( 1 )
عبد الناصر قتل سيد قطب
والسادات قتل عزت فهمي
شحاته البحار
رغم مرور كل هذه السنوات على رحيل جدي الحاج علي البحار .. إلا أن الناس في ابهيت الحجر عندما يجتمعون كل عام في مثل هذا اليوم .... في ليلة جدي ... وحين يقف الراوي , وسط جموع من الناس من أهل البلد ومن البلاد المجاورة .. ويروي ما حدث .. ينصت الجميع , ولا يتحرك أحد .. هي سيرة جدي التي لا تنتهي أبدًا .. بكل تفاصيل هذا المشهد الذي يستعصي عليّ أن أفهمه مثل كتابات إدوار الخراط التي تستعصي على التصنيف , تتهادى إلى سمعي كلمات الراوي عن رحيل جدي .. آية من الآيات .. تتعلق قلوب الناس هنا بها .. أجلس كفيل ثمل ، أتابع ما أراه بعينين حائرتين لا تكفان عن الدوران وهما يرصدان ما يحدث ........
وقفت هناك عند أول الطريق المؤدي إلى البلد , بجوار كمين المرور ... أنتظر اللحاق بأول أتوبيس قادم إلى القاهرة .. ساعة واحدة تفصلني عن العاصمة .. بضجيجها وصخبها .. دفء لا أشعر به هنا في ابهيت الحجر التي تنام مبكرًا مثل كل القرى .. الزيارة السنوية التي أتحمل عبأها كل عام ، أتنفس هذا الطين وحدي .. أنا أخر سلالة عائلة البحار .. ولابد من وجودي حتى تكتمل الليلة .. كل عام وفي مثل هذا اليوم .. لا يخطأ أحد في حسابها .. الصيوان الكبير .. المقرؤون .. المنشدون .. الذبائح .. الراوي .. كأن المرحوم علي البحار قد مات الآن .. لن يتم الأمر هنا إلا بحضوري .. عام .. عامان .. مرت سنوات كثيرة لا أحصيها .. لكنه أصبح قدري .. أصبحت الليلة جزءًا مني.. مثل يدي أو قدمي .. لا أستطيع أن أتحرر منها .. لم أر جدي أبدًا ولم أعرفه .. لكني أصبحت أعرف كل شيء عنه .. أصبحت أراه أمامي وأستطيع أن أصفه وأتلمس ملامحه.. أتنفس مثله بهدوء .. بدوت كشاعر نزق يمتلأ فمه بالطين ويقول قصيدة عن كائنات خرافية لا تشبهه ..صعدت إلى الأتوبيس .. لم أجد كرسيًا شاغرًا .. وقفت .. انطلق السائق بنا بعد أن خرج من حضن القرى الصغيرة المتناثرة على جانبي الطريق .. خرج إلى الصحراء الواسعة , التي تمتد أطرافها .. أمام الأعين بلا نهاية كلوحات دافنشي العظيمة .. أجسادنا تهتز في آلية مع دوران عجلات الأتوبيس .. قدماي – بالكاد- تحملاني من تعب اليوم .. ظللت يقظاً حتى الصباح .. لم يكن بوسعي أن أنام في ليلة جدي , والناس يحيطون الراوي , يجذبون الكلمات من فمه .
التعب حل بجسدي .. تململت من الوقفة .. حتى أشار أحدهم إلى السائق عند مدخل دهشور , ونزل .. ارتميت مكانه.. بدوت كمن يقاوم النوم الطيب ، الذي هبط فاستسلمت له كطفل .... رأسي مالت كحجر بثقلها على كتف الجالس بجواري .. اندفاع السائق بالأتوبيس إلى أقصى اليسار ليتفادى صداما كاد أن يقع .. أفقت على صياح الركاب وغضب السائق الذي لعن سائقي الميكروباص الذين يسببون الكوارث على الطريق .. أدركت أننا اقتربنا .. الوقت أصبح ضيقا ولا داعي لأن أذهب إلى البيت كما كنت أخطط لذلك ، بالكاد أصل في موعد الحضور بالبنك .. ومن هناك سأتصل ( بمديحة) لأخبرها أنني سأعود بعد الانصراف من البنك ، حتى لا تقلق .. البنك قريب من محطة المترو ، ومن هناك أركب المترو وسوف أكون أمام البنك قبل أن يصل المدير ..
لم يكن أحد من الموظفين قد وصل بعد ، انتظرت قليلا خارج البنك حتى لمحت عم عثمان قادما , يحمل في يديه أكياس السكر والشاي والبن ، كانت قدمه اليسرى تعرج قليلا .. عندما رآني أسرع في مشيته .. اعتذر عن التأخر .. لكني أخبرته أنني حضرت مبكرًا .. أمسكت بالأكياس , ووضع الرجل المفتاح في الباب .. رجوته أن يسرع في عمل القهوة ثم صحت خلفه .
ضع القهوة في كوب وليس في فنجان .. لا تنس .
كل مرة أقول له ذلك .. والرجل لا ينسى .. لكنني لا أمل من تحذيره خوفا من أن يضعها في فنجان , وأنا لا أحب شربها إلا في كوب .. كان عم عثمان قد سألني عن سبب قدومي إلى البنك مبكرًا .. عرف أنني كنت في البلد .
الزيارة السنوية ........
الجميع في البنك يعرفون أنني أذهب إلى ابهيت الحجر للزيارة .. لكن لا أحد يعرف السبب ..، يعرفون أنني ربما أزور الأهل والأصحاب ... لكن لا أحد يعرف شيئًا عن ليلة جدي علي البحار, وما يحدث فيها , وهي تقترب من ملحمة جلجاميش فقد ظهرت على يده كرامات , أما ما حدث يوم مولده ويوم وفاته فهو الشيء العظيم الذي ستسمعه من الراوي بنفسك وتدهش له ..
أبقيت هذا الجانب من حياتي سرًا مطويًا .. مديحة الوحيدة التي عرفت .. بعد أن اصطحبتها معي مرة إلى البلد في ليلة جدي , كان ذلك منذ سنوات .. لكنها أبدا لم تسترح لما يحدث في تلك الليلة .. ولم تشعر بود ..فركت أصابعها مرات عديدة .. ومسحت على وجهها .. كنت أتابعها وهي تبدو منزعجة .. تفزعها تحركات الراوي .. ودوران عصاته في الهواء .. في أحيان كثيرة تراجعت للخلف كدب منهزم .. عندما سألت كثيرا ، لم تجد إجابات تكفي شهيتها التي انفتحت للمعرفة .. جلست كبلهاء ، لم تستطع أن تنفض يدها من الغزل الكثبف الذي أحاط بها . . حامت حول رأسها كائنات غريبة , هي تبدو .. فتاة بريئة كإحدى فتيات يوسف السباعي , التي لا يهمها سوى الحب ، أهل البلد لا يرتاحون كثيرًا للأغراب .. الصمت واجه مديحة .. لم أستطع أن أفعل لها شيئا , وأنا جالس وكل العيون تحوم حولي .. وفهم ما يدور في تلك الليلة عسير على الغرباء .. الأمر يحتاج إلى بعض الاسترخاء ودقة المتابعة , ثم الخشوع كأنك في صلاة .. لا يمكن أن تتقبل ما يحدث إذا لم تكن مستعداً لذلك .. الأمر في أوله كان عسيرًا على .. الملل كان يتسلل إلى أطرافي الباردة.. وغربان كثيرة تنعق حول رأسي .. قالت في نفس يوم عودتنا .. إنها لم تشعر بود ولم تفهم ما يدور حولها ..
- قررت ألا أحضر تلك الليلة مرة ثانية , الغربان كانت تحيط بي كسلعة نافقة ..
أنا لا ألوم مديحة .. لأنه من الصعب على من لم يعش في ابهيت الحجر أن يفهم ما يدور الآن .... حتى أنا كان صعبا علي أن أفهمه .. كنت أجد جفوة ، حيث كان الراوي يحكي عن سنوات العجاف في حياة جدي.. كنت أنفر, وأتقطع من داخلي.. كنت أري الصواعق تقترب من أ طرافي , الريف هنا لا يبدو كما يصفه محمد عبد الحليم عبد الله كان يصف قرى لا تبدو – حقيقة – لم أنفق وقتا طويلا في إدراك ذلك.. حتى بلزاك قصّر في رسم الريف الفرنسي ، وقد رأى المعاني العميقة في كل شيء , وخاصة الأشياء التي تبدو - حسب المعروف - غير جديرة بالمعاني العميقة .. تسريحة الشعر .. ياقة القميص.. البدلة .. المهنة ... الأثاث , الحذاء .. صرف العملة ..طريقة إلقاء التحية ..تعلمت من بلزاك أن ألاحظ هذه الأشياء .. عصا الراوي .. ملامحه ..الجلباب ... الحلوى التي يضعها الأولاد في أيديهم .... الكراسي .. الأكواب ...كانت لذة ترتعد في أطرافي ... ونشوه تخترق سمائها كنورس حزين يحوم حولى .. الفتاة التي عاشت في القاهرة وسط كل هذا الضجيج , لا يمكن أن ترتاح أبدًا لما يحدث في إبهيت الحجر ... لم أشعر لحظة واحدة أنني غريب عن القاهرة .. تصرفت كما لو كنت مولودا هنا , كما لو كنت ابنها وتربيت في شوارعها , منذ التحاقي بالمدرسة الثانوية العسكرية في الهرم .. أصبحت واحدا من أهلها .. ومع مرور الزمن تلاشت ملامحي الساذجة , التي حضرت معي.. استطعت أن أضع بيني وبين أبهيت الحجر مائة كيلو متر , هى المسافة التى تفصل القاهرة عن إبيهت ... وهي تكفي لكي تمنحك وقتا لكي تغير من نفسك , المهم أن تبدو طبيعيا هناك في إبهيت الحجر أو هنا في القاهرة .. لا يلمس هنا أو هناك .. غرابة أو تغيراً يدفعه لكي يتوقف فجأة عن مواصلة الحديث معك ويسألك في تحد .
هل أنت من هنا ؟!!
لا يكفي أن تقضي سنوات من عمرك ضالاً, المهم كيف تعيش, تفاصيل صغيرة هي التي تفضح الغرباء هنا .. أصعب شيء هو اللهجة .. القاهريون لا يمطون الكلمات مثلنا في إبيهت الحجر ..... حين نمط الكلمات وهي تخرج من أفواهنا , لا يفعل ذلك القاهريون ... لم تشعر مديحة أنني غريب عن القاهرة , ولم أفعل أمامها ما يثير شهيتها للحديث معي عن إبهيت الحجر ... كانت تعرف أنني لست من أبناء هذه المدينة.. حين اقتربت منها , وعرفت والدها , كان حماسيا مثل فتحي رضوان في مسرحياته التي تمتلأ بالوعظ .. كانت ملامحه تشي بتاريخ من الثراء , غير بعيد , حين تتجاوز قشرة الوجه الخارجية , التي تبدو فيها الأنف أهم ما يميز الوجه , أنف مثل أنوف البشوات القدامى.. أنف مترفع, لم أر مثله في إبهيت الحجر .. هو الذي منحني فرصة العمل في البنك محاسبا ، ولم يكن مخططا لي من والدي المرحوم جلال البحار الذي كان مفتشا بإدارة ري شرق التابع لمديرية الري هناك .. كان يعدني لأكون ضابطًا بالجيش, ولا أعرف لماذا اختار لي هذه الوظيفة ، هل لأنه وجدني فارع الطول .. أسمر.. قوي البنية، أم لأنها رغبة أمي التي أسرّت لأبي بها .. رغبة أمي لأنها كانت تريد أن تراني ضابطًا في الجيش مثل جدها، وكانت هي التي تدفع والدي إلى أن يرسلني إلى القاهرة ..
امتلأ البنك بالموظفين .. جلس كل على مكتبه .. فتح البنك أبوابه لاستقبال العملاء والزحام الذي نراه كل يوم ... النقود التي تخرج ، والنقود التي تودع .. الدولاب المحاسبي اليومي .. الأوراق تنتقل من يد إلى يد , ومن مكتب إلى مكتب .. تزداد ثقلا بالتأشيرات .. خانات الأرقام الممتلئة .... ثم يمهرها المدير بتوقيعه فتصبح جاهزة للصرف..الأمور تبدو عادية جدا مثل كل يوم .. لا جديد ، حتى صراخ العملاء الدائم بعد لمد النقود لإرجاع التالف منها أو عند توهم أنها ناقصة .. كل هذا معتاد ويحدث كل يوم .. كوب القهوة الثاني الذي وضعه عم عثمان أمامي زادني يقظة .. وألهب حماسى للعمل رغم هذا التعب الذي يرقد فوقه كتفي منذ ليلة أمس .. نحن هنا في البنك لا نجد وقتا للفراغ أو لالتقاط الأنفاس مثل الموظفين في المصالح الحكومية الأخرى فلا وقت حتى لتصفح الجريدة أو لتبادل الحديث عن المشاكل الخاصة بالزوجات.. مثلا وهو أقصى ما يمكن أن يحدث بين موظفي البنك .. أن تتقابل أعيننا للحظة على أمر ما يقع فتصوب الأنظار كلها إليه .. تنظر إلى بعضنا ساعتها وينقسم وتعود الرؤوس إلى الأوراق سريعًا .. هي ابتسامة غير مفهومة تستغرق لحظة وتتصرف إلى الأوراق وحساب الأرقام .. الأرقام لا ترحم والخطأ الواحد يكلف أحدنا الكثير .... وما حدث مع زميلنا حمدي العام الماضي ما زال أمام أعيننا نراه .. بسبب خطأ يسير في وضع صفر زائد ، وإذا أخطأت فلن يشفع لك إخلاصك الدائم في العمل وتفانيك وجديتك في الحضور والانصراف .. ولكن سوف تعاقب وسوف يخصم من راتبك وما سببته من خسارة للبنك.
لذلك فالأمر يحتاج إلى مزيد من الدقة والمراجعة وأن نفتح عيوننا على آخرها ونحن أمام المستندات .. أهم شيء هو الدقة في الأرقام .. الأرقام التي بين المربعات .. كان حارس الأمن يقف فوق رأسي
هذه السيدة التي تقف هناك .. تريدك يا أستاذ شحاته
تابعت بنظري إلى حيث يشير الحارس وجدتها تنظر إلي بلطف .. لم أفهم , أنا لا أعرفها من قبل .. أحست فارتفع صوتها مؤكدة .
يا أستاذ شحاته أنا أريدك
اخترقتُ نظرات الموظفين وأنا سائر إليها كانت النظرات المتطفلة تحاصرني , العيون نهمة إلى معرفة تفاصيل اللقاء .. لكني لا أعرفها قطعًا لا أعرفها .. كلما اقتربت تزداد العيون تحديقا .. مدت يدها ، مددت يدي أحسست بلسعة برودة تغزو جسدي ، ترددت في أن أتكلم أولا .. كانت جميلة وثرية هكذا بدا شكلها لا تحتاج إلى فطنة لكي تدرك ذلك .. بقية جسدها كان عريانا مما زاد ارتباكي وتضاعفت النظرات ، أصبحت مضطرا أن أتكلم أولا لأنهي هذه المقابلة فقد تأكد لي أن في الأمر خطأ ولابد من أن أوضحه حالاً .. نعم هذه المرأة أخطأت حين أشارت للحارس باتجاهي .. أنا على ما يبدو لا أعرفها ولم أرها أبدًا في حياتي ... ازداد الموقف قلقا حين أخرجت علبة سجائرها ووضعت سيجارة في فمها واليد الأخرى أمسكت بالولاعة .. أشعلتها وأخذت نفسا عميقا ثم بدت كمن يلهو حين نفقته في وجهي دفعة واحدة .. أغمضت عيني في حركة لا إرادية حين أحاطت بي سحابة الدخان بدت معتذرة ..
أنا آسفة يا أستاذ شحاته .. تفضل ..
مدت يدها باتجاهي وهي ممسكة بعلبة السجائر المفتوحة .. اعتذرت لها وعندما ألحت سحبت واحدة بطرف أصبعي وضعتها بين شفتي .. أطبقت على ولاعتها الثمينة وضغطت على زر الإشعال .. انطلقت النار أمام وجهي .. سحبت نفسا , العيون ما زالت تترقب .. والعملاء يتحركون حولنا .. الدقائق متثاقلة لا تمر .. قلت سوف أنهي الحديث . وأصحح الخطأ .. ولابد أنها ستدرك ما حدث من لبس , وتعتذر عنه بلباقة .
هل تريديني أنا بالضبط يا مدام ؟!
أطلقت ضحكة رنانة طارت معها كل الطيور النائمة ... العملاء ... الموظفون .. الحراس .. نظرت حولي كمن يحاول أن يتجمع قواه .
انظر إليّ جيدًا ... سوف تعرفني .. ألست أنت شحاته جلال البحار من عائلة البحار من سلالة الحاج علي البحار ؟!!!!
تبدو جريئة كنساء إحسان عبد القدوس .. ياه كيف ألقت بي في بحيرة من الأمواج الخانقة ...؟ ما علاقة المرأة بابهيت الحجر وعائلتي , إنها تعرفني حتما .. أما أنا فلا أعرفها .. تركتني في خجل أمسح بنظراتي ملامحها .. تأكد لي أنني لم أرها من قبل .. ملامحها حتما لا تشبه بنات ابهيت .. الأنف المستقيم الصغير الذي يربض في رقة على شفتين ممتلئتين بأنوثة , وعينان زرقاوان في صفاء السماء الرائقة .. قلت ربما الإرهاق طوال اليوم والسفر بالأتوبيس هما السبب وراء ضعف ذاكرتي الآن , وعدم قدرتي على استدعاء الأشياء في وقتها.. عرفت المرأة ما ألم لي من حيرة .. أطلقت ضحكتها .. مرة ثانية , فأزاحت عن وجهها خجلا رقيقا كان قد تناثر كثلج أبيض .. فتحت شنطتها البنية الملفوفة بحزام أزرق مزركش بنمنمات عربية .. وقعت على الأرض علبه سجائرها. التقطها أحد العملاء وقدمها إليها بابتسامة باهتة.. لم يعرني أي اهتمام .. شكرت العميل على ذوقه ومدت يدها داخل الشنطة تعبث بها.
- خذ .. الكارت ضعه في جيبك الآن, واتصل بي .. لا تنس أن تتصل بي
استسلمت لما أمرت به , وضعت الكارت في جيبي .. انسحبت من أمامي , العيون البلهاء ما زالت تتابع الموقف , وهم يقدمون لي ابتسامات باردة .. ابتسامات منتزعة من شجرة سنط عجوز .. ياه ماذا سيقول هؤلاء الملاعين .. ؟ !! وماذا تتصور عقولهم .. ؟ ! لن يصدقوني إن قلت لهم أنني لا أعرف هذه المرأة .. لن يسكتوا سيجعلون من هذا المشهد الذي رأوه .. مشهدا مسرحيا ساقطاً لاستهلاك وقت العمل الغبي , المزدحم بالأوراق والتوقيعات والمستندات , الأمر يبدو طبيعيا ، لكنني أعرف ما يدور بعقولهم الآن .. كانت السيجارة ما زالت مشتعلة بين أصابعي .. أطبقت عليها في الطفاية .. وزعقت في طلب عم عثمان وفي ضيق .
أين القهوة يا عم عثمان.. ؟ ! ألم أطلب قهوة منك ؟ !!
لقد أحضرتها فلم أجدك جالسا على مكتبك يا أستاذ شحاته , كنت واقفا هناك
اذهب وأحضر غيرها حالا , لا تنس ضعها في كوب لا أريدها في فنجان .
حتى أنت يا عم عثمان تلمح في حديثك بوقوفي مع المرأة ..في الثالثة أغلق البنك أبوابه في وجه العملاء .. ولم يبق أمامنا سوى ساعة فقط لننجز فيها تقفيل ميزانية اليوم , ساعتها يسمح لنا بالانصراف , كان اليوم طويلا وشاقا ومرهقا ، بدأته هناك في ا بهيت الحجر , وانتهى بي هنا ... إذا كنت مرهقا لهذا الحد فلا داعي لأخذ المترو في طريق عودتي ، سوف آخذ تاكسي , وأدع السائق يصل بي حتى باب العمارة , ولا يبقى أمامي سوى السلم , بعد خمس طوابق سوف أقفزها قفزة واحدة كوثبة قط , حتى أجد نفسي مستلقيا على السرير لن ألتفت إلى نداء مديحة لي , هي تطلبني للغداء , وأنها وضعته على المائدة , وأنه من الصنف الذي أحبه .
..صينية البطاطس باللحمة في الفرن ..
لن أدعها تحاول معي .. لا حاجة بي إلى الطعام .. حاجتي إلى النوم أكثر .. سأنبه عليها ألا توقظني .. تتركني نائما .. سوف أغلق الباب من الداخل , واضع مخدة حول أذني , وأنام طويلا .. لن أترك شيئا يشغلني عن النوم.. أوقفت التاكسي أمام الموظفين الذين خرجوا توًا من البنك , عيونهم تحدق في وأنا أمتطي التاكسى ، العادة أن نخرج سويا .. إلى محطة المترو , حيث يذهب كل منا إلى اتجاهه , كان دائما فتحي أبو شنب الذي يكمل معي ، كلانا نسكن نفس الشارع ، شارع الشيخ محمد عبده .. كان ذلك منذ أعوام مرت وانقطعت علاقتي به داخل السجن , تركته هناك يقضي عقوبة خمس سنوات , كاد فتحي أبو شنب أن يوقع بي في التحقيق أمام وكيل النيابة .. تلك الأيام السوداء كيف مرت على خاطري وأنا مجهد هكذا مستلقيا على كنبة التاكسي الخلفية ؟ ... تاركا للسائق كامل الحرية في المروق من الشوارع الجانبية , ليتخطى الزحام الشديد .. يبدو أن الرجل محترف في عمله , وجدت نفسي بعد دورانات عديدة أمام مسجد الإمام .. ومن هنا تصبح المسافة إلى شارع محمد عبده قصيرة جدا .. أعرف أن مديحة تجهد نفسها الآن في إعداد الطعام ، كان بودي أن أقول لها أنني لا حاجة لي للطعام , إنني مجهد وسوف أستريح , بل سوف أنام أولا .. دعيني أدخل حجرتي وأغلقها بإحكام .. لا أريد محادثات هاتفية ، لا أريد زيارات , مهما كان الأمر .. لا تطرقي باب حجرة النوم .. أنا مجهد .. مجهد للغاية ، ربما تغضب مني مديحة ... لكن لا حيلة لى , اليوم كان صعبا ولم أذق طعم الراحة قط .. لكن ما ذنب مديحة ؟!! مديحة زميلة كلية التجارة ... أحبتني بجنون جعلت للدراسة طعما.. وكلية التجارة التي دخلتها مرغما , بعد أن فشلت في تحقيق حلم أبي في أن أكون ضابطا بالجيش .. لم يكن الأمر بيدي, كان قدرا ... هكذا قال مدير المدرسة الثانوية العسكرية لأبي .. ابنك كان يتدرب في ميدان الحواجز بالمدرسة , أثناء القفز وقع وارتطم بالحاجز .. حدث له قطع في الرباط .. لزم لذلك إجراء عملية .. ابنك وضعت له شريحة معدنية في ركبته .. لا يمكن لطالب في المدرسة العسكرية أن يستمر وفي أحد مفاصله شريحة معدنية .... وفي النهاية أشار مدير المدرسة على ابي أن ينقلني إلى مدرسة أخرى ... ونقلت .. كان أسود يوم في حياتي .. أسود من اليوم الذي دخلت فيه السجن .. كنت كمن يحمل عارا فوق كتفيه .. حين دخلت إلى المدرسة الجديدة .. الطلبة كانوا يحدقون في , ينظرون إلى هذا القادم من عالم آخر .. المصاب .. الذي نقل إلينا ... كان الجميع هنا يلقبونني بالطالب المصاب , هذا ما قاله مدرس الفصل الأستاذ رفعت , أو هكذا قال , ربما لا أتذكر بالضبط. لكنني لا أنسى ما قاله الأستاذ رفعت , وقعت الكلمات على صدري , بل انغرست في قلبي كالسكين ... لكن بعد أسابيع قليلة صارت لي صداقات بالمدرسة , أحسست براحة لم أجدها في المدرسة العسكرية , تبدلت المشاعر من الاشفاق علي إلى الحب .
وهناك كانت تنتظرني مديحة .. لم يكن تعارفنا سهلا كبقية المحبين في الجامعة , بل تعارفنا صدمة .. بدا كأنه قدر , مثل كل الأقدار التي أطاحت بي ونفذت ما أرادت رغما عني.... كنت ساعتها أجلس في كافتيريا الكلية بمفردي كطالب مستجد بالفرقة الأولى , لم أكن قد تعرفت على زملاء .. كنت أحتسي قهوتى في كوب .. رشفتان ووجدت عم قاسم ساعي مكتب عميد الكلية واقفا أمامي .
اسمك شحاتة يا بني؟
نعم أنا شحاتة .
سيادة الدكتور العميد يطلبك في مكتبه
مضيت خلف عم قاسم .. أوقفني عند باب المكتب وقال
انتظر لحظات حتى أستأذن
دخل الرجل وما هي إلا ثوان وأشار لي بالدخول .. حين دخلت وجدته جالسا خلف مكتبه , يحادث أحدا في الهاتف .. انتظرت بضع لحظات .. طالت المحادثة .. دارت عيناي في المكتب .. حتى وقعت عليها بكل رقتها وأنوثتها تجلس في الكرسى على يمين المكتب .. تغوص بجسدها الصغير في الكرسي الواسع .. عيناها تحملان براءة مثل التي تركتها في إبهيت الحجر التقت عينانا .. كان صوت وضع سماعة الهاتف منبها لي من سباتي.. تفحصني جيدا .
أنت شحاتة ؟
نعم يا دكتور .
طالب في الفرقة الأولى عندنا في الكلية ؟
نعم .
من أين أنت ؟
من إبهيت الحجر .
أسألك عن محافظتك ؟
الفيـــــــوم .
اسمع أنت تربيت تربية ريفية وتعرف الأصول .. كيف تسول لك نفسك أن تكتب هذه الخطابات إلى زميلتك مديحة , بها عبارات تخدش الحياء وألفاظ نابية , أنا قرأتها بنفسي أنت هنا في كلية ولست في كازينو .. اسمع يا ولد ساكتفي بفصلك أسبوعا , أسبوعا واحدا وبعدها يجب أن تعود إلى رشدك وإلا سوف أفصلك نهائيا من الكلية .
لكن يا سيادة العميد .
قاطعني بحــدة .
هذا أقل جزاء على فعلتك تفضل مع السلامة ..
خرجت من مكتب العميد والدنيا تدور بى يمينا ويسارا لا أعرف اتجاه سلم النزول , كدت أقع على الأرض ؟! وأنا أسير بخطوات عجوز متعثرة .. ماذا يقول هذا الرجل أنا لم أكتب خطابات لأية بنت في الكلية ...
ماذا لو عرف الأهل في البلد بما حدث لى .. شحاتة من عائلة البحار من سلالة الحاج علي البحار يفعل هذا .. سوف يطردونني بلا رحمة .. ياه هذه الفتاة البريئة التى كانت تجلس على يمين العميد هي التي ترميني بهذا كيف لهاتين العينين الرائقنين الصافيتين صفاء السماء الزرقاء .. صفاء الماء الطهور .. النقية مثل الأرض الخضراء تشم منها رائحة النبات الذي يشق الأرض لتوه بكرا .. كيف تلصق بى هذه التهمة ؟!! ولماذا ؟!! أنا الذي يتملكني الخجل ككل الريفيين .. يتملكنا الصمت حين نرى فتاة جميلة أمامنا .. السائق انطفأ وميض حماسه أمام إشارات المرور العنيدة التي لا ترحم قال بصوت ناقم ..
الإشارات الملعونة لا تكف عن إزلالنا أمامها .. نقف بالساعات نتظرها حتى تفتح .. وكأننا في طابور السجن ننتظر الجرايه..
ضحكت من قلبى على ما قاله السائق المتململ من الوقوف .. وقلت في نفسي, أن لحظات السجن أطول وأشق .. وعذابه أمر .. وكم تعبت مديحة وأنا في السجن, كان لا يرهقها حمل الطعام إلي, وانتظار الساعات الطويلة حتى يسمح لها بالدخول .. كم مرة قلت لها لا تتعبي نفسك في الحضور إلى هنا .. سوف آكل أي شيء , لا ضرورة لهذا , المرء في السجن لأيهنأ بطعام أو شراب .. لكنها كانت تصر علىالحضور كل يوم, أيام التحقيق الأولى طويلة وشاقة, كنت وفتحي أبو شنب دائمين العراك , لا نكف عن الرغيق كان يسبني كثيرا بأفظع الشتائم , جحيم فتح أبو شنب أشد من السحن نفسه , كان عصبيا وثائرا .. ناقما على كل شيء , ولم يعبأ بهدوئي .. قال لي ذات مرة بعد أن انتهيا من العراك اليومى .
صهرك المحترم لن يتركك .. سوف يجري اتصالاته لكي يخرجك من هنا سريعا , أما أنا فلن يطل في وجهي أحد أبدا, سوف يتركونني حتى أصبح نتنة , لا يريدان يقترب منها أحد .
فتحي يكره نفسه , أكثر مما كان يكره الآخرين , لذا كان يقسو على نفسه ويضربها , ولايدعها تهنأ بنوم أو راحة .. كان يوقظني في منتصف الليل لكي يسمعني وأبلا من الشتائم , ثم يتكوم في ركن الغرفة المظلم هناك بعيدا عن الضوء المتسرب من شباك صغير بأعلى الجدار الأيمن للحجرة.. كم مرة أفقت على بكائه ... كنت أضمه إلى صدري.. كان فتحي أبو شنب غريب الأطوار .. متقلب المزاج , مرة يبدء كوحش عملاق ومرة يصبح طفلا وديعا تغرورق عيناه بدموع مذنبة كالن يمتلك ادوات عديدة لقتلي, هكذا كان يبدو لي دائما كمشهد افعى تحتضر .. حين نقل إلى فرع البنك هنا , لم يكن يصاحب أحدا , ظل هكذا لمدة عام , ثم بدأ يتودد إلي, بدأنا نسير معا ذهابا وإيابا إلى البنك , كان هو أمين الخزينة بالفرع .. المسئول عن النقود .. بدأ كرجل رقيق طيب .. أحببته حقا , أحببت فتحي أبو شنب , أقترب مني وعرف تفاصيل كثيرة عن حياتي .. عرف دور صهري مرسي بك أمين في تعييني بالبنك ... صارحته بذلك , الرجل منذ أن قدمتني إليه ابنته مديحة دخلت قلبه, انشرح صدره لي, الرجل كان يحب ابنته حبا لا يوصف , مديحة بالنسبة له كل شيء, حين عرف أصلي الريفي وأنني من عائلة محترمة اقترب مني أكثر, أصبح يستقبلني في بيته , يدعني أتصرف على راحتي بالبيت , عندما روت له مديحة كيف تعارفنا .. ظل يضحك حتى الصباح , بينما كنت أتعجب من صنعه , فلم يكن في الأمر ما يضحك , على الأقل بالنسبة لي, كانت أزمة شديدة يوم أن طردني العميد من مكتبه وألقى أوراقا في وجهي, سماها خطابات , زعم أنني أرسلتها لمديحة ... وحين عرفت من مرسي أمين أنه هو الذي أتصل بالعميد , فقد كان صديقا له , وهو الذي حرضه ضدي, عرفت ساعتها سبب ضحكه , كدت أن أقع أنا الآخر من الضحك ... كل مرة كنت أصف له مشهدي وأنا واقف أمام العميد وهو يزمجرفي وجهي.. كنا نتعانق سويا من كثرة الضحك .. على ما فعله معي عن غير قصد .. نعم كان الأمر كله عن غير قصد ... هذا ما عرفته من مديحة بعد ذلك منذ فوجئت بعد فصلي من الكلية بيومين بطرقات على باب حجرتي.. فتحت فإذا ( بمديحة ) نعم كانت مديحة مرسي أمين بذاتها وقد طوت شعرها على هيئة ذيل حصان هذا الشعر الذي كان ينسال على كتفيها عندما شاهدتها أول مرة في مكتب العميد وضعت على عينيها نظارةشمسية سمراء أول شيء قالته حين فتحت الباب لها .
أنا آسفة ..
كان كل شيء قد تلاشى من أمامي.
تفضلي.
شكرا ..أنا جئت لاعتذر لك .. المسألة حدث بها سؤ تفاهم .. لم نكن نقصدك .. عرفنا الفاعل الحقيقي, كان أسمه نفس اسمك .. العميد أخذ معه إجراء صارم , وأنا جئت لأعتذر لك , وأطلب منك أن تحضر إلى الكلية من الغد , كما قال العميد لي.
كنت كمن خرج لتوه من بئر سحيق مظلم .. أنا حفيد عائلة البحار , لا يمكن أن أفعل هذا أبدا .. وجدي علي البحار , رجل المقام الرفيع في إبهيت الحجر ,يعرفه القاصي والداني , رجل له دعوة مستجابة .. وكلمته نافذة , لا يرد له أحد طلبا , كراماته معروف في البلد كلها والبلاد المجاورة ... ومن هناك يأتون إليه ينتظرون بالساعات , وفي بعض الأحيان باليوم وباليومين , الرجل يربط دابته في مرقد الدواب , ويجلس في المندرة البحرية .. حتى يخرج عليه الحاج علي البحار من خلوته حجرته التي لا يقترب منها أحد من أهل البيت ولا حتى عم فضل خادمه المخلص إلا إذا إذن له الحاج علي بذلك.. الناس يعرفون بركته .. وكما سمعت من الراوي .. كان الحاج علي يسير في نهار صيف يوليه وكانت الغمامة تظله من حرارة الشمس وقد رآها الناس في البلد رأي العين . .
الحاج علي كما قال الراوي لا يدعو لأحد بخير إلا استجيب لدعائه , الناس يسمعون أنينه ونشيجه طوال الليل حتى الصباح , اللصوص يهابون الاقتراب من البلد بفضل كراماته , لما مات الحاج علي البحار دخل اللصوص البلد وقطاع الطرق , الناس يفرحون يقدومي إليهم في أبيهت الحجر في ليلة الحاج علي البحار ويستبشرون برؤيتي فأنا آخر سلالة عائلة البحار وإلى الآن لم أنجب , ليس لي ولد من مديحة , مديحة ذهبت إلى كل الأطباء , ليس هناك سبب لعدم الإنجاب , لكن مديحة لا تنجب .
عندما كنت في البلد لإحياء ليلة جدي صارحني العمدة وشيخ الجامع بضيقهما من ذلك .. العمدة أقترب مني على استحياء وهمس في أذني.
ماذا فعلت في مسألة الإنجاب .. يا أستاذ شحاتة ؟!
الله يفعل ما يريد يا حضرة العمدة
هنا أنطلق لسان شيخ الجامع في وجهي.
يا ولدي, من سيحيي ليلة الحاج على البحار من بعدك , يجب أن يكون لك ولد حتى يحمل اسم عائلة البحار على كتفيه ويحيي ليلتكم ..
لا أعرف لماذا كان كلام شيخ الجامع ثقيلا على قلبي, ألقاني في فراغ أبدى , ماذا تفعل مديحة لكي تنجب ؟! ... فعلت كل شيء , لكن الأمر ليس بيدها .. كانت تتحمل غضبي بسبب هذا الموضوع , كانت تعرف سر أصراري على الولد , كانت تعرف أن البلد كلها هناك في إبهيت الحجر تنتظر هذا الجنين الذي سيحيي ليلة الحاج علي البحار من بعدي وإلا فلن يكون لجدي ذكرى من بعدي.. البلد كلها ستكون عرضة للنهب والسلب .. ولن يكون هناك أمان لأحد .
إذا ترك الناس في ابهيت الحجر إحياء هذه الليلة فلن تكون لنا قيمة بين القرى المجاورة هذا ما قاله إمام الجامع الشيخ سيد ياسين , مديحة تعرف كل ذلك ولكن ماذا تفعل ...؟! ! وهي لم تقصر في شيء أبدا , كنت أريده لكي يصبح ضابطا في الجيش , كما كانت تريد أمي لي.. أوقفه أمام قبرها, وهو يرتدي السترة العسكرية ..هناك تهنأ في قبرها ولا تحزن .. ولا تغضب مني كما كانت تغضب مني, حين كنت لا أسمع كلامها , وأذهب لكي ألعب مع الصبية خارج البيت , كانت تنهرني وتقول لى .. إننى من عائلة البحار ومن سلالة نقية ولا يجب أن ألعب هكذا مع عيال البلد .. لذلك أصرت عند والدي لكي يرسلني إلى القاهرة بعد أن رأت إصراري على الإختلاط بالأولاد في إبهيت الحجر .. الحقيقة أنني كنت أضيق بالسور الذي وضعته أمي حولي لم استطع أن أتمرد عليها أبدا, وأتعجب من موقفها من احترام عائلتنا وتقديسها الزائد لها , رغم أنني عرفت بعد ذلك بسنوات من الراوي .. أن جدي علي البحار كان يعارض زواج أبي من هذه السيدة ووقف طويلا في وجه أبي ونهره .. وقال له جدي .. إننا لا نزوج أولادنا من بنات لهن أصول في المدينة , جدي يكره المدينة ويعتبرها منبع الشر, كان جد أمي ضابطا كبيرا في الجيش وكان يعيش في المدينة, لذا رفض جدي البحار الكبير هذه المصاهرة , وعندما أتى أبي بشجرة عائلة أملا وعرف جدي أنها نقية ومن سلالة كلها من الريف وأن جدها الضابط الكبير أصله من الريف وافق على هذه الزيجة وباركها .
هل من أجل هذا كانت أمي تصر على إرسالي إلى المدينة ؟!! وكأنها بذلك تريد أن ترى نفسها وهي تعصي أوامر جدي, وتقول ها أنت أصبح لك حفيد في القاهرة .., أعطيته النقود وهبطت أمام العمارة, قلت خمس أدوار فقط وأصبح أمام السرير , لم يمنعني أحد من أن ألقي جسدي المرهق المنهك على السرير.. كان صدري يعلو ويهبط وأنا مستسلم للصعود .. طرقت الباب .. لأبد أنها هناك في المطبخ , لن تستمع لطرقاتى , أخرجت المفتاح , وضعته في الباب .. دلفت إلى الداخل تلفت يمنا ويسارا, لم أجدها بالصالة.. قلت ربما تكون هناك في المطبخ, دخلت حجرة النوم .. خلعت ملابس أرتديت البجامة .. لم أسمع لها صوتا كالعادة , كانت تتمتم بأغنية أم كلثوم ( القلب يعشق كل جميل ) .. لم أسمعها .. مضيت إلى المطبخ ... لم اجدها .. ترى أين مديحة ؟!! لم أعتد أن أحضر من البنك ولا أجدها .. كانت دائما في انتظاري.. منذ أن قعدت عن العمل برغبتها وقالت
سوف آخذ آجازة بدون مرتب لأتفرغ للإنجاب ...
منذ أن قعدت عن العمل وهي مضطربة , قلقة , لا تستمر على حال أبدا.. شغلها الإنجاب عن كل شيء , أصبح هدفها الأول , لا تسمع عن طبيب هنا أو هناك إلا ذهبت إليه .. أصبحت الحياة بيننا باردة , ليست لها طعم الحياة الأولى .. البرودة تسللت إلى شقتنا , أصبحت الوحدة هي ملاز كل منا ... البرودة قاتلة .. مديحة تحولت إلى كتلة من الصمت , لم تعد مرحة مثل بداية حياتنا .....منذ أن صممت على الإنجاب وهي متقلبة المزاج , لا تبقى على حال .. تتردد في الكلمات قبل أن تنطقها , كلمات كثيرة تموت على شفتيها ... احس بها تتعذب .. ترتكب حماقات كثيرة معي, لكني أغفر لها .. كانت مديحة مليئة بالحياة , والمرح لا يغادرها .. تحب الدنيا والناس .. أصبحت تضيق بالجلوس في شقتنا , كل يوم تذهب إلى والدها , تمضي هناك ساعات طويلة .. أنا لا ألومها أبدا على عدم الإنجاب .. فلماذا تحمل نفسها كل هذا العبأ ...؟!! كم مرة قامت من نومها فزعة منهارة تبكي؟!! كان بكاؤها يعذبني, يشق صدري ويحطمني .
مديحة تعرف أن الإنجاب بالنسبة لي مسألة حياة أو موت .. البلد كلها بنسائها وأطفالها وشيوخها .. العمدة .. شيخ البلد .. الشيخ سيد ياسين إمام الجامع .. كلهم ينتظرون حفيد عائلة البحار .
قالت لي بعد أن استيقظت فزعة , انها رأتهم ينظرون جميعا إلى بطنها .. يقتربون منها.. يريدون أن يمدوا أيديهم إلى بطنها يشقونها .. ليخرجوا الولد منها بالقوة ...
مسكينة يا مديحة , حالك تغير وتغير معه حالي.. قالت حين قدمت طلب الأجازة من عملها بالشركة ,أنها أصبحت لا تتحمل نظرات زميلاتها في العمل , نظرات زميلاتها في العمل نظرات الشفقة التي أصبحت لا تطيقها كأنها أير تنغرس في ضلوعها .. قالت أنها ستجلس في البيت حتى ترتاح من هذا العناء اليومي..
لم تسمح لنفسها بالراحة أبدا , بل تعبت وأتعبتني معها , حولت ليلها إلى نهار , لم تنم هالات سوداء تحيط عينيها من قلة النوم, عيناها أجمل ما في مديحة . . عيناها الرائقتان فارقتا النوم , لم أعد أرى فيهما هذا الفضاء الواسع الذي يسعني ولا تلك السماء الزرقاء التي تمنحني السكينة كنت أقف أمامها كطفل مدلل , أصبحتا زائفتين حائرتين .. الأيام الأخيرة مرت بطيئة ثقيلة .. كنت أتحدث إليها أحاول أن أخفف عنها.. كانت كلماتي تضايقها .. لا ترغب في الاستماع إلي, لم أرها أبدا ضعيفة مستسلمة إلى هذا الحد .. هل هذه هي مديحة التي وقفت بجواري في محنتي حين أخذوني إلى السجن ..؟! كنت أراها من خلف القضبان قوية متماسكة .. كانت عيناها حين أنظر إليهما , اغيب عن الدنيا , فلا أرى أسوار السجن العالية .. كنت أحلق فيهما وأطير .. كلماتها شفاء لكل جروحي.. كيف بدت الآن ضعيفة إلى هذا الحد .. هل كانت تحاول أن تبدوا أمامي قوية متماسكة حتى لا أنهار وأنا في السجن ..؟! أنا لم ألمح لها برغبتي في الإنجاب , ولم أعنفها لذلك أبدا , ربما أحست بما يدور نفسي, لما لا وهي أقرب إلي من نفسي, ربما سمعتني ليلا , وأنا نائم , أردد شيئا أو أهذي بشيء .. هل هذا حدث ؟ ! هل سمعتني مرة أقول شيئا وأنا نائم .؟! لذا انهارت إلى هذا الحد .. لكن ما حيلتى .. المرء لا يملك نفسه وهو نائم .. أنا آسف يا مديحة , لو حدث ذلك وتسبب في حزنك .. وربما لا يخفي عليها ما أنا فيه ..
هل اطلبها الآن على الهاتف عند أبيها .. أم أتركها , بل يجب أن اشعرها بالاهتمام , نعم سوف اطلبها , لكي تشعر أنني لا أطيق بعادها عني ولو ساعة واحدة , ادرت قرص الهاتف , جائني صوت الحاج مرسي أمين متهللا .. عندما عرف صوتي سألني عن نفسي وعن صحتي.. ثم سألني عن مديحة وهل هي بخير ..؟! أسرعت بإنهاء المكالمة بعد أن أدركت أن مديحة لست عنده الآن , ترى أين ذهبت مديحة ؟!!
رأسي تدور بي من شدة التعب .. ألقيت جسدي على السرير , إغمضت عيني للحظة .. ثم أفقت على صورتها .. كيف نسيت تلك المرآة بهذه السهولة, من شغلني عنها ,؟! من يا ترى هذه المرآة التي حضرت إلى البنك اليوم ..؟! بالتأكيد ليس الأمر من قبيل المصادقة , أنها حتما تعرفني, تعرفني جيدا , لقد تحدثت عن إبهيت الحجر , أظن ذلك .. وجاءت سيرة جدي على لسانها .. نعم اتذكر - بالكاد - ما قالته ساعتها .. أنا متعب جدا , ومرهق للغاية .. وأذكر أيضا أنها اعطتني سيجارة من علبة سجائرها .. ياه لقد تذكرت .. الكارت .. أين وضعت الكارت الذي أعطتني إياه المرآة إنه في جيب الجاكت هرعت إلى الدولاب , أخرجته من جيب الجاكت .. ها هو .. نظرت إلى حروفه كان , مكتوب عليه أسمها بخط كوفي ( فريدة المرص ).. ربما لا أعرف الاسم جيدا لكني اتذكر أن هناك في إبهيت الحجر عائلة بهذا الاسم , عائلة المرص .. يبدو الاسم بعيدا.. لكني لا أذكر أن في تلك العائلة أمرأة بهذا الجمال .............. إبهيت الحجر لا تعرف هذا النوع من النساء , طنين الأفكار حول رأسي صار يضايقني.. رأسي تدور كأنها طاحونة لا تهدأ, كان النوم قد حط على جفوني.. استسلمت له .. كان صوت مديحة يتهادى إلى سمعي من الصالة .
- شحاتة , هل حضرت؟!........ حبيبي أين أنت ؟ .. انا حضرت لتوي من الخارج.. سأعد لك الطعام .... لا تنم الآن .. انتظر ...