الباريسية الحسناء
الباريسية الحسناء
تأليف
أديب إسحق
الباريسية الحسناء
أديب إسحق
رقم إيداع ١٦٥٦٣ / ٢٠١٣
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
٥٤ عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ١١٤٧١، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
تصميم الغلاف: سحر عبد الوهاب.
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.
مقدمة المترجم
لا يجهل أحد من ذوي الاطلاع أن للأوربيين عناية عظيمة بهذه الأحاديث المدونة المسماة قصصًا، باعتبار أنها من وسائل تهذيب الأفكار، ووسائط تدميث الأخلاق، وذرائع إصلاح العادات، وقد كثُر فيهم كُتَّابُها بكثرة طلابها، فما يمر يوم إلا وتظهر في مدنهم قصص جديدة يتداعى الناس إليها تداعيَ الجياع إلى القِصَاع، ويقبلون عليها إقبال الظمآن إلى موارد الماء.
وقد صار إنشاء هذه القصص عنهم فنًّا مستقلًا برأسه، له أحكام معلومة، وقواعد مرسومة، وحد معين، وتاريخ مبين، فلولا ضيق المقام عن موضوعه الواسع لبسطنا الكلام عليه بيانًا لماهيته، وإيضاحًا لما كان عليه، وما صار إليه في الشرق والغرب، فإنه مبحث ما ألمتْ به أقلام كُتَّابِنا إلى الآن، ولكنا نأتي على ما يحتمله المقام من جملته فنقول: القصة في اللغة: «الحديث»، و«الأمر» و«التي تُكتب»، والمعنى الأخير هو المشهور والمأثور عرفًا، فالقصة أمر أو حديث يكتب على أسلوب من الرواية، ولا يشترط فيه صحة الخبر، وهي قديمة العهد من وراء زمن التاريخ المعروف.
نشأت مع الأوائل في مهاد تمدنهم، وكانت ديوان معارفهم وآدابهم، فامتزجت بتواريخهم واختلطت بأديانهم وعلومهم، حتى أوشكت أن توجد آثارها في كل ما كتبوه، وما بَرِحَتْ تتبع الأقوام في مدارج تمدنهم وعرفانهم متنقلة من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، منصرفة عن حال إلى حال، حتى وُضِعَتْ حدود العلوم والفنون، ومُيِّزَ بعضها من بعض تمييزًا يحفظها من الشبهات واللبس؛ فسلم التاريخ من القصص، ومُحِّصَتْ كتب العلم من أحاديث الخرافة، وصار تأليف القصة فنًّا معروفًا معلوم القواعد والأحكام كما تقدم القول.
وقد اختلفت أحوال القصص باختلاف أحوال الأمم وعاداتهم وأخلاقهم، فكانت حماسية في حالة الفروسة والبداوة، أدبية في حالة التمدن وانتشار الأدب والمعارف، غرامية في حالة الترف والرفاهة والانغماس في اللذات، وهي اليوم بينَ بينَ، ولكن الغالب على أصحابها أنهم يقصدون بها إلى وصف الأحوال والذوات وانتقاد الأخلاق والعادات.
وهذه القصة الصغيرة غرامية الحديث، أدبية النتيجة، وهي لخاتون من نبلائهم يقال لها «الكونتة داش» وقد ترجمتُها والشباب في عنفوانه، وجواد الصبا في أول ميدانه، ثم أمررتُها على النظر في هذه الأيام، ومَثَّلتُها بالطبع إجابةً لدعوة بعض الأصدقاء وأنا بين أشغال شاغلة وأحوال دون المراد حائلة، فأتت كما يجيء، لا كما يجب، وكما استطعت، لا كما أحب.
وكنت قد التزمت في ترجمتها حفظ المعاني، كما وجدت في الأصل، غير مبالٍ أن يكون منها ما يخالف مشربي أو مشرب غيري من الناس؛ فإني ناقل، وما على الناقل من سبيل، وسلكت في التعريب مسلك المطابقة بقدر الإمكان، فتبعت أسلوب المؤلفة حريصًا على مفردات ألفاظها وقوالب عباراتها أن تضيع وتفسد بالنقل عامدًا إلى ترجمتها بما يشاكلها من اللفظ والعبارة العربية، إلا فيما لم أجد له مثيلًا في معلومي اليسير من اللغة.
وما أكتم على القارئ الكريم أن هذا السبيل لم يكن سهلًا، فإن عادات الأوربيين وأخلاقهم وخواطرهم، بل وقائعهم وأحوالهم وأشياء عندهم من الملبس والمفرش وغير ذلك مما يذكر في القصص، مباين بالجملة لما كان من مثله عند أصحاب هذا اللسان، بل منه ما لم يوجد عندهم البتة، وإنما وُجِدَ عندنا في هذه الأيام التي قُضِيَ بها على الناطقين بالضاد أن تكون لديهم مسميات ليس لها في لغتهم أسماء، وأن يتغاضى علماؤهم وأدباؤهم عن هذا الخلل، فلا يجدوا غير طمطمانية الأعاجم للدلالة على الكثير مما يستعملونه لباسًا وطعامًا وفراشًا وزينة للبيت.
وقد نمَّقْتُ هذه القصة بشيء من النظم منه ما صدر عن الخاطر الفاتر — وهو الأكثر — ومنه القديم المنقول، وأشرتُ إلى هذا في بعض الأماكن بنحو: قال الشاعر، أو رحم الله من قال، أو لله درُّ القائل.
وأهملتُ الإشارة في بعضها اكتفاء بالشهرة أو سهوًا، ولا أذهل ههنا عن إيضاح نسبة الأبيات الأخيرة التي جعلتها ختامًا للقصة، فهي لصديقي الأديب المتفنن الكاتب اللوذعي: إسكندر أفندي العازار.
وقد كان السبب في نظمه لها أني رويت له القصة في بعض أحاديثنا، فأعجبته نتيجتها الأدبية، فاستنشدته فيها أبياتًا من رقيق شعره، فأجاب وأرسل إليَّ في اليوم الثاني تلك الأبيات، فضمنت بها للقصة حسن الختام.
المقدمة
حَسِب المرأةَ قومٌ آفةًمن يُدانيها من الناسِ هلكْورآها غيرُهم أمنيَّةًفاز بالنعمةِ فيها من ملكْفتمنَّى معشرٌ لو نُبِذَتوظلامُ الليل مشتدُّ الحلكْوتمنَّى غيرُهم لو جُعِلتْفي جبينِ الليث أو قلب الفلكْوصوابُ القولِ لا يجهلهُحاكمٌ في مسلك الحق سلكْإنما المرأة مرآةٌ بهاكل ما تنظرهُ منك ولكْفهي شيطانٌ إذا أفسدتَهَاوإذا أصلحتَهَا فَهْيَ مَلَكْ أجل، ومن أسوأ الأمور تصريفًا بين الناس أمر الزواج؛ فقد كثرت فيه المصائب، وتلونت من جراء اختلاله النوائب، وأكثر ما تكون مرارته في أيامه الأولى على كونها المسماة بأيام العسل؛ لأن الغالب فيها اقتران فتاة سليمة النية، ساذجة النفس، معرضة القلب لأنواع التأثر وضروب الانفعال برجلٍ عَلِمَ ورَأَى، وامتحن الأشياء حتى لم يبقَ في نفسه شعة من النور، فصار قاسيًا فظًّا محبًّا لذاته ولن يبرح كذلك ما دام حيًّا، أو برجل لا يزال في نفسه بقية من الصبابة، يثيرها ما يجد في عرسه من عواطف الشباب الطاهرة النقية، فيكشف لها سر الحب، وقوة الوجد، ولذاذات الهوى، حتى إذا مالت بكُلِّيَّتِها إليه، وعَوَّلت في مستقبل سعادتها عليه، وانخدعت بما عرفت من لذة الحياة، واغترَّت بما علمت من سر المحبة، أغلق من دونها باب هذا الفردوس، وأهبطها منه قائلًا: لقد رأيت أحلامًا، وصار هذا المقام عليك حرامًا، نعم، إنك لم تتجاوزي العشرين سنًّا، ولم يزل شبابك غضًّا، ولكن قلبي قد جف، بل مات، ولست بقادر على رد ما فات، فاصبري على اليأس الموجود، أو اندبي الرجاء المفقود، وحذارِ أن تلتمسي منه بدلًا عند غيري من الناس؛ فإنك لن تفوزي بحلم ساعة من هذا البدل أو تفقدي فيه الراحة والسعادة وبقية الأمل، وتكوني هدفًا لسهام الاحتقار مني ومن نفسك ومن سائر الأنام، ويكون ما تذرفين من الدمع غشاوة على ما ترين من الابتسام، ثم تُزَادي على ما فيك من الندم قلقًا واضطرابًا، وعلى ما أَسُومُكِ من الهجر بأسًا واكتئابًا. نعم، هذا مصير النساء في كثير من أحوال هذا الزمان، وهن مع ذلك متهمات مذمومات بكل لسان. آهٍ لو علم المنصفون بما يعانين من العناء، ولو رأى العادلون ما يقاسين من البأساء، ولو درى أهل الحق بما يقاومن من عاديات البلاء، لبذلوا لهن الرحمة والشفقة بدل الملام والتعنيف، وقالوا فيهن قول الإنجيل الشريف: «من كان منكم بلا وزر فليرجم الخاطئ بالحجر الأول.» وهيهات أن يوجد في الناس من يتجرأ على ذلك ولا يكون من الكاذبين.
تمهيد
كل مَنْ في الوجود يطلب صيدًاغير أن الشِّبَاك مختلفاتُوالهنا غير مستحيلٍ ولكندونه في سبيلنا عقباتُ فكلنا يريد إدراك السعادة، وما أحد يبلغ منها مراده، ولكلٍّ في سير أحواله طريقة، وما أحد يرى حاله من وجه الحقيقة، وقد يلتمس المرء المحال، فتنقضي أيامه بتقليب الآمال، تجيئه فيرتاح إليها، وتنقضي فيبكي عليها، والله — سبحانه وتعالى — قسَّم على الناس الحظوظ وأسباب الهناء، كما يقسِّم الأب العادل ماله على أولاده بالسواء، فمِنَّا من يفتح كفه ويلقي سهمه في البحر، ومِنَّا من ينفق في الساعة ما أُعطِيَ لكل العمر، ومِنَّا أجواد سُذَّج كرام يبذلون سعادتهم في سبيل الحب بلا عوض ثم يرونها مُدَاسة بالأقدام، فالحكيم الجدير بآلاء السماء الخليق بنعماء الهناء مَنْ ستر لذَّته عن أعين الحاسدين والرقباء، فهو في نعيم مقيم، وعلى أمل عظيم، يبتسم لآتيه، ولا يندم على ماضيه؛ فينعم باللذة المستمرة، ويموت على فراش المسرَّة.
القصة