثمّ سألوني:" من هذا؟..."

قلت:" طبعا... السياسي... سوف يضعف جسمه ضعفا تامّا و بالتالي يمكن، أن نسيطر عليه..."

ردّ ابن سينا وهو يعود إلى أوراقه فوق الطاولة، بعد أن رفع رأسه عنها:" فيروس الإيبولا، سوف يقضي عليه في 14 يوما و ذلك قبل، حتى أن تبدّل فكرة واحدة من أفكاره. سوف ينزف دما من فمه و عينيه وأنفه. سوف يتبوّل دما و يتغوّط دما و ذلك قبل، أن يصلح أي شيء في الوطن، لأنّه هو ببساطة من يحتاج الإصلاح ، حين يُصاب بالإيبولا...".

قلت في عناد :" حسنا...و ماذا عن السيدا؟ يمكن للإنسان، أن يعيش حتى عشر سنوات كاملة و هو مصاب بمرض فقدان المناعة المكتسبة..."

تدخّل ابن الجزّار هذه المرّة:" و هل تعتقد فعلا، أنّنا لم نفكّر في هذا الأمر؟...سوف يفقد السياسيّ مناعته و قد يستطيع الفيروس، أن يتجوّل بحريّة في جسده دون مقاومة و لكن خلايا المخ العصبيّة، سوف تظلّ على صلابتها و شراستها. ما سوف تحصل عليه في النهاية هو سياسيّ فاسد و مُصاب بالسيدا فوق ذلك..."

قلت في يأس:" اللعنة...كم أكره هؤلاء السياسيين..."

أغلق شيطان ابن المقفّع المجلّد، الذي بين يديه، ثمّ قال:" قالت العلماء قديما: صاحب السياسة له ثلاث وعليه ثلاث، أمّا التي له، فهي فطنة و مُناورة، صبر و مُثابرة، تحسّب و مُغامرة. و التي عليه كبر ومُكابرة، جشع و مُطامعة، قسوة لا يأمنها إلا أبله عديم أدب و مُخابرة.

و سوف أضرب لكم الآن مثل صاحب الحيّة و الثعبان و جماعة الصمّ و العميان. وهي حكاية مثلها كمثل كتاب سيدي "كليلة و دمنة"، إجتباه الحكماء لحكمته و السُّخفاء للهوه.

زعموا أن رجلا كان يصاحب حيّة و ثعبان، أمّا الحيّة، فهي سامّة تُطلق فحيحا يصمّ الآذان على صغر في حجمها و حقارة في هيأتها و ذلك عكس الثعبان، فهو عظيم الخلقة ثقيل الميزان على وداعة وضراعة لا سمّ له و لا أسنان. كان لكلّ ملك مملكة و صولجان، و كان لصاحبنا مملكتان و تاجين و رعيّتان.

يحكم أرضا أهلها عميان، فإذا عصوا و تمرّدوا عرض عليهم الحيّة ذات الفحيح و الأسنان، فخنعوا وذلوا و سلّموا له بالسلطان، فأخذ منهم كل عزيز من فضة و ذهب ذو أوزان. و يحكم أرضا ثانية أخرى، أهلها من الصُمّ الطرشان، فإذا عصوا و تمرّدوا عرض عليهم الثعبان، فرأوا عظيم خلقه و هول جسمه، فخنعوا وذلوا و سلموه كل عزيز ذو شان.

و هكذا هو شأن أهل السياسة. يخادعون و يناورون. قساة لا يلينون و يُبدون عكس ما يُبطنون. و ما ضربتم لكم هذا المثل إلاّ لتعرفوا من تنازلون و من تحاربون.

فيروسكم هذا، إما هو واحد من أرض الصمّ الطرشان أو واحد من أرض العميان. و ما عليكم إلاّ أن تكشفوا له لعبة الحيّة و الثعبان.

قبل أن نستحسن كلام ابن المقفع و نشهد له بالأدب و العلم و البيان، تدخّل شيطان الجاحظ قائلا، بعد أن أرجع قلمه إلى غمده و قرطاسه إلى جنبه :" السياسي رجل بخيل، يجمع و يمنع و له في ذلك تدبير وشطارة. رجل يلزم نفسه بحسن التصرّف و الإدارة و لكنّه يدير أمور نفسه و يتصرّف فقط لأهل بيته. يضحك الآخرون لقوله ولكنّهم يجوعون، أيضا لفعله. يضربك و يبكي، ثمّ يسبقك و يشكي.

حدّثني أحد الثقاة، أنّ تاجرا ثريّا حلّ بأرض عرف أهلها بالبخل و التقتير. و كان ذلك عند القوم، حسن تصرّف و تدبير و اطاعة لله في نبذ المبذّرين. فلمّا حل ضيف ببيت أشرفهم، رأى من الشحّ ما أغاضه ومن اللؤم ما أثاره. كان شريف القوم يضع الطعام له و لأهل بيته و يأكل الجميع دون الضيف، وينصحه قائلا:" أنت تاجر على سفر، فإذا امتلأت معدتك، تراخت أعضاؤك و ثقل عزمك وضاعت همّتك و ربّما أهدرت زمن رحلتك و خسرت بذلك فُرصتك. و لك في ذلك حكمتين، حكمة الدين، حيث يقول رسول الله ": ما ملأ ابن آدم وعاءا أشرّ من بطنه..." و حكمة الدنيا، حيث قالت الحكماء:" لقمة زائدة فرصة ضائعة و علّة نائمة...".

إغتاظ التاجر أشدّ الغيظ و لكنّه علم، أنّ الغضب مُذهب للعقل، مُفسد للوسيلة، مُتلف للحيلة.

فلمّا أصبح الصّباح، قال لمُضيفه:" أشكر لك حسن صنيعك و رجاحة تدبيرك و نصحك لي، بما يسهّل أمر سفري و ربح تجارتي. و لكنّي أردت أن أختبرك مع ثقتي فيك و أمتحنك مع إيماني بحكمتك. وغايتي أن أعرف صبرك على الشدائد و منزلتك بين أهل العزائم.

قال الشريف البخيل:" التدبير فينا فطرة و العزم عندنا سُترة، فهات ما لديك…"

قاطعه التاجر:" لقد نما إلينا أنّ جارك، الذي أرسلنا إليك، بعد أن عزّت عليه ضيافتنا، كان أكثر تدبيرا منك و أشدّ حرصا..."

أخرج التاجر وهو يواصل كلامه درهما نحاسيّا رخيصا من جعبته و قال:" سيفوز بهذا الدرهم أكثركما صبرا و اشدّكما عزما، فهلاّ أحظرت جارك حتى نجري الإختبار؟..."

طار الشريف البخيل ليحظر جاره. في الأثناء أعدّ تاجرنا دلوين مليئين بالماء. و عندما مثلا أمامه الرجلان، قال لهما:" سيفوز بالدرهم أطولكما نفسا و أشدّكما صبرا. من يرفع رأسه أوّلا خارج دلو الماء خسر و كان ضعيف التدبير في نظرنا و قد خذلنا...".

فأدخلا البخيلان رأسيهما في الماء. بعد زمن أخرج الشّريف وجهه و قد إزرقّ من إحتباس النفس. أمّا الجار فقد أبعده الناس عن الماء، فوجدوه قد مات. قال التاجر:" جارك أحسن تدبيرا منك. خُذ هذه الدرهم لك، وفّر له بها جنازة تليق بحسن تصرّفه و إقتصاده..."

ضحكتُ و ضحكت الشياطين لحكاية الجاحظ، الذي أردف قائلا:" ما يحتاجه فيروسكم هو درهم و سطل ماء، حتى يتغلّب على ساستكم...".

انفضّ بعد ذلك، معشر الشياطين من حولي و بقيت في رأسي فكرة وحيدة عالقة هي: أنت لن تنتصر على السّاسة. قد تهزمهم لشوط و لكنّهم سوف يهزمونك لأشواط. قد تكون جولة لصالحك و لكن الجولات القادمة هي قطعا لصالحهم و قد ينطبق عليك قول الشاعر أبو البقاء الرندي:" من سرّه زمن ساءته أزمان…".

رأيت اليوم و أنا في طريقي إلى النّزل، حيث أعمل لافتة أعجبتني. لافتة كتب عليها الألمان:" إن لم تفتح فمك اليوم لتعترض على إرتفاع الأسعار، فستضطرّ إلى فتح محفظة نقودك طيلة الأيّام القادمة…".

أوحت لي تلك اللافتة بفكرة أحسبها جيّدة.

أعدتُ مشاهدة فيلم الفيروس. ركّزت مع كل كلمة قالها. حاولتُ أن أجد بنفسي خلاصا من هذا المأزق. جمعت المعطيات. كلّ المُعطيات حتى أدقّ تفاصيلها. دوّنتها على ورقة. رسمتُ خطوطا و دوائرا وسهاما و كأنّي أهندسُ استراتيجيّة للعبة كرة القدم. أحسست بنوع من اليأس و أنا أرى السبيل تلو الأخرى، تنسدّ أمام عقلي. لعنتُ السّاسة والفيروس و لعنتُ خاصة شيطاني، الذي زجّ بي في هذه المعضلة منذ البداية. مزّقت الورقة و غادرت البيت. تبيّن لي أن الفكرة، التي حسبتها جيّدة، هي فكرة غير مُجدية.

خرجتُ إلى الشارع دون وجهة محدّدة. شرعت في التسكّع و حاولت أن أفكّر في كل شيء ما عدا الوطن. فكّرت في كوكب المرّيخ و في دودة القزّ و في بوسة الخال أعلى سرّة أولغا. فكّرت حتى في تسلّق الجبال مع غوندا. و لكنّي بعد فترة و دون أن أشعر، فكّرت في اللاجئين العرب، الذين تحرّشوا بالفتيات الألمانيّات ليلة رأس السنة في مدينة كولن و سرقوهنّ. و هكذا عُدت للتفكير في الوطن.

لم تظهر الشياطين طيلة أسبوع كامل. حدثت في الأثناء محاولات من داعش لإقامة إمارة إسلاميّة في مدينة بن قردان جنوب تونس و لكن دحرهم الجيش بمعيّة المواطنين. بعض الذين تمّ القبض عليهم من جرابيع الإرهاب، كان لهم صلة بالنهضة و فيهم، حتى من كان في السجن و تمّ إطلاق سراحه، ليعود ويطلق علينا النّار.

في النهاية…لا خلاص من هذا الوطن…

فتحت جهاز الحاسوب و شاهدت بعض الأشرطة الوثائقية على اليوتوب. إنتقلت بعد ذلك إلى مشاهدة بعض البرامج الحواريّة الساخنة. نقاش حاد حول جدوى بول البعير و عالم عصره زغلول النجّار يأتي بالمعجزات و يقول، أن علماء و أطبّاء سويسريين توصلوا إلى إثبات فاعلية العلاج ببول الإبل…كدت أحطّم الشاشة بقارورة البيرة، التي في يدي و لكن أنقذني تدخّل هاتفي للسيد القمني، وهو يقول له:" ما تقوله هو إهانة للأمّة. إهانة لها في نظر الشعوب الأخرى. تلك الشعوب، التي اخترعت لنا ونحن قعود، كلّ اللقاحات و الأدوية، التي قضت لنا على الطاعون و الكوليرا و التيفوئيد ونحن قعود مسندين ظهورنا إلى إبلنا و ننتظر من يكتشف و يخترع لنا. و ماذا نكتشف نحن الآن؟…نكتشف بول النّاقة…ننصح الناس بشرب البول…أليس البول سائل تتجمّع فيه كل سموم الجسد؟…أن يسيء العامّة للأمّة، فهو أمر رديء و لكن أن يسيء إليها علماؤها، فهو الكارثة و المُصيبة العظيمة عينها…"

إنتقلت بعد ذلك إلى مشاهدة مقاطع من برنامج الاتجاه المعاكس، فراودني إحساس، أنّي تحوّلت إلى أحد أفراد جمهور القرون الوسطى وهو يتلذّذ بمشاهدة أحدبين أو مشوّهين خلقيين وهما يتصارعان ويتقاتلان. تحوّل مدير الحوار إلى نخّاس دنيء من عصور الظلام في أروبّا، يربح ماله من دماء هذه المخلوقات المشوّهة. و ثمّة قيصر أو إمبراطور ما، في قصر ما، يراقبُ بعين راضية ما يحصل. إمبراطور يجلس بإطمئنان فوق عرشه، فهناك ما يلهّي و يسلّي هؤلاء الرعاع.

أقفلت جهاز الحاسوب و بقيتُ أسكر وحدي في الظلام و الصمت.

بعد فترة إنثالت على عقلي مجموعة من الأفكار. تتابعت و تهاطلت هذه الأفكار داخل دماغي، كما تتابع قطرات المطر. بعد ذلك تتشكّل و تتلاحم منشأة سيولا صغيرة في البداية، ثمّ تعانقت هذه، فصارت ما يشبه الأودية، فأنهارا، فبحارا...و قبل أن أغرق في لجة أفكاري تداركت أمري.

أخرجت ورقة و قلما.

خططت على رأس الصفحة السؤال التالي:

بماذا يتميّز إنسان ما عن إنسان آخر؟ بماذا تتميّز مجموعة بشريّة ما عن أخرى؟ بماذا يتميّز شعب ما عن آخر و ما يجعل وطني متخلّفا عن بقيّة الأوطان؟

إنّه العقل.

ما هو العقل؟

العقل هو رحلة إكتشاف. إكتشاف ماذا؟ و رحلة ماذا؟

رحلة عبر التاريخ لإكتشاف القانون. مسيرة يكتشف فيها العقل مجموعة القوانين، التي تحكمُ الطبيعة. القوانين التي تحكم الفيزياء. القوانين التي تحكم الهندسة. القوانين التي تحكم الرياضيات و حتى اللغة والكمبيوتر و إجتماع البشر وحتى الطُرقات...

هناك قانون لإشتعال النّار، إكتشفه عقل الإنسان الأوّل. قانون للجاذبية و آخر للنسبيّة و ثان للطيران.

القانون هو العلاقة، التي تحكم و تربط ذرّة بأخرى و هو العلاقة التي تربط مجرّة بأخرى و علاقة بشر بآخر. كلّما ابتعدت الشعوب عن القوانين و لم تطوّرها و لم تفهم مغزاها، كلّما ابتعدت عن الحضارة وتقهقرت.

زارني الشّيطان. قال لي :" لقد غادر جماعة الشياطين كلّهم دون أن يجدوا الحلّ. لقد عجزوا أمام ساسة بني البشر و يئسوا من إصلاحهم. غادروا دون أمل في العودة و دون أسف، بل هم فرحون لأنّهم نجوا من كوكب يعمّره أمثالهم…"

إنتظر مني الشّيطان، أن ينفطر قلبي أسفا و حسرة. لكنّي بقيت هادئا صامتا رصينا و حتى راض عن ما حدث.

قدّمت له ورقة و قلت له :" أقرئها …"

نظر في الورقة، ثمّ رفع إليّ عينين متسائلتين.

كرّرت :" إقرئها بصوت مرتفع…من فضلك"

قال:" العنوان: الميثاق العالمي لحقوق الإنسان

المادة 1

يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

المادة 2

لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.

المادة 3

لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.

المادة 4

لايجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما.

المادة 5

لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.

المادة 6

لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية.

المادة 7

كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا.

المادة 8

لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون.

المادة 9

لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً.

المادة 10

لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه.

المادة 11

( 1 ) كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

( 2 ) لا يدان أي شخص من جراء أداة عمل أو الامتناع عن أداة عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة.

المادة 12

لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

المادة 13

( 1 ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.

( 2 ) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.

المادة 14

( 1 ) لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد.

( 2 ) لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة 15

( 1 ) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.

( 2 ) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

المادة 16

( 1 ) للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله.

( 2 ) لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملاً لا إكراه فيه.

( 3 ) الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

المادة 17

( 1 ) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.

( 2 ) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.

المادة 18

لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.

المادة 19

لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

المادة 20

( 1 ) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.

( 2 ) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.

المادة 21

( 1 ) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.

( 2 ) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

( 3 ) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

المادة 22

لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لاغنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته.

المادة 23

( 1 ) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.

( 2 ) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.

( 3 ) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

( 4 ) لكل شخص الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته

المادة 24

لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولاسيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.

المادة 25

( 1 ) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

( 2 ) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير شرعية.

المادة 26

( 1 ) لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.

( 2 ) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام.

( 3 ) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم.

المادة 27

( 1 ) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه.

( 2 ) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.

المادة 28

لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققاً تاما.

المادة 29

( 1 ) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نمواً حراُ كاملاً.

( 2 ) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.

( 3 ) لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئه.

المادة 30

ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه.

قرأ الشّيطان الورقة، ثمّ قال لي:" و ماذا الآن؟…"

قلت له:" قد يعجز الفيروس. قد تعجز الشياطين نفسها و لكن لن يعجز القانون. القانون هو العقل. منذ ريشة ماعت ربّة العدل الفرعونية و شريعة حمورابي. منذ كان مانو يعلن التعددّية و التسامح في شرق آسيا و القانون هو الفيصل. هو العقل و الحكمة. ما أريده منك يا شيطاني هو، أن تحرّض بني جنسك من الشياطين، حتى يوسوسوا ليلا نهارا لساسة بلدي، حتى يجعلوا من هذا دستورا للبلد. دستورا واحدا لا غير. هذا هو أملنا الوحيد، حتى ندخل إلى بيت الإنسانيّة. حتى نرفع ظهورنا المسندة إلى إبلنا و ننهض ونمشي في ركب الأمم…"

قال شيطاني :" فكرة لا بأس بها…حسنا سوف أبذل جهدي…شكرا…"

و لأوّل مرّة تحدّيت رفضي للشيطان و قبلت به كشريك يشاركني مشاركة تامّة في الوطن. لقد اعتبرته دون زيف أو مجاملة مواطنا مساويا لي في الحقوق و الواجبات و عانقته شاكرا.

ما أحسسته بعد ذلك، هو هزّة صغيرة في رجليّ. أحسست أنّ جسما صغيرا يعانقني من الخلف. كانت إبنتي الصغيرة، التي بلغت الرابعة من عمرها اليوم، تضحك و تقول لي:" بابا… أنت تعانق المرآة…ألا تعرف أن ذلك الشخص هو أنت؟…بابا…أنت شخص مضحك…"

و واصلت الصغيرة الضحك بمرح…

إنتهت…