( 2 )
أبداً .. السجن لا يصنع أبطالاًَ ولا زعماء
النيابة العامة :
محضر تحقيق
فتح المحضر اليوم الساعة الواحدة ظهرا بسراي النيابة
نحن / فؤاد نصار وكيل النيابة
ومحمد رجب سكرتير التحقيق
اليوم وأثناء تواجدنا بسراي النيابة عرض علينا المحضر السابق ذكره إداري القسم والمحرر بمعرفة النقيب علي صفوت رئيس التحقيقات بالقسم والمؤرخ بتاريخ اليوم .. والذي ضمنه تقرير التفتيش المالي والإداري والذي يشير إلى وجود اختلاس مبالغ مالية تبلغ مائة وخمسة وعشرون ألف جنيه من فرع البنك وعليه وبمناسبة وجود المتهمين خارج غرفة التحقيق دعونا الأول منهما ويدعى / فتحي حامد أبو شنب داخل غرفة التحقيق فألفيناه رجلا في العقد الأربعين من عمره له شارب وبشرته قمحية ويرتدي من الملابس الأفرنجية، جاكت أزرق تحته قميص أصفر اللون وبنطلون أسود مقلم وينتعل حذاء جلد أسود .. فأحطناه علما بالتهمة المنسوبة إليه وأن النيابة العامة هي التي تباشر معه التحقيق وسألناه عن التهمة المنسوبة إليه وعما إذا كان لديه مدافع يحضر معه التحقيق ، فأجاب عن الأولى بالإنكار وعن الثانية بأن معه الأستاذ/ سالم حمودة المحامي وسدد الأخير التمغة ، وشرعنا في سؤال المتهم .
س : اسمك وسنك وعنوانك ؟
جـ : فتحي حامد أبو شنب ، أثنان وأربعون عاما ، ومقيم 23ش محمد عبده .
س : ما قولك في التهمة المنسوبة إليك .. من أنك اختلست المبالغ الواردة بتقرير التفتيش المالي والإداري ؟
جـ : لم يحدث.
س : وبما تفسر العجز الوارد بالخزينة مع أنك المسئول عنها ؟
جـ : كل الأوراق سليمة وموقعة من الموظف المختص بذلك .
س: ومن هو الموظف المختص بذلك ؟
جـ : الأستاذ / شحاتة جلال علي البحار .
س : هل تتهم سالف الذكر بالاختلاس ؟
جـ : نعم
س : أنت متهم بالاشتراك مع آخر في الاستيلاء على المال العام ؟
جـ : لم يحدث وأنا بريئ.
س : هل لديك أقوال أخرى .
جـ : لا
وعليه قام المتهم بالتوقيع على أقواله وأنحينا الماثل أمامنا خارج غرفة التحقيق واستدعينا المتهم الثانى ويدعى شحاتة جلال علي البحار وألفيناه رجلا في العقد الثلاثين من عمره ، ذو بشرة سمراء ، طويل القامة ، وذو شعر أسود تتخلله شعيرات بيضاء قليلة ويرتدي من الملابس الأفرنجية ، قميصاً أبيضاً ، وبنطلون أزرق ، وينتعل حذاء بني اللون ولا تظهر على ملابسه أو جسده آثار تفيد التحقيق وسألناه شفاهة عن التهمة المنسوبة إليه وعما إذا كان معه مدافع يحضر معه التحقيق فأجاب عن الاثنين بالنفي وعليه شرعنا فىسؤاله .
س: اسمك وسنك وعنوانك ؟!
جـ : شحاتة جلال علي البحار ، اثنين وثلاثين عاما ، ومقيم 27 ش محمد عبده .
س : ما قولك في التهمة المنسوبة إليك ؟! أفهمناه .
جـ : أنا بريئ.
س : أنت متهم بالاختلاس حسبما ورد بتقرير التفتيش المرفق بالأوراق ... ملحوظة أطلعنا المتهم على تقرير التفتيش تمت الملحوظة .
جـ : أنا لم اختلس شيئا .
س : هل لديك سوابق ؟!
جـ : لا .
س: جاء بأقوال المتهم الأول أنك أنت المسئول عن التوقيع على أذونات الصرف وجميع المستندات .
ملحوظة : قمنا بفض الحرز وهو عبارة عن ظرف أصفر وعليه شمع احمر ومختوم بخاتم يقرأ النقيب علي صفوت .
تمت الملحوظة
جـ : فتحي كاذب وأنا ليس لي توقيعات على هذه الأوراق .
س : بما تفسر وجود توقيعك على الأوراق ؟
جـ : هذه توقيعات مزورة .
س : هل تطعن على هذه التوقيعات بالتزوير ؟
جـ : نعم .
س : ومن الذي قام بتزوير توقيعك على المستندات حسب زعمك ؟
جـ : لا أعرف .
س : أنت متهم بالاشتراك مع المتهم الأول بالاستيلاء على المال العام المملوك للبنك ؟
جـ : أنا بريئ.
س : هل لديك أقوال أخرى ؟
جـ : لا .
وعليه قام المتهم بالتوقيع أمامنا على أقواله بمحضر التحقيق.
وقررنا إجراء مواجهة بين المتهمين داخل غرفة التحقيق ، وسمحنا للمتهم الأول بالدخول إلى غرفة التحقيق وبمواجهة كل منهما بأقوال الآخر أصر كل منهما على أقواله ، وطلب الحاضر مع المتهم الأول الأستاذ/ سالم حمودة المحامي إخلاء سبيل المتهم الأول بضمان محل إقامته وضمان وظيفته أو بأي ضمان تراه النيابة العامة ، حيث أن موكله ليس مسئولاً عن المستندات المضبوطة وأنها جميعاً تحمل توقيع المتهم الثانى وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه عقب إثبات ما تقدم .
وعليــه قررنا الآتي
أولاً : يحبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيق ويراعى التجديد لهما في المواعيد القانونية .
ثانيا :-يطلب فيش بصمات المتهمين سالفي الذكر وصحيفة سوابقهما .
ثالثا :- تطلب تحريات مباحث الأموال العامة حول الواقعة .
رابعا :- يطلب النقيب علي صفوت لسؤاله بجلسة التحقق القادمة .
خامسا :- يطلب السيد مدير البنك لسؤاله بذات الجلسة .
سادسا : ترسل الأوراق إلى الطب الشرعي قسم أبحاث التزييف والتزوير لتحديد ما إذا كان التوقيع عليها هو توقيع المتهم الثاني من عدمه .
ياه .... أيام سوداء لا يستطيع المرء أن يذكرها وهو ممدد على أريكته هكذا, واضعا قديمه في مواجهة شاشة التليفزيون , حيث لا تكف المذيعة عن وضع ابتسامة باهتة على شفتيها لإدخال البهجة على الناظرين إليها عبر الشاشة , وهم يشاهدون مط شفتيها ببلاهة .. مثلها تماما كانت تفعل مديحة , عندما كانت تضع ابتسامة لا أفهمها , ابتسامة غامضة .. تبتغي بها إدخال الطمأنينة على نفسي وأن كل شيء تمام .
العمر الذي قضيته في السجن في زنزانة واحدة مع فتحي أبو شنب , ما أصعب أن يجبر على أن تجالس عدوك وأن يشاكك كل شيء , طعامك , شرابك , نومك وحتى بعض الهواء الذي تتنفسه ويدخل رئتك .
أول شيء طلبته من مديحة في زيارتها الأولى لي, أن تحضر معها كتاب ( قصص الأنبياء ) لابن كثير .. كنت أعرف أن الأنبياء هم أشد الناس ابتلاء , وأكثرهم خاض محنا حالكة السواد .. كنت أريد أن أعرف كيف يتغلبون على هذه المحن ؟ وقلت أقرأ قصة سيدنا يوسف عليه السلام , فهي أقرب القصص إلى حالي, فقد أدخل إلى السجن ظلما مثلي تماما , ولبث في السجن بضع سنين , والبضع ما بين الثلاث إلى التسع , وقيل إلى السبع , وقيل إلى الخمس .... وقبل مادون العشرة ..
اليوم الذي تقضيه في السجن ظلما يساوي سنينا, فأي ما قاله المفسرون صحيحا, كان فتحي أبو شنب رجلا متقلب المزاج , يضحك تارة ويبكي أخرى , لم نعد يتحدث في قضيتنا , لم أعد أعرف الحقيقة , أو أملكها لا أعرف أن كان فتحي مظلوما مثلي أم هو الظالم .. فلماذا أقسو عليه أذن ...؟!ّ الأيام تنفلت من بين أصابعي, تتكسر المشاعر وتتبلد الأفكار, لا نعرف للأيام عددا ولا طعم فهي متشابه في كل شيء ... الضوء الذي يباغتك فىالصباح من قوة في أعلى الحائط الأيمن الأسمنتي المرتفع هو كل ما يصل إليك من العالم الخارجى , لم أذق نوما هادئا , كان نومي متقطعا ... تتخلله الكوابيس والأفكار المؤلمة عن المصير.... أصبحت أكره النوم .
في البداية , كنت أتطلع إلى زيارة مديحة حتى أسألها عن الجديد في قضيتي لكنها كانت دائما ترد بكلمات بلهاء , كلمات لا تعبر إلا عن فضاء مثل فضاء اللوحات السريالية .. فضاء يحتمل كل التصورات والتأويلات .. قطعة من الضوء , يحتمل أن تكون نورا وبصيص أمل , ويحتمل أن تكون احتراقا وموت ...........
كان الشاويش حسن هو أشد الناس - هنا - إحساساً بى داخل السجن .. الحراس في السجن لا يهمهم إلا الضبط والربط و النظام .. لا يهم إن كنت مظلوما أو ظالما ، لا يهم أن كنت جانيا أو مجنياً عليه ، كل من يرتدي البدلة الزرقاء سواسية ، الكل يخضع لقانون ، هو قانون السجن ... الوحيد الذي كنت أرى في وجهه حزنا علي هو الشاويش حسن .. لكنه كان يقول لي دائما عندما يراني مكتئبا .
يا أستاذ شحاتة ، أنت أحين من غيرك .. أصبر .
لم أكن أفهم كلام الشاويش ... كنت أقول .. وهل بعد هذه الأسوار دنيا أسوأ ... حتى استيقظت في أحد المساءات .. على أصوات عالية ، وضجيج غير معتاد ، في مساء السجن ، أنت لاتسمع سوى أصوات الكلاب التي تبيح طوال الليل ، أو زعيق نوبات الحراسة .. أما اليوم فكان الأمر مختلفا ، الضجيج يملأ المكان وفجأة فتح الحراس الزنزانة وإذ بدفعة من المساجين .. دفعة من المستجدين .. لكن العدد كان أكبر من أن تستوعبه زنزانتي الصغيرة ، بالكاد كل منا وجد موضع قدميه حتى الصباح .. الأولاد الذين حضروا كانوا مرجوفين ، مرعديين ، لاذوا بالصمت طوال الليل ، كانت أجسادهم ملطخة بالدماء ، وأنينهم لا يكف ، ظل متواصلا طوال الليل .. بالكاد عرفت الحقيقة، عرفت أن السادات فعلها في آخر أيامه ، واعتقل عددا كبيراً .. في الصباح جاء العسكر وجروا الأولاد من الزنزانة إلى الخارج وقالوا لهم ..
- إلى التحقيق ...
كانت خدعة ، لم يكن هناك تحقيق .. فقط سمعنا صراخ المعتقلين وأنينهم , وعند وجبة الغذاء لم يسمح لنا بالذهاب إلى ميس السجن ، بل أحضر لنا الشاويش حسن الجراية إلى الزنزانة ، وبعد عدة أيام .. إنتظم حال السجن وأصبح أكثر صرامة من ذي قبل .. أعادوا لنا جزءا من حقوقنا .. كنا نخرج في الفسحة ، ونذهب إلى الكانتين وإلى الملعب ، وعندما سألت الشاويش حسن عن الأولاد المعتقلين .
السياسيون ليس لهم فسحة ، الجنائيون فقط .
عرفت بعدها أن وضع الجنائيين داخل السجن أفضل بكثير من المعتقلين السياسيين لأن الجنائيين محبسون على ذمة قضايا ، أم المعتقلون فهم على ذمة السياسة .
كان يجاورني في الزنزانة أحد المعتقلين، كان شيخا مسنا ، هكذا تصورته ، فأنا لم أره ، كان أنينه لا يكف طوال الليل ... كنت أسمع صراخه في أي وقت ، لم يكن لهؤلاء الأوغاد ميقات معلوم لممارسة هواياتهم .. الوقت كله مباح لكي يمارسوا ألعابهم القذرة .. قلت للشاويش حسن ..
من يجاورني في الزنزانة ؟
أقسم الرجل علي بأغلظ الأيمان أن أسكت وألا أفتح على نفسي وعليه بابا من جهنم .. الأمر ليس هينا ... التعليمات صارمة قاسية .. التعليمات كما قال الشاويش حسن من فوق .
كان أنينه في هذه الليلة متقطعاً ، لم يكن كما عهدته كان يجيئ ويروح ، يعلو ويهبط .. إنتابني القلق .. وضعت آذني على الحائط كي ألتقط أنينه .. الذي بات أشد ضعفا ... كان يتوقف عن الأنين لحظات طويلة .. فتحي أبو شنب يتابعني .. أسمك بيدي وقالى يحذرني..
لا تتحرك ، ولا يحس بك أحد إن للحوائط هنا عيون وآذان .. نحن جنائيون حضرنا من أجل الإختلاس وليس السياسة ، لا تجر علينا وبالاً لا طاقة لنا به.
عندما لم أعد أسمعه .. طرقت الحائط إرتفعت دقات قلبي، وأنا أتابع الأنين المكتوم .. طرقت الحائط بكفي ، لم يجب.. أنصت إلى همساته لعلي أسمعها.. حملت كوب الماء ، طرقت به الحائط، أخذت طرقاتي تعلو وتعلو .. أمسك بي فتحي .. شل حركتي بزراعيه القويين، منعني من الاقتراب من الحائط ، تغلب علي بقوته .. إنهرت .. لم أعد أقوى على فعل شيء بدوت كشبح متهالك .. عند الفجر لم أسمع إلى تمتماته المعتادة عند الصلاة، تلك التمتمات الدافئة... التي يسبقها حركة وضع الكوب في الماء، أصبحت أعرف عاداته كلها .. عرفت موعد نومه واستيقاظه .. اليوم تغير كل هذا الذي عرفته .. لم أشعر به ككل يوم وهو يتحرك للصلاة .. كان الحراس قد حضروا مبكرا فتحوا الباب على الرجل ، قال أحدهم بصوت خفيض ..
مات ......
أنهرت مكاني .. زاغ بصري وأحسست بفراغ برئتي ، لم أستمع لدقات قلبي، كانت كل الحوائط تقع فوقي.. أحسست أنني طائر في الهواء .. كانت يد فتحي أبو شنب تمنعن من السقوط .. وصراخه على الحراس في الخارج .. أدار أحدهم مفتاح في كالون قفل الباب على عجل ، استدعى زميله ، حملانى إلى الخارج، هناك حيث مستشفى السجن , حين أفقت وجدتني أمام الطبيب الذي وضع سماعته فوق القفص الصدري.. سمعته يقول .. النبض ضعيف أو هكذا قال .. قلت بصوت مكتوم
أين مديحة ؟ أريد مديحة ..
وضعوا المحاليل على الحامل الذي يقف بجوار السرير ، مددا في أوردتي الخراطيم ، إخترقت جلدي الأبر واحدة تلو الأخرى .. لم يفارقني أنين الشيخ أبدا ، ظل ظنينا في أذني لا يروح .. هيئته التي تخيلته عليه .. لم أره قط ، مع هذا كانت صورته لا تفارق عقلي أبدا .
لم أعد أطيق هذا السجن أبدأ ، كرهت المدينة وأهلها ، كأنها أصبحت سجنا كبيرا .. أين قريتي وبلدتي ووطنى إبهيت الحجر ؟ ! إنهم أحن الناس علي وأرقهم .. عندما حضرت مديحة .. أقسمت عليها أن تذهب إلى إبهيت الحجر وأن تزور قبر جدي علي البحار ، لا أريد منك شيئا غير هذا ..
لن أسافر حتى أطمأن عليك يا شحاتة .. أنت مريض
أرجوك يا مديحة أذهبي إلى قبره .. الجميع هناك يعرفه سيدلونك عليه بسهولة، قولي له أن حفيدك شحاتة البحار في ضيق ، ويريدك أن تذكره ..
استسلمت مديحة لرغبتي أخيرا بعد إلحاح ، بعد أن أكد لها الطبيب أنني أصبحت أفضل كثيرا وأن حالتي تحسنت .. لا أعرف لماذا طلبت ذلك من مديحة ، لماذا خطر على قلبي هذا الخاطر .. جدي علي البحار هو صانع الكرامات ، والراوي يقول أنه صنع أشياء كثيرة للبلد ، وللناس فلماذا لا يصنع شيئا لحفيده ؟!
البلد كلها تذهب إلى ليلته ، والبلاد المجاورة تنظر هذه الليلة ، أنا أعرف أن مديحة لا تؤمن بهذه الأفكار ، مثلها مثل بقية الناس في المدينة ، المدينة الكبيرة التي لا ترحم أحدا ، ولا تشفق على مظلوم .. حتى القاضي هنا في المدينة لا يستمع إلى ما يقال عن الأصل والحسب والنسب ، عندما وقفت بين يدي قاضي المعارضات .. كل مرة كان يأمر بتجديد حبسي دون أن يستمع إلى مرافعة المحامي الذي أحضرته مديحة لي.. كل مرة أذهب إلى التجديد ، يقول لي الشاويش حسن ..
- إفراج إن شاء الله ..
وعندما يراني عائدا أجر قدمي خلفي، يعرف ما حدث .. الحكومة هنا في المدينة لا تصدق شحاتة حفيد عائلة البحار .. ولا تصدق أنه لا يختلس .. تربيت في حجر عائلة البحار ، ربما لا أتذكر ملامح جدي علي البحار، لا أذكر سوى لحيته البيضاء .. أما بقية ملامحه فلا أذكرها قط .. بكيت حين تذكرت ليلة جدي. من سيحيي هذه الليلة ؟ إن بقيت في السجن ، وماذا سيقول أهل البلد عني؟ .. هل سيقلون نسي وصية أبيه وجده رماها وراء ظهره باع نفسه للمدينة ؟ ! شغلته الدنيا عن مهمته وعن عائلته .. من سيقف على يد العمال وهم يعلقون الزينات؟ من سيذكر الله ويصلي على رسوله، ويقف وسط الليلة يستقبل الرواد والقادمين من القرى المجاورة؟ ! .. كان العمدة يصر أن يجعلني في المنتصف بينه وبين شيخ البلد لنستقبل الوفود، ثم نصعد الجبل الشرقي، حيث قبر جدي ومقامه لنقرأ هناك الفاتحة ، ثم ننزل إلى الصيوان العظيم ، المقام غرب البلد، ننهر الذبائح بعد أن نذكر اسم الله عليها، ثم تبسط السجاجيد أمامنا في الممشى الطويل المؤدي إلى بيت جدي، وهناك نجد الرايات والزينات ، وفي المساء ينشد المنشدون في المديح ، ويقرأ المقرؤون ما تيسر من القرآن، ثم يقوم الراوي ويحمل عصاته ليقف في وسط جماعتنا .. حيث تشرأب الأعناق وتحدق العيون وينصت الناس فلا نسمع همسا بين الحاضرين ، الكل حاضر .. الأولاد والصغار والكبار .. لكي يأخذوا العبر والعظات من كلام الراوي ويشبوا على حب بيت البحار .. يظل الراوي يحكي ويحكي ويهز عصاته يميناً ويساراً و، عيون المشاهدين تتحرك معها .. كان الراوي يحفظ عن جدي ما لم أحفظه ، ويعرف عنا نحن عائلة البحار ما لم أعرفه .. كنت أستمع إلىما يقول بإنصات وبشغف مثلي مثل بقية الحاضرين .. وكان الرجل ينتظر هذه الليلة من العام إلى العام ، ويعد نفسه لها جيدا ، يشحذ ذاكراته ولا يدع كبيرة أو صغيرة إلا أتى بها ، كانت مناقب جدي علي البحار كثيرة بحيث يظل الحاضرون يستزيدون من الرجل إلى الصباح حتى يرفع المؤذن آذان الفجر ، الناس لا يكفون عن سؤال الراوي والاستزادة منه في تلك الليلة وصيحاتهم تعلو حين يفرد الراوي زراعيه لأعلى ، ناظرا إلى السماء، واضعا عصاته على الأرض ، بينما عيناه تحدق في الجالسين حوله وهو يروي أحد مناقب جدي وعلامات الكرامة التي كانت تحدث له ، عندما أعادوني إلى زنزانتي لم أجده لم أجد فتحي أبو شنب ولم أجد الشاويش حسن لأسأله أين ذهب فتحي؟ كان مجرد ذكره يعكر صفو مزاجى .. رغم أن الوحدة قاسية إلا أن زمالة فتحي لي في الزنزانة لم تكن مريحة بالنسبة لي.. لم أحبه أبدا منذ أن خرجنا من عند المحقق ولم أرتح إليه، كانت سعادتي عندما لم أجده في الزنزانة .. في الليل يبدو السجن باردا مملا .. الوحدة والصقع والملل .. لا تجد سوى هذه الجدران التي تحيط بك .. صامتة خاملة لا تحادثها .. المساء هذه الليلة كان أكثر قسوة وددت لو أعادوا لي فتحي أبو شنب برغم غلظته وقسوته ، الوحدة تبدو أقسى وأفظع مما كنت أظنها .. ترى هل ذهبت مديحة كما طلبت منها إلى إبهيت الحجر لزيارة قبر جدي علي البحار ؟ تراها تقاعست وأدركت أنه طلب من يائس .. أو غريق يتعلق بقشة نجاته .. تراها سفهت طلبي وتراجعت في آخر لحظة وقالت .. .. ما عسى أن تجدي هذه الزيارة تحملني سفراً وأرقا وتعبا !
ربما أحست أنني كنت أهذي في المرض .. فلا أعرف ماذا أقول .. لكني أعرف مديحة جيدا ، لن تتأخر عن تنفيذ ما أطلبه منها إرضاء لى ، هكذا كانت وستظل ، ولن تتغير مديحة ، لأنها تحبني بجنون، بكل ما تملك من مشاعر .
تسلل الضوء من الكوة العالية .. ضجيج الحراس في الخارج .. دخل الشاويش حسن .. أشار لي بالوقوف ..
- الحمد لله على سلامتك .. هيا ستنتقل إلى زنزانة أخرى .. هذه أوامر .
- أين فتحي أبو شنب ؟
- طلبته النيابة أول أمس ولم يعد .
- وأين ستأخذوني؟
إلى زنزانة أخرى .. حركة تنقلات من مأمور السجن .. السياسيون ملأوا السجن.. هيا هات أغراضك معك ..
مشيت خلف الشاويش حسن في البهو الكبير للسجن، وعبرنا كان القلق باديا على جميع الحراس والضابط ، الأوامر تلقى في كل إتجاه طابور طويل من السياسيين يسير في إتجاه غير معلوم ، يبدو على الجميع الإرهاق.. أخبرني الشاويش حسن أن هؤلاء المعتقلين المستجدين .. لم يناموا منذ يومين .. والحراس يقفون أمامهم هكذا لأنهم أضربوا عن الطعام من ليلة الأمس .. المأمور حضر ومعه كبار الضباط، كانت كلمات المأمور تتهادى إلى سمعي وأنا أسير في البهو الكبير.. كان يحاول خداعي بكلامه المعسول مرة وبإبراز العصا الغليظة التي يمسكها العسكر مرة أخرى.. الحمد لله أنني مسئول عن الجنائيين .. هكذا قال الشاويش حسن وأردف ..
الله يساعد حراس السياسيين إنهم لا ينامون يواصلون الليل بالنهار ، حتى المأمور قرر ألا يغادر السجن خوفا من بطش رؤسائه به ، إن حدث شيء يخالف الأوامر العليا إليه .
هنا الضابط تملموا ، لم يذهب أحد منهم إلى راحته .. السياسيون أشعلوا السجن وملئوه ضجيجا .. كنا نميل إلى رده صغيرة على اليمين في آخر الممر الطويل .. حرك المفتاح .. وأدخلني. كانت زنزانة صغيرة جدا لا تزيد عن بضعة أمتار وسقفها منخفض.. ورائحة العطن تملأها .. كان شيئاً فظيعا أن تنتقل من الزنزانة الأولى إلى مثل هذه الزنزانة .. كان يغط في نوم عميق .. لم يشعر بحركة الباب .. كأنه لم ينم منذ سنيين قلت للشاويش حسن .
من هذا يا شاويش ؟
معتقل سياسي .
اندهشت وفزعت ملامحي من الاستغراب .. كأن لسعة من كرباج لمس ظهري، تسمرت مكاني وأنا أشاهده متكورا متكوما بجوار الحائط .
معتقل سياسي هنا معي في زنزانة واحدة ؟!
لا تخف يا أستاذ شحاتة ، هذا المعتقل مريض وحالته الصحية متأخرة ، لذلك قرر المأمور إبعاده إلى عنابر الجنائيين حتى ينعم فيها بالراحة.
ولماذا لا يذهب إلى المستشفى؟ !
ابتسم الرجل في سخرية .
السياسيون لا يذهبون إلى المستشفى، هكذا ببساطة .
تركني وأغلق من خلفه الباب ، جذب الباب ليتأكد من إحكام الغلق ، كان وقع صوت حذائه الميري في الممر الطويل الواسع يتلاشى شيئا فشيئا ، الزنزانة مقبضة والرطوبة تتسرب من الحوائط الأسمنتية العالية .. نظرت إلى المكوم في جانب الزنزانة .. لا يتحرك .. لولا أن صدره يعلو ويهبط لاعتقدت على الفور أنه فارق الحياة.. الدقائق تمر هنا بطيئة ، تسحب روحك معها .. هذه الزنزانة المظلمة التي لا يأتيها الضوء إلا من كوة صغيرة لا تزيد عن سنتيمترات .. والبرودة ما أقسى البرودة التى تتخلل نفسك، ليتك لم تأت إلى هذه المدينة الباردة القاسية ، وبقيت عمرك كله في إبهيت الحجر .. القرية الدافئة .. كان بوسعك أن تبقى هناك لولا رغبة أبي الملحة في إرسالي إلى القاهرة.. أخذ بريقها عيني. والآن تأكلني بلا رحمة .. هذه المدينة الهائلة تضغط بثقلها علي أصبح قدمي الصغير ، فأظل أصرخ طوال الليل ولا أحد يسمعني، في هذه البرودة المختلفة برائحة العطن.. حتى فتحي أبو شنب خرج ، فعلها وخرج ، رأى الناس ، والشوارع ، والأضواء ، هل مازالت المحلات تضئ هناك وسط البلد ؟ ! هل مازال الناس يقبلون على سينما مترو ، وسينما رادوبيس فىالهرم .. والمقاهي مازالت تعج بالجالسيين والرواد .. العربات السريعة التي تطن في الشوارع ؟!
الجسد الممد أمامي لا يتحرك ، لا تشعر بوجوده .. ولا يشعر حتى الآن بوجودي، أصبحت أكثر الناس أشتياقا وحاجة للحديث مع أي أحد وفي أي موضوع، هل هذه هي نهاية حفيد عائلة البحار ؟ ! .. نهايتي هنا في هذا المكان القمئ ، ألقوني هنا ونسيني الناس في الخارج، حتى زملائي في البنك.. أكثرهم لم يحضر لزيارتي وبعضهم حضر مرة أو مرتين ، ولم يعد .. الناس في الخارج سرعان ما ينسون إلا أهل إبهيت الحجر لن ينسوني أبدا ، كما لم ينسوا جدي علي البحار .. البلد كلها تعرفني وتعرف قدري ومنزلتي فأنا حفيد عائلة البحار .. هل يمكن أن يأمر وكيل النيابة بالأفراج عن فتحي أبو شنب ..؟ ! هل أصبحت أنا المتهم في نظرهم؟! لماذا سكت ؟!! كان بوسعي أن أقول لوكيل النيابة عني وعن جدي علي البحار وعن عائلة البحار .. كان يجب أن أقول كل شيء حتى يعرف منزلتي.. لماذا سكت هكذا ؟!! لا أعرف , ولماذا إذا واجهنى احدهم باتهام أسكت ولا أرد ؟!! قديما حين اتهمني عميد الكلية بأنني الذي أرسل الخطابات إلى مديحة سكت ولم أدافع , عن نفسى كان بوسعي . أن أصرخ في وجهه, أن اتحرك , لا أن أقف عاجزا, ثم انصرف في هدوء من أمامه بعد أن طردني من مكتبه.. دائما ليس لدي ثمة مقاومة أو إرادة .. ها أنا ذا ألطخ عائلةالبحار بالعار .. لكن أهل أبهيت الحجر طيبون, لن يصدقوا ان شحاتة حفيد عائلة البحار يسرق .. هل اتحول في نظرهم إلى لص محترف ؟!! أة لو صدقوا أوراق الحكومة ومحضر النيابة وأكاذيب فتحي أبو شنب.. فتحي ليس لديه ضمير يقظ , ولا أمانة , سيقسم بأغلظ الإيمان أمام الجميع أنني سرقت أموال البنك .. كيف تركت فتحي أبو شنب ينجو بحياته ؟!!
كان أمامي أيام طويلة في الزنزانة الواسعة, كان بوسعي أن أقتله .. اتخلص من العار الذي سيلطخ أسم عائلتي كان باستطاعني أن أضربه بجردل المياه فوق رأسه وهو نائم , أو أن ضع الباطنية الصوف على وجهه وأضغط جيدا حتى تنقطع انفاسه , ساعتها سيقول الناس أن شحاتة البحار قاتل , وهذا أفضل من أن يقولوا شحاتة لص .. لماذا لم أفعلها واتخلص من هذا الملعون ؟!! تراه الأن يسرد وقائع كاذبة اختلقها بعقله.. كي يحكم الأمر علي, وأصبح أنا المتهم ويفلت منها .. لماذا تركته حيا يخرج للناس يتكلم عني وينال من عائلتي وشرفي ؟!! دائما أفوت الفرص على نفسى .. كان بوسعي أن أفعل الأفضل , لكنني دائما ما أتأخر عن الموعد المناسب , لم أفوت الفرصة القادمة .. لن أجعلها تضيع هي الأخرى .. حين يعود سأكون في انتظاره , لانقض عليه كهرة جائعة تمسك بفأرها .. سأمزقه قطعا , ولن أدع الشاويش حسن يخلصه من يدي إلا جثة هامدة , هذا هو مصيره الذي يجب أن يلقاه على يدي ودون تأخير .
حين تنبهت لحركاته البطيئة .. خلته استمع إلى كل ما يدور في عقلي.. لم انطق .. مسح عرقا بلل جبهته , وسدد إليّ نظره بأحكام وأخيرا نطق
هل أنت بشر يطين أم بأربعة شرائط ؟
أحسست في كلامه هزيانا , ربما المرض يشوش أفكاره , ابتسمت له وسكت
هيئتك وسنك بنبئان أنك بشريطين , أسمع , إذا كنت بشريطين .. أو أربعة فلم أقول شيئا , لن تظفر في بكلمة واحدة, لا تجهد نفسك معي قل هذا لرؤسائك .. مالك تقف هكذا كعمود الزان ..!!
قلت من يتصورني؟!! و هو يتهمني بشيء , لن أدعه يستمر, لا يمكن أن أظل صامتا, يجب أن أدافع عن نفسى , هذه المرة لن أسكت .
من تطنني يا رجل ؟!!
أنت إما عريف بشرطين أو شاويش بأربعة شرائط ؟!!
أنا سجين مثلك
تقصد معتقل ؟
لا بل سجين جنائي في قضية اختلاس لكنني بريئ منها..
دسوك علي لكي تستدرجني في الحوار وتحصل على معلومات أليس كذلك ؟!!
بلى لم يحدث .
واستدركت في الحديث .
أظنهم ليسوا في حاجة لأن يفعلوا هذا معك, لديهم من الطرق ما هو أسهل
أحس في كلامك الصدق .
من أنت ؟!
عزت فهمي صحفي
ماذا فعلت كى يعتقلوك ؟!
لا أعرف .. أنها إجراءات السادات
هل أنت من التيار الإسلامي؟
لا قلت لك صحفي .. هم يقبضون على الجميع, لم يعد هناك تصنيف .
تململ من الحديث معي, هكذا أشعرت , ربما أدرك أنني لا أعرف كثيرا من شئون السياسة .
تبدو أسئلتي ساذجة ؟ !
لا تغضب مني , ولكني مريض كما ترى ويرفضون علاجي.
معي بعض المسكنات أخذتها من مستشفى السجن كنت هناك ونصحني الطبيب بأخذها عندما أشعر بالألم
أعطنى واحدة , فقد تنجح في تخفيف الألم .
أخذت كوبا من الماء قدمتها إليه.. كنت سعيدا لأنه وثق بي.. الناس في مثل هذه الظروف لا يثقون ببعضهم .. ياه كم تبعد إيهيت الحجر عن هذا العالم وعن السياسة ! باغتني بسؤاله بعد أن استند على الحائط وقعد قبالتي فأردا قدميه في وجه الباب ، ربما شعر بشيء من الراحة الآن .
شحاتة البحار موظف في بنك .
ما تهمتك ؟
اختلاس .. لكني بريئ .. لم يصدر حكم ضدي ..إنه مجرد حبس احتياطي على ذمة التحقيق
أصدقك .
ابتسم .. احسست بدفء يملأ أوردتي.. أخرجت عليه السجائر نظر إلي عزت بشغف، قدمت له واحدة ، أمسكها بشوق كأنه عثر على كنز .. أشعلت عود الثقاب .. أقتربت منه أكثر لأرى ملامحه على ضوء الكبريت ، كان مازال صغيرا شابا .. عيناه تلمعان خلف النظارة .. شاربه الصغير يتدلى في رفق .. شد نفس الدخان وملأ رئتيه حتى أخرهما .. بدأ الانتباه يعاوده وسعادة خفيفة تطل من خلف نظارته ..
المعتقلون في الخارج كلهم تقريبا من التيار الإسلامي.. رأيتهم وأنا قادم
السادات لعب نفس لعبة عبد الناصر .. صعد على أكتاف الأخوان وأنقض عليهم وكذلك فعل السادات .. تخلص من الشيعوعيين بمعاونة الإخوان .. ثم فعل ما فعله عبد الناصر بهم .
ألا يتعلمون من التجارب ؟!
أصبح الأخوان كقط أعمى يلتقط ما يرمى إليه .. لا يأكل ما يريده ، إنها مياه راكدة ترقد فيها التماسيح بجوار الإسماك الصغيرة .
هل أنت متزوج ؟!
لا
وأنت ؟
نعم .. هل تريد أن تشرب الشاي؟
كوب من الشاي الآن يصبح أثمن من الكرسي الذي يجلس عليه السادات نفسه .
كلانا ضحية .. أنا ضحية فتحي أبو شنب وأنت ضحية السادات .
سأريك الآن كيف تصنع كوبا من الشاي في الزنزانة ..
لم أشعر بتلك السعادة التي هبطت بجناحيها كطائر نورس رقيق لامست قلبي المحترق، تنفس وعلا وهبط وقفز في موقعه كطفل صغير يلهو .. لم أشعر أنني في السجن ، أحببت عزت فهمى، رويت له كل شيء عن نفسي عن مديحة وعن إبهيت الحجر وعن ليلى جدي علي البحار التي تقام هناك كل عام .. أنصت عزت لي.. ظللنا طوال الليل .. ننفث الدخان من صدورنا كأننا ننفث هما كان راقدا داخلنا لا يتحرك.. أخذ يحدثني عن حياته وعن عمله كصحفي .. كانت الدموع تطل من عينيه حين تذكر أمه التي انتزعوه من حضنها منذ يومين .. ألقوه بأيد غليظة في السيارة المصفحة عند الفجر .. لم تشفع له صرخات ولا توسلات الأم العجوز ، مضى يحكي كأننا نلهو معا في دور شطرنج في أحد النوادي على النيل في ليلة من ليالي صيف القاهرة الجميل ... حتى تحدث عن سمية ، كان حديثه رقيقا .. قال إن ملامحها الجميلة تشبه صوت فيروز .. مضى يحكي عن لقاءاتهما معا في شارع البحر الأعظم الذي يطل على نيل المدينة .. كان يشبه النيل بشاعر صامت، يكتب قصيدة لا يتلوها إلا العاشقون ..
تركته يحكي، بينما كان وجه مديحة يسطع أمامي في سقف الزنزانة .. أنشق وأطل القمر بجناحين يرفرفان كعصفور مسالم حط على قلوبنا حتى الصباح .
كان عزت فهمي بالنسبة لي طوق النجاة من هذا الجحيم الذي أرقد فيه .... قضينا أياما طويلة سويا .. حكى لي عن كل شيء ،وعرفت أشياء كثيرة كنت أجهلها .. كانت معرفته أكبر من سنه .. حتى جاء ذلك اليوم الذي كان نائما فيه ، بينما كان الحارس يدير المفتاح ويدفع بيد غليظة الباب الحديدي حتى انفتح عن أخره .. لم يكن الشاويش حسن طبعا .. كان أخر ، مد يده بقسوة تجاه عزت ، قبض على معصمه وأخذ يجره أمامي إلى الخارج كأنه كان يجر قلبي الجريح، وينزعه نزعا من ضلوعي.. حين حاولت إيقافه صرخ .
ابتعد أنت يا جنائي.
وإلى أين ستأخذوه ؟!!
إلى مصيره ..
كان عزت فهمي قد أشار لي أن أكف بابتسامة باهتة، دق على كتفي وفتح ذراعيه.. ألقيت جسدي كله داخل حضنه .. أحسست بلسعة أنفاسه الدافئه وتقطعها .
أنت مريض ؟!!
لا تخف علي
هل سأراك ؟!
عندما تخرج من هنا سنلتقي.
ملأت كلماته البهو الكبير .. سمعها الجميع .. هويت على الأرض بجسد بارد متكسر . أية ريح غاضبة حطمت كل شيء هذا الصباح ... ظللنا طوال الليل .. كان يغني " بطريقة فيروز "
أنا وشادي غنينا سوى
لأول مرة أحس أن لصوت فيروز كل هذا الجمال .. عرفت لماذا شبه سمية بصوت فيروز .. كيف لقطيع من الحمقى أن يسرقوا من قلوبنا كل هذه المشاعر النظيفة ؟!!
كنت أحس بالشاويش حسن يقترب من وجهي، ويمسح دموعي، يدفعني برفق لأقف على قدمي .
ما بك يا أستاذ شحاتة ؟ قف حاول أن تقف ، لا تنهار هكذا .
أفقت على كلماته .. التي أخترقت أذني.. تاهت ملامحه في عيني المغرورقتين بالدموع ..
مدام مديحة ..
قبضت على يده بشدة ، وانتفض الدم البارد في عروقى ، هل قال " مديحة " ؟! هل سمعته يذكر أسمها ؟! أم أنه بقايا من وهم الأمس مازالت تطن في أذني.. ضغط الشاويش حسن أكثر على كتفي وأخذ يهزني بشدة .
يا أستاذ شحاتة .. مدام مديحة تنتظرك في مكتب مأمور السجن والمحامي معها وقد أحضر لك خطاب الإفراج .. مبروك .