الفصل الأول

6 0 00

الفصل الأول

أضاءت الشارة الكهرمانية أسرعت اثنتان من السيارات التي في المقدمة قبل أن تضيء الشارة الحمراء ، أضاءت الشارة الخضراء عند ممر المشاة وبدأ المارة الذين كانوا ينتظرونها يعبرون الشارع فوق الخطوط البيضاء المرسومة فوق الأسفلت الأسود ، تلك الخطوط التي تشبه الحمار الوحشي الى حد كبير ، وعلى اية حال هكذا كانت تسمى .

أبقى السائقون أقدامهم المتعجلة فوق الدبرياج تاركين سياراتهم على أهبة الاستعداد تتقدم وتتراجع كأحصنة تشعر بالصوت الذي يوشك أن يصوتها ، عبر المارة جميعا إلا أن الشارة الخضراء لانطلاق السيارات ستتأخر بضع ثوانٍ ويتضاعف هذا التأخير رغم عدم أهميته الواضحة كما يؤكد البعض بفعل آلاف شارات المرور الموجودة في شوارع المدينة وبفعل تغير ألوانها الثلاثة المتعاقبة الذي يخلق واحدا من أكثر أسباب ازدحام المرور جدية أو الاختناقات المرورية إذا استخدمنا التعبير السائد .

أضاءت الشارة الخضراء أخيرا فانطلقت السيارات بسرعة ، تبين فيما بعد أنها ليست جميعا على القدر نفسه من السرعة ، فالسيارة الأمامية في منتصف المضمار لا تزال واقفة ، لابد أن هناك عطلا ميكانيكيا ، عطلا في دواسة البانزين أو مبدل السرعة عطْلا في الأماتسورات أو الكوابح ، عطْلا في الدائرة الكهربائية ، هذا إن لم يكن وقودها قد نفد ، وليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها أمر كهذا .

رأت مجموعة المارة الجدد الذين احتشدوا عند ممر المشاة سائق السيارة المتوقفة يلوح بيديه من خلف زجاج السيارة الأمامي ، بينما السيارات المتوقفة خلف سيارته تطلق العنان لأبواقها الغاضبة .

خرج بعض السائقين من سياراتهم وقد استعدوا لدفع السيارة الجانحة الى مكان لا تعوق فيه حركة المرور ، خبطوا غاضبين على زجاج نوافذها المغلقة ، والرجل داخل السيارة يتلفت ذات اليمين وذات الشمال ، من الواضح أنه كان يصرخ بشيء ما ، ومن حركة شفتيه بدا أنه يكرر بضعة كلمات ، كلمتان تحديدا ، أنا أعمى ، كما اتضح لاحقا عندما نجح شخص ما بفتح باب السيارة أخيرا .

من سيصدق ذلك ؟ فبالاعتماد على المشاهدة فقط إن عيني الرجل سليمتين ، القزحيتان رائعتان منيرتان ، الصلبتان بيضاوان مدمجتان كالبروسلان ، بيد أن عينيه المفتوحتين على اتساعهما وتجاعيد وجهه وحاجبيه اللذين قطبا فجأة ، هذا كله يشير الى أنه قد خبَّله الكرب كما يستطيع أي اإمرئ أن يرى .

بحركة سريعة اختفى ما كان وراء قبضتي الرجل المغلقتين بإحكام وكأنه لا يزال يحاول أن يستعيد في ذهنه آخِر صورة كانت أمام ناظريه ، ضوءا أحمرا دائريا في إشارة المرور .

- أنا أعمى أنا أعمى .

كان يردد يائسا وهم يساعدونه على الخروج من السيارة ، والدموع الطافرة من عينيه اللتين يدعي مواتهما جعلتهما تظهران أكثر تألقا .

- تحدث أمور كهذه ، يحدث ذلك لأسباب عصبية أحيانا ، أزمة وتمر . قالت امرأة .

تغيرت أضواء الشارة ثانيةً ، تجمع بعض المارة الفضوليين حول سابقيهم ، احتج السائقون الذين في المؤخرة ولم يعرفوا ماذا يجري ، على ما اعتقدوه حادثا عاديا كتحطم ضوء أمامي أو انبعاج جنب السيارة .

- لا شيء يسوغ كل هذا الهيجان ، اطلبوا الشرطة .

هكذا صاحوا .

- وأخرجوا هذه الخردة من الطريق .

توسل الأعمى : أرجوكم ليأخذني أحدكم الى بيتي .

ارتأت المرأة التي اعتقدت أن عماه مسألة أعصاب إنه من الضروري استدعاء سيارة إسعاف لنقل الرجل المسكين الى المَشْفى ، إلا أن الأعمى رفض سماع الاقتراح .

- لا ضرورة لذلك .

إن كل ما يريده أن يرافقه أحد ما الى مدخل البناية التي يقطن فيها .

- إنها قريبة جدا ، وتلك أعظم خدمة تقدمونها لي .

- وماذا عن السيارة ؟ سأل شخص ما .

أجابه آخر : المفاتيح في السيارة قُدْها الى الرصيف .

- لا حاجة الى ذلك .

تَدَخَّل صوت ثالث : سأقود السيارة وأرافق هذا الرجل الى بيته .

تعالت همهمات الموفقة ، شعر الأعمى بيد تمسك بذراعه .

- تعال معي ، تعال . كان الصوت نفسه يخاطبه .

أجلسوه في مقعد السيارة الأمامي ووضعوا له حزام الأمان .

- لا أستطيع أن أرى ، لا أستطيع أن أرى . همس والدموع لا تزال تنهمر من عينيه .

- أخبرني أين تقطن ؟ ؟ سأله الرجل .

وعبر نوافذ السيارة تطلعت وجوه نهمة تواقة الى معلومات إضافية .

رفع الرجل الأعمى يديه الى عينيه وأومأ : لا شيء ، يبدو أني قد غَطَسْت في ضَباب أو سقطت في بحر حليبي .

- لكن العمى مختلف عما تقول . قال الشخص الآخر : يقولون إن العمى أسود .

- حسنا ، لكني أرى كل شيء أبيض .

- الأرجح أن تلك المرأة الصغيرة كانت على صواب ، قد تكون مسألة أعصاب فالأعصاب شيء شديد التعقيد .

- لا أحتاج لِتشرح لي عنها إنها كارثة .

- نعم إنها كارثة ، قل لي من فضلك أين تقطن .

وأقلع المحرك في اللحظة نفسها .

أخبره الأعمى بعنوانه متلعثما وكأن فقدان بصره قد أضعف ذاكرته ثم أضاف :

- لا أملك الكلمات لِأشكرك .

فرد عليه الرجل الآخر : لا تفكر في شكري إذن ، ، فاليوم دورك وغدا دوري وإننا لا ندري ما يخبئه الغد لنا .

- أنت محق ، من كان يعتقد عندما غادرت بيتي صباحا أن شيئا فَضِيعاً كهذا سيحدث لي .

تحير من أنهما لا يزالان متوقفان في المكان نفسه فسأل : لماذا لا نتحرك ؟

- لأن الشارة حمراء . أجاب الآخر .

من الآن فصاعدا لن يعرف متى تكون الشارة حمراء .

كما قال الأعمى فقد كان بيته قريبا غير أن الأرصفة كانت مكتظة بالعربات لم يستطيعا إيجاد مكان لِصف السيارات فضطرا للبحث عن مكان في أحد الشوارع الجانبية ، وبسبب ضيق الأرصفة هناك لم يتمكن من فتح الباب بما يكفي ليترجل عِبره وكي يتجنب مشقة جر نفسه فوق المقعد الى باب السائق والارتطام بالكوابح وعجلة القيادة ، فقد ترجل الأعمى من السيارة أولا قبل أن يصفها الآخر .

وقف وحيدا في منتصف الطريق يحس الأرض تنزلق من تحت قدميه ، حاول أن يخمد الإحساس بالهلع الذي كان يتعاظم داخله ، لوَّحَ بيده أمام وجهه بحركة عصبية وكأنه كان يسبح فيما وصفه ببحر حليبي .

كان قد فتح فمه للتو لِيطلق صرخة استغاثة عندما شعر في اللحظة الأخيرة بيد تلمس ذراعيه بلطف : اهدأ ها قد عدت إليك .

تقدم ببطء شديد ، والأعمى يجر قدميه جرا خشية من أن يسقط وهذا ما جعله يتعثر برصيف غير المستوي .

- اصبر كدنا نصل . غمغم الرجل الآخر .

وبعد عدة خطوات سأله : هل في البيت أحد يهتم بك ؟

- لا أعرف . أجابه الأعمى : فزوجتي لا تزال في عملها وقد اتفق أني غادرت البيت مبكرا اليوم فقط كي يصيبني ما أصابني .

- سترى أنه ليس بالأمر الخطير ، فلم أسمع البتة بأن أحدا عميَ فجأةً .

- تعرف طالما أني تبجحت أني لا أستخدم نظارة .

- حسنا ذلك يدعم رأيي .

وصلا ممدخل البناية التي يقطن فيها ، تطلعت اثنتان من الجيران بفضول الى منظر جارهما يُقاد من ذراعه ، ولكن لم تفكر إحداهما في أن تسأل : هل تعاني من شيء في عينيك ؟ لم يخطر لهما هو ذلك ولا كان قادرا على الرد .

- نعم فيهما بحر حليبي .

ما أن دخلا البناية حتى قال الأعمى " شكرا جزيلا لك ، آسف لإزعاجك بوسعي أن أكمل وحدي الآن .

- لا داعي للاعتذار سأصعد معك الى باب الشقة لن يهون علي أن أتركك هنا .

واجه صعوبة في دخول المصعد الضيق .

- في أي طابق تسكن ؟

- في الثالث ، لو تستطيع أن تتخيل مقدار امتناني لك .

- لا تشكرني فاليوم دورك .

- نعم أنت على حق ، قد يكون دورك غدا .

توقف المصعد وخرجا الى قرص الدرج أمام با الشقة .

- أتود أن أساعدك في فتح الباب ؟

- شكرا أعتقد أني قادر على فعل ذلك بنفسي .

أخرج من جيبه مجموعة مفاتيح تحسسها واحدا بعد الآخر من الحافة المسننة وقال : هذا هو على ما أعتقد .

تحسس بأصابعه المفتاح وحاول فتح الباب .

- ليس هذا المفتاح ، دعني أرى سأساعدك .

نجح الآخر بفتح الباب في المحاولة الثالثة .

عندئذٍ صاح الأعمى نحو الداخل : أنتِ هنا ؟

- لا جواب . أردف : كما كنت أقول لك لم تعُد بعد .

مد يديه وراح يتلمس طريقه على طول الكوريدور ثم عاد بحذر ، أدار رأسه الى الجهة التي حسب أن الشخص الآخر يقف فيها وقال : كيف بوسعي أن أشكرك ؟

- ذلك أقل ما استطعت فعله . قال السامري الطيب : لا داعي لأن تشكرني .

وأضاف : أتريد أن أساعدك على الدخول وأمكث برفقتك حتى تصل زوجتك ؟

أثار هذا الحماس ريبة الأعمى فجأة ، من الواضح أنه لن يدعو غريبا الى بيته لأنه في نهاية المطاف ربما يخطط في اللحظة نفسها للتغلب على الأعمى المسكين الأعزل ، ثم يسطو على أي شيء ذي قيمة .

- لا لا داعي لذلك .

- أرجو ألا تنزعج . قال له .

- أنا بخير .

كرر وهو يغلق الباب ببطء :

لا داعي لذلك لا داعي لذلك .

تنفس الصعداء عندما سمع جلبة هبوط المصعد وبحركة آلية ناسيا حالته الآن رافعا غطاء العين الساحرة في الباب ونظر عبرها ، بدا كأن هناك جداراً أبيضا في الجهة الأخرى .

شعر باحتكاك إطار العين المعدني بحاجبه ، فرمش جفناه أمام العدسة الصغيرة بيد أنه لم يستطع أن يرى شيئا في الخارج ، بياض كَتيم يغطي كل شيء ، عرف أنه موجود في بيته ، ميز رائحته جوه هدوءه ، بوسعه معرفة أثاثه وموجوداته بمجرد تمرير أصابعه عليها بخفة ، لكن في الوقت نفسه بدا كأن هذا كله قد استحال الى بُعد غريب من دون اتجاه أو بدايات مرجعية ، بلا شمال أو جنوب فوق أو تحت ، طالما لعب مثل الناس جميعا وهو صغير لعبة الأعمى ، وبعد خمس ثواني من إغماض عينيه توصل الى نتيجة مفادها أن العمى بلا شك بلوى مرعبة وقد تبقى مُحتملَة نسبيا إذا ما احتفظ الضحية التعس بذاكرة جيدة ليس فقط فيما يخص الألوان إنما أيضا فيما يخص الصور والخطط ، الوجوه والأشكال ، مفترضا بالطبع أن ذلك الشخص لم يولد أعمى حتى أنه وصل بتفكيره حد الاعتقاد بأن الظلمة التي يعيشها الأعمى ليست ببساطة أكثر من غياب الضوء ، إنما نسميه عمى هو ببساطة شيء ما يغطي مظهر وكينونة الأشياء يتركها سليمة خلف حجاب أسود .

هاهو الآن وعلى العكس غرق في بياض مبهر مُطْبِق ، بياض يبتلع بدلا من أن يمتص لا الألوان فقط وإنما كذلك كل الأشياء والكائنات كلها وهكذا يجعلها غير مرئية مرتين .

عندما تحرك باتجاه غرفة الجلوس رغم الحذر الشديد في تقدمه مرر يَدا مترددة على الحائط ولم يكن يتوقع وجود أي عائق ، طوَّح مزهرية فتحطمت على الأرض لقد نسي وجود شيء كهذا أو ربما تكون زوجته قد وضعتها هناك قبل أن تغادر البيت الى عملها بقصد أن تجد لها مكانا أنسب فيما بعد .

حاول تجميع الورود ونسي أمر الزجاج المحطم فدخلت نثرة زجاج طويلة في أصبعه وعندما شعر بالألم طفرت من عينيه دموع يأس صبيانية ، أعمى مع البياض وسط شقته التي تُظْلِم مع هبوط المساء .

لا تزال الورود في يده ولا يزال يشعر بالدم ينزف ، تلوى لِيخرج منديلا من جيبه لِيضمد أصبعه النازف بأفضل ما يسعه ، ثم راح يدور حول الأثاث متخبطا متعثرا ينقل خطواته بقلق خشية أن يدوس على السجادة ، نجح اخيرا في بلوغ الأريكة حيث يجلس هو وزوجته ويشاهدان التلفزيون .

جلس ووضع الورود في حضنه ثم وبكل حرص ممكن فك المنديل ، كان ملمس الدم كثيفا ، أقلقه ذلك وفكر أن دمه وبسبب عجزه عن رؤيته قد تحول الى مادة لدنة لا لون لها ، الى شيء ما اكثر غرابة لا ينتمي إليه لكنه اشبه بتهديد موجه ذاتيا هو إليه نفسه ، ببطء شديد وبرفق تلمس السليمة حاول تحديد موضع نثرة الزجاج ، حادة كخنجر صغير انتزعها بمساعدة ظفرَي إبهامه وسبابته ثم ربط المنديل حول الجرح بقوة أكبر لِيوقف نزف الدم وأسند ظهره الى الأريكة ضعيفا منهكا ، بعد دقيقة وبسبب واحد من تنازلات الجسد الشائعة التي تختار الاستسلام في لحظات معينة من الألم المبرح أو اليأس بينما لو انقاد الجسد للنطق وحده لكانت كل أعصابه قد تنبهت وتوترت .

اجتاح جسده نوع من التعب ، كان نعاسا أكثر منه تعبا حقيقيا لكنه لا يقل ثقلا عنه ، وفي الحال راح يحلم أنه كان يدعي العمى ، حلم وأنه كان الى الأبد يغمض عينيه ويفتحهما وإنه مع كل إغماضة عينيه وفتحهما يجد بانتظاره كمن عاد من رحلة طويلة كل الصور وألوان العالم كما عرفها ثابتة ولا تتغير فيها ، لاحظ أيضا تحت إعادة توكيد اليقين هذه التذمر الواهن من اللايقين ، ربما كان حلما مخادعا حلما يجب أن يخرج منه عاجلا أو آجلا بدون أن يعرف أي حقيقة تنتظره في هذه اللحظة ، ليس هناك تعبير أنسب منه لوصف ذلك التعب الذي يدوم بضع ثواني فقط ، حالة شبه يقظة تهيئ المرء للاستيقاظ ، الآن فكر جديا من الحماقة بمكان البقاء في حالة التردد هذه ، أستيقِظ أو لا أستيقِظ ، هناك لحظات لا خيار للمرء فيها سوى ركوب المخاطرة .

- ما الذي أفعله هنا وفي حضني هذه الورود وعينان مغمضتان وكأني خائف من فتحهما ؟

- ما الذي تفعله هناك ؟ نائم وتلك الورود في حضنك ؟ سألته زوجته

لم تنتظر الرد شرعت تجمع حطام المزهرية وتحاول تجفيف الأرض وهي تغمغم من حين لآخر بغضب تعمدت عدم إخفائه : كان بوسعك تنظيف المكان بدلا من النوم هناك وكأن الأمر لا يعنيك .

لم يقل شيئا واكتفى بستر عينيه خلف جفون مغمضة بقوة ، وفجأة لمعت برأسه فكرة ، : ماذا لو فتحت عيني وأبصرت ؟

سأل نفسه وقد سيطر عليه أمل قلق .

اقتربت منه المرأة ولاحظت المنديل المدمى فتلاشى غضبها للتو .

- أيها المسكين كيف حدث ذلك ؟

سألته برقة وهي تحل الضماد الذي لفه كيف ما اتفق ، عندئذٍ رغب وبكل جوارحه أن يرى زوجته راكعة عند قدميه حيث يعرف أنها راكعة هناك ، ثم فتح عينيه وهو واثق من أنه لن يراها .

- استيقظت أخيرا إذن ، أيها النوام . قالت مبتسمة .

صمت هنيْهة ثم قال : أنا أعمى لا أستطيع أن أرى .

- كف عن هذه الألاعيب الصبيانية السخيفة ، هناك أشياء معينة ينبغي ألا نمزح بها .

- كم أتمنى لو أنها كانت مزحة ، فالحقيقة أنا أعمى ، لا أستطيع أن أبصر شيئا .

- أرجوك لا تُخِفْني ، انظر إلي هنا أنا هنا المصباح مضاء .

- أعرف أنكِ هنا بوسعي أن ألمسك أسمعك أستطيع أن أتخيل أنكِ أضأتِ المصباح غير أني أعمى .

احتضنته وبدأت تبكي .

- ليس صحيحا ، قل لي أن ذلك ليس صحيحا .

سقطت الورود على الأرض فوق المنديل المدمى ، بدأ الدم ينز ثانية من الأصبع المجروح ، كان ذلك النزف هو آخِر ما يشغل باله .

غمغم : إني أرى كل شيء أبيض .

وابتسم ابتسامة حزينة .

جلست المرأة قربه واحتضنته بقوة ثم قبلته بلطف على جبينه وعلى خده وبرقة على عينيه .

- سترى أنها أزمة وتمر فأنت لم تكن مريضا ، لا أحد يعمى هكذا بين لحظة وأخرى ، أخبرني كيف حدث ذلك بماذا شعرت متى أين ؟ لا لا ليس بعد انتظر ، أول ما يجب فعله هو استشارة اختصاصي عيون ، أتتذكر إختصاصي ما ؟

- لا .

- كلانا لم يسبق له أن لبس نظارة ، وإن أخذتك الى المَشْفى فمن غير المرجح أن نجد عيادة طوارئ للأعين التي فقدت بصرها .

- أنت محقة الأفضل أن نذهب الى عيادة اختصاصي .

- سأبحث في دليل الهاتف عن اختصاصي هنا في الجوار .

نهضت وهي تلاحقه بالأسئلة .

- هل تشعر بأي اختلاف ، لا لا انتَبِه سأطفئ الضوء وبعدئذ تقول لي بما تشعر ، ها أطفأته ؟

- لا شيء .

- ماذا تعني بلا شيء ؟

- لا شيء ، أرى البياض نفسه دائما وكأن لا عتمة هناك .

استطاع أن يسمع زوجته تقلب صفحات دليل الهاتف وهي تنشق كيف تغالب دموعها .

تتنهد وأخيرا قالت : هذا يناسبنا ، لنأمل أن يستطيع استقبالنا .

أدارت قرص الهاتف ، سألت إن كانت هذه عيادة جراحية وإن كان الطبيب موجودا وإن كان بوسعها التحدث إليه ، كلا الطبيب لا يعرفني الحالة طارئة نعم ، من فضلك ، افهمك أفهمك ، سأشرح لك الحالة إذن لكن أرجو أن تبلغها للطبيب ، في الواقع إن زوجي قد أصيب بعمى مفاجئ ، نعم نعم مفاجئ تماما ، كلا كلا ليس من زبائن الطبيب ثم إنه لا يلبس نظارة ولم يلبسها قط ، نعم بصره ممتاز مثل بصري ، أجل إنه عشرة على عشرة ، آه شكرا ، شكرا جزيلا سأنتظر نعم .

دكتور مفاجئ تماما يقول إنه يرى كل شيء أبيض ، لا ليس لدي فكرة عما حدث لم يكن لدي الوقت لأستفسر ، لقد وصلت البيت الآن فوجدته في هذه الحال ، أتريد أن أستفسر منه ، أنا ممتنة لك يا دكتور سنأتي حالاً حالاً .

نهض الأعمى .

- انتظر . قالت زوجته : دعني أولا أضمد لك أصبعك .

غابت بعض لحظات ثم عادت ومعها زجاجة بروكسيد زجاجة يود قطن وشاش ولاسق طبي ، وهي تضمد له جرحه سألته : أين ركنت سيارتك ؟

وفجأة واجهته بحجتها : لكن ليس بمقدورك قيادة سيارة بحالتك هذه أَم أنك كنت في البيت عندما حدث ذلك ؟

- كلا ، حدث الأمر في الشارع عندما كنت متوقفا عند شارة مرور حمراء وأحضرني الى البيت شخص ما وقد ركن السيارة في الشارع المجاور .

- عظيم دعنا ننزل إذن ، تنتظر عند الباب ريثما أذهب وأُحْضِرُها ، أين وضعت المفاتيح ؟

- لا أعرف لم يُعِد ألي المفاتيح .

- من هو ؟

- الرجل الذي جاء بي الى البيت .

- أكان رجلا ؟ لا بد أنه وضعها في مكان ما سأبحث عنها .

- لا فائدة من البحث عنها فهو لم يدخل الشقة .

- لكن لا بد أن تكون المفاتيح في مكان ما .

- الأرجح أنه نسي وأخذ المفاتيح معه دونما قصد .

- هذا ما كان ينقصنا .

- استخدمي مفاتيحك وبعدئذ نحل هذه المشكلة .

- حسنا دعنا ننطلق امسك بيدي .

قال الأعمى : إن بقيت على هذه الحال فإني أفضل الموت عليها .

- ارجوك كُف عن التفاهات يكفينا ما نحن فيه .

- أنا الأعمى لا أنت ، لا يسعك تخيل الأمر .

- سيجد لنا الطبيب علاجا ما سترى .

غادرا الشقة ، في ردهة البناية أضاءت زوجته المصباح وهمست في أذنه : انتظرني هنا وإذا قابلك أحد الجيران فكلمه بشكل طبيعي قل إنك تنتظرني فما من أحد ينظر إليك يمكن يخالك لا تبصر إضافة الى إننا غير مضطرين لإخبار الناس عن مصائبنا .

- نعم لكن لا تتأخري .

انطلقت زوجته مسرعة ، لم يدخل البناية أو يغادرها أحد من الجيران ، كان الرجل يعرف بالخبرة أن درج البناية فقط يبقى مضاءً هكذا وبما أنه قادر على سماع صوت فاصل الكهرباء الأوتماتيكي راح يضغط على زر المصباح الكهربائي كلما خيم الصمت ، لقد تحول هذا الضوء الى صخب بالنسبة إليه ، لم يستطع أن يفهم سبب تأخر زوجته عن العودة فالشارع قريب نحو ثمانين أو مائة متر .

- وإذا ما تأخرنا كثيرا فقد يذهب الطبيب . هكذا فكر لِنفسه .

لم يستطع مقاومة حركاته العفوية كأن يرفع معصمه ويخفض بصره لينظر الى ساعة يده ، تلمض وكأنه يعاني من ألم ما وشعر بفرح غامر لأن أحدا من الجيران لم يره الآن فلو كلمه أحد الجيران الآن لطفرت الدموع من عينيه .

توقفت سيارة في الخارج .

- أخيرا . فكر لنفسه .

لكنه على الفور لاحظ أن ذلك ليس صوت محرك سيارته فهذا صوت محرك ديزل ، لابد من أنها تاكسي . فكر لنفسه .

وضغط ثانية زر المفتاح الكهربائي ، عادت زوجته منفعلة وقلقة .

- سامريوك الطيب ذاك ، تلك الروح الطيبة قد أخذ سيارتنا .

- غير ممكن لابد أنك لم تبحثي جيدا .

- بالطبع بحثت جيدا ولا يوجد خلل في بصري .

انزلقت تلك العبارة الأخيرة على لسانها من غير عمْد فسارعت الى تدارك الأمر مضيفة : قلت لي أن السيارة في الشارع المجاور وهي ليست هناك هذا إن لم تكن قد وُضِعَت في شارع آخر .

- كلا أنا واثق أنها قد تُرِكَت في ذلك الشارع .

- حسنا إذن فقد اختفت السيارة ، في تلك الحالة ماذا جرى للمفاتيح ؟ لقد اغتنم فرصة ارتباكك وكربك وسرقنا .

- لم أخطئ إذن عندما لم أرغب في مكوثه معي الشقة ريثما تعودين من العمل ذلك لأني خشيت أن يسرق شيئا ما فربما لم يكن ليكتفي بسرقة السيارة فقط .

- دعنا ننطلق فالتاكسي بانتظارنا ، أقسم لك أني مستعدة أن أخْسَر سنة من عمري مقابل أن أرى هذا الوغد أعمى أيضا .

- لا ترفعي صوتك هكذا ، ربما سيظهر ذات يوم .

- آه أتظن أنه سيأتيك غدا ويقول أنه قد أخذ سيارتك في لحظة سهو ؟ وإنه يريد أن يعتذر ويطمأن الى أنك تشعر بتحسن ؟

بقيا صامتين الى أن وصلا عيادة الطبيب ، حاولت ألا تفكر في السيارة التي سُرِقَت ، كانت تعصر يد زوجها في يدها بحنان ، بينما أحنى رأسه بحيث لا يستطيع سائق السيارة أن يرى عينيه في المرآة ولم يستطع إلا مساءلة نفسه كيف أمكن أن تنزل به هذه المأساة المرعبة : لماذا أنا ؟

كان بوسعه سماع صخب حركة المرور ، الصوت الغريب الصاخب كلما توقف التاكسي ، يحدث غالبا أن نكون نائمين وتخترق أصوات خارجية حجاب اللاشعور الذي نكون ما زلنا مغلفين داخله وكأننا مغلفون بحجاب أبيض .

هز رأسه مُتَنَهِداً وربتت زوجته على خده بلطف وتلك ططريقتها لتقول له : اهدأ أنا هنا .

أسند رأسه الى كتفها غير مبالٍ فيما يمكن أن يفكر فيه السائق .

- لو كنت مكاني ولم تعُد قادرا على قيادة السيارة بعد . فكر لنفسه على نحو طفولي ، ثم هنأَ نفسه وسط يأسه متناسيا عبث ملاحظته هذه على أنه ما زال قادرا على التفكير منطقيا .

لدى نزوله من السيارة بمساعدة خفية بدا هادئا ، لكن لدى دخوله عيادة الطبيب حيث سيعرف قَدَره سأل زوجته بهمس مروع : كيف سأبدو عندما أخرج من هذه العيادة ؟

وهز رأسه كأنه قد تخلى عن كل أمل .

أخبرت زوجته موظف الاستقبال : أنا منن تلفنْت منذ نصف ساعة بسبب حالة زوجي .

قادهما الموظف الى غرفة صغيرة حيث ينتظر مرضى آخرون ، كان هناك رجل كهل على إحدى عينيه عصابة سوداء ، طفل صغير يبدو أنه أحول وبرفقته والدته ، فتاة تلبس نظارة سوداء ، وشخصان آخران ليس فيهما شيء مميز ، لكن لا يوجد بينهم أعمى فالعميان لا يستشيرون اختصاصي عيون .

قادت المرأة زوجها الى الكرسي الشاغر الوحيد ووقفت بقربه .

- حسنا علينا أن ننتظر . همست في أذنه .

لقد عرف السبب ، لأنه سمع أصوات الموجودين في غرفة الانتظار ، والآن بدأ يهاجمه قلق آخر ، فاعتقد أنه كلما تأخر الطبيب في الكشف عليه ازداد عماه سوءاً لدرجة يصعب معها شفاؤه .

تململ في كرسيه قلقا ، كان على وشك مصارحة زوجته بهواجسه عندما انفتح الباب في اللحظة نفسها وقال موظف الاستقبال : تَفَضَلَا بالدخول .

والتفت الى المرضى الآخرين : هذه أوامر الطبيب فحالة هذا الرجل عاجلة .

احتجت والدة الطفل بأن الحق حق وإنها كانت أول المنتظرين منذ أكثر من ساعة ، وافقها المرضى الآخرون بصوت خفيض ، بيد أن أحدا منهم ولا حتى المرأة نفسها لم يفكر بأنه من الحكمة التمادي في التذمر وذلك خشية أن يتضايق الطبيب ويقابل وقاحتهم بجعلهم ينتظرون وقتا أطول كما قد جرى .

كان الرجل ذو العين المعصوبة شهما إذ قال : دعوا الرجل المسكين يدخل ، إن حالته أسوأ من حالاتنا جميعا .

لم يسمعه الأعمى لأنه وزوجته قد أصبحا داخل غرفة المعاينة .

وكانت زوجته تقول : شكرا جزيلا على لطفك دكتور ، المسألة أن زوجي . . .

وتوقفت عند هذه العبارة لأنها بصراحة لم تكن تعرف ما جرى ، فكل ما تعرفه أن زوجها قد عميَ وأن سيارتهما قد سُرِقت .

- تفضلا بالجلوس . قال الطبيب .

وقام هو بنفسه بمساعدة المريض للجلوس في كرسيه ، ثم لمس يده وكلمه مباشرةً : قل لي الآن ما الأمر ؟

أوضح الرجل الأعمى أنه كان في سيارته ينتظر تبدل شارة المرور الحمراء الى خضراء عندما فجأة لم يعُد قادرا على الرؤية وإن عدة أشخاص اندفعوا لمساعدته وأن امرأة كهلة ، هكذا قدَّر من صوتها ، قالت : إنه ربما كان الأمر حالة عصبية ، وأنه بعدئذ رافقه رجل الى بيته لأنه لم يكن قادرا على الوصول إليه بمفرده .

- إني أرى كل شيء أبيض يا دكتور .

لم يخبره شيئا عن اسيارته التي سُرِقت .

سأله الطبيب : هل حدث لك شيء مشابه من قبل أو ما يقاربه ؟

- كلا يا دكتور حتى أني لا أستخدم نظارة ، إنه حدث فجأة تماما ، نعم كانطفاء الضوء ، يشبه الى حد بعيد انطفاء الضوء .

- هل شعرت في الأيام السابقة بأي اختلاف في بصرك ؟

- كلا .

- هل يوجد أو وُجِدَ قَبْلا حالة عمى في عائلتك ؟

- كلا ، ولا واحدة بين كل الأقارب الذين أعرفهم أو سمعت عنهم .

- هل تعاني من السُكري ؟

- - كلا .

- من السِفْلِس ؟

- كلا .

- من ارتفاع الضغط الشرياني أو إصابة دماغية ؟

- فيما يخص الصدمة الدماغية لست جازما ، لكن بالنسبة للأخريات كلا ، إذ إننا نخضع لفحص دوري في العمل .

- هل تلقيت صدمة عنيفة على رأسك اليوم أمس ؟

- كلا .

- كم عمرك ؟

- ثمانية وثلاثون .

- عظيم ، دعنا نفحص عينيك .

فتح الرجل الأعمى عينيه على اتساعهما معتقدا أن ذلك يسهل عملية الفحص ، إلا أن الطبيب أخذه من ذراعه وأجلسه خلف الفاحص الأوتماتيكي الذي يمكن لأي صاحب مخيلة أن يراه نسخة جديدة من كرسي الاعتراف ، وتنوب العينان هنا مكان الكلمات وينظر متلقي الاعتراف في روح الآثم مباشرة .

قال الطبيب : ارح ذقنك هنا وابقِ عينيك مفتوحتين ولا تتحرك .

اقتربت المرأة من زوجها ووضعت يدها على كتفه ثم قالت : هذا سيقدم لنا الكلمة الفيصل ، سترى .

رفع الطبيب المنظار وأخفضه من جهته ، أخيرا أشعل الأزرار المنظِمة وبدأ الفحص .

لم يستطع أن يجدخللا في القرنية لا شيء في الصلبتين ولا في البؤبؤين الشبكية وعدستا العينين اللطخة الصفراء والعصب البصري كلها سليمة ، ولا أذية في أي مكان آخر .

نَحى الجهاز جانبا فرك عينيه ثم أعاد الفحص ثانيةً من البداية من دون أن يتكلم ، وعندما انتهى كان على وجهه ة\تعبير حيرة .

- لم أستطع أن أجد أية آفة ، عيناك سليمتان .

ضمت المرأة يديها بإماءة سعادة وهتفت : ألم أقل لك يمكن حل هذه المعضلة .

تجاهل الأعمى زوجته وسأل الطبيب : أيمكن أن أرفع ذقني يا دكتور ؟

- بالطبع اعذُرني .

- إن كانت عينَيَ سليمتين كما تقول فلماذا أنا أعمى ؟

- حاليا لا أستطيع أن أجيبك ، فيجب أن نجري بعض الاختبارات الدقيقة والتحاليل ، دراسة لطبوغرافيا العين وتخطيط إيكو .

- أتعتقد أن لذلك علاقة بالدماغ ؟

- ممكن ، لكني أشك في ذلك .

- ومع ذلك تقول إنك لم تستطع أن تجد خللا في عيني .

- صحيح ، أمر غريب ، ما أحاول قوله إنك إن كنت في الواقع أعمى فإن عماك عصي على التفسير الآن .

- هل تشك في أني أعمى ؟

- لا ، على الإطلاق فالمشكلة هي في الطبيعة غير العادية لحالتك ، فأنا شخصيا طول سنوات ممارستي للمهنة لم أصادف حالة شبيهة بحالتك ، بل أجرؤ وأقول إنه لم تُعرَف حالة كهذه في تاريخ طب العيون كله .

- هل تعتقد أن هناك شفاء ؟

- من حيث المبدأ وبما أني لم أجد آفة من أي نوع أو أي تشوه خَلقي فجوابي هو التأكيد ، ولكن من الواضح أن الأمر غير مؤكد تماما وذلك فقط بدافع الحذر لأني لا أريد آمالا قد يتضح أنها غير مسوغة .

- أفهمك .

- تلك هي حالتك .

- وهل هناك من علاج اتبعه ، دواء أو آخر ؟

- لا أفضل الآن إعطاءك أي وصفة لأنها ستكون وصفة في الظلام .

- هذا توصيف ذكي . علَّق الأعمى .

تظاهر الطبيب بأنه لم يسمع ، نهض عن الكرسي الدوار الذي كان يجلس عليه أثناء إجراء الفحص وكتب وصفة بالاختبارات والتحاليل التي حسبها ضرورية وناولها الى الزوجة .

- خذي هذه وعودي مع زوجك بعد أن تحصلا على النتائج ، خلال ذلك وإن جرى أي تغير في حالته تلْفني لي .

- بكم نحن مدينان لك يا دكتور ؟

- الدفع عند موظف الاستقبال .

رافقهما الطبيب الى الباب ، غمغم كلمات مؤكدا : دعونا ننتظر ونرى ، يجب ألا تيأسا .

وعندما خرجا دخل الطبيب الى غرفة الحمام الصغيرة المجاورة لغرفة المعاينة ، وحدق في المرآة طويلا .

- ماذا يمكن أن يكون هذا ؟ غمغم لِنفسه .

ثم عاد لغرفة المعاينة ، طلب موظف الاستقبال .

- ارسل إلي المريض التالي .

في تلك الليةلة حلم الرجل الأعمى أنه كان أعمى . . .

الفصل االثاني

عندما تطوع الرجل الذي سرق السيارة لمساعدة الأعمى لم يكن لديه أي نية سيئة في تلك اللحظة بالتحديد ، على العكس من ذلك فما فعله كان الانقياد لمشاعر الشهامة والغيرية اللتين كما نعرف جميعا تُعَدّان أفضل سِمَتَين في الطبيعة البشرية ، وهما موجدتان عند مجرمين أكثر شراسة من هذا ، مجرد سارق سيارات بسيط ولا أمل له في التقدم في عمله هذا ويتعرض للاستغلال من قِبَل المسيطرين الحقيقيين على هذه الحرفة لأنهم هم المستفيدون من عوز اللصوص الصغار المساكين ، وفي نهاية المطاف لا فرق بين مساعدة أعمى فقط كي تسرقه بعد ذلك وبين العناية بعجوز بعين واحدة يتلعثم ويترنح بفعل أمراض وراثية .

لم يخطر له أمر السرقة وبشكل طبيعي إلا عندما اقترب من بيت الأعمى ، ويمكن أن يقول المرء بدقة وكأنه قرر شراء ورقة يانصيب عندما رأى بائع اليانصيب ولم يندفع الى ذلك بحس باطني فقد اشترى الورقة ليرى ما قد تجلبه له قانعا سلفا بأي ثروة تجلبها له كيفما كانت ، شيئا ما أو لا شيء ، سيقول آخرون أنه تصرف وفق ما يكشفه الشرط عن شخصيته ، يؤكد المتشككون وهم كثر وعنيدون أنه عندما تكون الكلمة الفصل للطبيعة البشرية فإنه إذا كان صحيحا أن الفرصة لا تصنع لصا دائما فالصحيح أيضا أنها تساهم في صنعه الى حد بعيد .

بالنسبة إلينا من الأفضل أن نفكر لو أن الرجل الأعمى قد قبِلَ العرض الآخر لذلك السامري المزيف فربما كانت الشهامة ما زالت هي الراجحة في تلك اللحظة ، ونشير هنا الى عرضه المكوث مع الأعمى حتى تعود زوجته ، فمن يعرف إذا ما كانت المسؤولية الأخلاقية التي تنتج عن الثقة الممنوحة له تكبح ذلك الإغواء الإجرامي وتسهل انتصار تلك العواطف النبيلة الألقة التي يمكن أن توجد دائما حتى في أكثر النفوس فسادا ، والنختم بهذه العبارة العامية كما لم يحاول المثل القديم أن يعلمنا قط ، فعندما يحاول الأعمى أن يتجاوز نفسه فإنه ينجح فقط في كسر أنفه .

إن الضمير الأخلاقي الذي يهاجمه الكثير من الحمقى وينكره آخرون كُثر أيضا هو موجود وطالما كان موجودا ولم يكن من اختراع فلاسفة الدهر الرابع حيث لم تكن الروح أكثر من فرضية مشوشة ، فمع مرور الزمن والارتقاء الاجتماعي أيضا والتبادل الجيني انتهينا الى تلوين ضميرنا بحمرة الدم وبملوحة الدمع ، وكأن ذلك لم يكن كافيا فحَوَّلْنا أعيننا الى مرايا داخلية ونتيجة أنها غالبا تُظهر من دون أن تعكس ما كنا نحاول إنكاره لفظيا إضف الى هذه الملاحظة العامة الظرف الخاص للعقول البسيطة ، فإن الندم الناتج عن إقتراف ذنب ما غالبا ما يختلط مع أنواع المخاوف السلفية وتكون النتيجة بالتالي أن تصبح عقوبة المراوغ من دون رحمة أو شفقة ضعفَي ما يستحقه ، في هذه الحالة وبناءً عليه من المستحيل أن نحدد مقدار حصة الخوف ومقدار حصة الضمير الموجع اللتين بدأتا ترهقان اللص في تلك اللحظة التي شغَّل فيها محرك السيارة لِيقودها ، لاشك أنه لم يستطع أن يهدأ في جلسته في مكان شخص عَمِيَ فجأة عندما كان يدير عجلة القيادة هذه ، فقد كان ينظر عبر زجاج السيارة الأمامي هذا عندما فجأة لم يعُد قادرا على الرؤيا ، ولا نحتاج الى خيال خصب كي ندرك أن أفكارا كهذه تثير هولة الخوف الشنيع والغادر قد أطَلَّت برأسها في الحال ، لكنه الندم أيضا ، سيماء الضمير المحزون للمرء كما عُبِّرَ عنه سابقا أو إن أردنا التعبير عنه بكلمات إيحائية ضمير ينهش ، هو الذي كان يعيد أمام ناظريه تلك الصورة البائسة للرجل الأعمى وهو يُغلق باب بيته وهو يقول له : لا داعي لذلك ، لا داعي لذلك ،

ومنذ إذن فصاعدا لن يكون قادرا على أن يخطو خطوة واحدة بلا مساعدة .

ضاعف اللص على تركيزه على شارات المرور ليمنع أفكارا مرعبة كهذه من أن تسيطر على ذهنه ، كان يعرف جيدا أنه يجب ألّا يسمح لِنفسه بأدنى خطأ ، بأدنى هفوة فالشرطة موجودة في كل مكان ويكفي فقط أن يوقفه أحدهم .

- بطاقتك الشخصية ورخصة القيادة ، عُدْ الى السجن .

يا لها من حياة قاسية ، كان أكثر حرصا على الانقياد لشارات المرور وما كان لِيتجاوز شارة حمراء تحت أي ظرف كان بل يحترم الشارة الكهرمانية وينتظر بمنتهى الصبر نور الشارة الخضراء ، ولاحظ عند حد معين أن انتباهه الى شارات المرور أصبح استحواذيا ، بعدئذ راح يضبط سرعة السيارة لِيضمن وصوله الى شارة المرور التالية عندما تكون الشارة خضراء سواء اضطره ذلك الى زيادة السرعة أو انقاصها الى درجة تزعج سائقوا السيارات من ورائه ، أخيرا وبسبب ارتباكه هذا وتوتره الذي يفوق قدرته على الاحتمال اتجه بالسيارة الى الشوارع الفرعية حيث يعرف ألا شارات مرور هناك ، وصفَّ السيارة من دون أن ينظر في المرآة الأمامية فقد كان سائقا بارعا .

شعر أن أعصابه على حافة الانهيار ، كان الجو خانقا داخل السيارة فأخفض زجاج النوافذ الأمامية قليلا بيد أن الهواء في الخارج ، هذا إن كان الهواء يتحرك ، لم يجدد الهواء داخل السيارة .

- ماذا سأفعل ؟ سأل نفسه .

فالمخبأ الذي سيقود السيارة إليه بعيدا جدا ، في قرية خارج المدينة ولن يستطيع في حالته الذهنية هذه الوصول الى هناك ، فإما أن تعتقله الشرطة وإما أن يقع له حادث وهذا أسوأ . غمغم لِنفسه .

عندئذٍ خطر له أنه من الأفضل يخرج من السيارة قليلا ويحاول أن يصفي ذهنه ، ربما ينعشه الهواء الطلق .

- لإن عَمِيَ ذلك المسكين التعس فما من منطق يعلل حدوث الشيء نفسه لي ، فهذا عمى وليست نزلة برْد معدية ، سأتمشى قليلا حول البناية وينتهي الأمر .

ترجل من السيارة ولم يزعج نفسه بأقفالها لأنه سيعود بعد دقيقة ، غير أنه ما أن سار ثلاثين خطوة حتى عَمِي . . .

***

في عيادة الطبيب كان الكهل الطيب الذي تكلم بلطف عن الرجل المسكين الذي عَمِي فجأة آخِر من دخل غرفة المعاينة ، جاء لتحديد موعد العمل الجراحي لِرفع الساد الذي ظهر في عينه السليمة المتبقية له ، لأن العصابة السوداء كانت تغطي مَحجَرا فارغا ولا حيلة له مع هذا الساد ، فهذه أمراض تظهر مع التقدم في العمر .

قال له الطبيب فيما مضى : وعندما يكتمل الساد نزيله بعمل جراحي وإلا فلن تكون قادرا على الرؤيا .

عندما خرج المريض ذو العين المعصوبة وأخبرت الممرضة الطبيب أنه لم يتبق مرضى في العيادة ، أَخرج الطبيب ملف الرجل الذي عميَ فجأة قرأه مرة واثنتين ، فكر مليا بعض الوقت وتلفن أخيرا لِزميل له ، وجرى بينهما الحديث التالي :

- يجب أن أخبرك ، أني واجهت حالة هي الأغرب من نوعها في طب العيون ، رجل فقدَ بصره كليا في غمضة عين ولم يكشف الفحص الطبي عن أية آفة واضحة أو دلائل تشوه خَلْقي ، يقول إنه يرى كل شيء أبيض بياضا كثيفا حليبياً يغشو عينيه ، إني أحاول أن أشرح لك الأمر كما بيَّنه لي هو ، نعم بالطبع شخصياً ، كلا إنه شاب نسبيا عمره ثمانية وثلاثون عاما ، هل سمعت بحالة كهذه أو قرأت عنها ، أعتقد أني لا أستطيع في الوقت الراهن أن أفكر في حل ولِأكسب الوقت اقترحت عليه إجراء بعض التحاليل والفحوص ، نعم بوسعنا فحصه معاً قريبا ، بعد الغداء سأبحث اليوم في بعض الكُتب سأنظر في بعض المراجع لعلي أجد مفتاحا ما ، نعم إني مُلم بموضوع العمه .

العمه هو العمى الحِسّي وهو فقدان القدرة على فهم المنبهات الحِسِّية أو عدم تمييز الأشياء أو عدم الإدراك ، عجز المرء عن التمييز بين أشكال والأشياء والأشخاص وطبيعتها .

- قد يكون عمى سايكولوجيا .

- لكن حينئذ ستكون هي الحالة الأولى من نوعها لأنه ما من شك في أن الرجل أعمى حقيقةً وكما نعلم أن العمه هو العجز عن تمييز الأشياء المألوفة .

- لأنه خطر لي أيضا أنها قد تكون حالة كُمْنة عمى جزئي أو كُلي .

- لكن تذكر ما أخبرتك به في البِدْأفهذا العمى أبيض على عكس الكُمْنة التي يكون العمى فيها كُلي السواد هذا إذ لا توجد هناك بعض أنواع الكُمْنة البيضاء ، سواد أبيض إن جاز القول ، نعم أعرف شيء ما غير معروف ، موافقسأتلفن له غدا أقول له نود فحصها معاً .

بعد أن أنهى الطبيب مكالمته استرخى في كرسيه وبقى ساكنا بضعة دقائق ثم نهض وخلع مريوله الأبيض ببطء ، وبحركات متعبة دخل غرفة الحمام لِيغسل يديه ، لكنه لم يسأل المرآة هذه المرة السؤال الميتافيزيقي ، ماذا يمكن أن يكون هذا ؟ .

بل استعاد استشرافه العلمي ، إن حقيقة العمى كون هو الكُمْنة معرفين ومحددين بدقة متناهية في الكتب وعملياً لا تمنع من ظهور أشكال مختلفة ، تحولات هامة إن صح التعبير وقد آن أوان ظهورها ، هناك آلاف الأسباب لانغلاق الدماغ ، أجل هذه فقط ولا شيء غيرها مثل زائر متأخر يصل فيجد باب بيته متأخر .

كان طبيب العيون ذواقة للأدب ولديه ميل لختم أحاديثه بمقتطفات مناسبة .

في تلك الليلة وبعد العشاء أخبر زوجته أن حالة عمى غريبة واجهته في العيادة ، قد تكون شكلا من أشكال العمى السايكوليجي أو الكُمْنَة ، لكن ليس هناك إثباتا علميا على ظهور أمراض كهذه .

- ما هي هذه الأمراض الكُمْنَة وذلك الشيء الآخر ؟ سألته زوجته .

شرح لها الطبيب بكلمات لا تستعصي على فهم الشخص العادي وترضي فضوله ، ثم اتجه الى مكتبته الزاخرة بالكتب الطبية بعضها من أيام الدراسة الجامعية وبعضها أقدم وبعضها حديث لم يتوفر الوقت له لِقراءتها بعد ، كان يبحث في فهارس الكتب ولِيعمل منهجيا شرع يقرأ كل ما وجده عن العمه والكُمْنة لكن من دون أن يفارق الانطباع المؤرق بأنه يقتحم حقلا لا قدرة له على الخوض فيه ، حقل جراحة الأعصاب الغامض حقا لا يعرف عنه إلا القليل .

وفي وقت متأخر من تلك الليلة نحى جانبا الكتب التي كان يقرؤها ، فرك عينيه واسترخى في كرسيه ، في تلك اللحظة ظهر البديل من تلقاء نفسه في أوضح صورة ممكنة ، لإن كانت حالة عَمَه فيجب أن يكون الأعمى قادرا على رؤية ما كان يراه دائما أي يجب ألا يكون هناك نقص في مقْدرته البصرية ، والمشكلة ببساطة في أن دماغه غير قادر على رؤية الكرسي في مكانه أي ما زال قادرا على الاستجابة الدقيقة للمنبه الضوئي الذي يصل العصب البصري ، لكنه ولِنستخدم كلمات بسيطة في متناول فهم الإنسان العادي فقدَ قدرة التعبير عنه ، أما بالنسبة إلى الكُمْنَة فلا شك في الأمر ففي الكُمنْة يجب أن يرى المريض كل شيء مظلما هذا إذا تغاضينا عن استعمال فعل الرؤية هنا حيث وفي هذه الحالة تكون الظلمة كلية ، لقد أوضح الأعمى بشكل قاطع أنه يستطيع إن تغاضينا عن فعل الرؤية ثانيةً لوناً أبيضاً كثيفا ، كأنه قد غطس بعينين مفتوحتين في بحر حليبي فالكُمْنة بيضاء بمعزل عن أنها مناقضة للمعنى الحرفي للمصطلح مستحيلة من الناحية العصبية حيث أن الدماغ العاجز في الكُمْنَة عن إدراك الصور وأشكال وألوان الواقع سيكون بالمثل عاجزا عن رؤية لون أبيض أبيض صافٍ كطلاء أبيض لا تتخلله أي تنويعات لونية والأشكال والصور التي يمكن أن يُظهرها الواقع نفسه أمام ناظري امرئ سليم البصر ومهما تعذر التعبير الدقيق عن الرؤية الطبيعية .

هز الطبيب رأسه بقنوط وتلفت حوله مدركاً بوضوح أنه قد وصل نهاية مسدودة ، لقد أوت زوجته الى الفراش تذكر كالخيال أنه اقتربت منه وقبلته على جبينه ولابد أنها قالت : أنا ذاهبة للنوم .

كان الصمت يسود الشقة الآن والكتب مبعثرة فوق الطاولة .

- ما هذا ؟ فكر لِنفسه .

وشعر بالخوف فجأة كأنه سيعمى في غمضة عين وقد أدرك ذلك الآن حبس أنفاسه وانتظر لم يحدث شيء ، حدث بعد دقيقة عندما كان يجمع الكتب لِيعيدها الى المكتبة ، أدرك في البدء أنه لم يعُد قادرا على رؤية يديه عند إذن عرف أنه قد عميَ .

***

لم يكن مرض الفتاة ذات النظارة السوداء خطيرا فقد كانت تعاني من التهاب ملتحمة خفيفة ستقضي عليه قريبا القطْرة التي وصفها لها الطبيب .

- تعرفين ماذا يتوجب عليك ، يجب ألا تنزعي نظارتك إلا أثناء النوم .

إنه يكرر هذه النكتة منذ سنوات ، وبوسعنا الافتراض إنها نكتة يتناقلها أطباء العيون من جيل الى آخر لكنها لا تبهت .

كان الطبيب يبتسم وهو يكلمها ، وابتسمت المريضة وهي تصغي إليه ، وبالمناسبة فقد كانت ابتسامة ذات شأن إذ أن أسنان الفتاة جميلة وكانت بارعة في استعراضها ، فبدافع من طبيعته المبْغضة أو خيباته الكثيرة في الحياة فإن أي متشكك ملم ببعض تفاصيل حياة هذه المرأة سيلمح الى أن رقة بسمتها ليست أكثر من خدعة تسويقية ، توكيد وغد مجاني لأن ابتسامتها كانت لا تزال كما هي عندما كانت طفلة صغيرة تَحْبو حيث كان مستقبلها لا يزال كتاباً مغلقا ولم يُخلَق بعد دافع الفضول الى فتحه ، باختصار يمكن تصنيف هذه المرأة كمُمِس ، إلا أن تعقيد شبكة العلاقات الاجتماعية سواءً في الليل أو النهار أفقياً أو عمودياً لهذه الفترة الزمنية الموصوفة هنا يحذرنا هذا التعقيد من مغبة الإسراع في إطلاق الأحكام النهائية ، ذلك الهوس الذي بسبب إفراطنا في ثقتنا الذاتية لنن نتخلص منه البتة رغم إمكانية التأكد من كمية الغيوم الموجودة هناك لدى جونو ، فمن غير الجائز كليا الإصرار على الخلط بين جونو ربة المطر الإغريقية وبين قطرات ماء كثيفة عالقة في الجو ليس أكثر .

لا شك أن هذه المرأة تضاجع رجالا مقابل النقود ، وهذه حقيقة قد تسمح لنا بتصنيفها مومِسَة بدون عناء تفكير ، لكن بما أنها أيضا في الواقع لا تضاجع إلا الرجل الذي تشتهي هي وتريد مضاجعته فليس بوسعنا إغفال إمكانية هذا الإختلاف الملموس الذي يجب أن يقرر كنوع من الحذر تصنيفها خارج هذه الخانة ، إنها كالآخرين تعمل ، وكالآخرين أيضا تستغل أي وقت فراغ للانغماس أيضا في إشباع رغباتها الجسدية على الصعيدين الشخصي والعام ، وإذا كنا لا نحاول إلساق التعريف الأول بها فيجب في نهاية المطاف أن نقول وبالمعنى الشامل إنها تعيش كما تشتهي ، بل إنها تعيش كل متع الحياة التي تستطيع .

كان الظلام قد هبط على المدينة عندما غادرت العيادة ، لم تنزع نظارتها السوداء لقد بهرتها الأنوار في الشارع لاسيما أنوار لوحات الإعلانات ، دخلت صيدلية لِتشتري وصفة الطبيب ، كانت قد قررت ألا تعبأ بتعليق الرجل الذي سيبيعها الدواء ، بأنه من غير العدل حجب بعض الأعين خلف النظارات السوداء ، وهذه ملاحظة رغم أنها وقحة وصادرة من مساعد صيدلاني إن شئتم فهي تخالف اعتقادها بأن النظارة السوداء تُضفي عليها غموضا فاتنا غُموضا قادرا على إثارة انتباه الرجال الذينتمر بهم ، اهتماما قد تقابله بمجاملة مماثلة لولا أن هناك شخصا ما ينتظرها اليوم ، لقاءً لديها كل الأسباب لتتوقع نجاحه على الصعيدين المادي والجسدي ، فالرجل الذي ستقابله اليوم هو معرفة قديمة ولم يعترض عندما أخبرته أنها لا تستطيع خلع نظارتها .

- هكذا نصحني الطبيب .

رغم أن الطبيب لم يكن قد نصحها بذلك بعد ، حتى أن الرجل وجد الأمر ممتعاً ، نوعا من التغيير .

بعد مغادرتها الصيدلية أوقفت تاكسي أعطت السائق اسم الفندق ، استرخت في المقعد وانغمست فورا في تذوق إن صح التعبير أحاسيس المتعة الحِسية على اختلافها وكثرتها من تلك البداية المعروفة تلامس الشفاه ، من تلك المداعبات الحميمية الأولى الى انفجارات الرعشة المتعاقبة التي ستنهكها وتتركها سعيدة كأنها على وشك أن تُصْلَب وسط لعبة نارية مبهرة ومدوخة ، وهكذا لدينا كل الحق لنستنتج أنه إن عرف شريك هذه الفتاة ذات النظارة السوداء كيف يقوم بواجبه جيدا في توقيت الوصول وآلياته فإنها ستدفع له دائما مقدما وضعف ما تتقاضاه هي فيما بعد ، تائهة في هذه الأفكار ولا شك لأنها قد دفعت أجر الطبيب ، فَكَّرَت لنفسها إذا ما كان من الصواب أن ترفع ومنذ اليوم مع تلطيف التعبير البغيض الذي لم تنطقه هي مستوى التعويض .

طلبت من سائق التاكسي أن يتوقف على مَبْعَدَة من الفندق وانخرطت مع حشد الناس السائرين في الاتجاه نفسه وكأنها تسمح لِنفسها أن تنجرف معهم مجهولة بلا أدنى أمارة إثْم أو خجل ظاهرين ، دخلت الفندق بشكل طبيعي عبرت الردهة متجهة الى البار ، لقد وصلت أبكر من الموعد بعدة دقائق لذلك عليها أن تنتظر ساعة لقائهما المحددة بدقة ، طلبت مشروبا دافئا شربته خلال انتظارها من غير أن تنظر الى أي شخص لأنها لا تريد أن يُنظَر إليها على أنها مومِس رخيصة تطارد الرجال .

بعد قليل ومثل سائحة صاعدة لتستريح في غرفتها بعد أن أمضت فترة بعد الظهر في زيارة المتاحف توجهت الى المصعد ، أيعقل أنه ما زال هناك امرئ قادر على تجاهل أن الفضيلةةلا تواجه دائما الأشرار على طريق النقاء الوعر جدا بينما الخطيئة والرذيلة تُكافَآن بالحظ إذ أنها ما أن وصلت المصعد حتى انفتح بابه ، خَرج منه نزيلان كهلان دخلته ضغطت زر الطابق الثالث تقصد الغرفة 312 هاهي ، طرقت على الباب بحذر ، بعد عشر دقائق كانت عارية بعد 15 دقيقة كانت تئن بعد 18 دقيقة كانت تهمس بكلمات حب لم تعُد بحاجة لاختلاقها بعد عشرين دقيقة شعرت بأن اللذة تمزق جسدها بعد 22 دقيقة كنت تصرخ لنشوتها ، بعد أن صحت من غشيتها قالت وقد أنهكتها اللذة : مازال بوسعي أن أرى كل شيء أبيض . . .