الباب الأول:" إبليس الأب...نجمة الصُّبح الآفلة "
في البدء كان العماء. في البدء كان الفناء. في البدء إنفجر قلب النّوى، فانبعث الزمان و المكان وإنهمر النور و كنت أنا.
أنا... من أنا؟
أنا رقصة ذرّة في أقاصى السُّدوم.
أنا حفنة غبار بحجم النجوم.
أنا الوسط و الكلّ والتُخوم.
أنا من كان و من سيكون.
أنا القلم و ما يسطرون.
أنا العقل و ما يتدبّرون.
ما شعرت به و أنا أقرأ هذه السطور، هو نوع من الإختناق و شبه غيبوبة لفّت عقلي. تمالكت نفسي بصعوبة و نهضت من فوق الكرسيّ. ثمّة كأس ماء فوق المكتب. حملتها و سكبتها في جوفي في جرعة واحدة. شعرت ببعض التحسّن و لكنّ ما زلت أحسّ بهشاشة في عظامي و إرهاق في كامل جسدي. عُدت إلى الجلوس بعد أن أبعدت كرسيّ عن كرسيّ الشّيطان.
رفع الأخير وجهه إليّ. نظر في عينيّ، فلاحظت أنّه هو أيضا مُصفرّ الوجه و قد علت جبينه بعض حبّات العرق البارد. أغلق الكتاب. وضعه تحت إبطه. و قال لي قبل أن يختفي : يكفي لهذا اليوم!
هل رأيتم رجلا أشدّ حمقا منّي؟...مالي أنا و الشياطين؟...ما دخلي أنا في كتاب الشّيطان و في ما تكتبه الشياطين؟
بعد ما يزيد عن النّصف الساعة من انصراف الشّيطان، بدأت أعود إلى نفسي. شعرت بشيء من الطمأنينية. فتحتُ جهاز الكمبيوتر. اخترت أغنية هادئة لفيروز. أشعلت سيجارة و جعلت أتأمّل الفضاء بإستمتاع. ما أروع صوت هذه المرأة. ينسكب في أعصابي قطرة قطرة. أحسست كأن الرّوح نفسها هي من تسبح في ماء الخلود.
" أنا العقل و ما يتدبّرون" هكذا قال ابن اللئيمة عن نفسه. كم هو مغرور و أبله؟ نعم أبله! و لا صلة له بالعقل. لو كان عاقلا كما يتبجّح، لما رفع ذلك التحدّي في وجه الرّب. هل ثمّة مخلوق عاقل يتحدّى الله؟ إنّ هذا هو الجُنون بعينه.
لكن ما يحيّرني فعلا، من أين له بذلك التحدّي والإصرار؟ من أين له بكلّ تلك الشجاعة؟ أنا كبشري يكفي أن يرفع بشري مثلي سلاحا في وجهي حتّى أستسلم و أعلن الطاعة...أما كتونسي، فصرخة من شرطي كافية لكي أعترف بذنوب اقترفتها في بطن أمّي. اللعنة! أنا أحسده. أنا أغبطه على صلابته وإقدامه.
يستمرّ صوت فيروز في الانسكاب رقراقا داخل عقلي. " و مليك الجنّ إن مرّ يروح..."، فيزداد انتعاشي. حسنا! فليذهب الشّيطان إلى الجحيم! ذرني الآن أنا وفيروزي وحيدا! ثمّ لن أطمع أن أزيد!
" لا تخافي يا فتاتي فالنّجوم تكتم الأخبار(...) لا تخافي فعروس الجنّ في كهفها المسحور"
أحتاج بيرة. أنا لست سكّيرا و لكني أحتاج بيرة. أحتاجها لأني لست من القوّة كي أستوعب وحيدا كلّ هذا الفرح. هذه النشوة التي تتقاطر من اللّحن و الكلمات.
و لكن من تكون فيروز؟ من يكون جبران؟ هل لهما أيضا هما شيطان؟ شيطان يعرف كيف يعصف بعقلي وبعقل ملايين البشر...شيطان قادر على إغراق الروح في لذّة لا أعتقدها توجد إلاّ في الضفّة الأخرى للجسد.
وهنا عنّ لي خاطر مجنون. سبق لشيطاني وأن قال لي أنّه يعرف الكثير من زملائه. سبق له أن رفض أن يعرّفني بشيطان السيد القمني. بدل ذلك إكتفى اللعين، بإحظار شيطان جارتي خديجة النمّامة إلى بيتي!
ماذا لو تعرّفت على شيطان ابن خلدون مثلا؟ أو شيطان ابن الهيثم؟ أو ابن المقفع؟ أو أبي نوّاس المجنون كالحريّة؟ أو شارلي شابلن العظيم؟ أنا أحبّ هؤلاء الأشخاص. ماذا لوأقنعته بذلك؟ ماذا لو أقنعته باحظار شيطان مارلين مونرو؟ أحبّ هذه المرأة. جميلة كالحلم و فنّانة مبدعة لا يشقّ لها غبار كما تقول العرب...يا إلاهي! كم سيكون ذلك رائعا؟
أنا أعرف أنّه عنيد و لئيم. لن يقتنع بسهولة. سوف أجبره. سوف أخدعه. نعم سوف أخدعه و أتحوّل إلى الرّجل الذي غلب الشّيطان و ليس المرأة التي غلبت الشّيطان على حدّ تعبير توفيق الحكيم.
إسمع اذا أيها الشّيطان! إن أنت لم تحضر لي هاته الشياطين، فلن يكون لك مكان في روايتي بعد الآن. وسوف يكون فراق بيننا لا رجعة فيه. و لتعد سوسو إلى ورقي وحبري!
" بني البشر جُبلوا على العجلة و لهذا لن يفلح مسعاهم. إنّهم لا يتعقّلون و لا يتريّثون. لو انتظرت قليلا لجاءك رزقك حتّى بابا بيتك." هكذا حدثني رأس الشّيطان وهو يطلّ من أرض الغرفة تحت قدمي مباشرة. قبل أن يخرج بكامل جسمه من الأرض و يستوي واقفا أمامي. لو كنت في ظروف أخرى لأُصبت بسكتة دماغية من الهلع، و لكنّي تعوّدت أساليب هذا الكائن الملعون.
واصل الشّيطان حديثه وهو يتأبّط كتابه و يجلس ثانية دون إستئذاني إلى مكتبي:" في القرآن يعلّم الله آدم الأسماء كلّها، ثمّ يتحدى ملائكته " أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" فتجيب تلك الكائنات الهشّة المجبولة على الطاعة و الخنوع: " سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا ...و خرّوا له ساجدين" أما أنا فلا! أيها الأبله! أنا لا أسجد. أنا لا أطيع. أنا أستكبر و أعصى. أنا أتحدّى. هل تظنّ حقا أنك سوف تجبرني؟ هل تظنّ أنّك سوف تطرد الشّيطان من رواية بعد أن طُرد من الجنّة نفسها و سوف يحزّ في نفسه ذلك؟ هل تعتقد حقا أنّ ترأسي لشخصيّات روايتك الآن أعز عليّ و أحسن من ترأسي للملائكة قديما؟ كم أنت غرّ وبسيط؟
كان الشّيطان يقول تلك الكلمات وهو يهتزّ من الغضب و التشنّج. كانت جفونه ترتعش و ريقه قد غيّر من نبرة صوته، فخرجت كلماته مضطربة أكثر منها قويّة حازمة.
ضحكت في قرارتي نفسي و أنا أشكر لسيجموند فرويد، البشريّ مثلي، دروسه النفسيّة القادرة على تفكيك شخصيّة الشّيطان ذاتها.
استرخيت في جلستي. وضعت رجليّ على سطح المكتب و عقدت يديّ فوق بطني. كنت أشبه بمدير بنك أو بمدير مؤسّسة ضخمة وهو يعتصر أحد الموظفين المساكين بلامبالته القاتلة. رميت الشّيطان الواقف أمامي بنظرة ملل إمعانا في تعذيبه. قلت بعد برهة من الصمت تعمّدتها: في الثلاجة توجد زجاجة فودكا. أحضرها و أحضر بعض مكعبات الثلج و كأسين! حديثنا سوف يطول هذه المرّة.
ظلّ برهة يحدّق فيّ مدهوشا. كان قولي بمثابة سطل من الماء البارد سكبته على رأسه. خمدت نيرانه. ولم يجد القوّة أو لنقل الرغبة للردّ عليّ. رسمت على وجهي و أنا أنظر إليه مباشرة في عينيه ما معناه: هيا أحضر الفودكا! ماذا تنتظر؟
اتّجه إلى الثلاجة بخطى المغلوب على أمره. طبعا! هي الفودكا. و من لا تغلبه الفودكا على أمره؟
إنّها صنيعة البشر. صنيعة لا تغلب الشّيطان فحسب، بل تغلب الجنّ الأزرق نفسه على أمره. أذكر أنّ جاري الألماني السيّد "شتراوس" روى لي مرّة نكتة عن الروس و الفودكا مفادها، أنّ مواطنا روسيا خرج له جنّ المصباح السحري و قال له كما جرت العادة : أيها الروسي! لك الآن منّي ثلاث أمنيّات أحققّها لك.
فرح الروسي و قال له: أريد أن أفتح حنفيّتي فتسيل منها فودكا عوض الماء.
قال الجنيّ: لك ذلك. هات أمنيتك الثانية!
حكّ الروسي ذقنه متفكّرا، ثم قال: أرأيت حوض السباحة ذاك؟ أريده أن يمتلأ بالفودكا عوض الماء.
قال الجنيّ : لك ذلك. أمنيتك الاخيرة!
كان الروسي في الأثناء قد جلس إلى طاولة المطبخ و شرع في الشراب، فرفع له عينين محمرّتين من الفودكا و قال بلهجة غاضبة: أنت مزعج! هيّا ضع زجاجة فودكا على الطاولة و اغرُب عن وجهي!
و مرّة رأيت رسمة معبّرة في الانترنات لأحد التونسيين الأشقياء. صورة زجاجة فودكا يشير سهم إلى ثلثها الأوّل و قد كُتب إلى جانبه: مرحلة النشوة و الإستمتاع بالأغاني.
الثلث الثاني: مرحلة مهاتفة الأصدقاء و النُطق بالحكم و العبر.
الثلث الثالث و الأخير من الزجاجة و من اللّيل: مرحلة البكاء و الإعتراف بأن الحياة قاسية و لكنّها أيضا جميلة.
سوف تمرّ يا صديقي الشّيطان بهذه المراحل و لن تفلت من الإعتراف...مسكين أنت! لُعبتك جاءت مع التونسيين.
في أحد الكتب الصفراء قرأت مرّة، أن إبليس الأب يجتمع بذريّته كل يوم في مكان ما بعيد خلف البحار. يحاسب كل واحد منهم على حدة و يسأله السؤال العسير: بماذا أغويت صاحبك البشري اليوم؟ فمن نجح في دفع صاحبه إلى فعل الشر، فإنه يحضى بعبارات الشُّكر و الثناء من الأب و أما من التزم صاحبه بطاعة الله و رسوله، فإنّه يعود ملوما محسورا.
عندما جلس شيطاني وفتح كتابه، تمنيت أن أرى حقا هاته الشياطين، السعيد منها و البائس أيضا وأدخل معها في حوار طريف. حوار حرّ و منطلق. بعيدا عن الأب المتسلّط و محاكماته الظالمة لأبناءه المساكين، الذين دفعوا دفعا إلى اتخاذ اغواء بني البشر كوظيفة، لم يختاروها و لم يقرّروها. أنا أعرف أن أصعب شيء على المرء، سواء كان انسيّا او شيطانا أو حتّى جنيّا، أن يُجبر على عمل لا يريده أو لم يختره.
كان شيطاني يتصفّح كتابه، بعد أن فتح قفله السحري بإصبعه، ثمّ رفع وجهه و ابتسم لي ابتسامة ذات مغزى، عرفت فيها، أنّه لم يتخلى عن عادته القبيحة. قراءة أفكاري. لا يهمّ. لم يزعجني الأمر كثيرا. على العكس سوف استغلّ الآن موهبته لصالحي. قلت له بعد ذلك: أنا أريد بعضا من الصودا مع الفودكا وشيئا من الليمون. طعمها لوحدها يقرفني. أنا من أهل البيرة وهذه الزجاجة هي فقط من أجلك. قال: شكرا! و لكنّك تنسى دائما أني شيطانك. يعني أنّه لنا نفس المُيولات. حسنا سوف أُحضر الصودا والليمون لكلينا.
نفس المُيولات! أنا و الشّيطان؟! اللعنة!
الكأس الأولى قرعناها على نخب إقصاء الأب ـ إبليس الكبير المتسلّط ـ من جلستنا.
الكأس الثانية قرعناها و نحن ننظر مباشرة في عيني بعضنا البعض، كما تستوجب طقوس الشراب، التي يجهلها أغلب سكيّري الوطن و ذلك على نخب صوت صباح فخري "هات كؤوس الرّاح و اسقنا الاقداح".
الكأس الثالثة، قررّت أنا و شيطاني أن نتمرّد على الأب المتمرّد نفسه. سوف نتمرّد على سلطته كما تمرّد هو على سلطة الرّب. سوف نتحدّاه و لن نسجد لأوامره و قراراته. سوف نأبى و نستكبر ونستدعي أبناءه من الشياطين من كتابه و ليطردنا من جحيمه كما طرده الله من جنّته.
شكرا لك أيتها الفودكا! شكرا لك فرويد!
في بادى ء الأمر استسلم شيطاني لأفكاري، التي كان يقرؤها و التي أردت له في الحقيقة أن يقرأها. كنت أعلم أنّ تلك الطريقة في اقناعه أنجع من محاورته مباشرة، و لكنه بعد ذلك أبدى نوعا من الاعتراض، اذ قال لي بغتة: أنا لست خائفا من إبليس الأب، و لكنّي أشعر بشيء من الضّيق. كتابه هذا الذي بين يدي أو لنقل بين أيدينا، هو أمانة ضخمة. ما يراودني الآن هو إحساس بالخيانة لهذه الأمانة. أنا قد أكون شريرا و وسواسا خنّاسا و لكنّي أرفض خيانة الأمانة!
قلت له دون تردّد: أنت لا تخون الأمانة. أنت تسعى في سبيل المعرفة. في سبيل العقل. أليس الأب نفسه من قال "لا" و أعلن بذلك بداية الشكّ و بالتالي بداية اليقين و بداية العقل. أنت فقط تتبع خطى أبيك. أنا على يقين أنّه سوف يكون فخورا بك...سوف يقول في قرارة نفسه كما قالت العرب قديما: "هذا الشبل من ذاك الأسد"
تململ الشّيطان في جلسته و سكب لنفسه كأسا أخرى من الفودكا و أراد أن يردف اعتراضا ما، ولكني
كنت أعرف أنّ الحديد لايزال حاميا و ما عليّ إلاّ أن أواصل الطرق حتّى يلين، فقلت: هل تعرف معنى الأمانة؟ طبعا لا تعرفها! أو لنقل تعرفها في معناها الأخلاقي البسيط. سوف أفسّر لك معنى الأمانة أيّها الشّيطان! الأمانة هي أن تُحافظ على جهلك و تعرقل مسيرة العقل و العلم. ألم يترك أرسطو علم البصريّات الخاطىء أمانة عند أتباعه، إلى أن جاء ابن الهيثم و خان هذه الأمانة و أصلح هذا الخطأ. وفتح بخيانته تلك طريق العقل الصحيحة. ألم يترك هيغل أمانة الفلسفة الجدلية تمشي مقلوبة على رأسها إلى أن جاء ماركس و خان الأمانة و أعادها لتمشي على رجليها. أمانة أخرى أيها الشّيطان! أليست أجساد الموتى أمانة؟ أليست المقابر أمانة؟ لو لم ينبشها ابن سينا و شرّح أولئك الموتى لظلّ العقل في قبره ميّتا مع أمانته...
قاطعني الشّيطان وقال: يكفي! يكفي! سوف نخون الأمانة و كفى.
ذكّرني الشّيطان و هو يفتح كتابه و أمانة أبيه بشخصيّة مصطفى سعيد في كتاب موسم الهجرة إلى الشمال للطيّب صالح وهو يقول في نفسه لإحدى النساء، التي أغواها وهو يحملها إلى الفراش: أنت الآن قد وقعت. كان بإمكانك الإعتراض منذ البداية. كان بإمكانك الرفض من الأوّل. و لكنّك تأخرتي سيدتي! قرابي فارغة و سهمي مشدودة و لابد لها أن تنطلق. أنا الآن على حافة النهر و يجب أن أشرب...
تأخرت أيّها الشّيطان! و لابد أن ينطلق السهم.
الشيطان الاول:
إنفتح الكتاب بين أصابع الشّيطان. جعل يمرّر الأوراق متجاوزا تلك الصفحات التي يتفاخر بها إبليس الأب بنفسه و يمدحها و التي أشعرتنا في ما مضى بعدم الإرتياح ، و لكنّها سرعان ما أفلتت من سيطرته و جعلت تتوإلى بسرعة شديدة و كأنّ ريحا عاتية تقلبها. بعد برهة استقرّت على صفحة ما. غادرت الحروف السوداء مواضعها و طارت في فضاء الغرفة كسرب من النّحل الغاضب. اجتمعت مع بعضها البعض و شكّلت شيئا فشيئا، ما يشبه الجسم البشري. الرأس الجذع الكتفين اليدين الرجلين. و فجأة استوى أمامنا شخص ما. استوى خلقا سويّا. واقفا أمامنا طويلا عريضا مهيبا. لم نشعر بالخوف، أو على الاقل لم أشعر به أنا. عوّدتني هوليود على ألاعيب السّحر و الخدع السينمائيّة. قطع ذلك الشخص بعض الخطوات في الغرفة جيئة و ذهابا. نظر إلينا نظرة سطحيّة عابرة. ما شدّ انتباهه هو زجاجة الفودكا على سطح المكتب. حملها. قرّبها من أنفه. شمّها، ثمّ أرجعها إلى مكانها. قال بعد ذلك و كأنّه يحادث نفسه: خمرة الرُّوسة الرّهيبة! لم يعرني أنا و شيطاني أيّ إهتمام، رغم أنّنا كنّا نكاد نفترسه بأعيننا و الدهشة جعلت من أفواهنا مفتوحة كأفواه الاسماك الميتة.
الغريب في هذا الكائن ليس أنّه من الحروف. و ليس أنّه خرج من كتاب، هذا أمر كنّا نتوقّعه من كتاب الشياطين، بل سعينا إليه. الغريب في هذا الشخص حقّا هو زيّه. كان يرتدي بدلة غاية في الأناقة، يبدو أنّها من أغلى ما بيع في العشر سنوات الأخيرة في البلد. ربطة عُنق ماركة دولشي و غابانا. ساعة سويسرية ـ يعلم الله وحده ـ ثمنها. نظارات شمسية سوداء فاخرة. جهاز كمبيوتر محمول نوع سوني فايو. هاتف خلوي من نوع آي فون آخر صيحة. اللعنة! من يكون هذا المخلوق؟ و كيف له أن يطلع علينا من كتاب إبليس؟ لابد أنّ هناك خطأ ما. كان يحمل أيضا كتاب كبيرا في يده. حاولت أن أتبيّن عنوانه و لكنّه كان مخفيّا تحت ذراعه، فلم أر إلاّ حرف الميم المُذهّب.
عيل صبري! فقلت له في شبه تحدّ: لو تكرّم علينا السيّد المحترم و أخبرنا من يكون، سوف يكون ذلك أمرا لطيفا و رشيقا من جانبه.
ابتسم ابتسامة عريضة واثقة، أطلّ من تحتها صفّ من الأسنان ناصع البياض، و لكنّه أيضا حادّ لامع كأسنان شيطاني.
لم يجبني، بل إكتفى بوضع كتابه الضّخم فوق المكتب. و هنا تمكّنت من قراءة العنوان. ما أحسست به هو شيء أبعد من الدهشة بمراحل. شيء أشبه بمزحة ثقيلة لا تُصدّق. أعدت قراءة العنوان و نظرت في وجه شيطاني، فكان هو أيضا منكبّا على قراءة العنوان ثمّ إعادة قرائته. رفعنا عُيونا متسائلة للشخص الواقف أمامنا و الذي شرع الآن في كتابة شيء ما على جهاز هاتفه.
كان عنوان الكتاب هو" مقدّمة ابن خلدون".
من أنت؟ انطلق هذا السؤال من حلق شيطاني، لأن حلقي أنا قد جفّ تماما.
بلا مبالاة جاءت الإجابة:" شيطان العالم العلاّمة إمام عصره و إمام كلّ العُصور، المغفور له عبد الرحمان بن خلدون".
ضربتُ دون أن أشعر سطح المكتب بقبضة يدي و أنا أهبّ واقفا و أصرخ:"ما هذا العبث؟!"
بهدوء و ثقة رفع الشخص عينيه عن هاتفه و وجّه إليّ نظرة أحسست تجاهها بنوع من الرهبة، بنوع من الخوف الممزوج بالإكبار و التّقدير. أحسستُ تجاهها بالشغف و الوجل و كأنّي أدخل حضرة قدّيس أو وليّ صالح. أحسست تجاهها بما لا أدري. أحسست أنّه يجب عليّ أن أجلس و أعتذر عمّا بدر منّي. جلستُ. خفضتُ بصري كما يخفض تلميذ مطيع بصره أمام السيّد المدير أو مُريد في حضرة شيخه الصوفيّ الجليل، ثمّ لُذتُ بالصّمت المُطبق.
أنهى شيطان ابن خلدون كتابة رسالته الهاتفية. أغلق جهازه. وضعه في جيبه. قال بعد ذلك: حسنا أيّها السّادة! أنا أفهم دهشتكم و إستغرابكم و لكن سلوني فأجيب. هي تلك قوانين اللُّعبة!
كان شيطاني هو من بادر بالسؤال: هل أنت حقا شيطان ابن خلدون؟ و هل أغويت صاحبك؟
قال شيطان ابن خلدون: أنا لست صاحبه. هو سيدي! هو معلّمي و إمامي! قد أكون أغويته في صباه الأوّل و لكنّي توقفت عن ذلك و أنا أرى العقل، عقل هذا الرّجل يتطوّر و يكبر و يُبدع. عقل صرت مع الايّام أسجد له حبّا و شغفا. أُسبّح له إجلالا و تقديرا بُكرة و أصيلا.
قلت له: ولماذا هذا الزيّ؟ لماذا لا ترتدي جُبّة و عمّامة مثلا؟ و ذلك على الأقلّ لتكون أشبه بإمامك كما قلت...
قال شيطان ابن خلدون: أنا فعلا أشبهه في ملامح وجهه و في هيئته من حيث القامة و عرض الكتفين. يعني بالضبط كما يشبهك شيطانك أنت. الاختلاف الوحيد أنّه هو بشريّ و أنا شيطان. أمّا لماذا هذا الزيّ المعاصر و لماذا هذه الأشياء الحديثة من هاتف و كمبيوتر و ساعة و غيرها؟ فأنا أرى فيها وفاءا لروح سيّدي و إمامي. سيدي عالم التاريخ و مؤرّخ العالم. سيدي الذي يؤمن بأن التاريخ صيرورة و تقدّم وتطوّر. سيدي الذي يعرف أن العرب، الذين أكلوا الطنافس في إيوان كسرى عندما دخلوا بلاد الفُرس، هم أبعد الأمم عن الحضارة و عن العمران. في زيّ هذا وفاء لعقل رجل لو بقي حيّا حتّى أيامنا هذه، لأصلح الكثير من الأشياء في كتاب قصّة الحضارة لوال دورانت، الذي استغرقت مدّة كتابته ما يزيد عن العشرين عاما أو لشغل مثلا منصب مدير الموارد البشريّة في شركة ميكروسوفت.
ابن خلدون هو من قال: " وعالم التكوين ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان بحيث يتصل آخر أفق المعادن بأول أفق النبات ويتصل آخر أفق النبات بأول أفق الحيوان ... ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد لأن يصير أول أفق للذي بعده... واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه حتّى انتهى إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والادراك ولكنه لم ينته إلى الرويّة والفكر أوّل أفق الإنسان من بعده..."
هذا الكلام قاله سيدي قبل داروين بقرون عديدة. فكيف لا تريدني أن أرتدي هذا الزيّ؟ كيف لي أن أفي و لو قليلا لرجل أدرك التطوّر و فسّره بهذه الطريقة؟
أفحمني الشّيطان و لكنّه أثار في نفسي أيضا شغفا و شوقا و قدح شُعلة من الحُبّ لمزيد من المعرفة. أنا الآن لست في حضرة عالمنا الجليل ابن خلدون و لكنّي في حضرة شيطانه. شيطانه الذي ولد معه ولازمه طيلة حياته وهو يعرف قطعا الكثير مما يعرفه سيّده.
سكبت لنفسي و لشيطاني كأسا أخرى من الفودكا و مزجتها بشيء من مشروب الرّادبول العتيد، كنت في الحقيقة أخفيه لنفسي. و لكن لا يهمّ. الجلسة بدأت تأخذ منحا جميلا و رائقا و بعض الكرم لن يُضير و لو كان حتّى مع الشياطين.
هممت بطرح سؤال آخر على شيطان العلاّمة، و لكنّ شيطاني سبقني مرّة أخرى. أنا في الحقيقة احترت في هذه الكائنات. هل أحبّها أم أكرهها؟ كنت أنا من حان دوره لطرح أسئلته. انهم في بيتي وفي غرفتي، و من حقي على الأقلّ أن أحظى ببعض المجاملة، كأن أتحدّث أكثر منهم مثلا.
" و ما رأي ابن خلدون في الوطن؟" ذلك كان سؤال شيطاني اللعين.
قلت في نفسي: يال خيبة المسعى! و يال ابن اللئيمة هذا! سيفسد الجلسة بحكايا الوطن كالعادة، و لكن ما أذهلني أنّ شيطان العلاّمة لم يُبد أيّ انزعاج. العكس هو ما حدث. إتّخذ مقعدا إلى جانبنا و قال: بمناسبة الحديث عن الوطن، هل توجد بيرة؟ خمر لا أريد! إنّها خمرة رديئة و سوف تفسد ليل السكارى البريء، كما قال الشاعر أولاد أحمد. يا حسرة على خمور تونس و الاندلس قديما! لقد كانت أجود أنواع الخمور في العالم. لقد اعتديتم على كلّ الثقافات في هذا الوطن، حتّى ثقافة الخمر أسقطتموها بجهلكم وعنجهيتكم. المهم! أريد الآن بعض البيرة الوطنيّة.
حلّقت من فوق مقعدي إلى الثلاّجة و جلبت زجاجتين في نفس الوقت. وضعتهما أمامه. انبسطت أساريره و إبتسم لي إبتسامة شُكر. لماذا زجاجتين؟ طبعا هو شيطان تونسيّ. شيطان ابن خلدون التونسي، الذي يجب أن توضع زجاجتين أمامه، حتّى تتمّ شروط جلسة البيرة التونسيّة. و إلاّ فأنت لست تونسيّا و لا تعرف تونس!
ارتشف شيطان العلاّمة من البيرة بجلال. لم يحدث صوتا. بل كانت رشفة أنيقة. فجأة رنّ هاتفه الخلوي. أخرجه من جيبه. قرأ إسم مُخاطبه. نهض و إعتذر قائلا: يجب أن أجيب. وقف في زاية الغرفة وانطلقت محادثة بلغة غريبة لم أسمعها قط في حياتي. بدت لي لغة غير أرضيّة أو على الاقل غير بشريّة. مخارج الحروف و الأصوات كانت غريبة جدا. أنهى شيطان العلاّمة محادثته و عاد للجلوس. نظر في عيوننا وقرأ فيها علامات الفضول الشديدة، فابتسم وقال: إنّه إبليس الأب! يسأل عن أحوالي و يريد أن يطمئن على كتابه. قلت له إنّ كتابك مع أناس شغوفين بالمعرفة، فلا تخشى شيئا.
فكّرت في نفسي: إنّ إبليس الأب نفسه يحترم شيطان العلاّمة و يقدّره.
قال لي شيطاني: أكيد! و نحن الآن محظوظين بالجلوس إليه. رغم قلق الأب على كتابه و ربّما غضبه علينا شيئا ما، و لكنّنا نجونا بحماية شيطان العلاّمة لنا.
قال شيطان العلاّمة: إذا، سألتوماني عن الوطن؟...حسنا! ما يعانيه الوطن هو اضطراب تاريخيّ، اضطراب في العقل و في روح الإنسان الذي يسكنه. ثمّة نقاط مضيئة لا يسعنا أن ننكرها في سيرورة زمان الوطن، و لكنّ الظُلمة شديدة و تحيط بالجميع و من عديد الجهات.
تاريخ الوطن مضيء برجالات و نساء لا ينساها إلاّ جاهل ولا يتناساها إلاّ لئيم. تاريخ الوطن مُضيء بحنّبعل أعظم جنرالات التاريخ، بماغون صاحب الثماني و عشرين مجلّدا في علم الفلاحة و الزارعة وتقطير العنب، مُضيء بالمعز لدين الله الفاطمي صانع قلم الحبر، مُضيء بالسيّدة منوبية الورتاني أوّل محامية و قاضية في التاريخ، مضيء بوحيدة بالشيخ أول طبيبة عربيّة، مضيء بعلّيسة و الكاهنة وعزيزة عثمانة. تاريخ الوطن هو تاريخ أوّل عاصمة في تاريخ البشرية: قفصة ، ثم أوتيك فقرطاج. تاريخ الوطن هو القدّيس أغوسطين و ابن رشيق و مالك بن أنس و الطاهر بن عاشور و بيرم الخامس وخيرالدين باشا وقابادو والحبيب بورقيبة و فرحات حشّاد و أبو القاسم الشابي.
تاريخ الوطن هو إمامي و شيخي ابن عرفة و كذلك نسل أفكاري أحمد بن أبي ضياف، ذلك الرّجل الذي ولد بقلب حُرّ و فكر ذا بأس لا يلين، ذلك الرّجل الذي رفض أن يقبّل يد الباي في قصره و رأسه و رأس أبيه كان يمكن أن يكون لهما حدّ السّيف.
هذا بعض تاريخ الوطن أيها السادة والقائمة تطول! تاريخ الوطن هو سيدي و شيخي و إمامي العالم العلاّمة عبد الرحمان بن خلدون، الذي ظهرت مقدمته للناس بعد أن مات بثلاثة مائة عام!...تاريخ الوطن هو" و كما قد قتّلونا و كما قد شردونا...سوف نعود غزاة لهذا البلد"
سكب شيطان العلاّمة ما تبقى من قارورة البيرة في جوفه. أخرج منديلا أنيقا و مسح طرف شفتيه من الرغوة التي علقت بها. كنت في الأثناء أُنصت إليه بشغف. ذلك كان ما يفعله شيطاني أيضا و لكن مع نوع من الوله. ذلك الوله الذي يمكن أن تراه في عينيّ مراهقة تشاهد مغني بوب شهير وهي ترفع قدّاحة أو شمعة مشتعلة. لم أتمالك نفسي و ضحكت من شيطاني. تفطّن لي اللئيم و قال لي في همس:"أبله!". لم يُعرنا شيطان العلاّمة إهتماما. قال بعد برهة: أتعرفان ما هي رغبتي الآن؟ أن أُجالس شيطان العالم الفذّ ابن الهيثم..."
ابن الهيثم...أكثر العلماء الذين أجلّهم و أقف بحضرة عقله، كما يقف المرء وجلا مرتبكا أمام حضرة شيخ صوفيّ أو في مقام وليّ صالح. يراودني إحساس و أنا أقرأ ما كتبه هذا الرّجل، أنّه عليّ أن أنزع نعلي قبل أن أتصفّح كتبه و أقف على أعتاب أفكاره.
ابن الهيثم أراد أن يجعل من نهر النيل يمدّ مصر كلّها بالخضرة و الحياة، سواءا في فيضانه أو في انحساره. رجل لو أتيحت له آلات الحفر الحديثة في ذلك الزمان لقام بثورة زرقاء. ثورة مائية تجعل من الأبقار ترعى عشبا أخضرا في قلب الصحراء.
"الثورة الزرقاء" هو في الحقيقة عنوان لشريط وثائقيّ أنتجه الألمان بعد ثورتنا التونسيّة بأيّام قليلة. في هذا الشّريط الذي شاهدته على اليوتوب، تقترح كوكبة من العلماء الألمان برنامجا مائيا في تونس و في شمال إفريقيا بأسرها يمكن له أن يجعل من أرضنا جنّة خضراء يانعة...برنامجا لا يختلف كثيرا عمّا اقترحه ابن الهيثم منذ ألف عام.
يقترح العلماء زرع نوع من النّبات يعيش على إمتصاص الملح من ماء البحر و مدّ شط الجريد بشبكة من الأنابيب لسقي الأراضي المحيطة به. في النّهاية و تجاوزا للتفاصيل، ما اقترحه الألمان هو تحويل الغطاء النباتي في الصحراء التونسيّة و بالتالي تحويل وجهة الطقس من الجاف الحار إلى طقس آخر مُمطر و مُخصب للأرض. هذا طبعا إضافة إلى مدّ شبكة من السكك الحديدية بيننا و بين أروبا لتبادل البضائع و سفر الأشخاص، يشبه ذلك الذي يربط فرنسا بانجلترا عابرا بحر المانش. كان برنامجا للثورة الزّرقاء، و لكن ما حصل بعد ذلك، أنّ السياسيين في بلدنا، قد تركوا في أجسادنا كدمات زرقاء. أو كما يقولوا التونسيّون" أردنا أن نقوم بثورة زرقاء فزرّقوا لنا عيوننا".
هل أنا رجل وطنيّ؟ طبعا لا! أنا فقط رجل حالم في أرض الكوابيس. أنا رجل يجالس الشياطين.
سكبت كأسين أخرتين من الفودكا لي و لشيطاني. أعاد شيطان العلاّمة إخراج "أيفونه" و أرسل عبره رسالة ما. في الأثناء فتح شيطاني كتابه مرّة أخرى. تقلّبت الصفحات متطايرة إلى أن استقرّت على صفحة ما، و كما في المرّة الأولى حلّقت مجموعة من الحروف السوداء في فضاء الغرفة كسرب من النّحل الغاضب، ثمّ اجتمعت لتشكّل هيئة رجل ضخم. رجل يرتدي عمّامة و بُرنصا من الصّوف شديد البياض. يحمل بين يديه كتابا ضخما و مجموعة من الأوراق رُسمت عليها خرائط و مجموعة من الخطوط تشبه الأنابيب، كما رُسمت عليها أيضا بعض الحروف و الأرقام و الرُّموز. كان الرّجل يضع على عينيه نظارات طبّية و قد علت وجهه لحية سوداء بيضاء مهذّبة مشذّبة غاية في الأناقة.
بصوت جهوريّ عميق حيّانا شيطان ابن الهيثم. وقف شيطان العلاّمة بعد أن أرجع هاتفه إلى جيبه. صافحه ثمّ عانقه و بعد ذلك جلب كرسيّا و أجلسه إلى مجلسنا.
إقتحرتُ على الوافد الجديد قارورة بيرة. فقال شاكرا:" كل ما أريده كأسا من الماء الباردة، فأنا عطشان منذ ألف عام!"
كان له ما أراد. و لكن لم أكن أنا من أحضر له ذلك، فشيطان العلامة بعد أن استئذنني بأدبه الجمّ، أخرج "تابلاته". رسم عليها كأسا من الماء. أدخل يده خلف الشاشة و جلب منها بطريقة سحريّة عجيبة، سبق أن رأيتها في عُروض الإعلانات للأيفون و التابلات، كأسا حقيقيّة مترعة بماء معدنيّ تونسيّ. شرب شيطان ابن الهيثم، ثمّ قال: أنتم تتجادلون حول الوطن على ما يبدو؟..
قلت أنا و شيطاني في صوت واحد: نعم!
قال :" وطني كل الأوطان...وطني هيجان البرق في الهيجان..وطني رقصة بركان...وطني سيجارة وعطالة و دُخان...وطني نفس وآخر النفس و أمامك قضبان...وطني أن يجتمع القيصر بالميسر وكواعب مقصورات الطرف حسان...وطني ان يجتمع العلم ومواطن كادح يُقال له عُثمان...وطني أخطأ فيه عثمان و لم يخطأ فيه القيصر..لأنّ القيصر كان سكران!...( الابيات مقتبسة من قصيدة الشاعر التونسي الشاذلي القر واشي بتصرّف...عنوان القصيدة "عثمان البسيط")
طربت أشدّ الطّرب لهذه الأبيات و حزنت كذلك. الأمر نفسه أتاه أيضا الشّيطانان. صفّقا و سالت من مآقيهما دمعة حمراء بلون الدّم. نزع شيطان ابن الهيثم بعد ذلك عمّامته، فانسدل شعر طويل أسود غزير على كتفيه. للحظة انبعثت من عينيه نظرة طويلة خاوية. نظرة مربكة تاهت في الفضاء. شعرت بالخوف و الحزن. إنّها نظرة المجانين المعروفة. نظرة تغوص فيها الروح عائدة إلى بؤبؤ العين وتختفي، فيختفي معها إحساسك بعقل المرء. أنا أعرف أنّ ابن الهيثم نفسه، ادّعى في فترة من حياته الجنون لينجو من عقاب خليفة مصر، بعد أن فشل في مشروع النّيل، و ظلّ حبيسا في بيته لا يغادره.
كانت قارورة الفودكا قد بلغت هزيعها الأخير. أنا أعرف بحُكم الخبرة، أنّ الجلسة ستدخل في مرحلة البكاء، و هذا ما لا أريده الآن. أن أبكي مع الشياطين هذا الوطن!
فجأة خطرت لي فكرة. ماذا لو اقترحت على الشياطين، أن تغادر الآن؟ فغدا هو أيضا نهار آخر، وهناك شمس جديدة سوف تُشرق و تُذيب الأحزان أو على الأقلّ بعضا منها.
قلت للشياطين، بعد أن أطلقت حمحمة أو حمحمتين من حنجرتي، حتّى يكتسب صوتي بعض الجدّية والحزم: يا جماعة! ماذا لو رفعنا جلستنا الممتعة هذه إلى يوم الغد، فأنا أعتقد أنّ إبليس الأب قد يستدعيكم إلى ما وراء البحار، ليجتمع بكم و يسألكم كيف كان يومكم؟
ضحكت الشياطين في صوت واحد و انبعثت منها قهقهة عالية رجّت أركان الغرفة. شيطان ابن الهيثم نفسه، الذي كان منذ حين غارقا في حزنه و جنونه. إبتلّت عيناهُ بدموع الضّحك. أعاد ارتداء عمامته.
لملم خرائطه و أعاد وضع كتابه تحت إبطه. نهض و صافحني و قال متجها بالحديث للشيطانين الآخرين: بشريّ طريف!
اختفت الشياطين دفعة واحدة، كما يختفي برق شقّ للحظة كبد الظلام. ما بقي هو رُبع زجاجة فودكا وقارورتين من البيرة الفارغة و ابتسامة بلهاء عالقة بشفتي.
يمكن للشياطين، أن تكون مخلوقات طريفة و لكن ينقصها شيء مهمّ. ينقصها أمر، لا أستطيع أن أتحمّله كرجل. تنقصهم أنثى. لا وجود لامرأة بينهم. كلّهم ذكور و أنا بصراحة مللت جلسات الذكور هذه. حين تغيب الأّنثى عن جلسة ما، فثق أن تلك الجلسة المشحونة بهورمون التيسترون، هي جلسة مملّة مكفهرّة جافة. جلسة عطش ذكوري عنيف لن يرطّب جلدته القاسية إلاّ ماء أنثويّ لطيف. لماذا لا يجلبون معهم امرأة هؤلاء الملاعين؟!...سوف أقترح عليهم ذلك المرّة القادمة، أو فليذهبوا إلى الجحيم!
أذكر جلسات الذكور في حانات تونس. إنّهم يبدون وكأنهم فرقة داعشيّة تشرب السلتيا في بار حمّادي. مرّة وهي حقا من المرّات النادرة التي عشتها في البلد، رأيت في بار الطّاوس زنجيّة ضخمة تجالس مجموعة من الرّجال حول قارورة مرناق حمراء في زاوية. رغم أن تلك السيّدة مسترجلة الهيئة شيئا ما، إلاّ ان الطاولة التي كانت تجلس إليها، كانت من ألطف الطاولات في الحانة. الرجال حولها يحادثونها ويضحكون لها والكلّ يسعى إلى ملاطفتها بطريقته. و هذا ما حوّلهم إلى ذكور لطفاء دون حتّى أن يشعروا. أن تغيب المرأة يعني أن يغيب الفرح و يتراجع اللّطف. كانت المرأة في العهد البورقيبي الأوّل تملأ المقاهي و المطاعم والحفلات. كنت تجدها في قاعات المسرح و السينما و حتّى في ملاعب كرة القدم. هناك صورة رأيتها في الفايس بوك، فيها جمهور رياضي يرتدي ربطات عنق و أحذية لمّاعة وكساوي عصرية. و سمعت أن امرأة في ذلك الزمان باعت مصوغها لتحضر حفلا غنائيا لأمّ كلثوم.
السؤال الآن، أين ذهب أولئك التونسيّون؟ أين ذهبت تونس؟ أين ذهب الوطن؟
الآن تجد في البرلمان التونسي رجالا بالجبّة و بلحى طويلة، يُفتون بقتل المعارضين و تكفيرهم. تجد نساءا بالحجاب لا يصافحن زملائهم في المجلس التأسيسي لأن ذلك حرام في الدين. تجد كوادر حزبيّة من الشيوخ و الأيمّة يرسلون بناتنا لجهاد النكاح في سوريا. أنا لا أصفي حسابا مع الخوانجية في هذه الرواية. أنا فقط أكرههم! أكرههم جدّا و ليحاولوا جهدهم كي ينتقموا مني...أنا لا أخشاهم! بل بي رغبة أن أتبوّل على قبورهم. وفي الأخير هذه روايتي و هذه بنات أفكاري و أنا حرّ بما أفعله بهنّ. أو كما قال أستاذي الفذّ في جامعة منوبة محمد لطفي اليوسفي" هنّ بنات أفكاري و أنا أزوجّهن من أشاء" أحبّ من أحبّ و كره من كره.
المهم الآن، على الشياطين أن يُحضروا معهم نساءا، و إلاّ لن يدخلوا غرفتي مرّة أخرى.
ذهبت صباحا إلى الجريدة. لم أذهب إلى مقرّ عملي منذ أسبوعين. إن تواصل الأمرعلى هذا النحو فسوف يتمّ فصلي. و في الحقيقة كانت فرصة لكي أعود شيئا ما إلى الواقع. هذه الشياطين الملعونة فصلتني فعلا عن واقع الحياة و النّاس. كنت في الحافلة أخوض رحلتي الجهنّمية اليومية إلى مقرّ الصحيفة. في الحافلة لا يدوس الركّاب فقط حذائك سهوا، بل يدوسون رأسك و يسرقون محفظة جيبك وإن كنت إمرأة فإنهم يلتصقون بمؤخّرتك و يغتصبونك دون أن ينزعوا عنك ثيابك. و إن تمكّنت من قراءة جريدة على كرسي تحصلت عليه بمعجزة. معجزة أشبه بمعجزة النبيّ يونس وهو يخوض عباب البحر جالسا أو مقرفصا في بطن الحوت، فإنّ الجالس إلى جنبك يقرأها معك، هذا إن كان متأدبا شيئا ما، و لم يمنعك من تغيير الصفحة لأنه يريد أن يواصل القراءة.
فجأة تفطنت إلى أنّ هناك مشكلة صغيرة. ليس لي ما أقدّمه لرئيس التحرير! لم أكتب حرفا منذ أيّام. دفعت الواقف أمامي في الحافلة بمرفقي. أخرجت قلم حبر. أخرجت قطعة ورق تشبه ورقة المديونية عند بائع المواد الغذائية. ألصقتها بالبلور الجانبي للحافلة وخططت عليها:
حظّك اليوم ـ برج العذراء.
الحبّ: يلتقي كوكبك مع كوكب عطارد و ينعكسان عموديا على الأرض، ما يعني لك حبّا جدّيا في المنعطف القادم من حياتك. فقط كن أكثر تسامحا و تقبّلا!
العمل: بعض الصعوبات مع رئيسك في العمل و لكنّها سحابة صيف عابرة. تزول قريبا. هذا إن لم تتم إزالتك أنت من العمل.
المال: ضائقة قد تدوم بعض الأيام أو الأسابيع أو الأشهر...أو إلى الأبد حتى يرثها إبنك فحفيدك.
الصحّة: توقف فورا عن التدخين و الكحول! و ان لم تكن مدخّنا، فسارع بالركض قبل ان تصاب بالسكّري و النقرس و الجذام و الغدّة الصفراء و تصلّب الشّرايين التاجيّة.
آه تذكرت... اللعنة! هذا ما كتبته بالضبط في الأسبوع الفارط للعذراء. يجب أن أغيّر إسم البُرج. حسنا فلأجعله برج السرطان. أما ما كتبته له، فسوف تحظى به العقرب هذا الأسبوع.
رئيس التحرير الجديد لئيم و قد يتفطّن إلى ذلك. وهو أيضا لن يكتفي بأبراجي لهذا الأسبوع. ماذا عليّ أن أفعل؟
قبل أن أدخل إلى مقرّ الجريدة سوف أستنبط قضية أنشرها في ركن صدى المحاكم. أنا أعرف أن هذه الأشياء هي ما يفتح لنا سوقا في جيب المواطن التونسي. هي و كرة القدم. و هذا أيضا ما تدفع في مقابله الجريدة أجرا. الباقي يمكن لك أن تنسى، بكلّ طمأنينة، كصحفي أن تنال مقابله أجرا.
و لكن يجب عليّ أن أحذر. في المرّة الفارطة بعد تلك المقالة، التي كانت من وحي خيالي و التي تجري أحداثها في مدينة باجة حيث قتلت زوجة زوجها بمعية أخيه و دفناه ليستمتعا بحبهما المحرّم، اتصل بي عبر هاتف الجريدة رئيس مركز الشرطة بباجة و أراد مقابلتي. لم أذهب لأني كنت أعلم، أنّه سوف يقيم لي إحتفالا أشبه بتلك الاحتفالات، التي كان يقيمها النازييون لليهود في مُحتشد داشو.
كان الرّجل يقول لي عبر خطوط الهاتف: من أين لك بهذه القضية؟...هذا لم يحدث في منطقة باجة! لقد راجعت كل ملفات القضايا التي عندنا لمدة ثلاث سنوات خلت...لم أجد أي شيء يشير إلى ما كتبته!
كنت أُحاججه و أقول كاذبا: سيدي رئيس الشرطة! إنّ مصادري الصُّحفية هي هيئة قضائيّة!
ردّ قائلا: فلتذهب مصادرك إلى الجحيم!...ما أريده الآن هو أن تشرفّنا بحظورك من العاصمة إلى مركز الشرطة بمدينة باجة.
قلت له: شكرا! و أغلقت الخط
في الحقيقة لم يزعجني غضب الرّجل، فهو على حقّ. ما أزعجني هو زميلتي نجيبة، التي كانت تقف إلى جانبي أو على رأسي و كأنّها الطير و أنا بصدد المحادثة الهاتفية المرعبة تلك و تقول لي محرّضة: اطلب منه أن يمدّك بقضايا أخرى كي تكتبها. كن ذكيا و لا تضيّع الفرصة!!
أنا لا أريد أن أعيش نفس الموقف. و لكن عليّ أن أكتب قضيّة. لو كتبت في الادب أو الفلسفة أو حتّى تاريخ علم الاجتماع وآخر ما توصّلت اليه مدارس باريس و لندن في علم الانتروبلوجيا الحديثة، فإنّ الجواب معروف: فلتمسح بها مؤخرتك!
كتبت قضية بين سيجارتين من الدخان الرديء، الذين اشتريتهما من دُكّان عمّ صالح بائع الفواكه الجافة و دخلت إلى مقرّ عملي.
" و الله يا عمّاه لو وضعوا الشّمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"...هكذا قال الرسول لعمّه، أما ما قلته أنا لنفسي، بعد أن كان جدالا حادا بيني و بين رئيس التحرير: و الله يا تونس! لو وضعتي الجنّة في يميني و الفردوس في يساري، على أن أتعامل مع بني بشرك، لهربت إلى بني الشياطين. و أنا هالك لا محالة.
سافرت إلى مدينة مونيخ في جنوب ألمانيا سنة 2004. حملت معي وطنا في حقائب سفري، كما تقول غادة السمّان. وطنا عُمره ثلاثين عاما أو يزيد. وطنا من الأفراح الصغيرة و الأحلام المُجهضة وقصص الحبّ، التي لم تكتمل. في المطار بعد أن حطّت الطائرة و لأمر أجهله، في موعدها بدون تأخير، رأيت بشرا عجبتُ لتقاسمي معهم نفس الكوكب. بشرا يبتسمون و يمدّون يد المساعدة. بشرا لا يهتمّون لما ترتديه من ثياب و ما تتكلّمه من لغة. هم فقط مستعدون لمساعدتك إن استطاعوا. راودني إحساس، أني لو استبدلت رأسي برأس مسمار، فإن ذلك لن يمنعهم من مساعدتي، إن أنا طلبتُ المساعدة.
شوارع نظيفة. هواء نظيف من ريح الجنّة. قاطرات و حافلات لو رأتها قاطراتنا و حافلاتنا، لبكت من الدّمع مدرارا.
لم أهاتف أمي و عائلتي لأطمئنهم على وصولي سالما، إلاّ بعد أن انتصف اللّيل. أي بعد أن مضت أكثر من عشر ساعات على الاقل من مغادرتي المطار. أنا أحبّ عائلتي و خاصة أمّي بجنون، و لكن حين فتحت مونيخ ذراعيها و ألقت بي في حانة " أُوند سُو فايتر" و إلتقيتُ الأديب التونسي حسّونة المصباحي، نسيتُ حتّى مقاس حذائي. لم أكن مبهورا بحسّونة و لا مبهورا بالأدب التونسي. كنت مبهورا بالوشم الجميل في خاصرة النادلة، التي جعلت تقدّم لنا البيرة البيضاء و هي تبتسم ابتسامة أشبه ببيت الشاعر الصفيّ الحليّ حين يقول:" لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم
يسلو عن الأهل والأوطان و الحشم".
كانت تينا وهو اسم النادلة، ذات الوشم القاتل في الخاصرة، تطوف بين الطاولات و كأنها فراشة تنشر الألوان و الأضواء و الفرح. لسعد هو النادل، الذي شربت عنده البارحة آخر بيرات الوطن، قبل أن أغادر. يفصل بار لسعد عن بار تينا مسافة ساعتين بالطائرة من تونس العاصمة إلى مونيخ. عند لسعد أمامك بيرتين و منفضة سجائر خانقة وورقة بيضاء تغلّف الطاولة و كأنّها كفن. الجالس أمامك وجهه أزرق و أسنانه صدئة وهو يجاهد في صمت، كي لا يغشّه لسعد في الحساب. البعض قد يسكر، فيضربه لسعد و يلقي به خارج الحانة. أنا من الزبائن الهادئين و ليس بمقدور لسعد إلاّ أن يفرض عليّ اشتراء الطعام السيّء لكي أحصل على البيرة. بين لسعد و تينا ليست هناك مسافة ساعتين، بينهما إلاهين. إلاه يضحك لأطفاله و يقدّم لهم الخمر كي ينتشون و إلاه يسكر حزينا عند حافة مقبرة.
عاد الشياطين للاجتماع في غرفتي. غرفتي هذه المرّة كانت مُختلفة، فهي تقع جنوب الصقيع الألماني. ويحدّها يمينا و شمالا غرفتي غوندا الأمّ و إبنتها الجميلة إليزابات. إنّها العائلة الألمانيّة، التي سكنت تحت سقفها سنواتي الثلاث الأولى، بعد أن سافرت من تونس و ذلك مقابل عملي، كحدائقي و كهربائي وأيضا كمدرّس للغة الفرنسيّة للطفل شتيفان البالغ من العمر تسع سنوات. غوندا امرأة نشيطة و ذكية وسريعة البديهة و رغم أنّها قد تجاوزت الستين من عمرها، فهي في نظري تحتوي من الطاقة والنشاط في جسدها الضئيل، ما يفوق نشاط كلّ صحفي الجريدة التي كنت أعمل فيها مجتمعين. تدير شركة لكراء المحلاّت و الدكاكين في سوق الاحتفالات برأس السنة الميلادية في برلين. تذهب لقاعة الرياضة كلّ يوم، ما عدا يوم الأحد، لأنّها تذهب فيه لتسلّق جبال الآلب. تشرب يوميّا ثلاثة بيرة و قهوة وحيدة من دون سكّر. وتشارك أيّام الأربعاء في حلقة أدبيّة في ضاحية زولن حيث تقيم، مع جارات الحيّ المولعات بالقراءة. تسلقتُ مرّة معها جبلا يبلغ إرتفاعه ثلاثة ألف متر. أثناء الصعود ندمت على موافقتي لها ومُرافقتها و لعنتُ اليوم، الذي ولدت فيه من شدّة الإرهاق. و لكنّي كرجل شرقيّ رفضت رفضا قاطعا أن تتفوق عليّ هذه العجوز، التي بدت لي وهي تقفز من صخرة إلى أخرى كعنز الجبل. بلغت القمّة قبلها بربع ساعة بعد أن كاد صدري يتمزّق من اللهاث. فوق القمّة، ثمّة صليب ضخم تحته كرسيّ خشبيّ. جلست عليه. أشعلت سيجارة و احتسيت بيرة بايارشيّة برغوتها البيضاء الكبيرة إحتفالا بنصري. ضحكت وهي تراني جالسا واضعا ساقا فوق أخرى، حتّى دمعت عيناها، ثمّ قالت لي:" القمّة القادمة تبلغ خمسة آلاف متر. الأحد القادم سوف نرى كيف ستحتفل!" ابتسمت بتحدّي و أنا أمنع نفسي بصعوبة من البُكاء. ما دخلي أنا في العجائز الألمان و في جبالهم و في التحدي و التسلّق؟ اللعنة! كم أنا شخص غريب؟
غرفتي التي في منزل غوندا مجهّزة بفراش عريض و مكتب و تلفاز و مطبخ رُكن، يحتوي موقدا كهربائيا و برّادا صغيرا و بعض الرفوف للصُّحون و الكُؤوس. حين جلس الشياطين، أعجبهم المكان رغم ضيقه وصغر حجمه مقارنة بغرفتي في تونس. انبسطت أساريرهم و تبسّطوا في مجلسهم. شيطان ابن خلدون لم يتوقف عن تصفّح الكتب الموضوعة على الرّف رغم أنها باللغة الألمانيّة، مُبديا إنبهاره وإعجابه بكمّ العلوم التي بلغها القوم. شيطان ابن الهيثم انغرس برأسه تحت حوض الغسيل وهو يتابع شبكة الأنابيب التي تحمل المياه من باطن الأرض إلى الحنفيّة الموجودة في الأعلى. شيطاني أنا لم يتوقف عن همزي بمرفقه حتّى أتّجه إلى مخزن الخمر الموجود تحت المنزل، كي أجلب قارورة أو قارورتين من الخمرة المعتّقة. استغليّت الفرصة و ضغطت عليه كي يستحضر لنا شيطانة امرأة من كتابه. صرخ بي قائلا: قلت لك ألف مرّة لا يوجد بيننا امرأة. كلّ الشياطين ذكور. كلّنا بضاعة هرمون التوستيرون الذكوري!
قلت له في تحدّي:" و لكني قرأت أنّ هناك مؤنث للشيطان وهي الحيزبون!"
ضحك ساخرا وقال لي:" الحيزبون! أيّها المتحذلق! هي العجوز الشمطاء سيئة الخلق..و ليست أنثى الشّيطان"
ضحكت أنا نفسي، ثم قطعت ضحكتي و رسمت على وجهي علامات الصرامة و قلت له:" ما لم تدخل أنثى شيطان معتقة إلى هذه الغرفة، فلن يكون فيها أيضا خمرة معتّقة!"
إشتعل غضبا من رأسه حتّى أخمص قدميه و لم يكن ذلك قولا يجري على المجاز، فقد إشتعل ابن اللئيمة حقّا وفاحت منه رائحةُ الحريق. تحوّل كلّه إلى كتلة من النّار وهو يهددني رافعا ذراعه. الرجلين الجذع اليدين و حتّى الشعر تحولوا كلّهم إلى كتلة من النيران يقف وسطها. إنتبه الشّيطانان الآخران الآن إلى الأمر وقالا له: اهدأ قليلا! ناوله ما يريد! ما الذي سوف يضيرك في ذلك؟...أحضر له شيطانة أنثى ودعنا من عنادكما الطفولي! "
أضاف بعد ذلك، شيطان ابن خلدون متجها بالحديث إلى شيطان ابن الهيثم، الذي كان يهزّ رأسه موافقا على قول زميله و لم ينقطع عن غلق الحنفية، ثمّ فتحها من جديد :" عنيدة شياطين هذه الأيّام و بائسة!"
وقال الشعبي: سألني الرجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عُرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعإلى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } فعلمت أنه لا تكون ذرية إلاّ من زوجة فقلت: نعم!
قفزت من مقعدي واقفا و قلت لشيطاني، بعد أن خسىء على نفسه وهو حسير وإنطفأت نيران غضبه
:" سوف أحضر لك خمرا لو شربها نبي الله سليمان الحكيم نفسه، لسها عن صاحبته و بنيه و غادر أهله وذويه...ولكن لا تفتح الكتاب و تحضر السيّدة الشّيطانة، حتّى أعود!".
ضحكت الشياطين و أبشرت و سمعت شيطاني خلف ظهري و أنا أغادر، يقول:" رغم أنّه بشري عنيد ومشاكس، فأنا أحترم بني جنسه...لقد خلقوا الخمر!"
حملت قارورة الخمر بين يدي و بسطتها على ذراعي، كما تبسط أمّ حنون رضيعا هشّا. عرضتها على جماعة الشياطين ليقرؤوا تاريخ ميلادها. عام 1992 .عنب فرنسا. منطقة بوردو.
غدا صباحا سوف تطردني غوندا مالكة البيت أو ستفرض عليّ وهو الأرجح و الأسوأ أن أتسلّق معها جبل الخمسة آلاف متر.
لسبب أجهله أبدى شيطان ابن الهيثم نفسه إهتماما خاصا بقاروروة الخمر، بعد أن رفض البيرة و ركّز إهتمامه فقط على المياه و بعد أن ترك الحنفيّة و شأنها مشكورا. قرأ الورقة الملتصقة بالزجاجة أكثر من مرّة. حملها في يده بتؤدة و إتقان. رفعها إلى الضوء الخافت المنبعث من النافذة. لاحظ انعكاس النور داخلها. وضعها على الطاولة بحذر شديد و قال لي: " سوف أشرب معكم قدحا".
قلت له :" شكرا! هذا حقا أمر مفرح يا عالم الضوء و الألوان و المياه! "
قال جملته الشهيرة:" حذاري! الشيء اذا بلغ الحدّ إنقلب إلى الضدّ!"
قلت له:" لا تخشى سيدي! هذه صنعة القوم الكافرين...هؤلاء القوم هم من وجدوا كتبك و مدّوا بها البشريّة بعد ألف عام...لا تخشى سيدي! هذه فقط خمرة ما قبل الحد!"
فتحتُ القارورة. سكبتُ منها نزرا قليلا في كأس قدمتها لشيطان العلاّمة. رفعها إلى أنفه، ثمّ ارتشف منها رشفة صغيرة. جعل الخمرة تمرّ من أسنانه الأماميّة إلى أضراسه الخلفيّة فالحنكين، ثمّ أول الحلق. إبتلع الرشفة و صمت قليلا، خلناه دهرا و نحن متعلقين بملامح وجهه، ننتظر قراره الأخير.
هزّ رأسه إستحسانا و قال: خمرة هادئة الطعم و الرائحة. خمرة طيّبة.
فرحتُ وكأنّني عاصرُها. سكبتُ للجماعة و سكبت لنفسي كأسا شربتها بتؤدة و تلذّذ. بعد انتصاف القارورة، قلت في نفسي، هذه الخمرة ليست فقط طيّبة، إنّها سوف تفتن فلاّحنا القرطاجيّ ماغون نفسه لو شربها.
نظرت بعد ذلك في عينيّ شيطاني، فرسم على وجهه علامة المغلوب على أمره. نهض بتثاقل و فتح كتابه. طارت الحروف كالعادة و تشكّلت في سماء الغرفة هيئة شخص ما. جعلت أحدّق فيها بامعان. نعم! هي هيئة أنثى! فرحتُ و قلت: ما أجملها!
ما إن إكتملت الصورة و خطت المرأة خطوتها الأولى داخل الغرفة، حتّى نهض شيطان العلاّمة وشيطان ابن الهيثم و حتّى شيطاني أنا و إنحنوا إجلالا للقادمة الجديدة. نهضت معهم وانحنيت دون أن أعرف من تكون هذه السيّدة. أنقذني من حيرتي صوت شيطان العلاّمة وهو يقول باكبار:" السلام على سموّ الأميرة! سيّدتي الفاضلة عزيزة عثمانة!"
عزيزة عثمانة، أشهر نساء تونس على الإطلاق. أوهي أشهر أميراتها. كانت ترفل في تلك الملابس الحريريّة، التي ترتديها في العادة الأميرات الأتراك. رسمت على وجهها ابتسامة راودني إحساس، أنّها أضاءت بها كامل غرفتي البائسة الألمانيّة. جميلة هي أميرتي التونسيّة جمالا مُربكا. جمالا لا ينبع فقط من شكلها كامرأة و انّما يفيض من روحها، كما يفيض شعاع ضوء على قطرات ندى في حديقة انجليزية صباح يوم مشمس نادر. أنا أعرف أن سيدتي الأميرة، بعد أن تزوجت من حمودة باشا المرادي، أدّت فريضة الحجّ، ثمّ عادت، فأعتقت كل عبيدها و اتجهت إلى الأعمال الخيريّة التي لا حصر لها. لن أعرض عليها الخمر! نهضت سريعا و أحضرت لها شراب اللوز، بعد أن سكبت فيه قطرات من ماء الورد و العطرشاء، الذي أصرّت أمّي على أن أحمله معي عند سفري إلى ألمانيا.
في الأثناء كانت الشياطين، قد تصرّفت بلياقة الرجال "الجنتلمان" أمام سيّدة جميلة. أجلسوا الأميرة على كرسيّ كالعرش، لا أدري من أين أحضروه. جعلوها تتصدّر جلستهم و تعلو في مقامها على كلّ الكراسي، التي أحاطت بها. كانت حضرتها كحضرة سلطان عثمانيّ في اسطنمبول نفسها. لولا ضيق الغرفة لجلب هؤلاء المجانين حرسا و خدما و حشما إلى منزل غوندا.
جلبت كرسيّا و جلست إلى جانب الجماعة، أي في حضرة سيدتي الأميرة. و لكنّي تساءلت في نفسي: هل هي أيضا شيطانة؟ و جائني الجواب طبعا من شيطاني: كم أنت لجوج؟ هي فكرة و كفى...
قالت سيدتي عزيزة عثمانة : "لقد استعبد البشر، منذ فجر التاريخ كلّ ما هو أضعف منهم. استعبدوا الذئاب وحولوها إلى كلاب. استعبدوا الخيول الجامحة الطليقة. استعبدوا الثيران القويّة و استعبدوا الطيور الحرّة المحلّقة في عنان السماء...إستعبدوا كل شيء، إلى أن وصل بهم الأمر إلى استعباد بعضهم البعض.
الرجل يستعبد المرأة لانها أضعف منه. الكبير يستعبد الصغير و الثريّ يستعبد الفقير و الأبيض يستعبد الأسود. و العربيّ المُسلم يستعبد كل الأجناس و الأديان. العبودية أقذرعمل قام به الإنسان تجاه الطبيعة وتجاه نفسه. و لهذا أطلقت كل عبيدي و أعطيتهم حرّيتهم، لأنّ أثمن شيء في هذه الحياة هو الحريّة، التي بدونها يفقد كل حيّ حقّه في الحياة".
قفزت مباشرة إلى خيالي صورة أشهر عبد في ثقافتنا الإسلاميّة " بلال بن رباح". قفز إلى ذهني مشهد فيلم الرسالة، حيث وضع أميّة صخرته الشهيرة على صدر عبده الآبق و ظلّ يجلده وهو ممدد على أرض الصحراء الحارقة في عزّ الرمضاء و يردد كلمته الشهيرة : أحد...أحد...
حتّى أن بعض التونسيين المشاغبين أطلقوا على ذلك نكتة مفادها، أنّ إفريقيا هزيلا دخل حمّاما تونسيا، وبعد أن غسله "الطيّاب" نسي فوق صدره صابونة خضراء صغيرة و ذهب لإحضار شيء ما و عندما عاد وجد الافريقي الهزيل ممددا على قفاه و الصابونة تعتلي صدره وهو يردد: أحد...أحد...
عقل ساخر و مشاكس هو العقل التونسي...
ناولت سيدتي الأميرة شراب اللوز و عدت إلى مكاني و أنا أفكر في ما قاله مرّة المفكر المصري السيد القمني.
هل حقا فعل أميّة بعبده بلال تلك الفعلة الشنيعة؟ العبد هو ملكيّة ثمينة، فكيف لتاجر عربي قريّشي أن يتلف أملاكه؟ "لا قصاص بين العبيد" تجدها في كتب الفقه الإسلامي. لا تقطع يد العبد عندما يسرق. لا تقطع رقبته عندما يقتل عبدا مثله بل يدفع سيّده ديّة من المال. و إلاّ فإن الخسارة ستكون فادحة. اليوم أنت تؤمّن سيارتك و يدفع لك الذي يضرّ بها في حادثة مرور تعويضا ماليا عن طريق شركة تأمينه، لأنه لا يفيدك و لا يفيده، أن تنزع له إطارا أو تحطم له زجاجا انتقاما لسيّارتك و قصاصا لها.
أعتقوا رقاب العبيد يقول الإسلام...و لكن رقاب من؟ لم يُعتق المسلمون الأوائل رقاب عبيدهم. بل عتقوا رقاب العبيد في بلاد الامازيغ و فارس و المصريين القدامى، بعد أن استعبدوهم واستعبدوا أسيادهم معهم. هذا ما قاله القمني.
المهم الآن، أنت تعرف ما معنى أن تقوم امرأة أميرة تونسيّة بتحرير العبيد. تحرير كل عبيدها. تعرف قيمة ذلك و مغزاه.
و تعرف أيضا أن عزيزة عثمانة أقامت من المشاريع الخيرية ما يجعلها تنافس أو حتّى تتفوق على الأمّ تيريزا نفسها. ختنت أبناء الفقراء و زوجت الصبايا اليتيمات على نفقتها الخاصة. أعطت ما لا يحصى ولا يعدّ من أحباسها و أراضيها لإقامة المشاريع وكل ما من شأنه، أن يعين المواطن التونسي الفقير.
أميرتي عزيزة عثمانة، لم تطلب أكثر من أن يوضع على قبرها باقة من الورد بعد أن تموت.
كانت تقول وهي جالسة كفكرة جميلة، على عرشها المُرتجل، الذّي أقامته لها الشياطين في دار غوندا: يولد الناس، فيؤذي بعضهم البعض، ثم يموتون...رحلة الحياة رحلة قصيرة و على المرء الذكيّ، أن يحوّل هذه المنامة القصيرة إلى حلم جميل، لأنها تنزع بطبعها إلى أن تكون كابوسا.
قبل أن أسافر إلى ألمانيا كانت حياتي تشبه حياة خنفس في علبة حذاء...أو هي على الأقل تذكرني بحياة السيد " ك" بطل رواية المسخ لكافكا في غرفته الضيقة بعد أن تحوّل إلى خُنفس. الناس هم نفسهم، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. الله هو الواحد، الذي يُعبد في مسجد في حي شعبي أو في فيلا في أرقى الأحياء بنفس الطقوس و نفس الرياء و نفس الملل... وحدهم بعض الصوفيّين يدخلون معه في رقصة متجلّية، تُعيد بناء إيقاع الكواكب و النجوم و الكون...شارب الخمر هو نفسه، الذي يضع يده على بيرته بقداسة و يقسم لك قائلا: و حقّ هذه المعصية!
في سنتي الأولى في مونيخ، وجدتُني أتسلّق مع العجوز غوندا جبلا من جبال الآلب. عاشرت "ميمي" فتاة من إيريتريا. صاحبة حانة و صاحبة قوام قاتل معاشرة العشّاق وكنا نقارن بين طقوس الاعراس في بلدها وفي بلدي. كنت بعد العمل ألتقي فتاة ايطالية تبيع الجبنة الروميّة و نتحدث عن عمليّات التحيّل المضحكة، التي يقوم بها سكّان نابولي و سكان حيّ بابا سويقة. و مرّة وجدتني أُواسي عامل بناء نمساوي، بعد أن تأخر في الوصول إلى ولديه للإحتفال بالمساء المقدّس، أيّام عيد ميلاد المسيح. ألفرادو و يانيس وآندي تحوّلوا إلى أولاد حومتي، الذين أسكر معهم و في بعض المرّات ندخّن الزطلة الافغانية الكاسحة و نروي النكت المختلفة الأذواق و الأعراق. آندي جاري الألماني، الذي يبلغ المترين طولا ويزن ما يزيد عن المائة والعشرين كيلوغرام، روى لي كيف تطوّع في الجيش الكرواتي و كيف أخطأت رصاصة قنّاص صربي رأسه بصعوبة، أيّام الحرب اليوغسلافيّة، فرويت له كيف حاول سمير الضّبع ولد حومتنا، سرقة "كناسترو الحنّة" المليء بأموال "الرشيقة" من أحد الأعراس الشعبيّة، التي تقام فوق السطوح في حيّنا و كيف تمكّن أخو العريس من ضربه بكانون على ظهره، فأفلت الكناسترو و سقط من فوق السطح و لم يصب بأذى و إنّما واصل الركض فارّا بحياته.
زرت مرّة مدينة برلين، فوجدت فيها شارعا يعادل في طوله و عرضه شارع الحبيب بورقيبة الخمسة أو الستّة أضعاف. دكّان التُّركي، الذي يبيع الكباب يحاذيه حلاّق تونسي، يلتصق به دكّان ثالث لفرنسي يبيع عطور باريس المدوّخة. دكّان رابع تمتلأ رفوفه بالفودكا و الكافيار لروسيّ أحمر ضخم و خامس تقف أمامه صبيّة ألمانية تبيع تذاكرا للسفر في أرض الله الشاسعة. ثمّة أيضا قاعة قمار و بيت دعارة صغيرتعلوه لافتة كُتب عليه بخط شبق" تدخل كغريب و تغادرنا كصديق" يقف أمامه زنجيّان مُفزعان.
مركز شرطة و متحف و قاعة سينما و كنيسة و مُصلّى صغير للمسلمين ، كانت أيضا موجودة في هذا الشارع. والغريب أنّ الجميع، كانوا يتبادلون الكلمة السحريّة بكلّ فرح عندما يتقابلون صباحا " قودن مورقون" صباح الخير ومساءا "قودن آبند" مساء الخير. راودني إحساس و أنا أتجوّل هناك: لو أن الله إكتفى بخلق هذا الشارع، فإنّه يكون بذلك قد أتمّ الخلق.
أنا هنا لا أقارن بين تونس و ألمانيا. أنا فقط أكرّر ما قالته سيدتي الأميرة عزيزة عثمانة:" الحياة منامة قصيرة، فلنجعل منها حلما لذيذا،لأنها تنزع بطبعها إلى أن تكون كابوسا"...البشر لا يخاطبون بعضهم البعض. لا لغة مشتركة بينهم و لهذا يؤذون بعضهم البعض. الحرب أو الإرهاب هي فشل لغوي بالأساس.
أفقت على همزة مؤلمة من مرفق شيطاني في جنبي مباشرة. أردت أن ألعنه، كما يفعل بالشياطين عادة ولكنّه قال لي :" توقف عن هذيانك الفلسفي و إنتبه! الأميرة تريد أن تقول لك شيئا ما.."
قلت في لهفة :" نعم سيّدتي الأميرة...كلّي آذان صاغية "
ابتسمت أعذب ابتسامة رأيتها في حياتي و قالت لي بصوت يشبه فراشة تحطّ على أعمق الجروح، فيلتئم ولهذا أجد بصراحة قرار بناء مستشفى يحمل إسمها قرارا ذكيّا، إتّخذه التونسيّون:" نحن الآن في مدينة مونيخ وعلى حسب علمي، أنّ في هذه الفترة من السنة، يُقام في هذه المدينة حفل أكتوبر فاست، فهل تحملنا إلى هناك؟.."
قلت :" طبعا سيدتي الأميرة!...على الرّحب و السّعة..." و كدت أضيف بلهجة تونسية:" غالي و طلب على الرخيص" و لكني فوجئت بكتاب الشياطين ينفتح بمُفرده على مصراعيه في قوّة و يخرج منه سرب ضخم من الحروف السوداء. سرب أضخم من كل ما رأيته قبل ذلك. تشكّلت أربعة هيآت بشرية دُفعة واحدة من الحروف، التي حلّقت لوهلة قصيرة في فضاء الغرفة، ثمّ استقرت تخطو خطواتها الأولى على الأرض.
كان هناك شيطانان، هما شيطان القائد حنّبعل و شيطان سيدي بلحسن الشاذلي و كانت هناك فكرتان جميلتان، هما فكرة الكاهنة البربريّة و فكرة السيّدة المنوبيّة.
أصبت بالرُّعب، في حين شرع الجماعة في تبادل التّحايا والحديث، حتّى أنّ فكرة عزيزة عثمانة انفردت بفكرة السيدة المنوبية في حديث نسائي جانبي هامس، يتخلله بعض العناق و الضحكات المكتومة.
ماذا أفعل أنا الآن وسط هذا الجمع من الشياطين و الأفكار؟
"سوف تحملنا إلى حفلة اكتوبر فاست كما وعدت الأميرة" قالها لي شيطاني وهو يرسم على شفته تلك الإبتسامة المتشفّية.
تنفست بعمق كاتما غيضي و اضطرابي، ثمّ قلت :" أرجوكم يا جماعة بعض الهدوء، حتّى نصعد الدّرج ونغادر، دون أن تتفطّن إلينا صاحبة البيت..."
هزّ الجميع رؤوسهم علامة الموافقة و التفهّم رغم استمرار بعض الهمسات بين عزيزة و منوبيّة و قد شاركتهما الآن، الكاهنة علامات الإبتهاج و بعض الكلمات.
فتحت باب غرفتي بحذر. أخرجت رأسي و أصختُ السّمع. جهاز التلفاز يعمل في مطبخ غوندا كالعادة. هناك يحلو لها دائما شرب بيراتها الثلاث، قبل أن تصعد إلى الطابق العلوي كي تنام.
أشرت للجماعة كي يتبعوني بحذر. متر متران. الباب أمامي. أدخلت المفتاح في القفل. أدرت المقبض. كنت أفعل ذلك و الشياطين و الأفكار تقف خلفي في صف مدرسي منظّم و منضبط. إنفتح الباب. لا. ليس باب الخروج، بل باب المطبخ و خرجت منه غوندا. وجها لوجه. أنا و غوندا و الشياطين. لوهلة أصبت بالدوّار. وكما توقعت قالت بألمانيّتها المُرعبة: من هؤلاء؟ و ماذا يفعلون في بيتي؟
طبعا لا تتوقع أن أفتح فمي و أجيبها، فقد إلتصق لساني بحلقي و لهاتي و إنطبق حنكيّا على بعضهما البعض، ليتحول فمي إلى ما يشبه العُلبة المُغلقة.
و فجأة و بعد أن تثبت فيهم غوندا بعينيها الزرقاوين الحادّتين كالصقر. ضحكت ثم قالت: آه... هم يرتدون هذه الأزياء ليذهبوا إلى اكتوبرفاست...هل كلهم أصدقاؤك من تونس ؟
قلت : نعم !و أعتذر عن الإزعاج...
قالت وهي تبتسم بتودّد لشيطان حنّبعل، الذي يبدو أنّه راقها، فعدّل الأخير من هندامه العسكريّ القرطاجيّ ونفخ صدره و أرجع شيئا ما من سيفه، الذي يتمنطقه إلى الوراء: أزياؤهم كلّها جميلة، ما عدا ذلك الذي يرتدي عمامة ، قاصدة ابن الهيثم و ذلك الذي يرتدي برنصا صوفيّا، قاصدة بلحسن الشاذلي وتلك المرأة التي ترفل في اللباس التُّركي، قاصدة عزيزة عثمانة...عندي إقتراح ...سوف أُعير الرجل الأوّل اللباس التقليدي لزوجي السابق فولف و الثاني سأعطيه لباس صديقي كلاوس، أمّا المرأة سوف تحظى بفستان ابنتي، شريطة أن تحافظوا عليها جميعا، كي لا تتّسخ بالبيرة.
لم تنتظر جوابا و قفزت كعادتها مثل عنز الجبل، بعد أن أشارت إليّ كي أتبعها إلى غرفة الملابس.
أحظرت لكلّ من شيطان ابن الهيثم و شيطان بلحسن الشاذلي سروالا جلديا قصيرا و جوربين صوفيين يصلان حتّى الركبة و قميصا بمربعات بنيّة و بيضاء و قبعة تعلوها ريشة أنيقة، كما سلمت للأميرة فستانا بافاريا أصيلا، انبهرت به أيّ ما انبهار.
جهز الجميع بعد ما يُقارب الرُّبع ساعة و وقفوا بانتظاري، حتّى أحملهم إلى حفلة البيرة...حفلة اكتوبرفاست في مدينة مونيخ.
لو أنّ أحدهم حدثني، بأني سوف أعيش هذا الموقف السريالي في حياتي، ما كنت لأصدّقه و لو كان أبو السينما السريالية فلّليني نفسه.
قبل أن أخرج و يخرج معي الجمع الشّيطاني، لم تنس غوندا، أن تلاحظ لي في همس و قد أشارت إلى الكاهنة البربريّة: تلك المرأة! هي أجمل ما رأيت...هل هي صديقتك؟...هل هي تونسيّة؟
أجبت بحماسة: بل هي تونس نفسها! هي الأصل و الباقي كلّه فروع...
لكزتني غوندا برفق وقالت لي: و لكن احذر! ذلك الرجل البهيّ الطلعة المهيب، يتودد إليها أكثر من اللازم... إنّه منافس خطير...
كانت تشير طبعا إلى شيطان العلاّمة، الذي كان فعلا لم يرفع عن ديهيا الأمازيغيّة، التي لقبّها الأعراب الغُزاة بالكاهنة، نظرة الاعجاب طول الوقت، فتبسمتُ و أنا أتذكّر قوله في كتابه العبر:" ديهيا فارسة الامازيغ، التي لم يأت بمثلها زمان، كانت تركب حصانا و تسعى بين القوم من الأُوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها".
تذكرتُ كيف كانت هذه الفارسة، قد هزمت الرومان و البيزنطيين و العرب المسلمين. كيف أطردتهم جميعا، فقط لتستعيد أرضها و لم تطمع في ذهبهم أو مالهم كما كانوا يفعلون. تذكرتُ كيف أسرتهم جميعا و لم تقتل فيهم أحدا رغم قدرتها على ذلك وهم يمرّون تحت أنظار جيشها المُنتصر. تذكرتُ ذلك اللئيم المدعو خالد بن يزيد القيسي، الذي تبنّته كأحد أبنائها، فخانها و باع أسرارها و أسرار جيشها لحسّان بن النعمان...فلا يحدثني الآن أحدكم عن خيانة في التاريخ أقبح و أقذر من هذه الخيانة!
تذكرتُ أيضا، كيف أن إحدى المعتوهات الغبيّات، اللواتي اشتغلن في مجلسنا التأسيسي و سنّوا لنا نحن التونسيين القوانين و الدستور، قالت مرّة في تصريح تلفزي مباشر:" لن تُفلح معنا نحن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها الكاهنة" و ذلك على ما أظنّ بعد اغتيال الشهيد محمد البراهمي...اللعنة! ارحلوا عنّا يا وجوه الغثيان!
نزعني من انثيال هذه الذكريات في خيالي، شيطانُ ابن الهيثم وهو يحاول فتح غرفة جانبية مغلقة بباب حديدي كُتب عليه باللغة الألمانيّة "هايتسونغ راوم". نهرتُه على الفور. لو تمكّن من الدخول إلى هذه الغرفة، فلن يخرج منها على الاقل، إلاّ بعد عام أو عامين. الهايتسونغ راوم هي غرفة التسخين، أي أنّها غرفة تملأها من السقف حتّى الأرض شبكة من الأنابيب المختلفة الأحجام و الألوان، التي تحمل المياه الساخنة و الباردة وتتكفل بتسخين كامل المنزل، كما توجد فيها عدّدات وآلات معقّدة لا حصر لعددها. وأنتم تعرفون طبعا ولع صاحبنا بهذه الأشياء.
كان شيطان بلحسن الشاذلي، قد دخل إلى المطبخ و جعل يتأمّل بانبهار آلة عصر القهوة. كانت حبّات القهوة تُوضع في أعلى الآلة و تكفي ضغطة بسيطة على زر صغير في الأسفل، حتّى تُرحى الحبّات، ثمّ تُعصر، لينسكب السائل الاسود ذكيّ الرائحة بعد ذلك في فنجان وضع سلفا تحت أنبوب معدنيّ دقيق ينبثق من الجانب الأيسر للآلة.
رفع شيطان الشاذلي الفنجان إلى أنفه و استنشقه كما يستنشق المرء فستان حبيبة غائبة. أغمض عينيه بتلذذ وقال :" حللتُ في لباس الفرنجة الجرمان، فانتشيت و ها أنّ قهواهم تحلُّ بي و لسوف تحسدنا النشوة ما بقيت..."
لو تعلم غوندا، أنّ هذا الذي تراه، هو شيطان شيخ صوفيّ مات منذ ما يزيد عن التسعمائة عام، وهو يحلّ في مطبخها، بعد أن حلّ في ثياب زوجها و ينطق شعرا في الحلول ...لحللنا كلّنا في مستشفى المجانين.
يروي بعض المؤرّخين، أن الشيخ الصّوفيّ سيدي بلحسن الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية، هو أول من استعمل فناجين القهوة في زاويته و قدّمها لزائريه و أتباعه و لذلك يسمّي التونسيون إلى حد اليوم الفنجان بالشاذليّة و لذلك لم أستغرب انبهار شيطانه الآن، بآلة القهوة و فناجينها.
شارفت الساعة على الثامنة مساءا، فقلت للجماعة: "علينا أن نسرع قليلا و إلاّ فلن نحظى بالكثير في حفل اكتوبر فاست، لأنّه يغلق أبوابه بعد ساعتين أو ثلاث على الاكثر من الآن..."
رفعوا رؤوسهم علامة التفهّم وغادرنا جميعا. في المنعطف الاوّل خارج المنزل و بعد أن فارقتنا نظرات غوندا وهي تودّعنا، حصل أمر غريب. لقد اختفى منزل غوندا، بل الحيّ بأكمله حيث أسكن وأقيم...ووجدتني وسط الجموع المتزاحمة السكرانة في أكتوبرفاست.
تعجّبت ثم ضحكت وأنا أتذكّر، أنّ أمر طيران الشياطين هو أمرعاديّ. كما تذكّرت أن أفكارا كفكرة عزيزة عثمانة أو الكاهنة أو السيّدة المنوبيّة لها هي أيضا أجنحة، كما سبق لابن رشد و أن قال لأحد تلاميذه، الذين حزنوا على حرق كتبه: " الأفكار لها أجنحة و ستطير إلى أصحابها..."
سنة 1810 إحتفل الألمان بزواج الأمير المُتوّج لودفينغ والاميرة تيريزا في مكان عند سفح جبل "زندليغاتور"، يقال له "تيريزن فيزي" في مدينة مونيخ ...وُزّعت في ذلك اليوم الموافق ل12 أكتوبر بيرة وخمور على الحاضرين، كما اُقيمت ألعاب في مسابقة الخيول و وُضعت بعض المراجيح البدائيّة للجمهور. تحوّل حفل الزواج ذلك، إلى عادة سنويّة يُحييها الألمان في نفس التاريخ من كل عام و لم تتوقف إلاّ في فترة غزو نابليون للجنوب الألماني. و لكنّها ما فتئت أن عادت بقوّة أكبر، خاصة بعد أن تولى أهالي مدينة مونيخ زمام الامور بأنفسهم.
يحجّ كل عام عاشقي البيرة و المراجيح و الالعاب من كل أصقاع الدنيا إلى أكتوبر فاست. سجّلت مدينة مونيخ سنة 2015 زيارة 6 مليون شخص بحسب الاحصائيات الرسميّة.
في نفس السنة استقبلت السعودية فقط 2 مليون حاج، مات منهم و للأسف 926 شخص. 107 في حادثة الرافعة و 769 بسبب التدافع لرمي الجمرات على الشّيطان. في أكتوبرفاست و رغم أن الجميع سكارى لم يمت و لا شخص واحد. حادثة طريفة وحيدة وقعت، مفادها: أن سكرانا تركيّا عضّ أذن سكران آخر فأدماها. وظلّت تلك الواقعة حديث الصحف لأيّام عديدة.
تدبّرتُ لي و للجماعة و كما بفعل معجزة، مكانا لنا داخل خيمة بيرة معروفة باسم "لوفن براو" أي بيرة الأسد. كان الجميع يسكر و يغنّي و يرفع أقداحه عاليا مُحتفلا. النادلة تمرّ بين الطاولات وكأنّها قطار سريع يربط مُدنا بعيدة. رغم الضغط و سماجة السكارى في بعض الأحيان، فإنّ الابتسامة لا تفارق شفتيها. وضعت على طاولتنا الأقداح، التي يحتوي كل واحد منها لترا كاملا خالصا من البيرة. بيرة أكتوبرفاست هي من أعتى أنواع البيرة. يكفي قدحان اثنان حتّى تنتشي لو كنت سكّيرا. القدح الثالث لا يضمن لك أحد عدم صعودك فوق الطاولة لترقص عاريا.
مع البيرة، طلبتُ للجماعة دجاجا محمّرا و خبزا يُعرف "بالبريتزي" يُشبه في شكله ربطة أنشوطة معقوفة لحذاء مرشوشة بالملح. وهذه الأشياء طبعا تنتمي بحكم التقاليد لحفل أكتوبرفاست.
إنتقلت للجميع، بعد قليل من الوقت عدوى المرح. شيطان بلحسن الشاذلي قرع كأسه بكأس شيطان ابن الهيثم وهما يبتسمان في حُبور. شيطان العلاّمة أغلق هاتفه الجوّال وقال:" إنّ الواندال و إن كانوا قوما أشدّاء متوحشين، فكم كنت سأكون مدينا لهم، لو تركوا لنا تقليد هذا الحفل في تونس، قبل أن يغادروها مهزومين مدحورين.." ثمّ رفع قدحه عاليا متمنيّا صحّة الجميع. شيطان حنّبعل، خفّف قليلا من ضغط لباسه العسكريّ واستغلّ جلوسه إلى جانب فكرة الكاهنة ليهمس في أذنها بشيء ما، فابتسمت الأخيرة خفرا. عزيزة عثمانة والسيدة المنوبيّة كانتا تنظران إلى أناقة شيطان العلاّمة بانبهار و تهمسان من حين لآخر بأمر ما، ثمّ تبتسمان، الأمر الذي أربك الأخير، فبالغ في توزيع ابتساماته عليهما. كنت الوحيد، الذي يلازمني شيطاني اللئيم و قد انكفأ على كأسه يكرعها دون توقّف.
اشتدّ صخب الموسيقى و ارتفعت أصوات الحاظرين بالغناء مع أعضاء الفرقة البافارية. امتلأت حلبة الرقص بالرجال و النساء و كلمات الأغنية ذات اللهجة البافاريّة، التي بالكاد فهمت منها بعضها، ككلمة حُب و فرح و بيرة...
و فجأة وقع ما كان يجب عليّ أن أتوقّعه و لكنّي لم أفعل. لقد نهض شيطان بلحسن الشاذلي و اتّجه إلى حلبة الرقص. جعل يدور حول نفسه تلك الدورة المعروفة في الرقص الصوفي، ثمّ أخذ يلوّح برأسه ذات اليمين وذات الشمال. أفسح له الراقصون مكانا وسطهم و جعلوا يصفقون له. بعضهم جعل يقلّده في رقصته.
قلت في نفسي: "لقد انكشفنا و إنتهى أمرنا و حُصّل ما في الصدور". و لكن ما راعني أن الفرقة الموسيقيّة نفسها أطلقت نوعا من الألحان يتماشى مع رقص شيطان سيدي بلحسن. الفتاة التي كانت تقود الفرقة بغنائها، جعلت تردّد كلمات غير مفهومة بالمرّة و لكن إيقاعها لا يمكن أن تخطئه الأُذن. إنّه إيقاع صوفيّ بامتياز. لم تتمالك فكرة السيدة المنوبيّة نفسها أكثر، فالتحقت هي الأخرى بحلبة الرقص. كنت أتفرّج على المشهد السريالي الذي يحدث أمامي بنوع من الفرح و كذلك بكثير من الفخر. قلت في نفسي كلمة التونسيّة المعروفة:" كالعادة ربخوها التوانسة"
إزداد فخري بعد أن عاد الراقصان إلى مكانهما، فانهالت عليهما أقداح البيرة من بعض الحاظرين كنوع من الشكر على رقصتهما الجميلة و مساهمتها في إضفاء المزيد من البهجة على الحفل. المغنيّة نفسها توجهت لهما بالشكر عبر المصدح الذي أمامها.
كنتُ أنظر إلى فكرة السيّدة المنوبيّة وهي تمسح بعض قطرات العرق التي تصبّبت من وجهها و رقبتها وأقول في نفسي:" يا إلاهي ! كم هي عظيمة هذه المرأة؟ لقد كانت صاحبة علم و فقه و تصوّف. فاقت رجال عصرها و غالبتهم ، حتّى لُقبت بسيدة الرجال و إمامهم. السيّدة المنوبيّة جاءت في عصر الذكورة و سطوة ذوي اللحيّ القاسية، الذين بلغ الأمر ببعضهم إلى المطالبة برجمها، و لكنّها انتصرت بصبرها وإيمانها بذاتها. انتصرت بانقطاعها عن ملذّات الدنيا و الإتحاد بنبض الكون، فرأت الله بعين قلبها، كما كانت تقول.
السيّدة المنوبيّة وليّة صالحة و لازال الناس إلى يوم الناس هذا، يستفيدون من فضل خيراتها معنويّا وماديّا. تستقبل زُوّارها، تحملُ أوزارهم، تكتم أسرارهم، و تعالج المرض و السقم و تفكّ عقدة الكآبة وتفتح أبواب النّجاح...كأنّها لم تفارق الناس منذ أكثر من 730 عاما، ذُكرت في كتب التاريخ و مثّلت محور منشورات بحثيّة. هي حاضرة أيضا في السينما و في الأغاني الصوفيّة. إنّها "للاّ المنوبيّة".
إعتداء الجالية الوهابيّة، الحاملة لجواز السفر التونسي و المقيمة في تونس، على مقامها أيّام ما بعد الثّورة، هو إعتداء على تاريخ و نضال امرأة حاربت وحيدة الفقر و اليأس و ساعدت الناس دون أن تسألهم جزاءا أو شُكورا. هو محاولة لشطب ابتسامة أخرى من ابتسامات هذا البلد النادرة و العسيرة.
اقتربت من طاولتنا فتاة جميلة. كانت مُنتشية شيئا ما بفعل البيرة القويّة. قالت شيئا ما لشيطان حنّبعل، فأفسح لها مكانا لتجلس إلى جنبه. شابّان وسيمان جلسا هما أيضا، إلى جانب الكاهنة البربريّة. تبادلت أنا و شيطاني نظرة ذات مغزى. شرع الجميع في أحاديث جانبيّة، لم تصلني منها إلاّ شذرات متقطّعة. امتقع لون وجهي وأنا أرى حنّبعل يطبع قبلة خفيفة على وجنة الفتاة، التي لم تفوّت الفرصة لتضع أصابعها وراء رقبته وتمسك بخصلات شعره المائجة و تغرس شفتيها في فمه في قُبلة طويلة عميقة ماجنة. الشابّان بدآ يتنافسان على مغازلة الكاهنة.
هذه جلسة اجتمعت فيها الشياطين بالسكارى و لا أحد يدري ما هي عواقبها. كنت أفكّر في رفع الجلسة، حين جلست إلى جانبي أولغا زميلتي الروسيّة الفاتنة في تعليم درس اللغة الألمانيّة، في ما مضى.
أولغا تشبه قصيدة دافئة تسبح فوق أنهار روسيا، التي جمّدها الصقيع. أولغا تشبه هديّة العيد في يد طفل يتيم. أولغا تشبه وردة حمراء تعانق قنينة خمر، لم أتذوّقها بعد.
أولغا... لن أتحدّث عنها أكثر، لأنّي قد أظلمها. سوف أترك من يعرف أولغا و يعرف أجداد أولغا وسافر منذ قرون إلى بلاد أولغا، يتحدّث عن أولغا. يقول الرحّالة ابن فضلان في وصف الروسيّة: "و رأيت الروسيّة وقد وافوا بتجارتهم، فنزلوا على نهر إتل، فلم أر أتمّ أبدانا منهم، كأنّهم النخل شقر حمر...و لهم أجمل نساء الأرض..." .
تمنّيتُ لابن فضلان رحمة واسعة، ثمّ قبّلتُ أولغا. نسيت جميع من يحيطون بطاولتي، من إنس وشياطين وأفكار و غُصت عميقا في عطور أولغا و أولوانها و أنغامها. غصت عميقا في شفتها السُفلى و إزددتُ عطشا، كما يزداد المهاجر عطشا على حافة الضفّة الأخرى للوطن. ما حدث بعد ذلك لم أتذكّر تفاصيله. ما أذكره أني صحوتُ في أحد النزل الموجودة في وسط مدينة مونيخ. فتحت عينيّ، فوجدت أولغا جالسة على حافة السرير و قد ارتدت القطعة السفلى من ملابسها الداخلية و جوربين من الصوف. نهضت وزحفت بلساني لاعقا كامل ظهرها، كما يزحف ثعبان افريقيّ متوحّش فوق نبتة جميلة نادرة. إلتفتت وابتسمت لي ابتسامة سرعان ما ابتلعتها بقبلة متلهّفة. كنتُ أحسّ أنّ روحي تشبه بلّورا شفّافا، بلّلته قطرات رذاذ من مطر بعيد. كان لابدّ لي و لابدّ لأولغا، أن نلعق و نمتص كلّ الرذاذ المتناثر على بلّور الروح. عندما طرقت بعد ذلك خادمة الغرف أو سيدة البيت، كما يحلو للألمان الأنيقين أن يلقّبوها، باب الغرفة، كان النهار قد إنتصف. قلت للفتاة التايلانديّة القصيرة المُهذّبة و أنا أضع في يدها عشرة أورو:" نريد أن نحجز ليلة أخرى...".
لم تعارض أولغا و إنّما هاتفت مقرّ عملها لتُعلمهم بعدم مجيئها اليوم للشركة. اتصلتُ أنا أيضا بموظفة الاستقبال و طلبت طعاما و قارورة خمر. كنت في ما مضى أتودّد لأولغا، أثناء درس تعليم اللغة الألمانيّة وكنت أشتهيها في صمت. حاجزاللّغة بيننا كان قويّا. هي لا تتكلّم إلاّ لغة ديستوفيسكي و أنا أنطق لهجة مسرحيّة "غسّالة النوادر" و بعضا من لغة موليير و شيئا يسيرا معطّبا من لغة شيكسبير. كانت اللغة كسلّم ملتوي يعسرُ تسلقّه. و الآن و بعد هذه السنوات الطويلة عند الألمان، أصبح من الممكن لي و لها أن نتناقش حتّى حول التناول الابستيمولوجي للنصّ الديكارتي أو الشفرة الجينيّة للخليّة الحيّة. ولكن يعود الفضل الاكبر في الحقيقة إلى اكتوبرفاست و بيرته الرّهيبة، فشكرا أيّها الأمير المُتوّج لودفينغ و شكرا سيّدتي الأميرة الجميلة تيريزا على كلّ هذا الفرح و على كلّ هذا الحبّ.
قضّيتُ مع أولغا يومين و ليلتين مُتتاليتين. زرنا متاحفا و دخلنا دُور سينما. حظرنا عروضا في الموسيقى وعروضا في المسرح الألماني المتألّق وحظرنا حتّى عرضا في السيرك. كنت لا أفوّت فرصة إلاّ وقبّلتها ومرّرت يديّا النهمتين على بشرتها الناعمة حدّ التعب. تضاجعنا مرّة في غابة خلف أكمة ملتفّة الأغصان من الشجر و مرّة في مراحيض مطعم فخم و مرّة أخرى في زقاق مهجور خلف مركز للشرطة البافاريّة.
أنا أحبّ أولغا، هل هي تحبّني؟...لا أدري.
هي لا تحبّ الالتزام بعلاقة، كما قالت لي. و أنا أيضا كانت لي أخلاق القُرصان، الذي لايعود لامرأة مرّتين. كنت ألتقيهن في مُفترق الحديث و اللّذة العابرة. لكن الأمر كان مع أولغا مختلفا شيئا ما. أذكر أنّنا مرّة بالغنا في السُّكر، فضحكنا بصوت عال في شوارع مُقفرة و بكينا بحرقة في حانة صغيرة مُبعدة. حانة تحتوي طاولة يتيمة و أربعة كراسي عالية إلى جانب الكونتوار، الذي تجلس خلفه نادلة تشبه آلهة يونانيّة قديمة فقدت عرشها منذ أمد بعيد. ركضنا بعد ذلك، أنا و أولغا على حافة الطريق السريعة وقفزنا فوق ممرّات ممنوعة. و في النهاية تواعدنا، أن نلتقي ربّما مرّة أخرى في السماء السابعة، كما يحلو للفرنسيّين أن يقولوا.
في خظمّ ذلك الزمن المُدوّخ، نسيتُ كليّا أمر الشياطين. نسيتُ سيدي بلحسن الشاذلي و سيّدتي المنوبيّة. نسيتُ عالم البصريّات و الهندسة ابن الهيثم وأميرتي التُركيّة الراقية عزيزة عثمانة. نسيتُ القائد حنّبعل والأبيّة المُحاربة الكاهنة البربريّة. نسيتُ حتّى شيطان العلاّمة إمام عصره و إمام كلّ العُصور ابن خلدون. ولكن كنت طوال الوقت، أحسّ بشيطاني يسبح في دمي و داخل عروقي. يخوض غمار سوائلي الكميائيّة المُترعة بالرغبة و الشّبق ويغرف معي من المُتعة، التي أغرفها من أولغا و يقاسمني فرحي ولذّتي. هذا الملعون ابن اللئيمة!
نهضت ذلك الصباح على طرقات خفيفة على باب غرفتي. كنت مُتعبا ولكن ثمّة فرح سائل يسبح في كامل جسدي خلّفته أولغا في عروقي. فتحت الباب، فوجدت علبة جميلة تشبه علب هدايا العيد أمام رجليّ. انحيت لأحملها و قد سمعت خُطوات غوندا و هي تقفز كعادتها على درجات السلّم الخشبيّ، صاعدة إلى الطابق الأعلى للمنزل حيث مكتب عملها. فتحت العُلبة. كان بداخلها رُوب حمّام حريريّ وقفّازين من الصّوف الناعم و قبّعة شتويّة. ثمّة أيضا مضروف يحتوي بطاقة بريديّة كُتب عليها بخطّ غوندا، الذي أعرفه جيّدا من خلال حروفه المُتسارعة :" عزيزي طارق! أتمنى لك سنة جديدة مليئة بالفرح و النجاح و تحقيق الاحلام ".
ابتسمتُ و أنا أعيد قراءة البطاقة. اتّجهت إلى الحمّام. غسلت أسناني و حلقت لحيتي و أخذت دوشا سريعا.
غادرت المنزل باتجاه السوبرماركت. تبضّعتُ بعض المأكولات المُعلّبة و بعض الخبز و اشتريت لغوندا قارورة خمر بيضاء فاخرة من النّوع الذي تحبّذه، كما اشتريت بطاقة بريديّة كتبت فوقها بألمانيتي، التي تحسّنت أحوالها كثيرا في السنوات الأخيرة:" عزيزتي غوندا...أتمنى لك سنة ميلاديّة سعيدة و أشكرك على حُسن ضيافتك لي في منزلك و مُشاركتي لخبزك و خمرك...". وضعت الكلّ في سلّة ورقيّة أنيقة و قدّمتها لها يدا ليد و أنا أصافحها بحرارة.
استبدّت بي رغبة مُلحّة في القيام بجولة وحيدا في شوارع المدينة. إرتديتُ أحسن ثيابي. تعطّرت بعطر أخّاذ تحصلت عليه من زميل فرنسي عرفته أثناء عملنا في نزل بمدينة شتوتغارت في الصائفة الماضية كهديّة. كنت قد سبق وأن أهديت هذا الزميل علبة فاخرة من دقلة النّور و علبة هريسة تونسيّة، فطار صوابه شعاعا من الفرح.
نزلت من مترو الأنفاق في محطّة شتاخوس. ترجلت عابرا الشارع العريض في مارين بلاتز، حتّى وصلت إلى مبنى البلديّة الأنيق الفخم في آخر الشارع و من ثمّة انعطفت باتجاه ساحة أوديون، فشارع ليوبول، لأحطّ رحالي في الحديقة الانجليزيّة.
كنت في الأثناء أراقب المارّة و الدكاكين على ضفّتي الشوارع و الساحات التي أعبرها. كلّ شيء نظيف وبرّاق و جميل و هادىء. الناس منظّمون و مهذّبون و ينتظرون دورهم لعبور الطرقات، كما ينتظرون دورهم في صفّ منظّم سواءا للتبضّع أو لقضاء مشاغلهم في إدارة أو مركز للبريد أوللصعود في وسائل النقل العام أو حتّى للدخول إلى المرحاض. بشوشين. يتبادلون القُبل و العناق في الطريق العام. عشر سنوات كاملة لم أر فيها شرطيّا يصفع مواطنا و لم أر فيها مواطنا يلكم آخر. عشر سنوات كاملة لم أر فيها سكرانا يتبوّل على حائط الجيران أو حتّى كلبا يعضّ كلبا آخر. عشر سنوات لم أر فيها قطا مشرّدا أو كومة للزبالة أمام حيّ سكني أو في زُقاق معزول. عشر سنوات كاملة و أنا حائر أمام تصرٌفات هؤلاء القوم وحائر أمام وجودهم أصلا على سطح هذا الكوكب. طبعا توجد الجرائم، التي أطالعها من حين لآخر في صفحات الجرائد وفي نشرات الأنباء و لكنّي إلى حدّ اللحظة، لم أر ذلك رأي العين، كما يحدث في وطني. عشر سنوات كاملة مثلتُ فيها أمام محاكم القضاء ثلاثة مرّات و تعرضت فيها لأحكام بعقوبات ماليّة. ثلاثة مرّات أمام المحكمة!!! أنا الذي قضيت ثلاثين سنة من عُمري في تونس، دون أن أدخل يوما مركزا للشرطة. لم أدخل إلاّ لإستخراج شهادة إقامة أو بطاقة تعريف أو جواز سفر. عشر سنوات كاملة، كنت فيها شيطانا يتجوّل حرّا طليقا في جنّة للملائكة.
و هنا انقدحت في ذهني فكرة غريبة أو لنقل سؤالا حارقا أسفر عن فكرة غريبة:" هل هؤلاء القوم مرضى؟ هل هؤلاء القوم مقارنة بقومي يعانون من وباء معيّن؟ وباء تظهر علاماته في عدم التأخر في المواعيد و في عدم الإهتمام بشؤون الآخرين. في عدم تبادل العنف اللّفضي و الجسدي. في إنعدام الغشّ و السرقة و التحيّل و الإختلاس. وباء تظهر علاماته في غياب الفوضى و الضجيج و التلوّث. وباء الانضباط في العمل والإلتزام بالوعود و المساواة بين الجميع أمام القانون. وباء رأيته على شاشة التلفاز و أنا أشاهد شرطة مونيخ تأتي إلى ستوديو التصوير المباشر بمروحيّة وذلك ليلة رأس السّنة، لتلقي القبض على رجل أعمال تهرّب من الضرائب. نعم! لقد وضعوا في يديه الأصفاد و أخرجوه أمام الكاميرات و أمام الحاظرين في الاستوديو أثناء تصوير البرنامج التلفزي و أثناء محاورته مع المذيعة...
نعم...هؤلاء القوم مُصابون بوباء غريب. وباء كم تمنّيته لي و لوطني...