٤

6 0 00

٤

الحبُّ أول ما يكون مجانةًفإذا تمكَّن صار شغلًا شاغلًا بعد الذي مر بنا من حديث، «ڤكتور» و«ماري» تعاقبت عليهما الأيام وتوالت الشهور عامين طويلين، وهو مقيم بباريس يجتني زهر الصفاء من حدائق الهناء، ويرشف راح الأفراح بكئوس الانشراح، وهي مقيمة ﺑ «مرلي» تغالب الغم والكمد، وتحاول الصبر والجلد، وتسأل الله المعونة والمدد.

وكان «ڤكتور» قد كتب إلى قومه بعد وصوله إلى باريس يقول: إنه عزم على الإقامة بها شهرين لا شهرًا واحدًا ليتسنى له رؤية ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب، ثم زعم أنه شديد الرغبة في طلب العلم قوي الميل إلى استكشاف أسرار السياسة، وأنه يروم دراسة القوانين ليصير فقيهًا فيتأتَّى له الوصول إلى مرتبة النيابة، ثم تململ من كونه رجلًا عطلًا لا أثر له ولا فائدة منه أهمل ما آتاه الله من الذكاء ورضي من الحياة بالخمول والكسل، فلم يكن له سؤدد ولا شرف، وجملة قوله أنه طمح إلى المعالي وحدثته نفسه بالمجد، فاختار المقام بباريس لعلمه بأن زوجته صادقة الحب فلن تعارضه فيما يسعى إليه مما يعود بالمجد والفائدة عليها وعليه، وأنه سيدرك أمنيته بعد حين فيستقدم «ماري» إليه لتكون شريكة سعده وقسيمة مجده ورفيقة أنسه بلا خوف من الفراق، وغير ذلك من أنواع الخديعة وضروب الحيلة.

وما نفذت في «ماري» خدعة «ڤكتور» واحتياله، ولا انطلى عليها محاله، ولكنها صبرت على تجنيه ورضيت بما كان يقضيه، فكانت تكتم الغم وتكظم الغيظ منه، ولا تراسله بما يشف عن القلق واشتغال البال، إلا أنها كتبت إليه مرة تذكره بأن مالهما غير كثير، فلا يجوز لهما إنفاقه جزافًا وحرمان أولادهما منه، ثم ترجوه موالاة الرسائل، وأن يقدم إليهم لتراه متى أمكنه من ذلك شغله الشاغل الجديد، وهلم جرًّا مما لا يخرج عن حد التلطف ولا يُشعِر باختلال الوداد حتى أن «ڤكتور» لما قرأ ذلك الكتاب اغرورقت عيناه بالدمع وأوشك أن يعود إلى بلده، لولا أن جذبته على رغمه جاذبة الهوى، فأقام لدى «أليس» ينشد في حبها بلسان الحال قول من قال:

أقمتُ كما شاءتْ وشاءَ غرامُهالها الذنبُ لا تُجزَى به وليَ العُذرُوفارقتُ أهلي في هَوَاهَا وإننيوإياهُمُ لولا الهوى الماءُ والخمرُ وكان حب الباريسية الحسناء قد سرى في نفس «ڤكتور» سري النار بالضرم، فكان يزورها ما شاء الحب والشوق لا يخاف عذولًا، ولا يخشى رقيبًا «بما اعتاده كبراء الفرنج مما يسمونه بالحرية أو بسلامة النية وهو بغير ذلك أشبه»، فدخل عليها في خِدْرِها ذات يوم في الساعة الثانية بعد الظهر، ولم يكن هو ذلك الفلاح الساذج المتهيب الأجنبي عن بهارج الزينة وأحوال الاجتماع كما رأيناه من قبل، ولكنه كان غَيْسَانِيًّا مترفًا منعمًا لبيبًا مليح الشباب، كامل معاني الحسن، شائق الرواء، رشيق الحركة بلا كلفة ولا اكتساب، وممن يأخذون بالأسباب ويعظمون في أنفس الناظرين ما لم يكونوا لهم من الحاسدين:

يزيدُك وجهُهُ حسنًاإذا ما زدتَهُ نظرًا فتلقته المركيزة بابتسامة لها في ثغور الحسان معانٍ يفهمها المحبون، وظهرت منها عليها سيماء الإعجاب به والحب له، فمدَّت إليه يدها البيضاء فقبَّلها باحتشام، ثم أبقاها بين يديه فقالت: تأخرتَ عني يا «ڤكتور» وقد كنت أنتظر قدومك لنتشاور فيما ألبس الليلة لمرقص السفارة، فإني أريد أن أكون ملكة الحسان فيه.

– ما عليك إلا أن تظهري، فما أحد ينازعك التاج.

– لست أطلب منك المدح وإنما أروم المشورة، فماذا تقول في إكليل من زهر العطر شاهي؟ (زهر يعرف أيضًا بإبرة الراعي ينظم بين الجواهر وتجعل باقة منه على الصدر فوق ثوب من اللاذ الأزرق).

– هذه غاية الحسن والزينة، فإن العطر شاهي نادر الوجود في هذه الأيام، أما الثوب الأزرق فتكونين فيه قمرًا في سماء زرقاء عليه إكليل من الجواهر والزهر من دونه أكاليل النجوم الزهر.

– أتستحسن ذلك حقيقة؟

– غاية الاستحسان.

– لا أخفي عنك أن هذا الرأي مكتسب، فإن «باتون» الزهار قال ﻟ «جمدراتي» إن امرأة قد استشارته فيما نتزين به من الزهر، فأشار عليها بالعطر شاهي، ثم لم يجد منه غير شيءٍ قليل فآثرني به عليها.

– أصاب وراعى النظير.

– وأنتَ متى تتبعني إلى السفارة؟

– بعد زيارة الوزير، فقد علمت أن الأمر على ما نريد، وأن النجاح عتيد، وأزيدك أنه قد عزم على عرضي للنيابة متى جاء وقت الانتخاب، فسوف أصير باهتمامك نافعًا للوطن.

– آه لو كنتَ تعلم مقدار إعجابي بمزاياك، وما أذكره في كل يوم من أنكَ لولاي لكنت باقيًا في بلادك مجهول المكان خامل الذكر، تنمو نمو النبات بلا منفعة ولا أثر مع كونك مخلوقًا لتعظم في الدنيا آثارك، ويعلو في الوجود منارك، فكلما نظرت إليك الآن وسمعتك متكلمًا بأحسن بيان، ورأيت ما لك من المزية على الأقران؛ حمدت الله سبحانه واجب الحمد على أن وجدت في سبيلك لأرشدك إلى غايات المجد.

– صدقتِ أيتها الحبيبة المفداة بالروح، فلقد هديتِني سبيل الفلاح، وأنقذتني من عذاب الضجر، ولولا أن رأيتكِ لمت غمًّا ويأسًا محترقًا بشعلة الذكاء التي أوقدَتْها في قلبي السماء، فقد كنت أذوب كل يوم كما يذوب الشمع، ولا أدرك لذلك سرًّا فأهيم من التصور في أودية آمال يمثلها الخيال، وليست بموجودة في واقع الحال حتى استقبحت وجودي واستهجنت من كان لهم في قلبي مكان من الحب؛ فصرتُ منفردًا لا أجد أنيسًا، ولا ألتمس جليسًا إلى أن تجليتِ لي في مظهر الجمال، فتحولت هاتيك الأحوال، فأنا الآن حي بهواك سعيد برضاك لا أرى من محاسن الوجود سواك، أغمض الطرف حين لا أكون لديك، ولا ترى عيناي عينيكِ لأعود بالفكر إلى الأيام السالفة، فأذكر ملتقانا الأول إذ رأيتك في كنيسة منزلنا بين البروق اللامعة، فخلتك مَلَكًا على سحابة تنبعث منها أشعة النور، ثم أذكر موقفنا على الآثار والأطلال، ورجوعنا من الغد إلى عين التلاقي، حيث اتحد منا القلبان، وامتزجت الروحان، فنطقت أنفسنا بالحب من غير لسان، وأذكر المأدبة التي رأيتك فيها بهجة الأنظار وفتنة الأفكار، وأحاديثنا من بعدها في كل يوم على تلك العَيْن، ونحن من وراء حجاب من الخفاء لا ترانا عين رقيب ولا عين، وإني ما كنت حيًّا إلا بقربك ولا موجودًا إلا في حبك، فكان غيابك عني غياب الروح عن البدن، فلم يكن بكِ من حاجة لاستخلافي قبل سفرك أن أسير إلى باريس على أثرك، بل لو نهيتني عن ذلك لما كنت أنتهي، فإنك قد حَبَّبْتِ إليَّ الحياة وأنتِ هي، وأوضحتِ ذاتي لذاتي، وهتكتِ سجوف الخفاء عن صفاتي، فكل ما لديَّ من مال وما عساه أن يكون فيَّ من حسن وكمال، وما ظهر عليَّ من مخايل الذكاء وما ترين فيَّ من البهجة والرواء، فهو مستمد من محاسنكِ الغرَّاء، فأْذَنِي لي أجثُ بين يديك لأثني واجب الثناء عليك. قال هذا ورام الترامي على قدميها، فأنهضته وهي تقول: آهٍ ما ضرَّ الزمان لو سمح بتلاقينا قبل هذه الأيام؟! ولم يكن بين كلٍّ منَّا والآخر حاجز مكروه.

– كان ذلك من فوق اليدين يا قُرَّة العين، على أننا قد وُجِدنا لنحيا معًا مؤتلفين متحدين، ويمين الله لن نفترق ما دمنا أحياء.

– لا ريب عندي في صدق حبك وثبات قلبك. ثم قالت ولسانها يتلجلج وصوتها يتهدج: ولست أُلِمُّ بما في نفسك من العواطف الأجنبية عنِّي إلا بلطف واحتراز، ولكني في قلق مستمر منها، فلا بد أن أسألك: هل عندك خبر من «بواتو»؟

– نعم.

– وكيف حال مدام «ديلار»؟ (تعني زوجته).

– تزعم أنها الآن أحسن حالًا، ولكني في ريب من ذلك، فقد رأيت في كتبها سرًّا غريبًا لم أرَ مثله من قبل؛ فأيقنت أنها تكتم عني حقيقة الأمر.

– إن كانت منحرفة المزاج، فقد وجبت عليك زيارتها لتدفع الظنون، وترى أولادك الذين تحبهم حبًّا صادقًا.

– أذكرتِنِي من ذنبي ما كنت ناسيًا يا «أليس»، نعم، إني مخطئ إلى التي لم أر منها إلى الآن غير الحب، وإن أولادي أعزاء عليَّ، غير أن هذا الحب وذاك الذنب يخفيان في مظهر هواك، فإنك تسليني عن كل موجودٍ، ولا أسلوكِ بشيءٍ من الوجود، ولقد أفرغت قلبي من كل شيءٍ سوى حبك، فصار لك المُلْك فيه بلا شريك.

ملَّكْتُكِ القلبَ فرفقًا بهما أحسنَ الإحسان ممَّن مَلَكْ!أستغفرُ الله فما أنتِ منهذا الملا إن أنتِ إلا مَلَكْ وحينئذٍ ضرب ناقوس الباب إشارة إلى قدوم زائر جديد، فانقطع حديث الأليفين، وانصرف «ڤكتور» يسعى في شأنه وبقيت المركيزة تنتظر قدوم الزائر، ولما عاد «ڤكتور» إلى منزله للعشاء، رفع إليه الخادم كتابًا من الكونتة «سرزول» ترجوه فيه أن يأتي منزلها في الساعة الثالثة بعد الظهر، فإن تأخر عن هذا الميعاد، فلا يزعجن نفسه بالمسير إليها، فإنها لا تكون في المنزل بعد الساعة الخامسة.

وكانت هذه الكونتة من نساء القصر الملكي قبل الثورة، ولها صداقة قديمة مع والد «ڤكتور»، وكانت كريمة الخلق، شريفة عالية النسب، معروفة بالفطنة والذكاء، ولها أصدقاء كثيرون في حي النبلاء المسمى «فوربورسين جرمين»، وكان «ڤكتور» قد أفنى الحيل في استعطافها إليه، فأعرضت عنه بما بها من الحرص على التستر والاحتشام الظاهري، وما رأت من تهتكه في حب «أليس»، بل وقفت له ولها بالمرصاد توسعهما عذلًا ولومًا، وتروم التفريق بينهما رحمةً بزوجة «ڤكتور»، حتى فرط منها إلى بعض الناس قول يشعر باستعدادها لإصلاح ما أفسد الهوى بين «ڤكتور» و«ماري»، فصار هذا الشأن همَّها الفرد من ذلك الحين، وكانت صداقتها مع الكونت «ديلار» قديمة أتى عليها نحو خمسين عامًا، وقيل: بل كان بينهما حب لا يفي لفظ الصداقة بمعناه، ثم تحول ذلك الحب صداقة بعد أن ارتحل الشباب وأقفر مغناه، فكان الكونت يستريح إلى حبيبته القديمة بأسرار ضميره، فلما وقع من «ڤكتور» ما علمناه كتب إليها يخبرها بسفره، وما ألمَّ ببيتهم من الغم، وكيف صبرتْ «ماري» على ذلك صبرًا جميلًا، وأعلمته هي بما كان من ابنه في باريس، وأنه بلغ من شدة حبه للمركيزة أن غادر لأجلها آبائه في السياسة، وانحاز إلى نصراء الوزارة، فأضاع شرفه في سبيل الحب، وكانت الكونتة غاضبة على «ڤكتور» من وجهين: الأول أنه تَهَتَّك في الحب فأضاع أدبه، والثاني أنه اتبع من السياسة مذهبًا لا يلائم نسبه، وطالت المراسلة بينها وبين أبيه فيما يحسن التوسل به إلى رده عن الغواية وإرشاده سبيل الهداية، ثم سارت بنفسها إلى مرلي، ولا شك أنها لم تغادر مستقرها الأمين إلا لأمر ذي بال، وكانت بعد رجوعها متحجبة في منزلها لا تُزَار إلا في أوقات معينة، ولا تخرج إلا متنكرة مستصحبة فتاة من النساء تزعم أنها أتت بها من «بواتو» لتكون لها رفيقة، فالتبس أمرها على الناس، فصارت كمن يعد مكيدة لأهل الحكم.

فلما وقف «ڤكتور» على كتابها ساءه فوات الوقت الذي استزارته فيه، وخاف أن تتخذ تأخره عنه حجة جديدة عليه؛ فإنه كان — على ذكائه وحسن بيانه — يخاف جدالها في قضية حبه التي لا تقوم له فيها حجة ولا برهان، فكتب إليها يعتذر بما وجد من العذر، ثم أقبل على إصلاح شأنه استعدادًا للذهاب إلى المرقص.

ولما جاء الوقت المعين في أوراق الدعوة تجلت غرف السفارة الإنكليزية بأنواع الزينة المعتادة في المآدب الكبيرة، وتقاطر إليها المدعوون من كل جانب، حتى كاد الزحام يمنعهم من الحركة — يا عجبًا كيف لا يمنعهم من الفرح والهناء — وكانت المركيزة الحسناء في المرقص فتنة للناظرين سطعت جواهر حليها من تحت أزهار العطر شاهي، فاستوقفت لها الأبصار، فما تحدث من رآها إلا في حسن زيها وجمال محياها، ولم تكن أتت المرقص إلا بعد نصف الليل، كما هي عادة الحسان المتصببات «لتنتظر فيعظم الشوق إليها»، فدار بها الناس وهي دائرة النظر على «ڤكتور» حتى لمحته بين الجمع فتقدمت إليه، ورأت علائم إعجابه بها بين عينيه، فلمعت لذلك أَسِرَّتُها وتمَّتْ به مسرتها.

وعند الساعة الأولى بعد نصف الليل أعلن الحاجب قدوم الكونتة «سرزول» والويكونتة «ديلار»، فالتفت أهل المرقص متعجبين مما سمعوا، فإنهم كانوا يعرفون «ڤكتور ديلار»، ولكن لم يكن فيهم من رأى زوجته، بل كان أكثرهم يحسبونه عزيبًا، فلمَّا نطق الحاجب باسم تلك الخاتون المنسوبة إليه أخذهم في أمرها حب الاستطلاع، فداروا بها من كل جانب يرمونها بالأنظار، ويتداولون في شأنها الأقاويل والظنون، أما هي فكانت مرافقتها للكونتة كافلة لها بحسن القبول عند السفيرة وسائر خواتين المأدبة، ولكنها كانت مع ذلك خائفة كاسفة البال، مشردة الفكر لائذة بأذيال رفيقتها تهيبًا من «ڤكتور» أن تلقاه فيسوءه انقيادها إلى رأي مدام «سرزول» حتى وهن عزمها وكاد الخوف يعجزها عن الوقوف لولا أن شدت الكونتة أزرها، وأزالت من قلبها الرعب، وعللتها بإدراك الأماني، وأنها ستكون هي المشار إليها بالبنان بين جميع من في المرقص من الحسان.

وكان زي مدام «ديلار» مماثلًا لزي المركيزة الحسناء، على أن ثوبها الأبيض كان أزين، وباقات الأزهار عليه أحسن، وجواهر حليها أبهى وأثمن، ولم تكن تلك الجواهر لها وحدها، ولكن أعارتها الكونتة من حلاها الثمينة ما كملت لها به أسباب الزينة، والتمست لها العطر شاهي من منابته، ولم تترك ﻟ «باتون» — بائع الزهر — منه غير القليل، فكان لها منه أكاليل منسوقة موفورة، ولم يكن للمركيزة إلا أزاهر قليلة منثورة، وفي الجملة أن زينة «ماري» كانت أبهى من زينة «أليس» على قرب المماثلة بينهما، وقد اتضح ذلك لمن رأى الاثنين من أهل المرقص، فصحَّ عندهم أن «ماري» إنما عمدت إلى تلك المماثلة لتبين كيف يظهر الفرق بين المتشابهات، فكان ذلك موضوع الأحاديث في كل حلقات الرقص، ولما اشتد قلب «ماري» قالت لها لويكونتة: ينبغي أن ترقصي مع ابن أخي ليراك زوجك، ولا تخافي سوءًا فإنك منصورة لا محال وما لك من شبه في هذا الجمال، فامتثلت أمرها ورقصت مع ابن أخيها بين الراقصين، ولم تكن منفردة في الجمال، ولكن كان في حسنها غضاضة ومائية قلَّ أن توجد في نساء باريس — لشدة ما يكابدون من عناء السهر وضنك الأثواب — وكانت مع ذلك جديدة، وللجديد عند الناس طلاوة، فإن أكثرهم كالمبتذل الذي أتى عليه وقت طويل، فهو يملُّ ما كان موجودًا ويلتمس كل يوم حسنًا جديدًا، أما «ڤكتور» فكان لدى المركيزة في آخر الغرف لاهيًا بمسامرتها عن الرقص والراقصين، وكان قد أتى عليه هناك ساعة من الزمن، ولم يسمع بحديث زوجته حتى دنا منه أحد أصحابه، وقال له: ماذا تقول في مليحة فتانة تنسب إليك، وهي بصحبة الكونتة «سرزول»؟

– وُهِمْتَ يا صاحبي، فليس في باريس من امرأة تنسب إليَّ.

– لستُ واهمًا، لستُ واهمًا؛ فالمرأة تدعى بالويكونتة ديلار، وهي الآن ترقص في الغرفة الأولى، وقد حدَّقت بها الأبصار وافتتنت بها العقول؛ فإنها من آيات الحسن والجمال.

– أعيد إليك القول أنك واهم فيما انصرف خاطرك إليه.

– إني على هدى وبينة مما أقول، والفتاة بزيِّ سيدتي — وأشار إلى «أليس» — ألا إن ثوبها أبيض.

– فقالت «أليس»: بهذا الزي؟!

– نعم سيدتي، بزيِّك هذا … أزاهر من العطر شاهي وحلى متألقة الجواهر.

فتساءلت أعين «ڤكتور» و«أليس» عن سر هذا الأمر، فقال «ڤكتور»: لا، لا يمكن!

– فقال صاحبه: هَلُمَّ وانظر بعينك.

فأجاب «ڤكتور» متبسمًا من الغيظ: أنت وما أردت، فسِرْ بنا لنرى.

وانطلقا إلى الغرفة الأولى مخترقين صفوف الراقصين المتزاحمين على رفعة قدرهم تزاحم الغوغاء حتى تجلت لهم الحسناء المقصودة، فتبينها «ڤكتور» فإذا هي «ماري» بعينها، لكنها لم تكن كما عهدها ساذجة فطرية الخلق تخاف الكلام، ولا تكاد تحسن تأدية السلام، وإنما كانت بهية فتانة رشيقة الحركات ذات بهجة ورواء، فحار في أمرها، ولم يدرِ كيف أتت باريس، وكيف تحولت أحوالها السابقة، ثم التقى نظره بنظرها، فأوشكت أن يغمى عليها من التهيب والخوف، ولكنها تجلدت، فسكن جأشها، فأتمت الرقص، وحينئذٍ شعر «ڤكتور» بيدٍ مسَّتهُ في كتفه، فالتفت فرأى مدام «سرزول» تبتسم إليه ابتسام الظافر وهي تقول: ألا ترى أني أعددت لك دهشة تجلب السرور، وأني أتقنت تعليم زوجتك فنون الإتقان، وأحسنت تلقينها أساليب الإحسان؟ وهل عرفتها بعد تغيُّر أحوالها وظهور جمالها؟

– لكِ المنة والفضل فيما تكلَّفتِ من تعليمها وتغيير أحوالها، ولكن ما ضرَّ لو أُخْبِرْتُ بالأمر وإن لم أُشاوَر فيه، ألم تروني لذلك أهلًا؟!

– لا يا حبيبي الويكونت، ولكني ووالدك قد أضمرنا لك هذه الخدعة المطهرة، والدهشة السارة، ولو أظهرناك عليها من قبل لضاعت بهجتها، وقد أعيتنا زوجتك ترددًا وامتناعًا حتى تم لنا إلجاؤها إلى ما تراه اعتقادَ أن يجلب لك السرور.

– لقد كلَّفتِ نفسكِ يا سيدتي من المبالغة في الاهتمام.

– لا أجد من كلفة فيما يجلب لك المسرَّة، فأنت ابن الصديق القديم الذي أتى عليَّ في صداقته خمسون عامًا، وما كتبتُ إليك صباحًا أدعوك إلى زيارتي قبل المساء إلا لأن «ماري» أبت أن تأتي المرقص من غير أن تعلمك بذلك، وقد سرني غيابك عن منزلك وقت الزيارة، فإني أَمِنت به ضياع الدهشة وذهاب ما أتوقع لها من حسن التأثير.

ثم تقدم نحو «ڤكتور» صاحبه الذي أخبره الخبر، ولم يكن سمع ما دار بينه وبين الكونتة من الحديث فقال: أرأيت مدام «ديلار»؟

– نعم، وهي زوجتي بعينها، وقد أتت باريس هذا المساء ونزلت على الكونتة «سرزول»، فكتمت الكونتة عني خبرها على سبيل المداعبة والمباغتة بالسرور.

– هنئت بها يا صاحبي فهي آية من آيات البهاء!

– ولست كاتمك أني من لقائها في أتم الهناء.

ثم انتهى دور الرقص، فتمشت «ماري» قاصدة زوجها والكونتة وهي تتعثر بأذيال الخوف حتى وقفت تجاه «ڤكتور» ولم ترفع طرفها إليه، فقالت لها العجوز: لا بأس عليك با بُنَيَّة، فإني قد التزمت العهدة في كل ما جرى، فلن تسمعي فيه لومًا، ثم إن زوجك يحبك الحب العظيم؛ فلا خوف منه، فقال «ڤكتور»: مرحبًا بك يا سيدتي، وإن كنت قد اخترت لنا هذا الملتقى العمومي، فقبضتْ «ماري» على يد زوجها وعلت وجهها حمرة الخجل، فقالت لهما الكونتة: تخطرا معًا يا ولدي، وأنت يا «ڤكتور» كن معجبًا بامرأتك مسرعًا لإظهارها للناس فذلك يفيدك خيرًا، وسأقدمكما إلى بعض ذوي المقامات الذين يحصل منهم النفع.

– فلم يستطع «ڤكتور» مخالفة الكونتة، بل سار بزوجته على أثرها، فطافت بهما على أهل المرقص تُعَرِّف بهما أكابر الوجهاء، رافعة صوتها ما أمكن رفع الصوت في ذلك المقام، مخاطبة كل من تقف به بشيءٍ من هذا الكلام، لله ما أحسن هذين العروسين! إنهما سيقيمان بباريس، كان اعتلال مدام «ديلار» هو السبب في افتراقهما، وقد عاودتها العافية فلن يفترقا بعدها، أما أحسنتُ في الجمع بينهما في هذا المرقص البهيج؟ أما ترون عليهما لوائح الهناء والسعادة؟

وكانت «ماري» في الواقع فرحة مفعمة القلب هناءً وسرورًا، لكن «ڤكتور» كان مبتئسًا مضطرب الذهن، منقبض الصدر، منفعل النفس من كل الوجوه، يروم الخروج من موقفه الحرج ولا يستطيع التخلص من ملازمة الكونتة؛ فإنها لم تكن تغفل عنه طرفة عين، وقد بشَّرَتْه بأنها لا تنصرف من المرقص في ذلك اليوم السعيد الذي هو عندها بمنزلة العيد إلا بعد انتهاء الرقص وتفرق المدعوين.

وكانت «أليس» على حالة من القلق لا يعرفها إلا من يعانيها أو يقع فيما يدانيها، فلم تجرؤ على التحول من مكانها، بل وقفت فيه شاخصة إلى باب الغرفة تنتظر إياب «ڤكتور» انتظار المتهم لقضاء الحاكم، حتى مر بها صاحبه الذي أتاه بنبأ زوجته، فابتدرته بالسؤال عنه غير مالكة من نفسها ما يليق بها من الجَلَد، قالت: ماذا جرى على الموسيو «ديلار»؟

– تركته سعيدًا فرحًا، يمشي على الأرض مرحًا، ووددتُ لو رأيتِهِ وزوجته يتخطران بين الراقصين والكونتة تحوِّل إليهما الأنظار.

– أتركتَه مع زوجته؟

– نعم، نعم، وهي لَعَمرِ أبي فتانة حسناء يأخذ حسنها بالألباب، أفما عرفتِها يا سيدتي؟

– عرفتها … رأيتها في «بواتو» فلاحة عسراء بلهاء.

– لست أدري إن كانت بلهاء، ولكني أقول عن يقين إنها ليست فلاحة ولا عسراء.

– وهل هما الآن معًا؟

– على أحسن حال من المسرة والهناء، يُنْظَر إليهما بالأعين ويُشَار بالبَنَان.

فأوشكت المركيزة أن يُغمى عليها من هذا القول غَيْرة وقلقًا بما خطر لها من الخواطر وما داخلها من الظنون، وحدثتها النفس بداءة بدء أن تناظر ضرتها علنًا بشاهد الحسن ودليل الجمال، ثم خامر قلبها الخوف من حيث لم تدر، وكانت هذه أول مرة خافت بها مناظرة الحسان، فرأت أن الفرار أوقى لها من الثبات، وأحفظ لكرامتها عند ذوي المقامات، فعوَّلت على الانصراف، وقالت للفتى صاحب «ڤكتور»: أرجوك أن تدعو إليَّ الموسيو «ڤلمورين» من هذه الغرفة — وأشارت إلى مكانه — فقد دعاني إلى الانصراف ثلاثًا ولا أحب أن أكلفه الرابعة.

فامتثل الفتى وأبلغ إلى المركيز «ڤلمورين» مقالة زوجته، فسارع إليها ملبيًا مطيعًا، وكانت هي قد أيقنت بتعذر انتصارها في ساحة المناظرة، فرضيت بالتقهقر من غير انكسار للنجاة من غير فرار، فعقدت يدها على ساعد زوجها، وتمشت وإياه في غرف القصر متخطرة مختالة دلالًا وعُجْبًا تبتسم لكل من تراه، وتتيِّم كل من تلقاه، حتى أجمع أهل المرقص رجالًا ونساء على أنها لم تُرَ من قبل أجمل منها في تلك الليلة وأحسن، ثم لمحت الكونتة وماري ومعهما الموسيو «ديلار» عند المائدة؛ فأومأت إليهم بالسلام ولم تجرؤ على الدنو منهم خشية أن يخونها الجلد، فانطلقت بزوجها مسرعة هارعة حتى أتت موقف العربة، فانطرحت في زاويتها كاسفة البال واهنة العزم، ونظرت الكونتة إليها وهي منصرفة على تلك الحال، فأخذتها الشفقة عليها فقالت بنفسها: أسفًا عليها! إن عذابها لأليم، ولقد فعلت فعل كرام النفوس، فهي جديرة بأن يرق لها لولا أنها على الباطل، وأن الحق بالنصر أحق.

ثم التفتت تطلب «ڤكتور» فلم تجده، فسألت عنه «ماري»، فلم تعلم كيف غاب، فساءها ذلك، ولكنها لم تكن ممن يقفون في السبيل قبل إدراك الغاية، فأخفت ما نالها من القلق والاضطراب، وعادت إلى الطواف حول الراقصين في الغرف، ثم حملت «ماري» على الرقص حتى كلَّتْ وأعيت، فلجَّت بطلب الانصراف، فأمرت الكونتة بتقديم عربتها وأجلست الفتاة، ثم أمرت السائق بتوجيه الخيل إلى بيت «ڤكتور»، فصاحت «ماري»: رحماك يا سيدتي، كيف نسير إلى منزله؟!

– وإلى أي منزل غيره تسيرين؟ أيحسن بزوجة المسيو «ديلار» أن يُعْرَف أنها في باريس، ولا تكون في منزل الموسيو «ديلار»؟!

– وما الرأي إن طردني من بيته؟

– إن حمله الحقد والطيش على الإعراض عنك، فما عليك إلا أن تتركيه وشأنه حتى يجيء أولادك غدًا، فيشتد بوجودهم أزرُك، وتغلب حجتك، أما طردُك من البيت فاعلمي أنه لا يتجرأ عليه.

– لست بجاسرة على دخول منزله كيف كان الأمر.

– إني أرافقك إليه وأضمن لك البقاء فيه.

– توكلنا على الله …

ولما بلغتا منزل «ڤكتور» استوقفت الكونتة العربة، وأرسلت السائق بين يديها مخبرًا، ثم اقتادت «ماري» من يدها إلى الدرج، فرأتها ترتعد وَجَلًا، فقالت لها: تَجَلَّدِي، لا بأس عليك، أترضين أن تكون العجوز أقوى منك، وأن تستعيني بها على السير؟!

ثم وصل سائق العربة وقرع باب الدار، فخرج إليه الخادم والنوم ملء عينيه، ولما رآه ومن ورائه الكونتة و«ماري» عجب من قدومهم إلى دار سيده في مثل تلك الساعة من الليل، فقالت له الكونتة: هذه الويكونتة «ديلار» فبشِّرْ زوجها بقدومها.

– إن سيدي غائب لم يعد بعد.

– إذن ننتظره.

فسار الخادم بين يديهما بالمصباح إلى مجلس الدار، فلما أوصلهما قالت له الكونتة: إن الموسيو «ديلار» لم يكن متوقعًا وفود السيدة عليه في هذه الليلة، وإنما هي دهشة مضمرة له، فلا شك أنكم لم تستعدوا لاستقبالها الآن، فانحنى الخادم تصديقًا على هذا المقال وانصرف لإعداد ما تحتاج إليه سيدته من أسباب الراحة، فقالت «ماري» مغمغمة: ماذا عساه أن يقول؟

ثم نظرت إلى ما حولها من الآنية المستظرفة، والتحف الثمينة المزخرفة، فدلتها الفطرة الأنثوية على أنها تذاكر أو هدايا نسائية، فقالت: ما هذا الإسراف والتبذير؟! وكم فيما أراه من أثر لغيري؟!

– عليك بالتجلد يا بنية، فأنت ههنا صاحبة الحق الجلي، فلا تجزعي، إن الله ولي أمرك، وأخيار الناس أنصارك.

وبقيتا بعد ذلك صامتتين نحو نصف ساعة، والكونتة على شيخوختها لا تظهر شيئًا من علائم الكلال والتعب غير أنها كانت تهز كتفيها من حين إلى حين تململًا من الانتظار، ثم أحست بحركة عربة وقفت في الطريق، وضرب بعد وقوفها جرس المنزل، ففتح الباب، فقرع أذنها صوت «ڤكتور»، وسمعت الخادم يخبره بقدوم زوجته، ثم رأته مقبلًا على المجلس، فنهضت إليه و«ماري» لا تستطيع نهوضًا، فلما وصل قالت له العجوز: هذه زوجتك يا حبيبي الويكونت صَحِبْتُها إلى منزلك لأسلمها إليكَ تسليم الأمانات ثم أمضي فأستريح، وبسطت إليه يدها للوداع وهي تقول: واعلم أني خدمتك خدمة مَن طبَّ لمن حب، ولسوف تذكرني فتشكرني.

ثم عانقتْ «ماري» وهي فاقدة الرشد خوفًا وانزعاجًا، وخرجت فتبعها «ڤكتور» محاولًا إخفاء غيظه بمراسم التوديع ومواجب الإكرام في التشييع، ثم عاد إلى زوجته، فوقف أمامها صامتًا شاخصًا إليها برهة من الزمان، ثم خاطبها والغيظ يكاد يخنقه فقال: إيه سيدتي! هو ذا أنتِ عندي، وقد جئت غير مدعوة ولا منتظرة، ولم تبالي أكنت قادرًا على قبولك أم غير مستعد له، فجعلتني في موقف حرج أوشك أن أكون به سخرية لأهل باريس، لا جرم قد أفرطت مدام «سرزول» في الاعتماد على شيخوختها وسطوة والدي فيما اختارت لنا من الحيرة والارتباك، فإني أعرف من طباعك وأحوالك ما يحملني على الجزم بأنك لم تحضري المرقص مختارة، وإنما أُكْرِهْت على المسير إليه، ولولا اختراعي لذاتي لما ملكت من نفسي الصبر، وكنت الآن … لا أدري … أي شيء.

– مهلًا «ڤكتور» مهلًا، أَرعِني السمع ولا تلُمِ الكونتة ولا والدك، ولا تُسِئْ بي الظن قبل استماع ما أقول، إني أجهل شأنك في هذا البلد، ولا أعلم لمَ حرمتني من لقائك، ولكني لا أجهل الغاية التي تسعى إليها والأمنية التي تروم الحصول عليها، فأنت تلتمس العلاء والمجد والثروة والعز، وتطمع أن يصيبك الانتخاب، وتكون من النواب، فيتسع لديك المجال، فتبلغ نهاية الآمال، وأنت في كل ذلك محتاج إلى الصيانة مفتقر إلى ما يدرأ عنك الشبهات، فلن تصير شيئًا مذكورًا حتى تكون مصون الظاهر وقورًا، وإني لو استطعت إطلاقك مما يفيدنا معًا لما ترددت فيه، ولكن الأمر من فوق ما نريد، فإنَّ لنا أولادًا أعزاء وأنت لهم لا لنفسك، ولا بأس مع ذلك عليك، بل كن كما شئت، وافعل ما أردت، ولا تُبالِ بوجودي في منزلك؛ فإني أكون فيه بمنزلة الصديقة الرفيقة أو بمكان الأخت الشقيقة، أو غير ذلك مما تختار ما عدا منزلة الزوجة، فتراني متى شئت أن تراني، وأسليك من غمك إذا رأيتني لتسليتك أهلًا، ثم تفعل ما أردت، وتذهب أيان قصدت، وتكون ولي أمرك وأمورنا جميعًا، لا تُعارَض، ولا يُعترض عليك، ولعلك تستريح في أوقات الفراغ لمداعبة أطفالنا، فتنكشف عنك الهموم، فأولئك الأطفال ما برحوا أعزاء عليك لا محال، ويكون المشهود والمشهور من أمرك عند الناس أنك محصن في أهلك مصون، فتندفع الشبهات عنك وتنقطع الظنون، ثم لا يلزمك الاهتمام بتدبير المنزل، وتخف عنك مئُونة النظر في صغائر الأمور، أما أنا فلا أطالبك بشيءٍ ولا أدَّعي لنفسي عليك حقًّا، وسأحفظ لك العهد وإن كان عنيفًا عسيرًا، وحسبي من السعادة رضاك، ومن الهناء أن أراك.

أراكَ فيمتلِي قلبِي سرورًاوأخشى أن تشطَّ بك الديارُفجُرْ واهْجُرْ وصدَّ ولا تَصِلْنِيرضيتُ بأن تجورَ وأنت جارُ فعظم تأثير هذا الكلام في نفس «ڤكتور» حتى تغير لونه، وانقلب غيظه رقة، وصار غضبه حلمًا، فانعطف إلى زوجته خافضًا رأسه بين يديها متنصلًا بلسان الحال من ذنبه إليها، ثم قبض على يدها مرتعدًا وقبَّلها مترضيًا متوددًا، فسقطت عليها من عينه دمعة الندامة، فكفته «ماري» عن ذلك بألطف إشارة وقالت: لا يليق بنا الاسترسال إلى الشفقة أيها الحبيب، فنحن إلى الجلد والثبات أحوج، فلتستعن بهما أنت على السعي في شأنك، وأنا على حفظ ما عاهدتك عليه، وقد مسَّني الآن التعب فأرشدني إلى الغرفة المعدة لي، وغداة غدٍ يصل أولادنا الأعزاء، آه لو علمت مقدار شوقي إليهم!

– من أي وقت فارقتِهم.

– من شهرين؛ فإن مدام «سرزول» رامت أن تعوِّدني عادات أهل باريس، وتعلمني مخالطة الناس حتى لا أوجب لك الخجل، فأتت بي من «بواتو» بأمر أبيك منذ شهرين، وبقيت عندها متنكرة عنك إلى اليوم.

– حاشا لحسنك أن يورثني الخجل، فهو جدير بأن يبعثني على العُجب والافتخار، فإنك أجمل من رأيت تحت السماء، ولكم ذكرت بعد فراقنا أيام اللقاء، وعانيت من البعد صنوف العناء، وندمت فلم ينفع الندم بعد إذ قُضي الأمر وجف القلم.

– خفِّض عليك جعلتُ فداك، فغاية السعادة لي أن أراك سعيدًا، ومنتهى الشقاء أن تكون بعيدًا، واكفف الآن عن الكلام غير مأمور، فسنعود إليه غدًا أو بعده متى شئت، فقد أخذني التعب، واستولى عليَّ النعاس.

فسار بها إلى باب غرفتها، فلما خلت بنفسها سجدت تصلي وتدعو الله، والصلاة عون على البأساء في شدائد الحياة ولا حول للإنسان ولا قوة إلا بالله.

ولما كان الصباح قدم الأولاد، فتلقاهم «ڤكتور» كما يلتقي الآيس نعمة مُنزَّلة من السماء، فعانقهم مليًا وقبَّلهم كثيرًا، أما «ماري» فكانت تحمد الله على جمع الشمل وتحقيق الرجاء، ولا تطلب في الهناء مزيدًا، مخافة النقصان، وقد أُنسيَ الاثنان ما مضى وأتم الله عليهما نعمة الرضى، فجلسا يتجاذبان أطراف الحديث من قديم وحديث، وبينما هما على هذه الحال الراضية، دخل الخادم ودفع إلى «ڤكتور» كتابًا مزخرف الغلاف منسوق العنوان، فلم يخفَ على «ماري» أمر هذا الكتاب، فنهضت وهي تقول ﻟ «ڤكتور»: إني منصرفة عنك لإعداد مكان ملائم لي وللأولاد، وقد ظهر لي أن هذا المنزل على صغره يفي بحاجتنا إلى أن نجد مكانًا أوسع منه، ثم ودعته وخرجت، فلما صارت بحيث لا يراها مسحت من عينها دمعة كادت تحرقها ولبث «ڤكتور» كاسف البال، مضطرب النفس، يرى نفسه أشقى أهل الأرض لحصوله بين أليفتين مُخَالِصتين متساويتين في محبته لا يستطيع مقاطعة أولاهما؛ لأنها زوجته وأم ولده وشريكته في اسمه، ولا يقوى على هجر الثانية؛ لأنه واثَقَها على الحب والوفاء، فبذلت له نفسها متعرضة في سبيل حبه للعذل واللوم وضياع الحرمة عند زوجها وآلِهَا وسائر الناس، فهو بين قوتين جاذبتين يقاسي عذاب الخوف وملامة السريرة، وكان قد أفنى الحيل طلبًا لرؤية «أليس» بعد انصرافها من المرقص، فأعياه ذلك فتردد في فضِّ كتابها مخافة العتاب أو حذر العلم بما تعانيه من العذاب، ثم غلب عليه حب الاستطلاع، ففتح الكتاب فلم يجد فيه شيئًا مما ظن وخاف، وإنما كان مضمونه أنها تبينت ما تحتم عليه من حكم الضرورة، فهي صابرة متجلدة لا تشكو ولا تلوم، وإنما تسأله أن يزورها لتسمع من لسانه حكاية الحال، وإن كان الزمان قضى عليها بفراقه، فلا أقل من أن يتولى بنفسه تسليتها في هذا المصاب، فهي تنتظر قدومه إليها صابرة ما أمكن الصبر.

فاستثاره هذا الكلام وجدًا، واستفزه غرامًا وشوقًا، فطار إلى منزل الحبيبة خافق القلب، منزعج النفس، مشغول الفكر بما نالها من الغم، فرآها منفردة في خدرها منهوكة القوة صفراء اللون غَيرةً وجزعًا، فبسطت إليه عند دخوله ذراعيها، ثم أغمي من الوجد عليها فابتدرها برش الماء، وفتح النوافذ لتجديد الهواء، فلما أفاقت رأته جاثيًا لديها يُقبِّل يديها ويقول: لا تجزعي، لا تجزعي.

فإذا تألَّفتِ القلوبُ على الهَوَىفالناسُ تضربُ في حديدٍ باردٍ ولقد جمعت بيننا المودة، فلن نفترق ما دام فينا بقية من الحياة.

أَلفت بيننا المودة حتىجللتنا والزهر بالأوراقنحن غصنان ضمنا عاطف الوجــد جميعًا في الحب ضم النطاقفي جبين الزمان منك ومنيغرة كوكبية الائتلاقكلما كرت الليالي عليناشق منا الوفاء جيب الشقاق ولما عاد إلى منزله وجد ابنه يلعب في بيت المائدة، فنظر إلى وجهه الأبيض الغضِّ من تحت شعره الأشقر الجعدي، فطابت بذلك نفسه، وانشرح له صدره، فعلم أن الحب الوالدي هو اللذة المستقبلة التي ستسليه عما عساه أن يفقد من سائر اللذات، فخطاب الصغير بقوله: أين أمك يا «أوجين»؟

– أمي … أعدت لنا عند الصباح غرفة بجوار مخدعها لنكون فيها منفردين عنك، فلا ترانا إلا إذا شئت، ولا نزعجك متى كنت مشغولًا.

فقال «ڤكتور» في نفسه: ما برحت هي إياها: خُلق كريم، ونفس شريفة، وفؤاد سليم، وأنا أقابل هذا الوفاء والإحسان بالخيانة والكفران. ولما شعرت «ماري» بقدوم زوجها أقبلت نحوه مرحبة به باسمة له وهي تقول: رأيت الآن مدام «سرزول» فذكرتُ لها كل ما أبديتَ لي من الملاطفة والمجاملة، فسرَّها ذلك أيما سرور وهي تروم أن أسير معها لزيارة بعض الوجهاء، وتزعم أن في ذلك مصلحة لك، فإن كنت ترى هذا الرأي، فإنا نزور أولًا مدام «درميلي» ومدام «ڤلمورين» اللتين عرفناهما في «بواتو» من قبل.

ولما نطقت «ماري» باسم الباريسية الحسناء تهدج صوتها وارتعشت أعضاؤها بما نالها من انفعال النفس، ولكنها تمالكت وتجلدت ما استطاعت حتى كاد قلب «ڤكتور» ينفطر شفقة عليها، وحتى صغرت عنده نفسه بما وجد بها من كرم النفس؛ فضمها إلى صدره باكيًا وهو يقول: عفوًا، عفوًا، إن ذنبي كان كبيرًا، فلست بالحب منكِ جديرًا.

– دع عنك هذا الكلام فلا عتب ولا ملام، إني زوجتك الأمينة وأبى الله أن تألف نفسي الحقد والضغينة، بل حسبي من السعادة أن أراك، وأفوز بدوام قربك ورضاك.

فَلَأنتَ من دون البريةِ مَوئلِيولأنتَ من دون الأنامِ عَتادِيفإذا دنوتَ فتلك غايةُ مقصديوإذا رضيتَ فذاك كلُّ مُرادِي فعَلِمَ «ڤكتور» بعد هذا المقال أن عفو زوجته واسع لا حد له، وعلمت هي أن في قلبه بقية من محبتها، فأمسى قليل الوجل وباتت كثيرة الأمل.

ثم أتمت ما استأذنته فيه فزارت «أليس» ولم تجدها، فأبقت لها تذكرة الزيارة، فانفتح بذلك باب التزاور والتلاقي بينهما، فنجا «ڤكتور» من ضنك الارتباك.