١
الحبُّ كالكأسِ قد طابَتْ أوائلُهُلكنَّهُ ربما مُجَّتْ أواخِرُهُ كان يوم ابتداء قصتنا يوم عيد سعيد في قرية «بروغ» بمقاطعة «بواتو» بفرنسا، قد احتفل فيه أهل تلك الناحية بزواج «ڤكتور ديلار» ﺑ «ماري دملفو»، وكان الفتيان كريمين عليهم محبَّبين إليهم، وكانا متآلفين متعاشقين على صِغَر، رُبِّيَا متجاورين وشبَّا متعارفين متلازمين، فاتحد قلباهما حبًّا على انتظار ساعة الاتحاد قالبًا وقلبًا، وكان والد «ڤكتور» غنيًّا، كثير العقار، يسكن قصرًا فسيحًا قديمًا في «غور» وادٍ بهيج ظليل، أما والد «ماري» فكان من الشرفاء الذين أنحت الثورة الفرنسوية — عام ١٧٨٩م — على أموالهم، وكدرت صفو أحوالهم؛ فكان لذلك فقيرًا يسكن في قرية «بروغ» بيتًا حقيرًا، ولا يملك غيره من العقار، غير أن هذا الفرق الواضح بين ثروة الرجلين لم يمنع الكونت ديلار والد «ڤكتور» من قبول الفتاة التي اختارها ابنه أهلًا، بل كان يقول: إن مال «ڤكتور» كافٍ للاثنين، إن «ماري» لخير من كنوز الأموال.
وكان «ڤكتور» فتى مليح الشباب، جميلًا، فائق الحسن، حاد المزاج، قابلًا للانفعالات الشديدة، لم يتجاوز الثانية والعشرين من سنيه.
وقد جمع قواه إلى ذلك اليوم في محبة «ماري»، فكانت شهواته راقدة تحت ظلال التربية الحسنة، مستورة برماد المُلَايَنة له فيما ينعطف إليه، فلم يكن يعلم من أحوال الحياة غير التي حصلت له بالتصور، وانطبعت منه في المخيلة، فمال إلى صرف العمر براحة وسلام بين والديه وزوجته وأولاده والكتب، ولم يكن أتى المدينة — أي بواتو — غير ثلاث مرات، ولم يلبث فيهن غير بضع ساعات، إذ كان يلم به الشوق إلى المنزل والوادي والغاب والروض النضير، فيعود متمنيًا لو كان له جناحان ليطير، وجملة القول أنه كان قوي الطباع ذكيًّا، ولكنه غير مخرج بأساليب الحياة المدنية، فقد تصرف في تهذيبه أناسٌ منحطون عنه عقلًا وذكاء، فما علموه غير ما يعلمون، ثم جعلوا لخاطره حدًّا، وأقاموا من دون تصوره سدًّا؛ فبات لا يعرف مقدار نفسه، ولا يدري بما هو محتاج إليه. وكان الذي علمه مبادئ العلم والأدب قسًّا تقيًّا يقال له «برنار»؛ لهذا القس لم يكن واقفًا على أسرار القلوب، ولم يكن عارفًا بأحوال الرجال، فكان يحمد الله سبحانه على أن يَسَّر له مثل هذا التلميذ اللين العريكة الصادق الإرادة، ولا يعلم أن من وراء تلك الأزهار بركانًا، إن مسته شرارة أوقدت فيه نارًا تهدم في طرفة عين ما بناه له من قصور الهناء والسلام لمستقبل الأيام.
أما «ماري» فكانت ساذجة كغيرها من بنات القرى، مماثلة لأليفها في عدم المعرفة بمقدار نفسها، جامعة بين فضائل النساء وشجاعة الرجل، وقد صرفتْ أيام طفولتها وأوقات صباها في حجر والدها وكان شيخًا عاجزًا، فلم يكشف لها من أسرار الحياة غير المعروف والإحسان والحب الخالص، فكانت تهمل نفسها تفرُّغًا للعناية بشأن مَنْ يحتاج إليها، وتبذل حياتها في سبيل مَنْ تميل نفسها إليه، وكانت جذابة العينين، معتدلة القد، زاهرة الطلعة، مليحة الجملة على أن الجمال كان أظهر من الحسن فيها. وقد جعلت نفسها وقفًا على حب «ڤكتور»؛ لما ظهر لها بالبداهة من شجاعته وكرم سليقته، فكانت هائمة فيه مدلهة به وَجْدًا وإعجابًا على علم منها بحقيقة الحب، وعلى غير علم بسر الإعجاب.
فاقتران «ڤكتور» و«ماري» على هذه الملاءمة الظاهرية قد بشر البيتين بنعيم مستمر وعيشة مرضية؛ فلم يحذرا معه شيئًا من عواقب الحالتين المشار إليهما في مقدمة الكتاب: حالة خلو قلب الرجل من الحب، وحالة دنوه من حد المَلَال، ولكن ذلك الاقتران قد صادف منهما حالة ثالثة غير مأمونة المآل، ألا وهي حالة عدم الاختبار؛ فإن الحب هو الوفاء، ولا بد في الوفاء من تمام العلم بالموعود، وما يحول دونه من العقاب والأمور الصعاب، فإن الخطر المجهول عسير الاجتناب.
وكان المتفق عليه بين البيتين أن «ماري» ووالدها يسكنان بعد الزواج قصر الكونت «ديلار» بوادي «مرَلي»، فلما عُقِدَ القِرَان في البيعة عادت العروس إلى بيت أبيها لتودِّع أحبابها وأترابها وأول أرض مس جسمها ترابها؛ فطافت مع زوجها بحديقة المنزل ثم دخلت غرفتها فيه لتنظر لآخر مرة ستائرها البيضاء وما حولها من أغصان الياسمين والريحان، وتودع الصورة التي كانت تستقبلها في الصلاة، فأثَّر فيها الوداع، فقالت ﻟ «ڤكتور»: لن أعود بعدُ إلى هذا المكان … وأنت تعلم أني سائرة عنه باختيار وقبول، ومع ذلك فبي من وداعِهِ غُصَّة لا أستطيع لها منعًا، ولا أدرك لها سرًّا، وأني ذاهبة معك مستصحبة والدي إلى منزلك، فلست مبقية هنا غير هذا المنزل الصغير، وهذه الأزهار التي غرستها بيدي، ومع هذا فقلبي يكاد يذوب التياعًا، فقل لي فديتك ما سر هذا الانفعال؟! فقال: إنك تجلبين عليَّ الغم واليأس بما تتشاءمين، فإن ذلك يدل على ارتيابك بي وضعف اتكالك عليَّ، يا شقيقة الروح أما تثقين بحبي؟ أما تعتمدين على شرفي؟ أوَما تعلمين أني أحبك حب كرام الرجال؟!
فكفكفت الفتاة دمعها وتجلدت وسعها لتدفع الكدر عن «ڤكتور»، ثم تقدمت إلى قفص فيه بلبل غَرِد كانت قد علَّمته ضروبًا من الألحان الشجية، فحلت رباط القفص وحملته إلى الحديقة، ثم نادت بابنة البستاني وأهدت إليها القفص وهي تقول: احفظيه يا خليلتي تذكارًا وحينئذٍ:
سمعَتْ فتاةُ الحيِّ شدوَ البلبلِفبكت مُودِّعة بدمع مسبلِفكأنَّما سمعتْهُ يشدو قائلًاقولَ المتيَّمِ في الحبيبِ الأولِكم منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتىوحنينُهُ أبدًا لأوَّلِ منزلِ وكانت العربات عند الباب، فركب الكاواليير «دملفو» والد «ماري» إلى جانب الكونت «ديلار» والد «ڤكتور»، وركب العروسان بعدهما عربة شائقة الزينة، فلما حصلت لهما الخلوة في تلك العربة انكشفت عن سماء فكرهما سحابة الريب، فانجلى لهما الهناء في ذلك اليوم السعيد، فلم يبقَ في نفسهما عند الوصول إلى القصر غير الأمل والسرور.
والقصر هذا قصر «مرلي» كان من قبل ديرًا قديمًا لبعض الرهبانيين، فاشتراه الكونت «ديلار» من أسقف بواتيه، واتخذه لنفسه دارًا، وهو منفرد لم أر مثل وحشته، على أني لم أجد مثل بهجته؛ فإن المبايت والغرف والكنيسة قد بقيت فيه على مثل ما كانت عليه من الوحشة في زمن الرهبان، ولكن أشجاره المتفرقة المحدقة بواديه الضيق البعيد الغور، وسكوت الغابات من حوله، وخرير جدول الوادي المتدفق نهرًا كالفضة على حصباء كالجواهر بين الصفصاف الباكي، والنيلوفر الضاحك، كل هذه المناظر البهية كانت في القصر من مظاهر الأنس وتجليات الجمال.
فقضى العروسان في هذا القصر شهر العسل — أي شهرهما الأول بعد الزواج — قصيرًا بما طال فيه من السرور والفرح والابتهاج، فكانا يشكران الله على أن أوجدهما، ويحمدانه على أن جمع شملهما، ولا يشعران فيما يمر من أيامهما إلا بالهناء الخالص الذي لا تتقد فيه للوَجْد نار، ولا تظهر للجَوَى آثار، فكانت سعادتهما سارية على مهل، والأيام جارية على عجل، لكن هذه الحالة التي هي خير الحالات الدنيوية قَلَّ أن يَعْرف قَدْرَها مَن يصل إليها، وخصوصًا مَنْ كان حاد المزاج قوي الطبع؛ فإنه لا يميل إلى الراحة ما لم يُعانِ العناء كثيرًا، فإن حصلت له قبل الإعياء كان دائم القلق مما لا يعلم له سرًّا شديد الاحتياج إلى الحس والانفعال، ولو كان أليمًا حتى كأنما عند كل من الناس أمانة من الدمع لا بد من ردها يومًا. نعم، إن الأحزان مقبلة لا محالة آجلًا أو عاجلًا على الإنسان، ولكنه يتعجلها بالتصور في غالب الأحيان.
ومن لم يُرضِ نفسَه بالقُنوعِولو لبسَ التاجَ عاشَ فقيرًا وبعد القِرَان بعام واحد ولدت «ماري» غلامًا بَهِيَّ الطلعة، بارع الحسن، فاشتدت به رابطة الاتحاد بينها وبين «ڤكتور» فازداد عناية بها، وحبًّا لها، وسكونًا إليها، واجتهادًا في خدمتها، فكانت ولادة الغلام بركة جديدة على الزوجين، أما «ماري» فقد وجهت عنايتها، وصرفت قوتها إلى القيام بالواجبات الوالدية حتى ظهر لها المستقبل على شكل جديد، فإنها لم تكن تتصور قبل الولادة غير منزلها وواديه، فلما رزقت ذلك الغلام انفتحت أبواب التأمل في هذه الحياة، وما فيها من الطرق المتشعبة للمطامع والأماني في الثروة والمجد، فكانت كلما نظرت إلى رأس طفلها الجديد وهيئته المماثلة لهيئة أبيه حتى كأنه متقمص فيه، تقول في نفسها على غير اختيار منها إن هذا الغلام جدير بأعلى وأوسع من هذا المقام، ولا ترضى له بالحالة التي هي عليها، وإن كانت أسعد الحالات لديها، وأحبها إليها، بل تروم أن يوجد بحيث يرتفع قَدْرُه، ويعظم شأنه بين الناس، حين يكون فيهم قبسًا من الأقباس. وجملة القول أن الطفل قد فتح بين يديها أبواب الآمال، فأنقذها من الملال ونقص الكمال:
باتتْ بلا أملٍ من فرطِ ما سعِدَتْفجاءها ولدٌ أحيَا لها الأَملَاوما تطيبُ حياةٌ ما بها أملٌبالنقصِ يتلو سرورَ النفس أن كملَا أما «ڤكتور» فكان يشعر من نفسه بامتلاء ذهنه خواطر لا يجد لها كشفًا، ولا يدرك لها كنهًا، فيسرح في غابات «مرَلي» من الصباح إلى المساء متنزهًا، بل هائمًا في ذلك الوادي معتقلًا بندقيته وهو لا يطلب صيدًا، متعجبًا من نفسه كمن اكتشف أرضًا جديدة، وكان قد قرأ الكتب التي في خزانته ثلاثًا، وجمع من شذرات الألباب وخطرات الأفكار ما يؤلف منه عدة أسفار، حتى اعتراه الضجر وتولته السآمة؛ فبات لا يحفل بهذه الأشغال، ولا يجد فيها راحة للبال فينطلق فكره في مجال الخيال، ويهيم في أودية الأماني والآمال على اختلاف بينه وبين زوجته في ذلك من حيث أن هاجسه لم يكن متعلقًا بولده، ولكن بالمجد والحب وبهارج الحياة، فكان يتصور لنفسه سؤددًا عاليًا، ويتمنَّى لها صيتًا باقيًا ويتخيل إدراك اللذات، ويهجس بقضاء الشهوات، وكان في عناصر وجوده من هذه العواطف جراثيم ترتفع وتنمو وتطلب الامتداد فيضيِّق عليها ذلك الوادي:
فيقولُ والآمالُ ملءُ ضميرِهوبقلبه من عزمه أسرارُلي في ضمير الدهر سرٌّ كامنٌلا بد أن تستلَّه الأقدارُ وفي تلك الأيام قدم إلى عمالة «بواتو» بيت من نبلاء باريس الوجهاء، واشتروا هناك قصرًا يقال له قصر «سرڤيل» على مسافة ميلين من قصر «مرلي» ليقيموا فيه فصل الربيع؛ فإنه في تلك البلاد بهيج بديع، فتحدث الناس في قدومهم كثيرًا، واختلفت في أمرهم الأقوال والآراء، وما كان ذلك لغرابة شأنهم، ولكن لأن سكان «بواتو» من أهل التقليد الحُرَّاص على عادات البيوتات ومبادئهم في هيئة الاجتماع، ولا سيما أهل المقامات المعروفة فيهم، فإن أكثرهم من قدماء النبلاء الذين لم يخرجوا من أوطانهم إلا للمهاجرة مع آبائهم يوم غلبت الثورة الفرنسوية على أحزاب الملك، وسار هؤلاء الأحزاب يستنجدون الملوك عليها، ومن أجل هذا كان في أولئك النبلاء احترام بالغ للعادات القديمة، وكراهية شديدة للحالات الجديدة، ونوع من الاحتراز والاعتزال عن مخالفيهم في الأدب يشبه أن يكون جفوة وخشونة، فكانوا لا يعرفون منزلة أهل الكياسة، ولا يعلمون قدر الفنون، ولا يقبلون شيئًا يجيء من الطريق، بل ربما ناطوا السوء بما لا يفهمون مع سلامة نياتهم من سوء القصد، ومعاذ الله أن أريد انتقاد هذه المبادئ عليهم، فإني لا أرى في الناس خُلُقًا أشرف وأقدس من حرص المرء على ما رُبِّيَ عليه، ووقع من السلف إليه، ولكني أبسط واقع الحال تمهيدًا لما سأذكره من خبر هذا البيت الباريسي، الذي قَدِمَ إلى «بواتو» كما سبقت الإشارة إليه.
فقد كان هذا البيت عبارة عن بَرْزَةٍ نَصَفٍ من النساء، يقال لها «المركيزة درميل»، وبناتٍ لها فتيات عذارى، ولم يصادف عند أهل «بواتو» إقبالًا، بل سرى بين جماعة النبلاء منهم أن أولئك النساء غير جديرات بالقبول رأسًا، فإن الأم منهم كثيرة التذكر لحسنها الماضي، شديدة العناية بحفظ بقاياه، والبنات متبرجات غير مصونات يظهرن بأثواب لا تستر الأكتاف، ولا تحجب الصدور عن الأنظار، ومع ذلك فقد خاطر بعضهم بزيارة هؤلاء الضيوف، وغلب حب الاستطلاع على غيرهم، فمالوا إلى رؤيتهم لتحقيق ما يقال فيهم، فأتوهم زائرين فاجتمع بذلك من حول «المركيزة درميل» وبناتها عصابة من الشبان والفتيات الحسان، فبالغن في مؤانستهم وإكرامهم، وأقمن لهم المراقص والأعياد، فأقبل الناس عليهم أزواجًا وفرادى، وصار قصر «سرڤيل» مجلس الذوق وملتقى إخوان الأنس والصفاء، فاغتفر الناس لأهله غرابة أحوالهم في جنب ما جلبوه لهم من السرور والهناء.
ولم يكن بين قصر «مرلي» وقصر «سرڤيل» غير ميلين كما تقدم القول، فلمَّا استقر بالباريسيات المقام وفدنَ على قصر «مرلي» زائرات مسلمات، وكان «ڤكتور» وزوجته غائبين عن المنزل، فاستقبلهن الوالدان الشيخان بما ينبغي لمقامهن من القبول والإكرام، ثم حان وقت رد هذه الزيارة، فاهتم أهل «مرَلي» بذلك غاية الاهتمام، واجتمعوا للمشاورة في الأمر، فقال «ڤكتور»: لا بد من طلب ثوب جديد من المدينة ﻟ «ماري»، فإن أثوابها قديمة الزي لا تصلح لزيارة مثل هؤلاء القوم، فقالت «ماري»: لا حاجة بي إلى ذلك، فإن ثوب إكليلي الأبيض — وهو ثوب الزواج — لم يُلْبَس غير مرتين، فإذا لبسته وجعلت على رأسي عصابة مكللة بالزهر الغض كنت كما يحسن أن أكون. ثم أشارت إلى أنها حامل لا تقوى على ضنك اللباس الجديد، فقال الكونت «ديلار» والموسيو «دملفو»: إن «ماري» مليحة على كل حال، وفي كل ثوب، فلتفعل ما تشاء، فصمت «ڤكتور» مغالبًا نفسه في قبول هذا الرأي، فبقيت المذاكرة عند هذا الحد.
وبينما أهل «مرلي» يتهيَّئُون لزيارة أهل «سرڤيل» إذ جاءهم من هؤلاء كتاب دعوة إليه، فلم يبق لهم من سبيل إلى تأخير الزيارة، فلبست «ماري» ثوب الإكليل، وتزينت ما استطاعت، ولكنها لم تكن منشرحة الصدر، فإنها كانت تجد من نفسها انقباضًا عن معاشرة الناس.
ولقد خَبَرتُ بني الزَّمانِ فلمْ أجِدْفي قُربهم لرضى الكريمِ طرِيقاوبلوتُهُم فرأيتُ لامعَ قولِهِمزُورًا وخادعَ ودِّهم تملِيقاورأيتُ أني إنْ كذبتُ منافقوإذا صدقتُ فقد عَدِمتُ صَدِيقافهجرتُهُم واخترتُ فكري صَاحبًالا خَوفَ منهُ والفؤادَ رفِيقا ثم سار الأربعة: «ڤكتور» و«ماري» ووالداهما على عربة من اللاتي يراها أهل القرى بعين الاستحسان، ولا تُصادِف عند الباريسيين وأمثالهم غير الاستهجان، فلما وصلت بهم العربة إلى مدخل قصر «سرڤيل» ورأتها فتياته الثلاث تبسمن استهزاء بها أو استخفافًا بأصحابها، ثم دخل الجماعة القصر، وكانت أثواب الرجال منهم — أي أثواب الشيخين و«ڤكتور» — مجعدة ظاهرة الطيات؛ لما أنها كانت محفوظة في الخزائن من يوم العرس، وأما ثوب «ماري» الأبيض فإنه كان أبعد من تلك الأثواب عن الزي الجديد، ولما انتهوا إلى القاعة نظرت الفتيات إلى «ماري»، ثم نظرن إلى «ڤكتور» فأكبرن حسنه وجماله العجيب وقلن متلهفات: ما أضيع هذا الجمال!
وأحست «ماري» بانحطاطها عنهن، وبُعدِها عمَّا رأت بهن من الرشاقة وحسن الزي، شأن النبيه الذكي، فلاذت بأطراف الصمت والخفاء، فلم تنطق بكلمة ولم تُبدِ إشارة، وظهر ذلك ﻟ «ڤكتور»، فأخذته فيه عزة النفس، ورأى أن المقام ضنك عليه وعلى زوجته غير أنه تجلد مخافة الهوان، واستعمل ما فيه من النباهة والذكاء في اجتناب الاستهجان، فأعانه الجَمَال على ما أراد، فارتفعت منزلته عند الفتيات ارتفاعًا عظيمًا، وصح عندهن بعد انقضاء الزيارة فيما حكموا به على أهل «مرلي» أن الشيخين مَحْوٌ مطلق — أي لا شيء — وأن «ماري» غبية بلهاء، وأما «ڤكتور» فلو انفصل عن هذه الجماعة وتخرج بآداب الاجتماع ولبس مما يفصله «بلين» — خياط كان مشهورًا — لكان من أحسن رجال الفرنسيس وأحقهم بحب الغانيات.
ولما عاد أهل «مرلي» إلى منزلهم تذاكر الشيخان فيما رأياه وما سمعاه من أهل «سرڤيل»، أما «ڤكتور» و«ماري» فكانا متفكرين صامتين يسمعان ولا يجيبان، حتى جاء وقت الرقاد وهمَّ كلٌّ منهم بالانصراف إلى مخدعه، فقالت الفتاة لزوجها: لست بذاهبة بعد هذه المرة إلى مجامع الناس.
– لك الاختيار، فافعلي يا صديقتي ما تريدين.١ وظهرت علائم الوحشة على «ڤكتور» بعد زيارته لأهل «سرڤيل»، واشتد به الميل إلى الانفراد والتغيب عن المنزل؛ حتى قلقت «ماري» لذلك وألمَّ بها الغم، فكانت كلما غاب زوجها وأدركه المساء قبل الرجوع تقف له في طرف حديقة القصر عند شبكة البركة، فبينما هي في ذلك الموقف لعدة أيام مضت من تلك الزيارة إذ طرق سمعها صوت حوافر خيل على الطريق، فأخرجها ذلك من عالم الهيمان الذي كانت فيه، فرأت الجو أدكن والسحائب سوداء، والمطر متدفقًا كأفواه القِرَب، وقد هبت العاصفة، وجلجلت الرعود القاصفة، ولمعت سيوف البرق على صفحات الأفق، ثم توارت حركة الحوافر متوجهة نحو القصر؛ فعلمت أن القادمين وافدون عليه لاجئون من النوء إليه، فحدَّقت لتراهم، فإذا بامرأة ورجل من ورائهما خادم، وكانت المرأة فتاة فائقة الجمال قائمة على صهوة الجواد، كأنها من فرسان الرجال، فجبنت «ماري» عند رؤيتها وارتدت إلى مدخل الدهليز، فأقبلت المرأة عليها وهي تقول: عفوًا يا سيدتي عن وفودنا فجأة عليك، فإنَّا تائهون في هذا الوادي بين هذه الغابات، وقد أدركَنَا المطر، واشتدت الأنواء علينا، فهل في هذه الأرض من مبيت نلوذ به من العاصفة.
– أنتم بالقرب من «مرلي» وأنا صاحبة المكان، فإن شئتم اتِّبَاعِي إليه وجدتم الملاذ الأمين وكنت لكم من الشاكرين.
فأثنت المرأة والرجل عليها ثناءً جميلًا، ثم قالت المرأة: المقام يا سيدتي لا يحتمل الكلفة، فها أنا أعرفك بنفسي: إني ابنة «المركيزة درميل» التي تشرفت برؤيتك في منزلها في الأسبوع الماضي، وهذا زوجي «المركيز دي ڤلمورين»، وهو لا شك مسرور بما سرَّني من سنوح هذه الفرصة للائتناس بلقائك.
فانحنت «ماري» لهذا الكلام شكرًا، وسارت أمام الضيفين في طريق القصر، فعادت الفتاة إلى حديثها فقالت: أتيت هذا البلد أول أمس، فرأيت من بهجة منظره ما حبَّب إليَّ التجول فيه، فأصابني ما رأيتِني عليه من التِّيه.
وما برحوا سائرين بين صفوف الأشجار الملتفة، والرعد يهزم، والمطر يهمع، و«ماري» قلقة مضطربة على زوجها تلتفت المرة بعد المرة لعلها تراه مقبلًا، ولا تعير السمع حديث مدام «ڤلمورين» إلا قليلًا، ثم خافت أن تحسب ذلك منها إعراضًا أو كراهية للضيافة، فقالت لها: لا تؤاخذيني يا سيدتي، فإني مترقبة رجوع الموسيو «ديلار» — تعني زوجها — من الصيد، فقد مضى ميعاده، وأخاف أن يدركه المطر، ويظلم عليه الليل وأنا لذلك على ما ترين من القلق والانزعاج.
ثم اشتدت العاصفة، وهَمَى الغيث وابلًا، حتى نفذ الماء في ثوب «ماري» وثوب ضيفتها الحسناء مع أنه من الجوخ،٢ فلم تصلا إلى القصر إلا وقد ثقل الثوبان بالماء، وتلوثت أطرافهما بالوحول، وكان الليل قد أقبل بجيوش الظلام، وضرب في الآفاق خيام القتام، فصار من حق الضيافة على «ماري» أن تعير ضيفتها ثوبًا تلبسه إلى أن يجف ثوبها المبلول، فسارت بها إلى غرفة النوم، وتركت زوجها «المركيز دي ڤلمورين» لدى حميها يعتني بشأنه ويتدارك ما يحتاج إليه، وحينئذ لمع البرق دراكًا، فتلاه الرعد والصاعقة، وانصب البَرَد كالحجارة وثارت العواصف، فزلزل القصر من أساسه حتى كأن عناصر الطبيعة قد هجمت عليه لتجعله دكًّا، فاشتد القلق ﺑ «ماري» من جرَّاء غياب «ڤكتور» فكانت تصلح شأن ضيفتها وهي كالآلة الصماء لا تنطق ببنت شفة، وغلب الخوف على الضيفة أيضًا فالتزمت السكوت وجلًا، ثم طال عليها الصمت، فقالت الباريسية الغريبة: أرى أن الإنسان يشعر بالحاجة إلى الصلاة والدعاء لله في مثل هذه الأوقات، فما قولك في ذلك يا سيدتي؟! – إن رُمْتِ الصلاةَ، فهَلُمَّ ندخل الكنيسة قبل الرجوع إلى القاعة.
وكانت كنيسة القصر على ما تركها الرهبان قديمة رهيبة خالية عن بهارج الزينة، في صدرها تمثال ملكين كبيرين ناشرين على المقدس لواء من تحت نافذة حمراء الزجاج، وليس فيها من الضوء غير قنديل ضعيف يرمي كبد الدجى بسهام دقيقة صفراء من الشعاع، فكانت لذلك مهيبة بل مخوفة للمتأملين، فخرت المرأتان ساجدتين مرتعدتين وجلًا، ولكن «ماري» لم تكن خائفة على نفسها ولكن على «ڤكتور»، وبينما هما على تلك الحال إذ فاجأهما برق خاطف، وتلاه رعد قاصف، فانخلع قلباهما خوفًا، وصاحت مدام «دي ڤلمورين» صيحة شديدة، ووقفت مذعورة فاقدة الرشد، وحينئذٍ فُتِحَ الباب وكان الداخل «ڤكتور»، فبقيت «ماري» ساجدة تحمد الله، والتقى ناظر الفتى بناظر الباريسية الحسناء، فلم تكن هي التي غضَّت من طرفها أولًا، وأعاد النظر فاندهش من مجلى ذلك الحسن العجيب، حتى خُيِّل له ابتداءً أن ملكًا كريمًا نزل من السماء إلى ذلك المكان، ثم نهضت «ماري» فرحة برؤية زوجها مسرورة بسلامته، وتقدمت إليه وهي تعيد الحمد لله وعلى أثرها الباريسية الحسناء، فعرَّفتها ﻟ «ڤكتور» على ما جرت به العادة، فأحسَّ الفتى بالرهبة لأول مرة من حياته، فإن لَحْظَ الباريسية قد فعل فيه ما يفعل السحر، فشعر من نفسه بالفرح والاضطراب معًا، وما ألطف قول القائل:
بطرفك والمسحور يقسم بالسحرأعمدًا رماني أم أصابَ ولا يدريرنا للَّحظة الأولى ولستُ مجربًاوكرَّرها أخرى فأحسست بالشر أما هي فلم تكن قادرة على تحقيق انفعالات نفسها في تلك الحال، بل كان كل ما لديها عجيبًا غريبًا بالنظر إليها، فإن سذاجة ذلك المقام وخلوه عما تعودت رؤيته من الزخرف والزينة، وتلك المرأة الصافية النية، الكثيرة الحياء، وهذا الرجل البارع الحسن، الظاهر الخجل، الغريب الزِّي، كل ذلك حصل منه في مخيلتها صورة عجيبة غير معينة، وأورثها انشغالًا من حيث لا تكاد تدري، فالتزمت الصمت حتى استأنف «ڤكتور» الكلام فقال: كنت أفتش عليكما يا سيدتي، فقد أُعدَّ الطعام وجئت لأتشرف بصحبة ضيفتنا إلى المائدة.
ثم تناول يدها من غير أن تجيبه بشيء، فتوكأت عليه كما جرت العادة، فانطلق بها وسارت «ماري» على أثرهما حتى بلغوا القاعة، ورأوا بقية الجماعة فحيَّوهم التحية المألوفة، وهدأ سر المركيزة الحسناء، فعادت إليها سرعة الخاطر، وهزتها الرقة والظرف فقالت خطابًا للجمع: لله منزلكم ما أبهجه وأبهاه! إنه في غاية الرونق والحسن، وإن كان مخوفًا ولا سيما في أوقات الأنواء.
فأجابها الكونت والد «ڤكتور» متلطفًا: صدقتِ يا سيدتي، غير أننا قد ألفنا هياج الأنواء، فلسنا نخافه، فإن من تعود الشيء هان عليه، أما المنزل فلا شك أنه لم يتزين كما ينبغي لاستقبال ضيوف مثلكم كرام، فقد كان الواجب عليه أن يتلقاكم مكللًا بالأزهار مطوقًا بقلائد الأنوار.
– إن منزلكم غني عن الزينة بما فيه من المحاسن، وكأني منه في قصر شائق مما يتخيل الشعراء وأصحاب القصص في حكاياتهم.
– نحن يا سيدتي لا نقرأ القصص والحكايات؛ لأنَّا نخاف هواجس الأفكار.
– ما ذلك اللواء الذي يحمله الملكان من فوق مقدس الكنيسة؟
– علمٌ منقوش عليه هذا القول الرهيب «أيها الإنسان هو ذا قاضيك».
– هذا يحمل على الظن بأنَّ الرهبان الذين كانوا هنا من قبلكم قد ارتكبوا كثيرًا من الآثام حتى عظم خوفهم من قضاء الله سبحانه وتعالى.
– بل الأجمل أن يظن يا سيدتي المركيزة أنهم خافوا كثيرًا من ارتكاب الإثم.
وفي خلال هذه المحاورة سكن الهواء، وهدأت الأنواء، وأوشك الجو أن يصفو؛ فرام الضيفان أن يعودا إلى منزلهما «قصر سرڤيل»، فقال لهما الكونت: إني أخاف على المركيزة من صعوبة الطريق ومشقة السير، فلو بقيتما عندنا إلى الغد لكان ذلك أولى، فإنَّا بوجودكم سعداء، فقالت المركيزة: لك الشكر يا سيدي الكونت ألفًا، ولكني أخاف على والدتي من القلق واشتغال البال، فإنها لن تطمئن نفسها حتى تراني، ولن يسكن روعها عليَّ ولو جاءها مني كتاب أو رسول.
ولذلك لا بد لي من الرجوع إلى المنزل، وإن طاب لنا ههنا المقام، فإن رمتم إتمام الجميل فأسعفونا بدليل يسلك بنا سواء السبيل، فإنا غرباء لأنَّا من التيه.
– فقال «ڤكتور» متهيبًا مترددًا وجلًا: إن شئت يا سيدتي كنت بنفسي لكم دليلًا.
– تلطفتَ وتفضلتَ ولكن يسوءُني أن أزعجك في مثل هذه الساعة، وأجعل مدام «ديلار» — تريد زوجته — في قلق وبلبال، ففي رجل من خُدَّامكم غناء.
– إني أعرَفُ الناس بمسالك هذه الناحية، وقد ألِفتُ التنزه ليلًا فلست أنزعج منه، أما زوجتي فلا تقلق ولا تخاف عليَّ.
– إن كان الأمر كذلك فقد رضيت بما قضيت، إنَّا نكون معك آمن منا مع سواك، ولسنا نروم التيه مرة ثانية في نواحيكم؛ فإن التائه لا يجد في كل حين ما وجدناه عندكم من حسن الضيافة، فما بقي إلا أن أستعيد ثوبي لنسير معًا.
ولقد مر هذا الحديث كله بسمع «ماري» وهي صامتة لا تخرج عن حد ما يجب على ربة المنزل في هذه الحال، ولا تزيد على الإيماء أو الإشارة بما يناسب قول زوجها مما يفيد الرضى والقبول، ثم صحبت الباريسية إلى غرفتها لإعانتها على تبديل الثوب المستعار، وهي على حالها من السكون والاحتشام، لكنه كان من طي احتشامها ضرب من الجزع والنفور تشعر به وتغالب نفسها فيه، فإنها قد رأت المركيزة على حالة ممتازة لم تَرَها من قبل، وتأمَّلت ما عليه من الرشاقة وما تُعنَى به من صغار أمور الزينة التي لا تخطر لها ببال، فقابلت بين نفسها وهذه المرأة الحسناء ذات البهجة والرواء، فتولاها الخجل والأسف، ثم قطعت المركيزة السكوت، وقالت على نية التحبب إلى «ماري»: هل لك يا سيدتي من ولد؟
– رُزِقتُ ولدين، وأنا حامل بالثالث.
– أتم الله نعمته عليكِ، أما أنا فالغالب أني لا أرزق ولدًا.
وتنهدت إثر هذا القول تنهد الآسِفِ الآيِسِ؛ فأجابتها «ماري»: لا تقنطي يا سيدتي من رحمة الله، فأنت صبية والله كريم منان.
وكان في هذا المقال من التوكل والإيمان، وعلى مُحيَّا «أوچيني» من سيماء الطهر وصفاء النية ما أثَّر في طبيعة المركيزة على كونها عسيرة الانفعال، فقالت: ما أحسن هذا التوكل وما أسعد هذه الحال!
ثم جاء الخادم يخبر الباريسية أنه قد استكمل الأهبة وشد على الخيل، فخرجت من الغرفة وودعت أهل المنزل متلطفة مبالغة في الشكر، ثم امتطت صهوة الجواد، وراضته على الرغم من الظلام حول الدرابزين، ثم أطلقته فجرى خببًا، وسار على أثرها زوجها و«ڤكتور»، فلما غابت عن الأبصار قال الكافالير والد «ماري»: لو كنت في عمر العشرين لفُتِنتُ بهذه الحسناء.
– فقال الكونت: لا بدع إن فتنَتْ كثيرًا من الناس، وأنشد معه لسان الحال قول من قال:
وحَسْناء تزري بالغَزَالةِ في الضُّحىإذا برزتْ لم تبق يومًا بِهَا بَهَالها مقلةُ نجلاءُ كحلاءُ خلقةًكأن أباها الظبيُ أو أمَّها مَهَا فقالت «ماري»: وما فائدتها من افتتان الناس بها وهي محصنة ذات بعل؟!
فتغامز الشيخان وابتسما متعجبين من سلامة نية «ماري» وصفاء طينها، ثم عادا إلى القاعة يعيدان من لعب النرد — الطاولة — ما قطعه عليهما قدوم الزائرين، وكل امرئ بشأن نفسه لاهٍ وكلٌّ يغني على ليلاه.