رواية: "أنا و الشّيطان...و الوطن"
تأليف: طارق الشّيباني
الإهــــــداء:
ثمّة مجموعة من الشياطين الصّغار، يحبّون القراءة و الكتابة. يرقصون بجنون. يطربون للألحان ويعشقون الألوان ويحبّون الذهاب إلى السينما...أهدي إليهم هذا الكتاب.
أبي رحمه الله. أمّي التي علّمتني الكتابة، كما فعل العراقيّيون القدامى حين علّموها للبشر.
نساء أحببتهنّ. نساء أخريات أحبّهن و لكنّهن لازلن مختفيات في منعطف الحياة.
التقديـــم:
عندما كنت طفلا صغيرا، كنت ككلّ الأطفال، ذو خيال جامح. كنت أصدّق كلّ ما يقوله الكبار و أراه بعين الواقع و الحقيقة. خيالات الكبار الأكثر جموحا، كانت عالمي الجميل و المُشوّق، و لكن أيضا المُرعب والمُخيف في أكثر الاحيان... لقد كانت ـ وهو الأهمّ ـ وسيلتي للسفر خارج حدود هذا العالم المعقول والمحدود...
عليّ ولد السلطان و الجنّيات الساحرات و عفاريت القيلولة الساخنة و أبودبّوز و الغول ذو العينين الحمراوين و الغربي خاطف الأطفال، كانوا يسكنون داخل رأسي الصّغير و يوجهون خيالي إلى آفاق أرحب، ما كانت لتتيحها لي ألعابي القليلة الفقيرة.
و لكن كان للشّيطان وقع خاص في نفسي، فهو الذي نعتوني بإسمه، إذا ما بالغت في إزعاج الكبار وهو الذي جعل من نومي لذيذا عند الذهاب للمدرسة صباحا. " بارك عليك الشّيطان" كانت تقول أمّي. وهو أيضا من حمّلته المسؤولية في مراهقتي و أنا أختلس النظر لمفاتن بنات الجيران...وهو كذلك من حرمته من الأكل و أنا آكل بيمناي و حرمته من قضاء حاجته و أنا أدخل للمرحاض برجلي اليُمنى.
كبرتُ و نسيتُ معارفي تلك. كبرت وجفّ خيالي و أصابه القحط. هذه الرواية هي فقط محاولة للتذكّر بمفهوم فلسفي للعبارة...." المعرفة تذكّر و الجهل نسيان"
" من نحن؟ سؤال محيّر...و لكن يكفي أن تعلم، أنّك مجموعة من الذّرّات، التي إلتصقت ببعضها البعض. ذرّات إنطلقت من الانفجار الكونيّ العظيم لينهمر الضوء و الزمن و تتكوّن النجوم و المجرّات و حتى أنت نفسك...من فعل ذلك؟ و لماذا فعل ذلك؟...لا يُهمّ...و ليس مُهمّا...المُهم تمتّع بفرصة حياتك و إجتماع ذرّات حياتك...قبل أن تموت و تتفكّك من جديد..."
شيطان مجهول
الفصل الأوّل
ثمّة أشياء أكرهها : الأحذية الضيّقة، الشوارع المُتربة، النُدماء الصّامتين، الخُطب الطويلة للسياسيين.
ثمّة أشياء عديدة أكرهها : وجع الأسنان، رئيسي في العمل، جارتي خديجة النمّامة.
أكره أيضا أقراص الدواء و أكره أن لا يكون عندي سجائر، كما أكره، أن تسألني زوجتي عن سبب تأخري خارج البيت و سبب نسياني عيد زواجنا.
ثمّة حقّا أشياء كثيرة أكرهها: النهوض باكرا وأولئك الذين لا يدخّنون أو لا يشربون القهوة و رغم ذلك يصرّون على قراءة الكتب.
أكره مشايخ الدّين و جنرالات الحروب و المُنحدرين من العائلات الثريّة.
رؤساء الأحزاب وتجّار غلال الفصول الأربعة باهظة الثمن، أكرههم أيضا.
أكره الصيادلة المتأنّقين، الذين يعتقدون، أنّهم يبيعون إكسير الحياة للرّعاع من أمثالنا، بأسعار من مجرّة أخرى.
أكره في الحقيقة الكثير و الكثير من الأشياء، وعندما أتخلّص من هذا الكُره، سوف يكون حينها مُتّسع في القلب للحديث عن الحُبّ.
أذكر أنّي نهضت ذلك الصّباح مُكفهرّ السُحنة كعادتي. كانت آثار السهرة، ليلة البارحة، لازالت ترسم علاماتها المُرعبة على وجهي: عينان منتفختان، لساني تحوّل في فمي إلى ما يشبه لحاء شجرة قديم، وجع رهيب في الرأس و رئتان تئنّان تحت وطأة الأوكسجين النادر في الغرفة والنّادر في البلد بأكمله.
تفادت زوجتي بذكائها الفطري أن تلقي عليّ تحيّة الصّباح. وضعت كأس ماء و حبّة دواء فوق الطاولة واختفت. يمكن القول، إني لا أكره زوجتي.
جلستُ على حافة السرير بعد أن تناولتُ القرص المهدئ. وضعت رأسي بين يدي و جعلت أتأمّل الفراغ. بعد محاولات عديدة للعن الشّيطان و الدخول في يوم جديد من الحياة، فشلتُ فشلا ذريعا. ظل الشّيطان رفيقا مخلصا. يجلسُ قبالتي و يضعُ يديه على كتفي و لسان حاله يقول:" لا فائدة من كل هذا!"
دخلت إبنتي الصّغيرة وهي تبرطم بالكلمة الوحيدة التي تعرفها :" بابـا! بابـا! ". نهض الشّيطان متثاقلا وغادر الغرفة. حملت إبنتي. قبّلتها و قلت في نفسي: " هذه الصّغيرة يجب أن تأكل ".
غادرت المنزل و إتّجهت إلى الجريدة. لا أفهم تلك القُدرة الخرافيّة عند الزملاء على الإبتسام و الثرثرة صباحا. هذا يعدّ عندي نوعا من الإعجاز العلميّ. يُراودني إحساس في بعض المرّات، أني لو تبسّمت لأحدهم صباحا، لتحطّم وجهي كلوح من الزّجاج.
الصّباح، هو في الحقيقة معضلة كبيرة بالنسبة لشخص مثلي. أنا في النهاية، أريد الإنتقال إلى العيش على سطح كوكب آخر، ليس فيه صباح. قد يكون ذلك مستحيلا علميا، فكل كواكب المجموعة الشمسية يداهمها الصباح، و منها بعض الكواكب يستمر فيها الصباح طيلة أشهر. الحل إذا هو الخروج من درب اللبّانة بأسره و الاتجاه إلى حيث لا يوجد صباح.
دخل ذلك الصّباح، أحد الزملاء وهو يحمل قهوة في يده وقال بصوت مرتفع :" لقد فازت النهضة في الإنتخابات...الغنّوشي أصبح حاكما للبلاد!"
للحظة تحوّلت الدنيا أمامي إلى مزحة ثقيلة. مزحة تافهة. مزحة مريرة. مزحة لا أدري كيف أصفها! ظللت أنظر إلى الزميل، الذي واصل إرتشاف قهوته من الكأس الورقيّ الذي بيده، ثمّ أشعل سيجارة وجلس إلى مكتبه.
نهضتُ. جمعتُ أشيائي، التي بسطتها فوق مكتبي: أقلامي و أوراقي و نسخة الجريدة، التي لاتزال ساخنة من تحت الطّبع.
كان حُزني يشبه حُزن مدينة مُحاصرة.
غادرت دون أن أنبس ببنت شفة. لحقني صوت رئيس التحرير: " إلى أين؟ "
أجبت دون أن ألتفت إليه :" إلى الجحيم...طبعا! ". أحسستُ بنظرة البلاهة، التي إرتسمت على وجهه دون أن أراها. لحقني صوت نجيبة زميلتي:" هل ثمّة لي مكان إلى جانبك في الجحيم؟"
نجحتُ فعلا في الإبتسام و قلت لها :" أكيد! الجحيم أرحب مما تظنّين...هيّا بنا! "
جمعت نجيبة أغراضها كما إتّفق. ألقت بها في حقيبة يدها، كما يلقي المرء بالأشياء في سلّة القمامة. لحقت بي. لم نتبادل كلمة واحدة حتّى وصلنا إلى أحد المقاهي في شارع الحبيب بورقيبة. جلسنا. أشعلتُ سيجارة وسلمتُ واحدة لنجيبة. أخذتها دون تردد. بعد برهة جائني النّادلو فرض عليّ قهوة لافاتزا الرّديئة باهظة الثمن. كانت أحزاني أكبر من أن أعارضه.
أنا لست وطنيّا و لم أدّع يوما ذلك. لكن هالني تمثال ابن خلدون وهو يرمي بنظرته الصخريّة الشعب المارّ في الشارع. الشعب، الذي افتكّ الوطن من قبضة شرطيّ ليضعه في قبضة كاهن.
قاطعت نجيبة شرودي و سألتني :" ما العمل الآن؟ "
لم أدر كيف قلت لها :" سنفعل كما فعل اليهود مع موسى، بعد أن نجّاهم من فرعون و جُنده، سنقول للغنوشي :" إذهب أنت وربّك فحاربا! إنّا ها هنا قاعدون..."
قالت نجيبة وهي تضحك :" وهل تعتقد فعلا أنه سوف يذهب للحرب؟ انه هنا بعد الحرب. إنّه هنا من أجل الغنائم".
زفرتُ زفرة حادة و قلت :" نجيبة! ساعديني من فضلك على الإبتسام، أمّا الدّموع لا تشغلي بالك بها، فستتكفل بها الحياة..."
قالت :" حسنا! لا تحزن سوف نُرسله إلى الحرب".
ترشّفتُ من قهوتي الصّدئة و عدتُ إلى الصمت. أنهت سيجارتها. نهضت لتغادر، فلم أعبأ لها.
نظرت لي وهي واقفة:" شكرا! كم أنت مُملّ؟ " و انصرفت.
بعد أشهر من تلك الجلسة "المُمتعة" مع نجيبة في العاصمة أمام تمثال ابن خلدون. جلست لأشاهد التلفزيون. كان ثمّة إجتماع وزاريّ في نشرة الأنباء. جعلتُ أحدّقُ في الوزراء الجُدد. لحيّ سائبة. أخرى نصف حليقة. جلابيب. ربطات عنق مفقودة. المرزوقي يرتدي بُرنصا تعبيرا عن الوطنيّة.
يا إلاهي! ما هذا الكمُّ الهائل من الأناقة؟ هل هذه وجوه سوف تقابل الله؟...
نهضت متثاقل الخُطى. إتّجهتُ إلى الحمّام. تبوّلتُ. غسلت يدي. رفعت وجهي إلى المرآة، فرأيت شخصا يقف ورائي. و لدهشتي لم أفزع و كأنّي أتوقّع حُظوره. أراد أن يقول شيئا ما و لكني قلت:
" أعرف...أعرفك...أنت الشّيطان! "
ابتسم و قال : " وهو كذلك..."
قلت :" تفضل! لنجلس في غرفتي. لا أريد لإبنتي الصّغيرة أن تراك! ليست مستعدّة بعد لذلك..."
ابتسم مرّة أخرى و سبقني إلى الغرفة.
أغلقتُ الباب بالمفتاح من الدّاخل و قلت له:" ماذا هناك؟"
قال:" لم أعد استطيع التحمّل! يجب أن نصل إلى حلّ"
قلت :" أنا في العادة، لا أقدّم حلولا إلى الشّياطين ولكنيّ سأحاول معك أنت على الأقلّ".
قال بنبرة فرح :" شكرا!… طبعا!… فأنا شيطانك...إن لم تساعدني أنت، فلن يساعدني أحد"
قلت :" حسنا! إهدأ قليلا و قل لي ماهي مشكلتك؟"
قال :" أحقا لا تعرفها؟ طبعا...الوطن!"
زفرتُ زفرة حادّة و قلت :" و من قال لك أني انسان وطنيّ؟ كم سأعيد ذلك من مرّة؟ "
قال :" و لكنّ الوطن في خطر. إن لم نتحرك الآن سوف يضيع..."
قلت في غضب :" كنت أعرف دائما، أنّ الشّيطان كائن بائس. لكن يبدو، أنّ بُؤس شيطاني أنا ليس له مثيل..."
قال :" من فضلك...توقف عن إهانتي! بعد مدة سوف لن تجد في هذا الوطن غير حذائك لتقف فيه... وصدّقني! سوف يأتي زمن ينزعون فيه عنك حتّى حذائك، وعندها سوف تتوقّفُ حتّى عن الوقوف..."
قلت في إستخفاف:" و من قال لك أني وقفت مرّة في هذا الوطن؟ ما يحدث الآن بإختصار،هو أنّ الشّيطان يريد أن يقنعني بوطنيّته. يريد أن يقنعني، أنّ حبّ الوطن من الإيمان.
" الإيمان!! "… ضحكتُ، ثم واصلتُ: هل يعني هذا، أنّك سوف تقول لي في الحلقة الأخيرة شعار: " الإســـلام هو الحـــلّ! ".
إستبدّ به غضب عارم، فارتجّت جدران الغرفة و تطاير الأثاث و إشتعلت عيناه بالنيران...و فعل كلّ ما يمكن، أن يفعله شيطان غاضب، أي كل تلك التُرّهات، التي تُشاهدها في أفلام الرعب الهوليودية التافهة.
إستمرّ الأمر ما يناهز الرُّبع ساعة أو هكذا بدا لي.
قلت بهدوء و أنا أشعل سيجارة: " هل إنتهيت الآن؟ حسنا، إجلس و إهدأ قليلا! أنت حقا شيطان مُشاغب ويبدو أنك وطنيّ أكثر من اللازم. ربّتُ على كتفه و أجلسته ثانية على حافة السرير. قدمت له كأسا من الماء. شربها بشراهة. يبدو أن العرض الناريّ الذي قام به ألهب عطشه. قدمت له أيضا منديلا، فمسح قطرات العرق التي لاتزال عالقة بجبينه.
مسكينة شياطين هذه الأيّام. إنّها تعاني هي الأخرى، على ما يبدو، من ضريبة التطوّر والحضارة: قلق، وحدة، إرهاق، إكتئاب. يا حسرة على شياطين الزّمن الأوّل. يا حسرة على إبليس الأب، الذي وصل به الأمر إلى تحدّي الله نفسه (لن أسجد له، خلفتني من نار و خلقته من طين). ما أراه الآن أمامي، هو شيطان مسكين، يبحث عن الوطن.
ربّتُ على كتفه ثانية بطبطبة رقيقة، و لو لم يكن شيطانا لعانقته و تركته يبكي قليلا على ذراعي.
المهم، نهض بعد ذلك و قد لاحظتُ على وجهه، أنّه بدأ يستردّ شيئا ما هيبته الشّيطانيّة. فقد عادت إبتسامته الخبيثة و لمعت من تحتها أسنانه الحادّة، كما عاد بريق الشرّ إلى عينيه.
فرحتُ من أجله و قلت له صادقا: " نعم! هكذا يجب أن تكون يا شيطان! قويّا وشرّيرا و لعينا كما عهدتك."
خرج صوته العميق من حنجرته الجهنميّة وهو يقول:" إسمع يا هذا! من تظنّ نفسك؟...أنا لا أحتاج إلى شفقتك."
أردت أن أقول شيئا ما، و لكنّي سمعتُ طرقا خفيفا على الباب. أصختُ السّمع ثانية و أنا أشير على الشّيطان بيدي، حتّى يخفض صوته. و فعلا سمعتُ صوت إبنتي الصّغيرة وهي تردّد كلمتها المعهودة: "بـابـا".
قلت للشّيطان :" هيّا إنصرف الآن! سوف نكمل حديثنا فيما بعد..."
نظر لي شزرا و لكنه إستدار إستدارة رشيقة وهو يرفع رداءه الأسود فوق كتفيه، ثم دخل في جدار الغرفة وإختفى.
فتحتُ الباب، فإنقذفت الصّغيرة في حظني وهي فرحة. رفعتها و نظرت، فإذا زوجتي واقفة خلفها و قد سدّت فتحتي أنفها بأصابعها وهي تقول:" ماهذه الرائحة؟ و ما هذه الحرارة المنبعثة من الغرفة؟ ألا تشعر بالإختناق؟...أخرج الطفلة و إفتح النافذة!"
لو أني أجبتها، أنّها تلك أفعال الشّيطان حين يفقد الوطن، لإعتبرتني معتوها.
حملت إبنتي إلى غرفة الجلوس و أنا أهمس في أذنها :" الشّياطين دخلت مرحلة الإرهاق بسبب الخوانجيّة...أما أنت فلازلت ملاكا...لا تحزني سوف يحين دورك..."
إبتسمت الصّغيرة، ثم إنفجرت في ضحك هيستيري وهي تطالبني، بأن أهمس ثانية في أذنها بتلك الدعابة المضحكة.
ذهبت في الصّباح إلى مقر الجريدة. كان رئيس التحرير، قد فقد منصبه و تمّ تعويضه بآخر من الحزب الفائز. قلت في بداية حديثي، أنّي أكره أشياء كثيرة من بينها رئيسي في العمل. الآن، أنا لا أكره رئيسي في العمل. أنا فقط أكرهه جدّا. منذ تولىّ المنصب، لم أتبادل معه ولا كلمة واحدة. سألني مرة و أنا متجه إلى مكتبي عن أمر ما. نظرتُ إليه نظرة طويلة خاوية. جمعتُ أغراضي و غادرت، دون حتّى أن أكلّف نفسي عناء النّظر إليه ثانية. بعض من حضر الموقف من الزّملاء حاولوا عبثا، أن يخنقوا الضحكات التي أفلتت من حناجرهم.
عاد الشّيطان لزيارتي ثانية. كان هذه المرّة متعبا جدا. كئيبا جدا. مهزوما جدا. قدمت له زجاجة بيرة وبعض حبات الزيتون. قدمت له أيضا سيجارة، فرفضها.
سألته بعد ذلك : لا تقلي الآن، أنّك حزين من أجل إغتيال شكري بلعيد؟
رفع عينين كابيتين و قال لي : و لم لا؟
قلت : اللعنة! و هل أنت أيضا حزين من أجل اغتيال الحاج البراهمي؟
قال : جدّا.
تأكد لي حينها، أنّي لم أعد قادرا على إستيعاب الأشياء، فالأمر واحد من إثنين : إمّا أن هذا الشّيطان أبله، وهو الأرجح، أو أنّه قد إنخرط في المُعارضة.
بعد أن أنهى زجاجة البيرة. طلب ثانية. فقلت له و أنا أقدمها له : إسمع يا صديقي! أنا قد أستطيع إحتمال الشّيطان و لكنّ شيطانا سكرانا، فهو أمر أظنّه عسيرا شيئا ما. إشرب على مهل من فضلك!
قال : هل تعرف أنّي أستطيع قراءة أفكارك؟
قلت : ما أعرفه عن الشّيطان، أنّه يوسوس لي أفكارا، أمّا أن يقرأ أفكاري الخاصّة، فهذا ما لا أعتقده.
قال لي : أنا لست أبله. أنا لم أنخرط في المُعارضة. أنا الذي خلقت المعارضة نفسها.
قلت : حسنا! يمكن القول، أنّك شيطان موهوب رغم أنك وطنيّ متحمّس، و لكن فسّر لي كيف خلقت المعارضة؟
قال : كلمة "لا" التي قلتها للربّ في الجنّة...هل نسيتها ؟ تحديّ له أمام الملائكة و أمام الناس أجمعين.
" و عزّتك لأغوينّهم أجمعين "… أنسيت كل ذلك؟
سكبتُ ما تبقى من بيرتي في جوفي و قلت له وأنا أشعل سيجارة: " أتعرف ماهي مشكلتكم أنتم معشر الشياطين؟...إنّكم تعيشون على أطلال الماضي. أنتم تشبهون كثيرا شعب اليونان المُفلس والذي لا زال يفتخر بهوميروس و عنفوان أخيل و تشبهون ايطاليي روما، الذين يظنّون أنّ الامبراطور لازال على قيد الحياة. أمّا ما تشبهونه أكثر، فهو شعب العرب المسلمين، الذين لايزالون يفتخرون بأمجاد الماضي، في حين أن وثنيّ اليابان و كفرة أمريكا و ألمانيا قد سبقوكم إلى الحضارة بأحقاب، كما يقول أحمد بن أبي ضياف...صديقي الشّيطان! لا تقلي الآن من فضلك، أنك تفتخر بأمجاد الاندلس و الخلافة الإسلامية...اللعنة!... هل أصبحت خوانجي؟
ضحك رغما عنه و كاد يختنق بجرعة البيرة، التي لازالت في حلقه، ثم قال: كُفّ الآن عن التهريج. دعنا نتحدث بجديّة!
قلت له : كلّي آذان صاغية.
قال: هل تعرف قولة غاندي الشهيرة " كثيرون حول السلطة. قليلون حول الوطن"؟
قلت : لا! و لكنّها تُعجبني و أجدها صادقة.
قال : في ما مضى كنتُ أملك الإثنين، السلطة على الملائكة و وطني هو الجنّة و بعد أن أسسّت حركة المعارضة ضدّ الربّ. فقدت السلطة و لكنّي لم أفقد الوطن، فالأرض أصبحت وطني الجديد. وللحقيقة أجد الأرض أكثر إمتاعا من الجنّة، فهناك كنتُ كإبليس زعيما للملائكة، في صلاة لا تنقطع للربّ، أمّا على الأرض، فأنت تجدني في المراقص و الملاهي و الحانات. تجدني في حفلات الجنس الجماعي وفي مُقدّمة الجيوش، أحرّض الزّعماء و الجنرالات على القتل مرة باسم الله و مرة باسم المجد والعظمة...المهم لا صلاة أبديّة مُملّة و لا تسبيح متكرّر مُضجر...أنا الآن، أسبح في الخمر والدّماء و في لُعاب الصّبايا الشبقات الجميلات...
لقد وصل بي الأمر، أن أكون أنا شيطان الشعر عند إمرىء القيس و شيطان الألوان عند بيكاسو وشيطان الأنغام عند بيتهوفن. الأرض جميلة. وطني الجديد أجمل ممّا كنتُ أعتقد. وتريدني الآن أن أفرّط فيه.
أنا لست وطنيّا متحمّسا.أنا الوطن! و بدوني ليس للوطن طعم."
حدّثني في ما مضى الكثير من الأصدقاء و النّدماء عن تأثير الخمرة و أنا أعرف بحُكم التجربة، أن للخمرة أفاعيلها العجيبة، و لكن أن تُؤثر على الشّيطان نفسه بهذه الطريقة، فهذا ما لم أتوقّعه.
قلت للشّيطان : أتعرف ما نحتاجه أنا و أنت حتّى نستعيد الوطن؟ قارورتين من بيرتنا التونسية الطيبة ونهضتُ بإتّجاه الثلاّجة.
بعد البيرة الرابعة، أسند الشّيطان ظهره على الجدار و بان الإرتخاء على كامل جسده وعلى ملامحه، التي وللغرابة، فقدت شيئا ما من تعابيرها الشّيطانية و مالت أكثر للمرح و السماحة.
قال وهو يداعب القارورة التي بين يديه : لقد ترددت كثيرا قبل أن أظهر لك و أتجلىّ في هذه الصورة، التي تراني عليها كي أخاطبك...أنا في العادة لا أظهر للبشر، بل أسكنهم و أوسوس لهم و عندما يرتكبون الأفعال الشريرة، أنسحب و يتحمّلون هم المسؤولية. أما أنت فقد حادثتك ندا للند، بل ها أنا أطلب منك المساعدة.
قلت له : هذا من حسن أخلاقك...شكرا!
قال : طبعا...أخلاق الشياطين!
تبسّمت، ثم أضفت : و لكن هل تعتقد فعلا أني يمكن أن أساعدك على إنقاذ الوطن؟
قال: المسألة ليست مسألة إعتقاد. أنت الآن لا خيار لك. ما يجب أن نفعله في المستقبل هو التوقف عن الإعتقاد...نحن الآن يجب أن نفكر!
قلت : يال المصيبة! أنا و الشّيطان سوف نفكّر مع بعضنا
قال : إصمت و إسمعني للنهاية...ولا تقاطعني مرة أخرى!
قلت: حسنا...تفضّل!
قال : الإعتقاد هو أن تتوقف عن التفكير. الإعتقاد هو أن تؤمن، أنّك تملك الحقيقة وهذا هو المقتل.
هذا هو السّلاح، الذي كنت أستعمله دائما مع بني البشر. وذلك حتّى يرتكبوا أكبر الفضاعات و أكبر الحماقات. أنت حين تعتقد تصبح كلّ الأشياء جامدة في ذهنك. والأشياء الجامدة يسهل كسرها في العادة.
قلت له : حسب منطقك هذا، فإن الخوانجيّة، الذين يملكون الوطن الآن، هم في العادة ذوي المعتقدات، أي ذوي الأشياء الجامدة و يسهل كسرهم، فما الذي تشتكي منه؟ هيّا إكسرهم! أنت لا تحتاج إلى مساعدتي.
نظر لي مباشرة في عيني، نظرة طويلة حتّى أشعرني بالإرتباك. وضع القارورة على الطاولة. نهض.
عدّل من رداءه الأسود على كتفيه و إنصرف في صمت. كنتُ أنظر إليه وهو يدخل في الجدار كعادته ولكنّه أطلّ برأسه ثانية و قال لي : سوف أعود...
يُروى أن أحد الشعراء المغمورين، دخل مرّة على جوزيف ستالين، أيّام الحرب العالمية الثانية وأحدث ضجة، حتّى يسمحوا له بمقابلته.
سأله ستالين : ماذا هناك؟
قال الشّاعر : أيّها الرفيق القائد ستالين! لقد كتبت مجموعة شعريّة و أريد من الدولة أن تنشرها لي.
كان الجنود الألمان آنذاك يحتفلون بشرب الشنابز في موسكو. فقال ستالين في نفسه، لابد أن يكون هذا الشعر، شعرا وطنيّا يُحفّز الشعب و الجيش الأحمر للإنتصار على النّازيين، فسأله : أيّها الرفيق الشاعر ما هو موضوع شعرك؟
قال الشاعر : طبعا...هي قصائد حب نظمتها في صديقتي" أوكسانا إليانوفا"
ضبط ستالين أعصابه، ثم إتجه بالحديث لمرافقيه: إطبعوا نسختين من مجموعة الرفيق الشاعر، واحدة سلّموها له و الثانية سلّموها لأوكسانا حبيبته.
بقطع النظر، إن كانت هذه الحادثة وقعت أم لا، فإنّها أوحت لي بحلّ لمعضلتي مع الشّيطان. سوف يعود وسوف أفاجئه بما توصّلت إليه.
كنت غارقا في بعض الأفكار السوداء.
البيرة التي أمامي شارفت على الإنتهاء. نهضت لأجلب أخرى، فلاحظت أن عدد القوارير الفارغة المصطفّة فوق الطاولة بلغن الثمانية أو التسع...هذا كثير...يجب أن أتوقّف.
فجأة شعرتُ، أنّ حرارة الغرفة أصبحت لا تطاق. رائحة أعرفها تسربت إلى أنفي. شككت في أمر الخمر في البداية. أردت أن أفتح النافذة. لكني فوجئت بالشيطان يقف و يسدّ الطريق أمامي. نظرت إليه في عينيه نظرة تحدّ. كنّا نقف وجها لوجه، كما يفعل الملاكمون قبل بداية المقابلة. لاحظت أنّه أطول قامة مني و كتفاه أعرض شيئا ما من كتفيّ. إنه أكثر مهابة و أشدّ حظورا. لاحظت أيضا، أنّ ملامحه لولا صبغتها الشّيطانية، فهي تشبهي ملامحي أيضا.
قال وهو يضحك : ألم أقل لك أني أستطيع قراءة أفكارك؟...طبعا أنا أشبهك، فأنا شيطانك! هل تريدني أن أشبه شيطان جارتك خديجة النمّامة مثلا؟
أردت أن أقول شيئا ما، لكنّه أزاحني جانبا و جلس بكل ثقة على حافة سريري، ثم قال :" ماذا تنتظر؟ أحضر البيرة! "
قلت و أنا أتميّز غيضا:" من فضلك! في المرة القادمة أحضر بيرتك معك، فأنا لست مستعدا لأنفق أيضا على الشياطين..."
قال لي ببرود :" معك حق! سوف أحضر بيرتي معي في المرة القادمة و أيضا سأحضر مزّتي، فالغنّوشي قد رفع حتّى في سعر البيرة..."
قلت و لم أتخلص بعد من كل غيضي:" هذا جيد...و لكن هناك أمر آخر...هل تستطيع من فضلك أن تتخلى قليلا عن تلك الاكسسوارات التي تصطحبها في كل مرة تقوم فيها بزيارتي دون موعد...أقصد تلك الرائحة و الحرارة التي تبهرج بها حظورك في غرفتي..."
أراد أن يقول شيئا و لكني واصلت :" أنا أعرف أنك كشيطان أصيل و صاحب مبادىء تلزمك هذه الأشياء، و لكن على ما أظن لقد أصبحنا الآن نديمين و لم تعد تحتاج لذلك..."
قاطعني اللئيم قائلا:" كف عن الثرثرة و افتح التلفاز...هناك برنامج أريد مشاهدته..."
قال ذلك وهو يضع رجليه فوق الطاولة و يجلس بتلك الطريقة الأمريكيّة السّخيفة و المقيتة.
أردت أن أعترض لكنه صرخ:" اللعنة! سوف يفوتني البرنامج...قلت لك سأحضر في المرة القادمة بيرتي ومزّتي و سأقوم أيضا، بمهاتفتك قبل أن أدخل إلى غرفتك...هل يكفي هذا؟...أحضر البيرة الآن وإجلس…"
في التلفاز، كان المفكّر المصري السيّد القمني يقول:" نحن الفريسة... يتصارع علينا صنفان : أُسر حاكمة وحكومات عسكريّة أو ديكتاتورية إسلاميّة. هناك ديكتاتوريتان تتصارعان علينا و نحن الفريسة. مُفتي الحكومة يحضر كتابا. مُفتي الجماعات يحضر فيلما. هذا يصادر قولا و الآخر يصادر إنسانا كاملا...يقتله.
النّساء في شوارعنا أصبحن يرتدين زيّا موحّدا...أصبحن مثل العساكر...حوّلوا نسائنا إلى "غفر"... بإختصار هؤلاء الناس لازالوا يفتون بالبُصاق و بول البعير و بول الرّسول... و بإختصار أشدّ
هؤلاء النّاس و هذه العمليّة و الذين ترشّحوا و الذين نجحوا في الإنتخابات و الذين نجّحوهم، مكانهم الطبيعي هو مستشفى المجانين..."
كان الشّيطان يتابع السيّد القمني بإنتباه شديد. كان مُرّكزا في كل كلمة يقولها و يضحك للدعابات التي يطلقها بلهجته المصريّة. كان من التركيز بحيث أنّي، لمّا قدّمت له البيرة أخذها و وضعها على الطاولة دون حتّى، أن ينظر في وجهي.
تأكّد لي آنذاك خاطر مُفزع. الشّيطان شيطاني لا يشبهني فقط في ملامحي، بل هو يشبهني حتّى في ميولاتي الفكرية. أنا أحبّ السيد القمني و تضحكني طريقته في الحديث. اللعنة! نفس الإنفعالات أبديها عندما أشاهده وها هو الشّيطان ينفعل مثلي.
هنا عنّ لي خاطر مجنون، فسألت الشّيطان : " هل تعرف شيطان السيّد القمني؟ "
قال :" طبعا هو صديق جيّد لي، ولكن تزعجني شيئا ما لهجته المصرية. لا تفكر في أن أحضره معي لك في المرّة القادمة."
إحمرّ وجهي من الغضب وقلت له :" أنا أعرف أنّك رجيم و ملعون و ابن قحبة، و لكن ما يغيضني أنّك تقرأ أفكاري. أنا أكرهك! أنت تكبّل حريّتي...أنت أسوأ من الغنّوشي!"
ضحك و قال لي :" رجيم، ملعون، ابن قحبة... هذا كلّه لا يزعجني! لكنّي لستُ أسوأ من الغنّوشي...على الأقلّ أسناني الحادّة أفضل من أسنانه."
قلت :" تريد أن تنقذ الوطن و ليس لديك فكرة أن الغنّوشي من إنجازاته في عهد الثورة، أنّه قد أصلح أسنانه. لم يصلحها طيلة سنوات وهو مقيم في بريطانيا و أصلحها الآن في تونس. ألم تر صورته؟ آه... هل لديك أصلا حساب على الفايس بوك؟ "
قال لي :" أنت سكران أكثر مما يجب. عليّ أن أغادر الآن..."
قلت له وهو يعيد نفس طقوس الإنصراف، التي تعوّدها و التي أصبحت مملّة: رفعُ رداءه على كتفيه
والدّخول في الجدار ثم الإختفاء : "إسمع! ألا يمكن أن تكون مُبتكرا شيئا ما؟ ألا تستطيع الإنصراف بطريقة أخرى؟ كأن تفتح الباب مثلا و تخرج؟..."
عاد للظهور ثانية من الجدار و قال:" أنا أعرف أنك سكران و لكن لا يضير. انظر الآن جيّدا! "
قال ذلك و إختفى مرة واحدة في قعر الأرض، حتّى أن رداءه بقي مُكدّسا، ثم اختفى هو الاخر.
قلت في نفسي : إن هوليود و حيلها السينمائيّة، لم تترك مجالا حتّى للشاطين المساكين. هذه نفس الطريقة التي إختفى بها مايكل جاكسون في فيديو كليب يعود إلى تسعينات القرن الماضي، يعرف بإسم "تذكّر الزمن" أمام الممثل الكوميدي إيدي مورفي...
عندما وُلدت طفلتي في مستشفى هارلاخينغ بمدينة مونيخ في ألمانيا، أمسكتني الشرطة البافاريّة. رفعوا سلاحهم في وجهي و فتشوا جيوبي و قالوا لي:" ماذا تفعل سيدي في الخامسة صباحا في محيط المستشفى؟ "
قلت لهم :" إنّ زوجتي تضع مولودنا الأوّل و قد سئمت الإنتظار في أروقة المشفى، فقمت بجولة في الحديقة."
مدّ الشرطي يده و صافحني وقال :" تهانينا! نحن نعتذر على الإزعاج، لقد خلناك مشبوها يختفي في الحديقة. نعتذر مرة أخرى سيدي و مبارك مرّة أخرى طفلك الأوّل!"
إبنتي وُلدت بعد ميلاد الثورة في تونس ببضعة أشهر. كنت أداعبها و أقول لها وهي لاتزال رضيعة لا تستطيع، حتّى التحكّم في حركة رأسها و إتّجاه نظراتها: " أنت ابنة الحريّة! أنت ابنة الديمقراطية! أنت تونس القادمة! أنت الأغنية التي طالما إنتظرتها!"
كانت زوجتي في الأثناء، تنظر إليّ وأنا أحادث الرضيعة، فتبتسم و تقول :" أنت مجنون ومُفلس، ولكنّي أحبك! هات الطفلة حتّى أرضعها..."
قد يستطيع أحدهم أن يسرق محفظة نقودك أو بعض الأثاث من بيتك أو حتّى ثيابك المنشورة على حبل الغسيل. هذا أمر تافه! و لكن أن يسرق حُلمك، حلمك أن تكون حرّا طليقا كما يجب أن تكون، فهذا أمر مؤلم! أمر مؤلم جدا...
أتممت البيرة العاشرة و أردت أن أنام. لكن استبدّ بي الجوع. الأمّ نائمة و الطفلة نائمة. أمر جميل. سأشوي الآن قطعة اللحم تلك التي اشتريتها صباحا. سوف أغلق النافذة، حتّى لا يتسرب الدخان إلى القوم النائمين في خيمتي. زوجتي و ابنتي...
اللعنة! غدا سوف يعود الشّيطان إلى زيارتي. لماذا ليست لي فسحة في هذا العالم لكي أكون وحدي؟ لأن أكون حرا طليقا دون ازعاج من أحد: لا بشر ولا ملائكة و لا شياطين!
غدا سوف أمسك بالشيطان و أذيقه الأمرّين و أعلّمه ما معنى أن يكون الوطن حقا مفقودا...
تسرّبت أشعة الشمس الحارقة إلى الغرفة. فتحت عيني بصعوبة. كنت ملقى نصف عار فوق السرير. قوارير البيرة نصفها ملقى على الأرض و الاخر لازال مصطفا فوق الطاولة. الاوراق التي كتبتها في ليلة الخمر الرهيبة تلك، بعضها مبلل و البعض الاخر يعلوه رماد السجائر. صحن و ملعقة و شوكة وقطعة خبز، موجودون كلهم بإهمال إلى جانب وسادتي.
كانت تلك حالتي و حالة غرفتي. لأول مرّة يراودني شعور حقيقي بالخوف من زوجتي. لو دخلت الآن وطالبتني بالطلاق، سوف ألبي طلبها على الفور و أنا يملؤني الأسف و الاعتذار.
انفتح الباب و دخلت فعلا زوجتي. رمقتني بنظرة باردة. وضعت كأس ماء و حبة الدواء. لم تقل شيئا. قلت :" صباح الخير" لم تجب. قلت مرة أخرى بصوت عال:" صباح الخير!"
قالت:" عندما تعود إلى العالم، نظّف الغُرفة و أخرج الصّغيرة لكي تتفسح قليلا! "
إنصرفت مولية ظهرها و حين وصلت إلى الباب إستدارت و قالت لي :" هذه حياتك و أنت حرّ فيها، ولكن توقف من فضلك عن الحديث بصوت عال أنت وهذا الذي تدعوه شيطانا، إنّك تزعجنا أنا والصغيرة أثناء نومنا "
بعد ولادة الطفلة، فترت علاقتي بزوجتي شيئا ما. إتّجهتُ أنا إلى غرفة المكتب، في حين إتّخذت هي مع الصّغيرة غرفة نومنا لتستقر فيها. كان ذلك حلاّ وقتيّا إرتأيناه، لعلّ جذوة الحُبّ، قد تعود و تنقدح فيها بعض النّيران من جديد.
هذا في الحقيقة أمر لا يهمّكم و لا يهمّ أحدا. حتّى أنا نفسي لم يعد يهمّني. أنا الآن، كأغلب حمقى العالم مهتمّ بالوطن. و لكن الجميل في هذه القصّة، أنّ الشّيطان نفسه هو الآخر جاء ليشاركني الإهتمام بالوطن... اللعنة!
إحتجتُ ما يقارب النّصف ساعة، حتّى أعود إلى العالم كما قالت زوجتي. إبتلعت حبّة الدواء. دخّنت سيجارة. فتحت النّافذة و شرعت في تنظيف الغُرفة. توجّهت إلى الحمّام و بقيت تحت الماء المُنهمر من الدوش زمنا طويلا. إنتعشتُ و عادت بعض علامات الحياة تدبُّ في جسدي و روحي.
نسيت أمر أخذ الطفلة للتفسّح. إمتطيت الحافلة و إتّجهت إلى الجريدة. بإبتسامة باهتة حييّت زملائي وجلستُ إلى مكتبي.
جائتني نجيبة ببعض الأوراق و وضعتها أمامي. كانت عبارة عن مقالة أو مقالتين، عرفتُ فيها خطّ يدي.
قالت لي :" رئيس التّحرير رفض نشرها. أنصحك بتقديمها لصحيفة أخرى. لا تمزقها! لا أجدها سيّئة.."
كنت قد نسيتُ في خظم الأحداث مع الشّيطان أمر المقالات تماما. بسطت الأوراق و شرعت في قرائتها.
عنــــوان المقال : شهـــــداء آخــرون للثـــــورة
الشهيد الأوّل : عمّ الناصر "الجابّوني"( نسبة إلى الجابون أي اليابان بالدارجة التونسية)
من عادة عمّ الناصر، أن يحمل معه مذياعا صغيرا قديما صدئا. لا أحد يدري حقا ما يسمعه عمّ الناصر. حين تمر إلى جانبه و قد شغّل مذياعه، لا تسمع إلاّ خشخشة غريبة أو تلك الموسيقى الكونية، التي تميّز نشرات الانباء في جميع اذاعات العالم.
عندما تسأل عمّ الناصر عمّا يسمعه، لن يجيبك، لأنّه في الغالب يكون عكر المزاج.
البعض من أولئك الذين يخاطبهم عمّ الناصر ـ وهم في الحقيقة أشخاص نادرون جدا ـ يجيبهم قائلا وباختصار شديد، أنّه يستمع إلى نشرة الاخبار.
شُهر عمّ الناصر في الحومة بلقب "الجابّوني"، لأنه كان محاربا قديما في الفيتنام. وضعته فرنسا هو ومجموعة من المجندين التونسيين و الجزائريين و السود الافارقة في الخطّ الأوّل للنار، أثناء حربها ضد أولئك البشر الآسويين القصيري القامة و الفقراء.
مات الكثير من المحاربين، و لكن عمّ الناصر نجا و عاد إلى تونس بزوجة فيتنامية قصيرة و مذياع مخشخش و مزاج عكر.
من عادة عمّ الناصر، أن يجلس ساعات طويلة على كرسيّ خشبيّ أمام باب منزله. يرتشف قهوة سوداء ثقيلة. يدخّن دون انقطاع. و يضع من حين لآخر قليلا من النفّة الصفراء في فتحتي أنفه.
منذ عشرات السنين، يتجه عمّ الناصر كل يوم أحد إلى مقهى باريس وسط العاصمة. يجلس هناك منذ الصّباح الباكر حتّى الساعة الثالثة بعد الظهر. يطلب قهوة و كأسا من الماء. لا يكلّم أحدا و لا يجالس أحدا.
بعد ذلك يدفع حسابه. ينهض. يطوي جريدته التي لم يفتحها من أصله. يضعها تحت إبطه. يغادر وقد تعكّر مزاجه أكثر بعد سفرة الحافلة الجهنمية من العاصمة إلى الحومة. و لكنه يعيد الكرّة في الأحد القادم.
هذا الأحد، لاحظ عمّ الناصر أن وسط البلد لم يعد كما كان. هرج ومرج و كرّ و فرّ و حشود تصرخ وتهتف بشعارات لا يفهمها. الشرطة تلاحق الناس. تضربهم بالعصي و تقذفهم بقنابل الدخان. كراسي مقلوبة و فناجين و كؤوس مكسورة. جُنّ العالم و إزداد تعكّر مزاج عمّ الناصر المعكّر بطبعه.
أخرج منديلا ليمسح به الدموع التي غطت وجهه بفعل القنابل المسيلة للدموع. أغلق مذياعه المخشخش. ووقف بتحد أمام شرطي يرتدي خوذة و درعا واقيا من الرصاص. أراد أن يبرز له مزاجه العكر.
لكن ما أحسّه هو ألم حاد في الرأس. ضوء باهر انقدح بين عينيه كالبرق، ثمّ اختفى كلّ شيء.
بعد يومين شاهد الناس امرأة قصيرة ذات ملامح صينية في رواق المستشقى تبكي و تقول بلهجة تونسية معطّبة :" راجلي كتلوه البولسية! "
الشهيـــد الثـــاني : المجنـــونة
في وسط البلد ثمّة كنيسة جميلة يجلس على أعتابها المتعبون من التجوال. و في بعض الاحيان يجلس عليها عاشقان صغيران لا يستطيعان دفع ثمن مشروب في مقهى من المقاهي المنتشرة على ضفتي شارع لحبيب بورقيبة.
أما هي، فكانت تجلس هناك رغم أنها لم تكن متعبة من التجوال و رغم أنها لم تكن عاشقة
أو معشوقة.
لقد كانت ببساطة مجنونة، كما يحلو للبسطاء أن يسمّوها.
يراها الناس مرّة في اليوم أو مرّة في الأسبوع أو حتّى مرّة في الشهر جالسة على أعتاب الكنيسة،
فينسونها بعد الخطوة الثانية.
لا أحد يعرف إسمها. لا أحد يعرف من أين أتت أو متى أتت أو إلى أين تذهب؟
و لكنها كانت دائما هناك. كانت تمارس أنشطتها المعهودة: تدخين أعقاب السجائر، التي جمعتها من الأرض. التأمّل في الفراغ و في بعض الأحيان التمتمة بكلمات غير مفهومة.
شاغبها مرّة أحد أولئك المعروفين بفذلكتهم السّمجة و الذين تجدهم في أي مدينة من مدن العالم و الذين يسعون إلى إضحاك مرافقيهم ولو على حساب إنسان مريض... قال لها :" يا مهبولة!" فقالت له :" يا مهبول! " و كانت تلك المرّة الوحيدة، التي شوهدت فيها بصدد حوار معقول.
لم تكن حافية القدمين أو منكوشة الشّعر أو مُمزّقة الثياب. بإختصار ما يميّزها عن الناس الآخرين،أنّها كانت تكلم نفسها بصوت مرتفع شيء ما و نظرة خاوية لله و للأشياء.
وطبعا هناك ميزة أخرى، هي جلوسها على أعتاب الكنيسة دون أن تكون مُتعبة من التّجوال و دون أن تكون عاشقة أو معشوقة.
في الآونة الأخيرة أزعجها النّاس المُتكاثرون على أعتاب الكنيسة. كما أزعجها ما يطلقه البوليس من الغازات الخانقة على المارّة في الشّارع و أزعجها أكثر غياب تلك الأصوات، التي تحدثها العصافير عند عودتها إلى أوكارها مساءا. لقد كانت تلك الزقزقة الجماعيّة الصّاخبة، دليلها على وجودها في عالمها: الكنيسة و شارع الحبيب بورقيبة.
لم تعر الأمر إهتماما أكثر ممّا يستحقه، بل حسمت القضيّة بينها و بين نفسها قائلة بصوت مرتفع :" يال هؤلاء المجانين!"
في ذلك اليوم، لم تدر كيف دفعها الجمع المجنون إلى قلب المظاهرة. كانوا يصرخون و يتدافعون ويقولون بصوت واحد هادر:" ديــــقــــــــــاج".
لم تقاوم. إستسلمت لتيّار البشر وهم يتقدمون بها نحو مبنى وزارة الدّاخلية، كموجة عارمة من بحر متلاطم.
وضع أحدهم في يدها لافتة مكتوب عليها شيء ما، لم تبذل مجهودا لفهمه. وضع آخر علم تونس على كتفيها. أعجبها الأمر و أحسّت بمرح خفيّ.
بعد ما يزيد عن السّاعة، ألمّت بها رغبة ملحّة للتدخين. رأت عقب سيجارة واقعا على الأرض. إنحنت دون تردّد لتلتقطه. كانت تلك إنحنائتها الأخيرة. إنسكب من ثقب في رأسها سائل لزج أحمر، إمتزج بحُمرة العلم. بعد ذلك لم تجلس على أعتاب الكنيسة.
الآن يجلس على أعتاب الكنيسة بعض المارّة المتعبين من التجوال أو عاشقان صغيران لا يستطيعان دفع ثمن مشروب في مقهى من المقاهي المنتشرة على ضفتي شارع لحبيب بورقيبة.
لم أفهم لماذا رفض رئيس التحرير نشر هذه المقالات. ليس هناك أي شهيد خوانجي في الثورة التونسية. كل الشهداء هم مجانين أو فقراء. ماذا يريدون مني أن أكتب؟ هل أخلق لهم شهداء خوانجية؟ لن أفعل ولو على جُثتي!
في الحقيقة، أنا لا يهمني رفض رئيس التحرير لمقالاتي، فليذهب هو و الجريدة إلى الجحيم.
جمعت الأوراق. وضعتها في محفضتي و غادرت.
" هناك صنفان من السكارى: صنف مزعج و صنف مزعج جدا! أمّا أنت، فمخبول خبالا مطلقا!"
هكذا قال لي الشّيطان وهو يجلس إلى جانبي في طاولة منعزلة في حانة قميئة بوسط العاصمة. كنت قد اتجهت اليها بعد أن غادرت مبنى الجريدة.
انتفضت واقفا و كأن تيارا كهربائيا قد صعقني و قلت بصوت مختنق من الغضب و المفاجئة:" عليك اللعنة! أو تجرؤ الآن على الظهور علنا أمام الناس؟ و في الحانة؟ أتريد أن تورّطني أم ماذا؟ "
كنت أقول ذلك و أنا أنظر إلى الزبائن و إلى النّادل الذي اتجه إلينا، حاملا على طبقه قارورتي بيرة.
شحب لوني و كدت أفقد وعيي مع كل خطوة يخطوها نحونا. على عكس الشّيطان اللئيم. كان هادئا. ترتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة تشبه ابتسامتي شيئا ما. كان يتكىء بمرفقه على حافة الطاولة و يضع رجلا فوق أخرى.
عندما وضع النّادل البيرة، كنت قد عدت للجلوس وفقدت القدرة على الكلام مرة واحدة. كانت كل الاحتمالات واردة: أن يغمى عليه أو يهاتف الشرطة، أن يرجمنا الزبائن بالحجارة، كما يُفعل عادة بالشياطين و أصحابها.
لم يحدث شيء من هذا.
قال النّادل بكل هدوء:" خمسة دينارات! من فضلك! "
سلمتها له، فأردف و كأنه يقرأ أفكاري هو الآخر:" لا تقلق! أغلب الزبائن تحضر معها شياطينها إلى الحانة هذه الأيّام. الأمر عادي! "
وسمعته يقول وهو ينصرف:" أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم!"
في الحقيقة أنا أعرف عمّ حسن النّادل و أعرف هذه الحانة، منذ أن كان سعر البيرة لا يتجاوز الدينار والمائتين مليم، أي منذ ما يزيد عن العشر سنوات.
إنّ عمّ حسن رجل صارم و يزداد صرامة، كلما تقدمت السهرة بالزبائن و أمعنوا في السُّكر. رأيته أكثر من مرة يحمل أحدهم من ثيابه و يلقي به خارج الحانة، ككيس من القمامة.
عمّ حسن لا يمكن أن يكذب في مسألة الشياطين هذه، هؤلاء الذين أصبحوا يترددون على الحانة علنا في هذه الأيّام.
ما يعجبني في هذه الحانة القميئة، إضافة إلى تدنّي سعر البيرة فيها طبعا، إنّها حانة صاخبة، قذرة، غاضبة، تكاد رئتاها تنفجران من دخان السجائر و دائما ثمّة قوارير مكسورة تحت قدميك وأنت جالس. هذا إضافة إلى زبونين أو أكثر يتبادلون اللكمات والركلات، حتّى يأتي عمّ حسن، فيلكم و يركل الجميع ويلقي بهم في الخارج.
جوّ مليء بالحركة و العنف و الصّخب. جوّ أعشقه و يمدني بطاقة خارقة على القراءة و الكتابة والشراب في هدوء و مُتعة، كأنّ هذا الذي يحصل أمامي و حولي، إنّما يحصل على شاشة تلفاز أو سينما. أشاهده من بعيد دون أن أتورّط في أحداثه.
عندما سافرت إلى ألمانيا، بعد ذلك وزرت حاناتها، أحسست بفقد عظيم لهذا المناخ من الشراب. كنت أدخل الحانة، فأجد فيها ما يزيد عن المائة زبون، لكن الغريب في الأمر هو أنك يمكن أن تسمع ورقة صحيّة لتنظيف الأنف تسقط منك على الأرض، رغم أن الجميع يسكر و يضحك و يتبادل الحديث.
في تونس تدخل إلى حانة، تتّسع لمائة زبون و يكون فقط فيها اثنين جالسين إلى طاولة، يراودك إحساس أنّك دخلت إلى ملعب كرة قدم، أثناء مباراة حاسمة.
المهم الآن، أنّ حانة عمّ حسن، إضافة إلى زبائنها الصاخبين، أصبحت أيضا قبلة للشياطين.
ياللجمال و يا للروعة!
كان الشّيطان إلى جانبي يرتشف من قارورته في تلذّذ و يطلق من حين لآخر صفيرا مُنغّما مرحا. كان ينفض بين الفينة والاخرى، بعض رماد السجائر أو الغبار الوهمي، الذي قد يقع على رداءه الأسود الأنيق. قلت له و بي رغبة شريرة لتعكير صفو جلسته:" البيرة القادمة على حسابك!"
قال دون أن ينظر لي :" طبعا! من الآن فصاعدا، سنتعامل على الطريقة الأوربيّة. جولة على حسابك وجولة على حسابي. "
شعرت بالغيظ. لم أنجح في استفزازه. غيّرت الاستراتيجية. أخرجت المقالة التي كتبتها عن الشهداء الآخرين للثورة و قررت إصلاح أخطاء الكتابة، التي تكون قد وردت فيها، بل قررت إضافة شهداء آخرين للآخرين الموجودين بطبعهم. سوف أعزله تماما عن جلستي. سوف أسقطه في أكثر شيء يمقته أيّ نديم في العالم ..."الصمت!".
حينما لا تفكّ البيرة عُقدة لسانك، فلن يفكها أيّ شيء آخر!
بعد ربع ساعة تقريبا، نهض. رفعتُ إليه عينين متسائلتين، فقال:إلى الحمّام! سوف أعود.
ثم ضحك ضحكة قصيرة و أضاف:" أنت تلعب مع الشّيطان."
في الأثناء حاولتُ أن أتناسى ذلك التهديد اللئيم، الذي وجّه لي، رغم أنّ صداه ظلّ يتردد في جمجمتي. شرعتُ أتأمل في الحانة. كانت مُزدحمة. الطاولة التي حولها أربعة كراسي، يجلس إليها ستة او سبعة أشخاص. الكلّ يدخن. الكلّ يشرب. الكلّ يقول كلاما بذيئا، الكل يرغب في بيرة أخرى.
... و يبقى السؤال الحارق:" من انتخب الخوانجية؟ "
كان الجميع يتحدثون في نفس الوقت. لا أحد يستمع و أغلبهم يعتقد أنّ ما ينطقه لا يمكن أن يكون، إلاّ الحكمة عينها... وحدهم، الذين ليست لديهم أموال كافية، مُضطرّون للإستماع و الصّمت.
عمّ حسن النادل، يمرق كالسّهم بين الطاولات و الناس. صامدا كدعامة بيت من حديد. يعطي هذا بيرة. يأخذ من آخر ثمن بيرة. يدفع هذا عن الطريق. يضحك مع زبون. يكشر في وجه آخر. يضع الطبق. يلقي بسكران سمج إلى الخارج.
عم حسن لو كان في أروبّا أو أمريكا، لحصل على جائزة العامل المثالي. ولكنه في تونس، حيث تُباع الخمرة قانونيا و يُعاقب مشتريها أيضا قانونيا... مُبدع أنت أيّها الوطن!
إستوقفتُ عمّ حسن و سألته:" أين هم الشياطين، الذين قلت، أنّهم أصبحوا يتردّدون على الحانة؟"
أجاب وهو يعدّ النُقود، التي أعطيتها له:" في تونس الناس لا يُحسنون السُكر و لا يُحسنون الصلاة. اذا سكر أحدهم ضرب الجميع و اذا صلى ضرب الجميع أيضا...الشياطين موجودة في كل مكان. إفتح فقط عينيك جيّدا و ستراهم!"
قال ذلك، ثم أشار بيده. تتبعت الإشارة. كان شيطاني عائدا من الحمّام و قد اصطحب معه شخصا آخر. جلس الاثنان إلى طاولتي. جعلت أتثبّت في القادم الجديد. كان يرتدي هو الاخر رداءا أسودا. كان طويل القامة و مهيبا كشيطاني او كأغلب الشياطين على ما أظن. الاختلاف الوحيد، ان ملامحه انثوية شيئا ما. شكل العينين و الاهداب، طول الشعر و استدارة الوجه، هي أقرب للانوثة منها إلى الرجولة. و لكنه رغم ذلك شيطان ذكر. ذكر لا غبار عليه. اللعنة! أنا أعرف هذه الملامح. أعرفها جيدا. انها ملامح زوجتي.
نظرت إلى وجه شيطاني، فوجدته قد رسم مجددا تلك الابتسامة الساخرة الخبيثة على شفتيه و قال لي:"طبعا! ...هو شيطان زوجتك!"
قلت وأنا ازدرد لعابي من فرط الدهشة:" و لكن لماذا هو ذكر؟ "
قال بملل :" و هل سمعت في حياتك عن شيطانة أنثى؟ كلنا ذكور!"
قلت :" ولكن كيف؟..."
قال :" ماذا كيف؟ كل الشياطين ذكور! هل قرأت سورة في القرآن و افتتحتها بقولك أعوذ بالله من الشّيطانة الرجيمة؟ "
اقنعتني اجابته و شكرت لله حُسن حظي. أنا الآن أجالس شيطاني و شيطان زوجتي في نفس الوقت وفي نفس الحانة...ياللسعادة!
ابتلعت بيرتي في جرعة واحدة، وهي عادة سيئة تعلّمتها من جاري الألماني "آندي"، كان يقوم بذلك عندما يكون عطشانا أو بالغ في السكر ليلة البارحة.
أرجعت القارورة فارغة فوق الطاولة و سألت القادم الجديد و أنا أشعل سيجارة:" هل كشفت أنت أيضا عن نفسك لزوجتي، كما فعل معي شيطاني أنا؟ "
قال:" لا ليس بعد. نحن نكتفي الآن بتبادل الوساوس، فمرة أوسوس لها و مرة توسوس لي..."
ضحكت دون ان أشعر و ضحك الشّيطانان معي.
بعد جرعة قصيرة من بيرته، قال شيطاني متوجها بالحديث إلى شيطان زوجتي:" و هل تخّنسان لبعضكما البعض من حين لآخر أيضا؟ أيّها الوسواس الخنّاس! "
هنا ألم ضحك هيستيري بنا جميعا.
محاولا استرجاع بعضا من رباطة جأشي و أنا أمسح دموع الضحك، التي سالت من عينيّ قلت :" اسمعا ايها الشّيطانان اللعينان! انكما الآن تتحدثان عن زوجتي. لا تنسيا هذا!"
أشار اليّ الاثنان بسبّابتهما وهما يضربان على فخذيهما و يضحكان بشدّة، كأنني عار أمامهما، حتّى استردّ شيطان زوجتي بعض أنفاسه و قال:" ظريف جدا هذا الرجل! كم تمنيت أن أكون شيطان رجل!...النساء مُملاّت. انهنّ لا يقمن بفعل الشرّ، إلاّ بعد تردد طويل و بعد أن تتقطّع أنفاسي من الوسوسة... أنا أفضّل الرجال، إنّك لا تحتاج في عملك معهم إلى الكثير من الجُهد. يكفي مثلا تحريض بسيط لنديم، حتّى يهشّم أسنان نديمه و يكفي تحريض أبسط لشيخ متشدد، حتّى يكفّر شيخا زميله أو يكفّر الناس أجمعين... أنا أفضّل الرّجال، إنهم أحسن من النساء!"
قلت له وأنا أضحك:" أنت شيطان متطرّف، انتبه لكلامك! و إلاّ سوف تكون عُرضة للعقاب من طرف جمعيّة النساء الديمقراطيّات..."
عدنا جميعا للضحك. يبدو أنّ الجلسة مع الشياطين ليست سيئة إلى هذا الحدّ، كما كنت أعتقد.
فجأة مرّ بنا عمّ حسن النّادل و قال لي :" اضحك... اضحك مع الشياطين! و بعد ذلك تساءل من أين يأتينا البلاء؟ "
كان ذلك أطرف ما سمعته من عمّ حسن منذ عرفته، أي منذ ما يزيد عن العشر سنوات، فكدت أقع على الأرض من شدّة الضحك. تسرّبت له هو أيضا عدوى الضحك، فقهقه قهقهة عالية و ضربني على كتفي ممازحا و انصرف.
هنا عنّ لي سؤال كثيرا ما ألحّ عليّ، منذ الصغر. أي منذ كنت طفلا في الكتاّب عندي سيدي المؤدب عمّ الحاج مبروك في حييّنا.
قلت:" بصفتكما شيطانين جالسين إلى طاولتي الان، و بصفتي صحفي يسكر في حانة مع الشياطين، هل لي في بعض الاسئلة؟"
قال شيطاني :" هل ستقوم معنا بحوار صحفي؟ "
قلت وأنا أعدّ أوراقي وقلمي:" هذا طبعا، إن لم يكن لديكما مانعا لذلك."
قالا في صوت واحد و قد بدت عليهما الحماسة:"طبعا... طبعا! لا مشكلة... تفضّل! "
ـ السؤال الاول:" هل يأكل الشّيطان معك، عندما تستعمل يُسرى ك عوض يمناك في الاكل؟ "
ـ الجواب الشّيطاني:" لو صحّ هذا الأمر، لماتت كل الشياطين من الجوع، فالذين يستعملون يُسرى هم لا يزيدون عن اثنين في المائة من مجموع البشر."
ـ السؤال الثاني:" هل كلّما إختلى رجل بامرأة، يكون ثالثهما الشّيطان؟"
ـ الجواب الشّيطاني :" عقدة التلصّص على الاخرين، وهم بصدد ممارسة الجنس، هي عقدة بشريّة وليست شيطانية. نحن لا تأتينا الامراض النفسيّة. نحن نجعل من الاخرين مرضى."
ـ السؤال الثالث:" هل عندما يتثاءب المرء، دون أن يضع يده على فمه يدخل فيه الشّيطان؟"
ـ الجواب الشّيطاني ( مرفقا بالضحك):" إلى حدّ علمنا، لم يشتغل أحد من بني جنسنا كشياطين، طبيب أسنان!"
السؤال الرابع:" نعتقد في تونس أو في بعض الجهات في تونس، على الاقل، ان الإنسان الكسول، أي ذلك الذي لايستطيع النهوض باكرا و الذهاب إلى العمل، أن الشّيطان قد تبوّل عليه. فهل تفعلون ذلك؟..."
ـ الجواب الشّيطاني:" سوف نذهب إلى الحمّام و نعود لنجيبك على هذا السؤال."
قالا ذلك و انصرفا و قد تناهى إلى مسامعي حديثهما :" يال هؤلاء البشر الحمقى! هل اختفت المراحيض من الأرض، حتّى نتبوّل عليهم؟"
شعرت بالغيظ و الاهانة، ألهذا الحد، أنا جاهل بأمور الشياطين؟...ألهذا الحد، تنقصني المعرفة، حتّى يسخر مني شيطانان غبيّان؟
لقد بدت لهما أسئلتي تافهة، الأمر الذي جعلهما ينهضان و يقاطعا حواري الصحفي، الذي تحمّسا له في البداية. هذا حقا أسوأ ما يمكن أن يحدث لصحفي!
وهكذا اتخذت قراري. أنا بشري! ويمكن أن تكون امكانياتي محدودة بالنسبة إلى الشياطين. و لكن جنسي. جنس البشر، هو الذي اخترع و اكتشف وأبدع. هو الذي غيّر وجه الأرض و التاريخ. هو الذي غزا الفضاء وغاص في أعماق البحار. هو الذي شيد الاهرامات و بنى سور الصين العظيم.
لا! لن يهزمني هذان الشّيطانان الاخرقان. أنا صحفي و ميزة الصحفي الاولى، هي المعلومة. المعلومة هي نقطة قوّتي و مصدر سلطتي. المعلومة سوف أجدها. انها أمامي و في متناول يدي. انها الانترنات.
سأبحث في غوغل عن الشّيطان. كان ذلك قراري. سأفاجيء هذين الغرّين المغرورين.
*الشيطان ـ ويكيبيديا: كلمة شيطان مشتقّة من العبريّة و تعني مقاوم أو متهم وفي العربية لها نفس الجذور، فكلمة شطن تعني تمرّد.
الشيطان في الإسلام: خلق إبليس من نار، كما يقول الله في القرآن الكريم، إلاّ أنه كان يخفي نزعته إلى التمرّد و العصيان، حتّى أمره الله بالسجود مع الملائكة لآدم، فابي و استكبر.
الشيطان في المسيحيّة: كائن روحي له سلطان على زمرة من الكائنات الروحية النجسة الخاضعة له...والشيطان في الاصل من ملائكة الله و لكنه بسبب غروره و كبرياءه سقط من المجد.
الشيطان في اليهودية: (أشعياء14:12 ـ 15)" كيف سقطت من السّماء يا نجم الصُّبح المُنير؟ كيف طرحت إلى الأرض يا قاهر الامم؟ قلت في قلبك، أصعد إلى السماء، أرفع عرشي فوق كواكب الله، أجلس على جبل الآلهة في أقصى الشّمال. أصعد فوق أعالي السحاب و أصير مثل العليّ. لكنّك انحدرت إلى عالم الأصوات إلى أعماق الحفرة.
الخلاصــة: ويكيبيديا باللغة العربية، فقيرة و جافة كالوطن! هذا لن يساعدني كثيرا في محاربة الشّيطان.
عاد الشّيطانان و جلسا ثانية إلى الطاولة. إرتشفا من البيرة و ظلاّ صامتين. لاحظت، أنّ الإثنين لا يدخّنان.
أمر غريب، خاصة وأنّهما يحملان الجنسية التونسية، على ما أعتقد. ينتابني إحساس في تونس، عندما ادخل المقهى أو أرتاد حانة، أنّ الشّعب، كل الشّعب لايزال يعيش في المرحلة الفمويّة. تلك المرحلة، التي شرحها فرويد في دروسه النفسيّة. الكلّ يضع في فمه سيجارة، و ان لم يكن فنرجيلة. الكلّ يدخّن. النساء أقلّ تدخينا من الرجال. هذا أمر طبيعي، لأنهنّ أكثر نضجا.
في العهد السابق أي ما قبل الثورة، أصدرت السلطات قانونا بمنع التّدخين في المقاهي و المحال العموميّة. ثمّة إحصائيّة طريفة، مفادها أنّه، تمّ تسجيل 1400 مخالفة في أقل من أسبوعين، وذلك فقط في شارع لحبيب بورقيبة. قانون منع التدخين في مدينة مونيخ، التي يبلغ عدد سكانها ما يناهز المليوني نسمة، ساري المفعول منذ أربع سنوات وقد سجلت طيلة هذه الفترة 300 مخالفة، أغلبها في مقاهي ومحالً على ملك الأجانب !
توجهتُ بالسؤال إلى شيطان زوجتي:" هل أنت أيضا هنا، من أجل الوطن؟"
قال بعد، ان ألقى نظرة ذات مغزى في عينيّ شيطاني:" لنقل بإختصار، أنا عندي مشكلة صغيرة مع الخوانجيّة".
في رواية " مائة عام بعد بياتريس" لأمين معلوف، يدور الحديث في أحد الفصول عن عالم حشرات. قام هذا العالم باختراع ما، الأمر الذي مكّنه من مقاومة آفة الجراد. هذا الاختراع أو الاكتشاف، أنقذ ما يناهز الخمسين ألف انسان من الجوع.
قرأت بعد ذلك، روايات عديدة لامين معلوف، كلّها اعجبتني دون استثناء. اعجبتني و تركت في نفسي حبا خاصا لهذا الفن. فن الرواية. لكن ذلك الفصل حول عالم الحشرات في رواية بياتريس ظل أقربها إلى نفسي. لو ان عالم الحشرات هذا، يتمكن من اختراع مبيد فعّال ضد لؤم الخوانجيّة، كم كنت سأسعد بذلك!
أردت ان أروي هذه الحكاية لاصدقائي الشياطين، لكنني تراجعت، فربّما يرفض أمين معلوف نفسه، الزّج به و برواياته في حكايات الشّيطان هذه.
استأذنت من الشّيطانين، الجالسين أمامي، قائلا:" معذرة! أنا متعب. أريد العودة إلى المنزل! ولكن سافكّر جيّدا في الامر. لو احتجت لكما في مسألة إنقاذ الوطن سوف ابلغكما بذلك."
قالا الملعونان في صوت واحد يفيض حماسة:" افعل ذلك! نحن فداء للوطن!"
نهضت وغادرت. اختفيا من امامي في لمح البصر.
اتجهت لعم حسن النادل، كي ادفع بقية الحساب، فاشار بيده، ما مفاده ان الحساب قد دفع. أردت ان اسأله من دفع؟ فقال لي كلمته الشهيرة:" تصبح على خير" و التي يعني بها طبعا، غادر الان!"
عندما وصلت إلى البيت، اخبرتني زوجتي و الاسى يملأ تعابير وجهها، أن مجموعة من شبّان الحيّ، قد غرقوا في عرض البحر، وهم متّجهين على مركب صغير نحو ايطاليا.
قلت لها ببرود:" و لكن هذا يحصل دائما، ما الجديد في الامر؟..."
قالت في شبه صراخ:" الجديد في الامر، ان اربع من منازل الجيران اللصيقين، تقوم فيها الآن مناحة ومنزلين في صف الدور المقابل ساكنيها بصدد تقبّل العزاء..."
رغم بلادة إحساسي و لامبالاتي القاسية بالاخرين، كما يحلو لأمي ان تصفني، عندما تغضب منّي، فقد هزّني الامر.
أنا أعرف حمّة كعبورة و سامي قربلّة و فتحي ولد فطيمة و نبيل بلاء و كمال زرقة... أعرفهم جيّدا... أعرفهم، منذ كانوا أطفالا يحملون على ظهورهم حقائبهم و يفرّون في أغلب الاحيان من المدرسة.
هل غرق هؤلاء جميعا؟ هل ماتوا جميعا؟
ان أكبرهم سنّا، لم يبلغ بعد العشرين من عُمره. هم حقا لا يفعلون شيئا طوال اليوم، اكثر من الجلوس في المقاهي نهارا و التخطيط لجمع المال، حتّى يسكروا ليلا في " الخربة".
أنا لا ألوم أحدا هنا، فأنا نفسي أحبّ الخمر و أتمنى لو بإمكاني، أن أجلس في المقهى طوال النهار دون أن أضطرّ للعمل. أقرأ الروايات. أذهب للسينما. أذهب للحفلات...للمسرح...أسافر و أشاهد العالم...
لكن أن يموت جميع هؤلاء الفتية في يوم واحد، فهذا أمر جلل و خطب عظيم...اللعنة!
بعد أيام من ذلك، شاهدت رئيسنا المُفدى المرزوقي، في شريط الأنباء، وهو يلقي بباقة من الزهور في البحر ترحما على أرواح موتانا.
أنا لا أحمّل حكومة الخوانجية موت شبابنا في عرض البحر سعيا وراء حياة أفضل.
أنا أحمّل هذه الحكومة فقط، مسؤولية بعض الأشياء. أحمّلها مثلا مشكلة الجفاف والانجراف و الجراد وعُقم المواشي وثقب الأوزون و فيضان تسونامي وإندلاع الحرب الكوريّة و موت الفنّان إلفيس بريسلي وإغتيال كيندي و إنفجار صاروخ تشالنجر و سقوط أسهم بورصة نيويورك. أحمّلها فقط، مسؤولية طاعون إسبانيا وأنفلونزا الطيورو الخنازير و إنقراض الديناصورات و السوبر غاو النّووي في اليابان وعدم ترشّح الفريق القومي لنهائيات كأس العالم.
أنا أحمّلها فقط، مسؤولية موت أبناء الجيران...
ثمّة أشياء أكرهها. الأحذية الضيّقة. الأزقّة المُتربة. جارتي خديجة النمّامة.
ثمّة شيء أكرهه جدّا: "الخــوانجــيّة"!
سُئل مرّة الشيخ السلفي أبو اسحاق الحويني، ذلك السؤال الحارق:" لماذا كلّ الدول الإسلامية، هي دول فقيرة و متخلّفة؟ وماهو الحلّ للخروج من أزمتنا الاقتصادية؟ "
أجاب الحويني بكلّ ثقة السلف الصالح، التي يمتلكها: " الأمر بسيط، الجهاد هو الحل! الجهاد... يجب أن نعود إلى غزو ديار الكفر و كل مجاهد سوف يحضى له ببعض النساء و الغلمان يبيعهم و يحصل على الدّراهم وهكذا لن يعود هناك فقراء في أرض الإسلام!"
وهنا لم أنتظر قدوم الشّيطان إلى غرفتي. هنا قرّرت أن استدعي أنا نفسي الشياطين.
قرّرتُ، أن أقوم معها باجتماع عاجل وعلى مستوى القمّة، كما يُقال.
الاجتمـــــــــاع
قد يعتقد البعض، أن استدعاء الشياطين لاجتماع ما، سوف يكون شبيها بتلك المشاهد، التي نراها في السينما. أو شبيها بحضرة الدراويش و عبدة الشّيطان، أي بخور ونار و رسوم غريبة على الأرض وكل تلك الترّهات.
لا! لا! المسألة أبسط من ذلك بكثير. المسألة تتطلّب فقط، أن يكون لك معرفة سابقة بشيطان أو اثنين ووطن يحكمه الخوانجيّة، مثل وطني.
حضر الاجتماع شيطان زوجتي و شيطان نجيبة زميلتي في الجريدة و شيطان جارتي خديجة النمّامة وشيطانان آخران، ليس لي بهما سابق معرفة، و لكني عاينت فيهما تحمسا كبيرا للوطن، كما حضر طبعا شيطاني الخاص.
كنت جالسا إلى مكتبي و يجلس إلى جانبي يمينا و يسارا شيطاني و شيطان زوجتي، في حين جلس بقية الحاضرين على حافة سريري.
لو كان يجوز لي الاعتذار للشياطين عن عدم توفير مكان لائق لاجتماعنا، لفعلت. و لكن سوف يكون في ذلك مبالغة لا أحتاجها. خاصة في هذه الضروف و خاصة أيضا أنهم شياطين! والعياذ بالله.
افتتح شيطاني الاجتماع قائلا: أرحّب بالجميع و أشكركم على الحضور.
أيّها السادة! نلتقي اليوم نزولا عند رغبة مُضيفنا، الذي استدعانا إلى غرفته الخاصة، لنناقش قضية تشغلنا جميعا. و نحن نشكره على ذلك. و بهذه المناسبة أرجو منكم أن تتخلوا عن بعض طقوس الحظور وهي الحرارة و الرائحة الخاصة بجنسنا. نحن معشر الشياطين.
ثمّ إلتفت لي و قال اللئيم : أما أنت، فأغلق هاتفك الجوّال!
أطعته و فعلت ما طلب منّي، و لكن في الأثناء عنّ لي خاطر غريب. ماذا لو أضاف الشّيطان لافتاحيّته هذه، تلك القولة المعروفة، و التي ترافق الاجتماعات :" نفتتح على بركة الله إجتماع الشياطين هذا!"
و كما توقعتُ و ربما توقعتم أنتم أيضا، فشيطاني يقرأ أفكاري. نظر في عينيّ مباشرة و رسم ابتسامته الساخرة المعهودة على طرف فمه، ثمّ إكتفى بالقول:" تفضّل!"
كانت عيون الشياطين كلّها، قد تعلّقت بشفتيّ و تنتظر بفارغ الصبر. أفكار سريعة عبرت رأسي. اضطربت قليلا. أصابتني بعد ذلك الحيرة. هل أفتتح قولي باسم الله الرحمان الرحيم؟ أم بالسلام عليكم؟ أم هل أقول، كما يقول رؤساء الإجتماعات في العادة:" أيها المواطنون! أيتها المواطنات!" ؟
حيرة تامّة تملكتني، خاصة وأنّه لم يسبق لي، أن رأيت أو سمعت بشريّا يخطب في قوم من الشّياطين. إرتشفتُ جُرعة ماء من الكأس الموجودة فوق المكتب. تنحنحت بصدق ومن عُمق حُنجرتي. رسمت ابتسامة صفراء للوجوه، التي تقابلني، ثمّ قلت:" معشر الشياطين! لا يسعني إلاّ أن أقاسمكم حرصكم وحبّكم لهذا الوطن. نحن نختلف صحيح من حيث النوع و الميولات وفي بعض طرائق العمل والوجود.
و لكن في النهاية، يجمعنا وطن واحد و نعاني تحت وطأة همّ واحد. هوهمّ الوطن. أنتم بتعبير آخر شركاء في هذا الوطن. ان اختلفت مصائرنا و اختلفت طرق تفكيرنا، فهذا لايعني، أننا أجانب أو غرباء. نحن أبناء هذا الوطن. شياطينا كنّا أو بشرا. وعدوّنا، هو عدوّ واحد و مشترك. إنّهم " الخوانجيّة".
إفتتح شيطاني الملعون موجة التصفيق، التي اندلعت في الغرفة. أخذ الكلّ يصفّق بحرارة و حماس وينظرون إلى وجهي و كأنّي زعيم حزب أو قائد كتيبة. شيطان جارتي خديجة النمّامة، كان آخر من توقّف عن التصفيق. أنا أعرفُ هذه النوعيّة من الكائنات. إنّها تختصّ في إفساد المُلتقيات والإجتماعات وذلك بإستعمال سلاح التصفيق. أشار له شيطاني إشارة حازمة بيده كي يتوقف، فامتثل. أكرهُ جارتي خديجة النمّامة...
واصلت قائلا:" الخوانجيّة يريدون السُّلطة و للأسف قد حصلوا عليها. الخوانجيّة يعتقد البعض، أنهم فصيل من الشعب و لهم الحقّ كغيرهم في هذا الوطن. و لكني أقول لهؤلاء: هذا خطأ. هذا خطأ قاتل.
وسأروي لكم الآن قصّة قصيرة...
في هذه اللحظة، بلغ شغف السامعين أقصاه. الكلّ عدّل جلسته على حافة السرير، بعد أن كان مسترخيا وحاول الإقتراب أكثر. الكلّ إلتمعت عيناه وإستطالت أذناه شيئا ما. اللعنة! الكل يعشق القصص. الكلّ يعشق فنّ الحكي، شياطينا كانوا أو بشرا. شيطاني نفسه، الذي كان طيلة الوقت، يعلّق على عاتقه مهمّة واحدة ووحيدة، وهو أن أنجح كبشريّ خاص به، في إجتماع الشياطين هذا. أنا بالنسبة له وظيفة، عمل. إنسان يُوسوس له كي يُغويه. أصبح الآن أكثر إنتباها لما أقوله. وجّه لي نظراته، بعد أن كانت متّجهة كلها لوجوه الحاضرين، تقيس فيها درجات التأثّر.
واصلتُ :" عندما تمّ القبض، في ما مضى على راشد الغنّوشي، أصدر الزعيم لحبيب بورقيبة في حقّه حكما بالاعدام. لكن بعض الوزراء تدخلوا وقالوا للزعيم: لا يمكن لبورقيبة، أن يعدم تونسيّا.
ردّ بورقيبة قائلا: " الغنّوشي ليس تونسيا. ولا يمكن لأي خوانجيّ أن ينتمي لوطن. سواء كان ذلك الوطن تونس أو غيرها."
وصدق الزّعيم... أيّها الشياطين!
الخوانجيّة لا وطن لهم... يقول الغنّوشي :" السلطة، هي أجمل شيء في الحياة الدنيا"
حيث توجد السلطة، فثمّة الخوانجية. ولو كان ذلك في غابات الأمازون أو في صحارى الجليد عند الاسكيمو. إنّهم لا يحملون راية الوطن. رايتهم هي راية السلطة.
نحن الوطن. نحن أبناء الوطن و ليذهب الخوانجيّة إلى الجحيم!
وقف الشياطين هذه المرّة. شرعوا في التصفيق و صرخ أحدهم:" سوف نأخذهم معنا إلى الجحيم!"
اختلط الضحك بالتصفيق و رتّب شيطاني على كتفي بفخر.
ملاعين هؤلاء الشياطين و ضرفاء.
أردت، أن أهمس في أذن شيطاني بشيء ما، ولكن و لأوّل مرّة تعجبني موهبة قراءة أفكاري، التي يمتلكها، فقد وضع في يدي قارورة بيرة مفتوحة، دون أن أضطرّ لطلب ذلك.
رفع الكلّ قواريرهم إلى الأعلى و " على نخبك يا وطن! "
قال شيطاني :" أظنّ، أننا اليوم سوف نتحدّث قليلا عن الشّيخ السلفي أبو اسحاق الحويني..."
ضحكت و قلت للشياطين وأنا أشير اليه بالبيرة، التي في يدي :" هذا الشّيطان! أقرب إليّ من حبل الوريد."
تدخّل شيطان زوجتي قائلا:" هل تعرف حكاية الملكين، الذين عن يمينك و شمالك و يسجلان سيئاتك وحسناتك؟... شيطانك هذا، قد افتكّ منهما القرطاس و القلم و أحالهما على التقاعد، ليحلّ محلّهما."
كان شيطان زوجتي، في الاصل يطلق دعابة لا أكثر. لكني أخذت الموضوع على محمل الجدّ
و تساءلت بحيرة حقيقية :" هل فعلت هذا حقا؟ "
فردّ شيطاني ساخرا وبصوت مرتفع:" يبدو، أن معشر البشر المساكين، لم يعودوا يطيقون الحياة دون مراقبة و دون مُخبرين، يسجلون لهم في دفتر، حركاتهم و سكناتهم على مدار الساعة... "
ثمّ توجّه إليّ بالحديث قائلا في تحدّ:" نعم ! فعلت ذلك..."
قلت دون أن أشعر:" عليك اللعنة يا ابن اللئيمة! هل تعرف ما يعنيه ذلك؟ سوف نتّجه مباشرة أنا و أنت إلى جهنّم دون حتّى أن نُحاسب!"
قال وهو يضحك: " وهو كذلك "
ثمّ قال شيطان خديجة النمّامة في تهكّم :" و بئس المصير!" و أتبع ذلك بضحكة طويلة، كالتي يطلقها الممثّل المصري "توفيق الذقن" في أدواره الشريرة.
أكره جارتي خديجة النمّامة!
لنعد الآن إلى الشّيخ الحويني...
يقترح هذا الأبله إذن، أن نغزوا الكفّار، أي أن نغزوا أمريكا و أوربّا و اليابان و روسيا والصّين...
حسنا لنبدأ من البداية: لنفترض، أننا كمسلمين يقتدون بالسّلف الصالح، حاربنا الترسانة النووية وطائرات الشبح و ال " ب 52 "، التي تمتلكها هذه الشعوب الكافرة بسُيوف مطهّمة بالذّهب و الفضّة ورماح ودروع من صنع داوود عليه السلام و انتصرنا. تبقى هناك مشكلة صغيرة، هي العملية اللوجيستية وهي كيف سننقل هذا الكمّ الهائل من العبيد و الجواري و الغلمان، الذين غنمناهم إلى بلاد الإسلام؟...هل سيكون ذلك في قوارب شراعية تمخر عُباب البحار و المحيطات أم على ظهور الخيول والبغال والجمال؟
لنقل أنّنا نجحنا، بتوفيق من الله، في إغتنام عدد كبير من البوارج و البواخر وطائرات الجامبو والبوينغ ونقلنا سبايانا وأسرانا إلى ديار الإسلام.
هنا أيضا، تطفو بعض العراقيل الصّغيرة على السطح.
أنا مثلا مجاهد من تونس، بعد أن قمتُ بغزو اوكرانيا، تحت راية أسد السنّة و خليفة السلف الصالح الشيخ ابو اسحاق الحويني، رضي الله عنه، تمكنت بتوفيق من الله عزّ و جلّ، من الحصول على اربع عبيد رجال، هم على التوالي: إليانوف مهندس طاقة ذريّة. ميخائيل طبيب. يوري عامل في منجم.
و أخيرا ايفيان طالب في كلية الفنون الجميلة، كما ظفرتُ بستّة سبايا: أوكسانا و غابريالا و مارتينا
و ليزا و نافرا و ستيفاني و بنعيم من الله وفضله، غنمتُ أيضا سبعة غلمان أو أولاد صبية، كما يحلو لشيخي الحويني أبقاه الله، أن يسمّيهم.
في النهاية، عدت إلى بيتي وبصحبتي سبعة عشر نفسا حيّة، سبعة عشر إنسانا.
بيتي، سيّدي الشيخ، يتكوّن من ثلاثة غرف ومطبخ و حمام واحد، أسكنه مع زوجتي و إبنتي الصغيرة وأختي المراهقة.
سيّدي الشيخ، لقد أوثقت كُلاّ من العبيد الأربعة إلى عمود في المطبخ، حتّى لا يفرّوا. كما حرصت على إغماض عينيّ إيفيان طالب الفنون الجميلة الوسيم بعصابة سوداء، لأنّي لاحظت منذ البداية نظرات الإعجاب تنطلق من أختي المراهقة نحوه. وسارعت زوجتي إلى وضع أكياس الوسائد على رؤوس السبايا الجميلات رغم رجائي لها، بأن لا تفعل، لأنّهن حلالي شرعا. و لكن حاول، أن تقنع امراة تونسية بذلك... أمّا الطامة الكبرى، فكانت مع الصبية الصغار، الذين استولوا على الكمبيوتر خاصتي و البلاي ستايشن، التي اشتريتها حديثا و علا صراخهم وهم يتشاجرون على من له الحقّ في اللّعب أوّلا.
المهم سيدي الشيخ، لقد كانت ليلة أولى مع غنائم حربي، شبيهة بالجحيم.
قرّرتُ صباحا، أن أبيع الجميع في أقرب فرصة ممكنة. لقد حوّل شيخنا المفدى رضي الله عنه
وأرضاه راشد الغنّوشي، بأمر مباشر منه سوق المنصف باي، إلى سوق نخاسة.
فتحت في الغد الباب، قاصدا المنصف باي وأنا أسوق عبيدي أمامي موثوقين في أغلالهم، و لكن ما راعني، إلاّ وابنتي الصغيرة تصرخ و تبكي وهي تتشبّث بالصبية الصّغار، تُريد أن تصبحهم في نزهتهم إلى الخارج. إبنتي بلغت بالكاد السنتين من عمرها. لم تذهب بعد إلى الرّوضة أو الكُتّاب، أي أنّ مجتمع الأطفال هو الجنّة التي تحلم بها. ما أن ترى أحدهم، حتّى يطير صوابها فرحا.
بعد جهد جهيد، أدخلتها زوجتي إلى البيت ثانية وهي تبكي وتخبط بيديها و رجليها و قد تمزّقت لذلك نياط قلبي.
في السّوق، كان يقف إلى جانبي تاجر آلات كهرومنزلية وقد حاول ان يقايضني اوكسانا، أجمل سباياي، ببرّاد صنع صيني رخيص، فرفضت رفضا قاطعا. بعد ساعة حاول أيضا احد باعة السجائر المهرّبة من الجزائر، ذات النكهة المسمومة، أن يستبدل أحد غلماني بثلاثة علب من الدخان. ولما رفضت قال لي اللئيم :" عليك ان توفر له على الاقل بعض اللبن و الخبز، فهو سينفق غدا من الجوع، إن لم يكن هذا المساء..."
نظرت إلى عبيدي فلاحظت، أنّهم فعلا منهكين من الجوع و السفر. من أين لي، أن أوفّر لكل هؤلاء الطعام و الراحة. أنا نفسي و منذ عودتي من الغزو لم أرتح و لم آكل.
بعد قليل رنّ هاتفتي الجوّال وجائني صوت زوجتي وهي تقول : لقد أتلف عبيدك بالوعة المرحاض، عليك باحضار من يصلحها قبل ان تعود إلى المنزل.
اضطررت اثناء قدومي إلى السوق ان ادفع ثمن تذاكر سفر الجميع، وقد كانت تلك آخر أموالي. إن لم أبعهم الآن، فسوف يتحتّم عليّ أن أسافر بهم مشيا على الأقدام حتّى البيت أو أن أُرسكي بهم. راجيا من الله العليّ القدير، أن لا يصعد المراقب.
سيدي الشيخ الحويني، حتّى لا أطيل عليك المسألة أكثر، أريد ان أطرح عليك بعض الاسئلة الشرعيّة.
هل يجوز شرعا، أن يستعمل أحد عبيدي جهاز حاسوبي للدّراسة أثناء غيابي عن المنزل؟
ماهو رأي الشرع في أن تلعب ابنتي الصغيرة مع أحد غلماني الصغار؟
كيف يرى الشرع رفض زوجتي ترك أوكسانا الجميلة المسكينة، مُشاهدة مسلسلها المفضّل "حريم السلطان"؟
هل يجوز شرعا أن أبحث عن عمل لاليانوف، مهندس الطاقة الذريّة عن عمل في تونس، بعد أن وافقت وزارة التعليم العالي و البحث العلمي على معادلة شهائده؟
و أخيرا سيدي الشيخ ما هي أقصر الطرق الشرعيّة لكي أرسل لك يوري عامل المناجم الاوكراني، كي يخنقك بساعديه الرهيبين و يريحنا من أفكارك التي تشبه الفحم؟
كانت الأيّام الأخيرة مُرهقة بالنسبة لي.
بدأ يعتريني السأم من الشياطين. أنا شخص سئم بطبعي، فتخيّل أنّي أتحدثُ عن الخوانجيّة التافهين كامل الوقت. نقاش حادّ مع الأبالسة حول الوطن... أمر مملّ حقا! أنا لم أدّع يوما، أنّي انسان وطنيّ، لكن يقرفني أن أسمع السّاسة طول الوقت، يتشدّقون بوطنيّتهم.
غثيان سارتر أراه رأي العين و أنا أسمع الحكومة و المعارضة يتجادلان حول الوطن، بينما ثمّة أناس تموت من الجوع في تونس2014.
المهم! بي شوق الآن إلى كتابة شيء آخر. حكاية أخرى لا يدخلها الشّيطان. لا يدخلها لا من الجدار ولا من الباب...ولا حتّى من الخوخة.
ثمة فتاة إسمها سوسو. من تكون سوسو؟ إنّها تصرّ على الدخول إلى الرواية...إنّها تطرق باب أوراقي البيضاء بإصرار...حسنا تفضلي سوسو!
رنّ جرس الهاتف الجوّال لسوسو. كان المتحدّث هو والدها السيد عبد العزيز. " أين أنت؟" سألها في شبه صراخ، فأجابت بصوتها المائع :" بابي! أنا في شارع الحبيب بورقيبة مع أصدقائي. نحن الآن نقوم بالثورة. سوف أعود سريعا، عندما أكملُ الثورة..."
لو كنّا في فيلم من أفلام الكارطون، لأمكننا رؤية دخان غضب سي عبد العزيز يخرج من هاتف سوسو، وهو يصرخ:" ماذا؟ شارع الحبيب بورقيبة...أمام وزارة الداخلية...عليك اللعنة أنت و أصدقائك وعلى الثورة معكم! أتريدين أن تقتليني يا بنت الكلب؟...عودي حالا إلى البيت! إنّهم يطلقون الرصاص الحيّ على المتظاهرين..."
لم تسمع سوسو باقي الكلام، الذي قاله والدها، لأنّها أبعدت الهاتف عن أذنها، لتجيب على النظرة المتسائلة، التي ارتسمت على وجوه أصدقائها الثوريين، قائلة باستخفاف :" إنّه أبي كالعادة! لا أدري متى يكفّ هذا الرجل البدويّ عن إزعاجي؟ " ثمّ أغلقت الخط.
بعد ذلك، تلقّت سوسو رسالة من أمّها كتب فيها :" سوسو حبيبتي عودي إلى البيت. بابي اشترى لك حاسوبا محمولا جديدا و يمكن أن تكملي الثورة على الفايس بوك، كما يفعل الجميع! "
سوسو هي طالبة بكلية الفنون الجميلة، عمرها 22 سنة، ترتدي سروالا دجينس و قميصا أبيضا خفيفا تعلوه بعض الأزهار المتعددة الألوان، ينفتح قليلا جهة الصدر ليكشف عن بداية منبت الثديين، الذي تتدلى فوقه قلادة غليضة مبهرجة من البلاستيك، أشبه بتلك التي يرتديها الغجر، كما تضع حول رقبتها شالا أحمرا تلتفّ به كامل الشتاء، لتنزعه فقط في أشهر الحرارة. الشكل العام لسوسو هو الشكل النموذجي لطلبة الفنون من مسرح و رسم وموسيقى...ثوري شيئا ما. صاخب شيئا ما... مع مسحة من الجمال لا تخطئها العين.
أصدقاء سوسو الثوريين، هم على التوالي: سامي طالب بنفس الجامعة. نُهى طالبة فنون مسرحية. هيكل و نزار طلبة بمعهد الصحافة و أخيرا عبد الكريم طالب تاريخ بكلية منوبة ومعروف عند الجميع بلقب عبودة وتصحبه دائما صديقته، التي لا نعرف عنها إلاّ شيئا واحدا وهو أنّها صديقة عبودة.
بالنسبة لسامي، فهو يحب سوسو، و لكنّه لم يتجرّأ منذ تعرّف عليها، لما يزيد عن السنتين، أن يصرّح لها بذلك. سامي ليس خجولا أو رعديدا، إنّما هي فقط سوسو قويّة الشخصيّة و ساخرة و رافضة وليس لها مُتّسع من الوقت لكي تفسح مجالا للحبّ في حياتها الثوريّة، وهو ربّما الأمر، الذي لم يحفّز كثيرا سامي. فالتزم بملازمتها في ذهابها و إيّابها و حلّها و ترحالها و فرحها و حزنها. أي أنّه تحوّل إلى مُحبّ صامت، يراقب محبوبته الساهية بإخلاص، كما ظلّ ينبسط دون إنقطاع إلى جانب نبتة متوحشّة.
نُهى تعرف سوسو منذ الصّغر، فهي جارتها و قد كانتا دائما معا، خاصة في أيام المراجعة لاجتياز إمتحان الباكلوريا العصيبة. نُهى كانت منذ البداية تقيم في منطقة راقية باحدى المنازه. وعندما جاء سي عبد العزيز والد سوسو وعائلته للسكن هناك، أصبحت الفتاتان جارتان، ثمّ صديقتان. سي عبد العزيز هو في الأصل تاجر أثاث قديم صغير بالسوق الشعبيّة بالملاسين، له سكن شعبي بمنطقة فوشانة حيث ولدت سوسو. لكن مع الأيّام ازدهرت تجارته وتحسّنت معها أوضاع العائلة تدريجيا. ولكن أيضا ثمّة أمر آخر ففي السنوات الأخيرة، كان إزدهار تجارة سي عبد العزيز ملفتا للنّظر. تضاعفت ثروته بسرعة خرافية، فاشترى سيارة فارهة و فيلا فخمة في المنزه والجميع يعرف، أنّ رصيدا كبيرا في البنك موجود تحت حساب سي عبد العزيز، الأمر الذي لم يمنع بعض الألسن الخبيثة من القول، أنّ تاجر الخردة نجح في ربط علاقة تجارة و أعمال مع بعض الطرابلسيّة أصهار الرئيس المخلوع.
بالنسبة لهيكل و نزار، فهما إلى جانب الدراسة في معهد الصحافة، فقد كانت لهما بعض المقالات التي نشراها حول بعض التجارب المسرحية في الجرائد التونسية و منها تجربة نُهى و مسرحها، الذي بدأ يشق طريقه من الهواية إلى الإحتراف، و هكذا تعرّف الجميع على بعضهم.
أمّا عبودة طالب التاريخ بكلية منوبة، فهو يختلف من حيث الشكل و المحتوى عن المجموعة رغم الصداقة، التي تربطه بها. عبودة هو أصيل ولاية سيدي بوزيد، حيث انطلقت شرارة الثورة الأولى.
يعيد سنته الثانية من المرحلة الأولى تاريخ للمرّة الثالثة. منخرط في اتحاد الطلبة وهو خطيب مُفوّه في الاجتماعات العامة للطلبة. لعبودة لحية ثورية تختلف عن لحى الإخوانيين، كما تختلف أيضا عن لحى الفنانين من تشكيليين و موسيقيين و مسرحيين. إنّها لحية فقيرة جائعة غاضبة متوترة تعكس الفشل في الدراسة و المال و تعكس في نفس الوقت قوة الشخصيّة والتمرّد. يضع عبودة شالا فلسطينيّا حول رقبته صيفا و شتاءا و يرتدي سروالا من قماش مهترىء و حذاءا عسكريّا لا يزول عنه الغبار. عبودة في النهاية صورة نموذجيّة للمبشّرين بزعامة المعارضة الناجحة رغم الفشل المادّي و الدّراسي. رسوب عبودة في مادة التاريخ بكلية منوبة لا يعكس غباءه أو محدوديته العلمية و إنّما يعكس صعوبة دراسة هذا الاختصاص في تونس من ناحية و الوقت القليل، الذي يكرّسه للمراجعة من ناحية أخرى.
أمّا أهمّ ما في حياة عبودة، هو صديقته. هذه الصديقة، التي يعرفها الكلّ بتعريف واحد متفق عليه و لا اختلاف فيه، هو "صديقة عبودة". لا أكثر و لا أقل. انها تتبعه كظلّه، تضحك عندما يضحك، تحزن عندما يحزن، تنهض عندما ينهض، تجوع عندما يجوع، وتعطش عندما يعطش، حتّى إنّها تذهب إلى دورة المياه عندما يتجه إليها عبودة. الشيء الوحيد الذي تفعله و يبدومختلفا، هو أنها تسمع عندما يتحدث وخاصة عندما يلقي إحدى خطبه الثورية من فوق كرسي في ساحة الجامعة. تحمل محفظة كتبه والجريدة المهترئة التي تلازم عبودة. كما أنّها في بعض الأحيان عندما يكون غائبا لضرف قاهر كموت أمّه أو سجنه، فإنّ عمل صديقة عبودة، هو تحليل خطابات عبودة للأصدقاء و الدفاع عن آراءه الغثّ منها والسمين.
كانت المجموعة الثورية اذا في شارع لحبيب بورقيبة، يوم 14 جانفي 2011. كانت الشرطة، بعد أن سئمت قذف الناس بالقنابل المسيلة للدموع، و بعد أن سئمت ضربهم بالعصي و حتّى إطلاق الرّصاص الحيّ على بعضهم. قد اعتصمت أمام مبنى وزارة الداخلية لتمنع هجوم المتظاهرين على هذا المبنى الرّهيب، الذي ظلّ لما يزيد عن الخمسين عاما رمزا للبطش و الديكتاتورية.
هرب الرئيس. و تمّ القبض على بعض أفراد عائلته وأصهاره. عاد الخوانجيّة من الخارج وخرجوا من السّجون. وأصبح المواطنون يتحدثون عن الديموقرطية و يخوضون في السياسة. نساء و رجالا. كبارا وصغارا. و لمدة قرن من الزّمان لم تعرف تونس عددا مُماثلا للمظاهرات و الاحتجاجات والاعتصامات في الشوارع وأمام المباني الحكوميّة، كما عرفتها في تلك الأيّام. الكلّ يصدح برأيه ويعبّرعن نفسه بصوت عال. ثمّة مظاهرات للعاملين و مظاهرات للعاطلين و مظاهرات للعاملين الغير مترسمين ومظاهرات للجامعيين وغير الجامعيين و مظاهرات للفنانين و المسرحيين و المعوقين والمكفوفين ورجال الشّرطة خرجوا هم أيضا للتظاهر. ثمّة مظاهرات شوهد فيها نساء بلغن من العمر عتيّا، و لم يكُنّ يوما قد غادرن بيوتهن، ولم يكُنّ يوما قد إنقطعن عن طبخ الشّاي و إعداد الخبز في الطابونة وثمّة مظاهرات شوهدت فيها مومسات ردّا على مظاهرات أخرى قام بها الخوانجيّة لغلق دور الدّعارة.
في النهاية تظاهر في هذه الثورة من تظاهر وأُستشهد فيها من أُستشهد و جُرح من جُرح، و لكن النّاس عادت بعد أيام قليلة لتتجول في شارع الحبيب بورقيبة و تملأه جيئة وذهابا، و كأن شيئا لم يكن. الأمر الوحيد، الذي تبدّل في الشارع، هو أنّ آلافا من العصافير، التي كانت تستوطن الأشجار، التي تشقّ كامل الشارع منذ ما يزيد عن المائة عام، قد إختفت و لم تعد للظهور و ذلك لأكثر من سنة كاملة، ويرجع السبب في ذلك طبعا إلى صخب المتظاهرين من ناحية وإلى الاستعمال المُفرط للشرطة لقنابل الغاز من ناحية أخرى.
كنتُ منكبا على كتابة هذه السطور، حين شعرت بيد ثقيلة على كتفي اقشعرّ لها بدني.إالتفتّ فاذا هو الشّيطان و قد انكبّ متطلّعا على الأوراق، التي بين يدي. وضعت كفيّ محاولا إخفاءها، ثم نظرت إلى وجهه نظرة مُستنكرة. رفع جذعه وإستوى واقفا و قال بنبرة ساخرة:" يبدو أنّ العصافير تشغل حيّزا مُهمّا في الثورة و في تفكيرك في هذا الوطن..."
تمالكت أعصابي حتّى لا أصرخ في وجهه. و للغرابة شعرت بأن قدرة ما، أصبحت لدي على قراءة أفكاره كما يفعل هو معي، فقلت بخبث :" العصافير لها مكان في هذه الرواية أو على الأقل في هذا الفصل من الرواية، أمّا أنت فلا، فالرجاء أن تتركني الآن مع سوسو و عبودة و أصدقائي الثوريين، وعندما أحتاج اليك سوف أستدعيك..."
رسم على وجهه ابتسامة باردة شعرت بها تزحف على فقرات ظهري كثعبان مقرف مخيف، ثم قال في هدوء:" حسنا! كما تشاء" و انصرف.
و صدقت سوسو فيما قالته لوالدها سي عبد العزيز في الهاتف. لقد أكملت الثورة هي و أصدقائها وعادت إلى البيت. العجيب في الأمر أن سوسو و الأصدقاء و منذ بداية الأحداث في تونس أي منذ أن أحرق البوعزيزي نفسه أمام مقر البلدية في سيدي بوزيد، لم يخرجوا في مظاهرة واحدة في شوارع العاصمة. لقد كانت إحتجاجاتهم تتم كالتالي: تلتقي سوسو بالجماعة في كافتيريا الكلية صباحا. تكون في الغالب عيناها محمرّتان من السّهر على كتابة التعليقات و مشاركة الفيدوهات على الفايس بوك. تمسك بين يديها فنجان قهوة ساخنة و لا تتركه طيلة الجلسة و كأنها تتدفأ به. تعدّل من وضع شالها الأحمر بين الحين و الاخر. تتحدث للآخرين و تسمع لما يقولونه. أغلب الحديث، إن لم يكن كلّه، هو كالآتي :" هل رأيت ذلك الفيديو الذي أنزلته البارحة على صفحتي؟...نعم! " ياسر طيّارة الفازة!"
و كانت تلك أحاديث الثورة لما يزيد عن الشهر بين سوسو و أصدقائها.
عبودة هو أيضا يأتي إلى الكافتيريا و لكن ثمّة فرق ما، بينه و بين سوسو و الجماعة. مع أنّه فعلا عضو قارّ فيها. عبودة لا يملك جهاز كمبيوتر قارا أو محمولا و لا حسابا على الفايس بوك ولا يملك خلويا بالكاميرا. عبودة يملك نوكيا 3310 من تلك الأجهزة التي ربما إستعملها النبيّ نوح. لا يوجد مال في هاتفه، إنّه فقط يستعمله لتلقّي المكالمات من سيدي بوزيد. قد يخبرونه مثلا، بأن بقرة عمّه قد أنجبت عجلا أحمرا أو أن حمار الخالة فاطمة قد أكل من الأشجار المثمرة التي هي على ملك العمدة، فاضطرّ لمصادرته. قد يخبرونه أيضا أن أمّه قد ماتت، فاضطرّ إلى السفر على وجه السرعة ليلحق عمليّة الدفن. عبودة هو وحيد أبويه وهو رغم ذلك يقضي أغلب السّنة بعيدا عنهما، أي في العاصمة حيث يدرس. في عيد الإضحى و في رمضان و في عيد الافطار حيث تتعطل الدروس لا يسافر عبودة إلى أهله. و عندما لاحظ ذلك بعض أصدقائه سألوه عن السبب. فقال مصوّرا الأمر تصويرا مسرحيا عبثيا:" أمّي امرأة عجوز و أبي أكبر منها سنّا. أنجبا خمسة أطفالا. ماتوا كلهم دون إستثناء. أنا الوحيد، الذي نجا من سياسة تحديد النسل التي فرضتها علينا قسرا العناية الالاهية. ما يفعله العجوزان الآن، هو أشبه بأفعال آلهة اليونان القديمة. إنّهما يقيمان على قمة جبل في بوزيد، كقمم جبال الأُولمب. تطبخ أمّي الشّاي على الحطب. تشرب كأسها وتوقظ أبي النائم ليشرب كأسا. تذهب هي للنوم. بعد ذلك يطهو أبي الشّاي مرّة أخرى على نفس الحطب و يشرب كأسه، ثم يوقظها لتشرب كأسا و يذهب هو للنوم...وهكذا دواليك... طيلة اليوم و طيلة الشهر وطيلة السنة... وهكذا يستمر النّسر في أكل كبد برومثيوس لينبت كبد جديد كل مرّة..."
لم يعد عبودة إلى البيت رغم أنّ الشّهيد الأوّل البوعزيزي هو من "آل البيت". من سيدي بوزيد. كان كل يوم و لشهرين متتالين، يصعد على كرسي في ساحة الجامعة و يلقي خطابا ثوريا في ما يعرف باجتماع عام عند البعض و عند سوسو وشبيهاتها ب "آ.جي". تظل صديقة عبودة أثناء الخطاب حاملة لمحفظته وجريدته المهترئة. خلال كامل الخطاب، الذي يدوم في بعض المرّات أكثر من ساعة، تظلّ تصغي إليه بانتباه و تأثّر شديدين، يشبه انتباه و تأثر متابعي خطابات لينين في الساحة الحمراء في مامضى أو يشبه انتباه و تأثر النازيين المُخلصين وهم يتابعون خطابا لهتلر بزي أعضاء الكشّافة المضحك، الذي يرتديه.
بعد إنتهاء الاجتماع العام، يدخل عبودة تتبعه صديقته إلى الكافتيريا. يدخّن سيجارة و يرتشف من قهوة نزار أو هيكل الموضوعة على الطاولة. وطبعا هذا لا يزعج أيّا منهما. وحدها سوسو تظل ممسكة بفنجان قهوتها بين يديها، حتّى تنهيها إلى آخر قطرة فيها. دون أن يشاركها في ذلك كائن من كان.
المهم في ذلك اليوم، الموافق ل14 جانفي 2011 قررت سوسو و أصدقائها، بمن فيهم عبودة الذّهاب إلى شارع الحبيب بورقيبة و التظاهر أمام وزارة الداخلية. و أنجزت ما وعدت: " بابي سوف أكمل الثورة وأعود إلى البيت!"
لم تكن سوسو وحدها من أنجز الثورة عبر الفايس بوك، ففي الواقع، قمتُ أنا أيضا وبعض الأصدقاء، بإنجاز الثورة في الفايس بوك و نحن هنا في مونيخ.
كان اليوم، يوم جمعة حين هرب الرئيس. الساعة الثالثة اشتريت بعض البيرة و اتجهت إلى منزل صديق لي في المدينة. ما أذكره الآن وبنوع من الحنين الجارف، أن صديقي كان قد فتح النّافذة على مصراعيها و أطلّ عليّ من الطابق السادس في العمارة، التي يسكنها، وهو يصرخ فرحا فاتحا ذراعيه، أمام دهشة بعض المارّة الألمان فوق الثلج:" لقد هرب الرئيس! لقد هرب الرئيس! "
قضينا بعد ذلك أنا و صديقي الوطنيّ عدّة أيام، نشتري فيها البيرة ونتّجه إلى واحدة من الحدائق الجميلة التي تملأ المدينة. نجلس على أحد الكراسي و نشرع في الحُلم. كُنّا نحلم بوطن فيه طرقات معبّدة بشكل جيّد. فيه أشجار أكثر. فيه حافلات أكثر. فيه شعب يقرأ الكتب أكثر...فيه باختصار: مارّة يتبوّلون على حيطان الجيران بشكل أقلّ.
هرب الرئيس، و لكن من أتى الآن؟ النهضة...حزب النهضة!" بل هم الخوانجيّة" هكذا جاء صوت الشّيطان من خلفي و أنا جالس إلى مكتبي أروي قصة سوسو...اللعنة هذا الكائن عنيد جدّا، وقح جدّا، أطرده للمرة الثانية من روايتي و يعود، دون رادع من حياء أو دين.
نهضت وواجهته قائلا:" يبدو أنّي سوف أضطرّ إلى طلب الشرطة، حتّى تتوقف عن إزعاجي"
كان واقفا بمواجهتي، بتلك القامة المهيبة التي يمتلكها. كانت ذراعاه متقاطعتان فوق صدره. رجلاه متباعداتان شيئا ما. كان حظوره مشحونا بالتحدّي و الإصرار حدّ الغضب. استفزّني الأمر، فقلت في عناد:" بل هي النهضة!"
قال:" هم الخوانجية!".
قلت له :"حسنا! و ماذا تريد الآن؟...ألم نتفق أنّي سوف أستدعيك، عندما أحتاجك؟ "
قال :" لو راجعت ذاكرتك قليلا، فسوف تعرف السبب، الذي دعاني مرة أخرى للتدخل في روايتك." قلت له:" ماذا تقصد؟"
قال ثانية وهو يوليني ظهره هامّا بالإنصراف:" راجع فقط ذاكرتك! وسوف تعرف سبب مجيئي! "
عدتُ إلى الجلوس وأنا أفكّر في قصده، بعد إن اختفى كلمح البصر من غرفتي. ماذا قصد الشّيطان؟ هل قصد أنّي لا يجب ان أفترض اختلافا بين النهضة و بين الخوانجية؟...هذا أمر أعرفه. هما إسمان مختلفان لمسمى واحد...هما الإثنان يصنّفان بالإسم في لوائح الإرهاب للدّول الغربية و حتّى بعض الدول العربيّة و الإسلاميّة.
آه! الآن تذكرتُ... لوائح الإرهاب...
نعم تذكرت! الآن أذكر! أذكر أني في كلّ مرة أقوم فيها بتعمير جذاذة الأسئلة المتعلّقة بلائحة الإرهاب، عندما أتّجه إلى إدارة الأجانب في ألمانيا لأمدّد إقامتي، يرد اسم النهضة في هذه اللائحة. كنت دائما ما أضع أمام خانة النهضة، أنه لا علاقة لي بهذا التنظيم أو هذه المنظّمة. و كان دائما ما يسألني الموظف أو الموظفة هناك:" بما أنّك تونسيّ... هل أنت متأكّد أنّه ليست لك علاقة بحركة النهضة؟"
لكن في المرّة الأخيرة لم تسألني الموظفة، فسألتها أنا:" اسم حركة النهضة لايزال موجودا في القائمة، فهل هي لازالت حركة ارهابية؟ و ماذا يجب عليّ أن أفعل الآن؟" فردّت باقتضاب:" بالنسبة لنا نحن لم تعد حركة ارهابية". فقلت لها في شيء من الانفعال:" و لكن الجماعة يا سيدتي! أصبحوا حقا ارهابيين أكثر مما كانوا!" أعادت نفس الاجابة المقتضبة :" هم بالنسبة لنا لم يعودوا حركة ارهابية" قلت لها باصرار:"حسنا! ولماذا يرد اسمها في اللائحة الارهابية إلى جانب القاعدة وحركة طالبان والحزب الكردستاني والاتجاه الإسلامي و إخوان مصر..." أجابت بنفس الاقتضاب مع ابتسامة صفراء:" سيدي! عُد بعد أربعة أسابيع لتتسلّم بطاقة تمديد الإقامة! "
إنّي أذكرُ ذلك اليوم.
أذكره جيّدا.
ذهبت فيه إلى ادارة الاجانب في مدينة مونيخ. كنت مصحوبا بزوجتي الألمانيّة. كان لزاما عليها أن تحضر معي داخل المكتب، رغم اننا متزوجان منذ خمس سنوات. قالت لي الموظفة :" أنت تعرف ماذا فعلت. سنضطر إلى تمديد اقامتك فقط لسنتين دون اعطائك حق الاقامة الدائمة و ستعيد الاجابة على جذاذة لائحة الارهاب"
كانت تلك المرّة الثامنة، التي أضطرّ فيها إلى القول، أنّه لا علاقة لي بالقاعدة و لا أعرف الحزب الكردستاني و لا أعرف الجماعات الجهادية بالصومال و الجزائر و العراق و سوريا و لا علاقة لي بحماس و بوكو حرام و حزب الله و نمور التاميل و لم أذهب يوما إلى أفغانستان، كما لم أتدرّب عسكريّا و لم أدرّب أنا نفسي جماعة عسكرية ذات توجه إرهابي. المهم، أنّ الجُذاذة تحتوي على أكثر من سبعين سؤالا وجب عليّ الاجابة عليها جميعها و ذلك طبعا، بعد قرائتها قراءة جيّدة متمعّنة. هذا الأمر يعود فيه الفضل إلى ابن لادن وتفجيرات 11سبتمبر، فبعض الدول الأروبية فرضت على الأجانب المقيمين بها الإجابة على هذه الاسئلة في كل مرّة يريدون فيها الحصول على تأشيرة أو تمديد إقامة. وشاهدت مرّة في التلفزيون الألماني برنامجا أمريكيّا حول التنقّل جوّا داخل الولايات المتّحدة نفسها، بعد تفجير البُرجين. كان هناك شيخا معوقا، تصاحبه عجوزه يريدان السّفر. كانت ساق العجوز تحتوي غضروفا معدنيا، زرعه له الأطبّاء.
في كل مرّة يعبر الشّيخ بوّابة التفتيش الإلكترونية، تُطلق الأخيرة صافرة الانذار. في كل مرّة يعيد شرطيّ المطار تفتيشه و نزع قطعة أخرى من ثيابه. في الأخير بقي المسكين في قطعة خفيفة من الثياب الداخلية و لم يتوقف عن الشّرح و التفسير، بأنّه لا يحمل سلاحا و إنّما يحمل غضروفا معدنيّا في رجله، الأمر الذي يثير جهاز الانذار، و لكن لمن ترتّل زابورك يا داود؟ فقد مُنع الشّيخ السبعيني المعاق من السفر جوّا.
المهم كان في المكتب الذي دخلته أنا و زوجتي، فتاة ذات ملامح صينية. كانت هزيلة، قصيرة، صفراء، خائفة... ألمانيتها معطّبة و لكن بقليل من المجهود يمكن للمرء أن يفهمها.
أنا أعترف أنّي قمت ببعض التجاوزات في حق القانون الألماني و قد صدرت في حقي ثلاثة أحكام بغرامات مالية. لكن هذه الفتاة كان تجاوزها الوحيد، أنها أحبّت رجلا ألمانيا و قرّرت السفر من بلدها البعيد لتعيش معه. كانت الموظفة تجلس أمامها و تعتصرها بالأسئلة:" متى تعرفت على هانز؟ أين تعرفت على هانز؟ هل قام هانز بخطبتك؟ هل أنت من بادرتي هانز بالحديث أم هو الذي خاطبك أولا؟ كم يبلغ عُمر هانز؟ أين يسكن هانز؟ هل تتقاسمين فراشا واحدا مع هانز، أم تنامان منفصلان؟...ثمّة أسئلة لم تُطرح و لكني تخيّلتها: هل تنامين مع هانز مرّة في اليوم أو في الاسبوع أو مرّة في الشهر؟ ماهي أوضاع الجماع التي يحبذها هانز؟ ماهو طول قضيب هانز؟
هذا ما تخيّلته و لكن ما تمنّيته هو أمر آخر. تمنيتُ أن أقول للموظفة، وهي كانت فعلا شابة ألمانية جميلة و يافعة: آنستي ! لا تفهميني على وجه الخطأ. و لكن ألا يجدر بك أن تبحثي عن شُغل آخر؟...توقفي عن العمل كصيّادة للنوع البشري...منذ ساعة و أنت تعتصرين هذه البائسة بأسئلتك من أجل جُرم غريب. جُرم، أنّها تريد العيش مع هانز.
رجال الأمن والمخابرات في العالم الثالث، ربما يضربون الأشخاص، الذين يحققون معهم و ربّما يعذّبونهم حتّى الموت، و لكنّهم يطرحون عليهم تقريبا نفس الكمّ من الأسئلة. نفس النوع من الأسئلة. أسئلة التحقيق الخانقة، التي تجعلك تعترف أنّك: اخطأت بولادتك، أخطأت بمجيئك إلى العالم، أخطأت باختيار لونك ولغتك و جنسك. أخطأت الفتاة ذات الملامح الصينية حين أحبّت هانز.
أنا حسب رأيي لقد أخطأ هانز.
و ربما تكون هذه الفتاة غايتها من هانز هو فقط الوصول إلى ألمانيا و العيش فيها. ليكُن! الخلاصة مسكين من وقع في حب هانز. خلاصة أخرى : هانز! أريد ان اقول لك شيئا ما: فلتذهب إلى الجحيم!
يُزعجني النوع البشري. يُزعجني إيذاءه للطبيعة. تُزعجني أكثر رغبته الملحّة في السيطرة عليها وإستنزافها وتلويثها. تزعجني الهواتف النقّالة و أجهزة الكمبيوتر و الصّيد الجائر و النفط الأسود الذي يلوّث البحار. ولكي أكون واضحا سأقول : ثمّة شيئا آخر يُزعجني أيضا وهو السعي المخبول للحفاظ على أناقة سلحفاة مصابة بالاكتئاب في غواتيمالا أو الملايين من الدولارات التي تصرف في سبيل مساعدة ثعبان نادر في سيريلانكا، لتجاوز مصاعبه النفسية. التطرّف سمة مُميّزة للنوع البشري. التطرّف في كل شيء. التطرّف في الأكل، في الدّين، في الموضة، في الضرائب. في بناء المراحيض المطليّة بالذّهب. التطرف في قطع رؤوس السوريين و أكل أكبادهم النيئة. التطرّف لدخول كتاب غينيس للأرقام القياسيّة بعد أكل أكثر من مائة بيضة في نصف ساعة.
تزعجني هذه الأشياء و تفرحني رؤية فيضان عارم يغرق ألف بيت ومائة كنيسة و مسجد. تفرحني رؤية حريق يدبّ في مستودع و أتمنى أن يزداد انتشاره فيبلغ المباني المُجاورة. أعاصير أمريكا وعواصف الثلج القاتلة في أروبا، تُفرحني عندما أشاهدها على التلفاز. إنتقام الطبيعة و ردّ الصفعة بصفعتين على كل خدّ، تُفرحني. يكذب الآن من يدّعي أن رؤية الكوارث على جهاز التلفاز لا تمتعه. يكذب من يدّعي انه لم يشاهد بفرح آثم خفي تسونامي اليابان و لم ينتظر السوبر غاو برغبة أقرب إلى اللذة الجنسيّة المحرّمة. كلنا نتصفح الجرائد و تشدنا قضايا القتل و الاغتصاب و سرقة البنوك والمظاهرات العنيفة والحروب، التي تخلّف القتلى و الجرحى في أرجاء المعمورة. كلنا تحتوي جيناته عنفا و توحشا لم يتطور منذ مائة ألف عام. على الأقل هذا ما يقوله علم الجينات و يصرّح به في بعض الأحيان علماء البيولوجيا.
أفلام الرُّعب و الزونمبي و الكوارث الطبيعية تحتل دائما نسبة المشاهدة الأعلى. من منّا لم تعجبه رؤية العالم وهو ينهار و الجنس البشري وهو بصدد الانقراض في فيلم "2012" ؟ ألم ننتظره بفارغ الصبر ونقطع التذاكر لنكون من مشاهدي الصفّ الأفضل في قاعات السينما؟ الأرماغيدون و عودة الموتى الأحياء، كانت تلهب خيال البشر بمشاهدها العنيفة القاتلة و كلّما كان مشهد القتل و العُنف أكثر حرفية وأرقى تقنية، كلما إزداد نجاحه و إستنفر أكثر حاسّة اللذة عند بني البشر...
أين أنت أيها الشّيطان؟ كم أنت بريء؟ كم أنت مسالم؟ و كم هم طيّبون بني جنسك؟