الفصل الخامس
يجب أن أفتح عينَي . قالت زوجة الطبيب لنفسها .
فقد رأت عبر جفونها المُغْمَضة عندما استيقظت عدة مرات في أوقات مختلفة من الليل ضوء المصابيح الباهت الذي بالكاد يضيء الغرفة ، لكن بدا أنها تلاحظ الآن اختلافا ، إضاءة أخرى قد تكون بالفعل بصيص أول الفجر أو أن ذلك البحر الحليبي قد بدأ يُغرِق عينيها .
قالت لنفسها : سأعد حتى العشرة ثم أفتح عينَي .
كررت القول والعد مرتين وفشلت في فتح عينيها ، كانت تستطيع سماع تنفس زوجها العميق في السرير المجاور وشخير شخص ما .
- كيف حال الجرح في ساق ذلك الشخص ؟ سألت نفسها .
لكنها في اللحظة نفسها أدركت أنها لا تشفق عليه ، بل أرادت التظاهر بالانشغال في شيء ما ، الشيء الآخر الذي أرادته هو ألآ تفتح عينيها ، وفي اللحظة التالية فتحتهما هذا ما حصل ، فتحتهما دونما قرارٍ واعٍ .
دخل الضوء عبر النوافذ التي تشغل الجزء الأعلى من الجدار من منتصفه حتى السقف الذي يفصلها عنه ، مسافة لا تتجاوز عرض راحة اليد ، إنه ضوء الفجر الباهت المُزْرَّق .
- لست عمياء إذن . دمدمت لنفسها .
وذُعِرَت فجأة واستوت في سريرها ، ربما سمِعَتْها الفتاة ذات النظارة السوداء في السرير المقابل ، كانت نائمة على السرير التالي لذلك الملاسق للجدار ، والطفل نائم أيضا .
- لقد فعلت مثلي . فَكَّرَت زوجة الطبيب لنفسها : أعطته المكان الأكثر أمانا ، ما هذه الجدران الهشة التي نبنيها ؟ مجرد حجارة مرصوفة في منتصف الطريق لا أمل لنا فيها سوى أن نرى العدو يتجاوزها ، عدو !! ؟ ، إن أحدا لن يهاجمنا هنا حتى لو كنا قتلنا أو نهبنا في الخارج ، فمن غير المحتمل أن يأتي أحد الى هنا لاعتقالنا ، إننا بعيدون جدا عن العالم وفي أي يوم من الآن فصاعدا سوف لن نعرف من نكون ، حتى أننا لن نتذكر أسماءنا ، ثم ما نفع الأسماء لنا ؟ إذ أن الكلب لا يميز كلب آخر أو لا يعرف الكلاب الأخرى من الأسماء التي تُطلَق عليها ، فالكلب يعرف برائحته وبالطريقة نفسها يعرف الكلاب الأخرى ، الملامح ونحن هنا مثل سلالة أخرى من الكلاب ، يعرف أحدنا الآخر من نباحه أو كلامه أما بالنسبة للصفات الأخرى الملامح لون الأعين أو الشعر فلا أهمية لها وكأنها ليست موجودة ، مازلْتُ أُبْصِر ولكن الى متى .
تغير الضوء قليلا ، لا يمكن أن يكون الليل عائد القهقري ، لابد أن السماء تغيم مؤخرةً قدوم الصباح ، صدر أنين من جهة سرير اللص ، إذا ما تجرثم الجرح فلا شيء لدينا نعالجه به ، لا علاج ففي هذه الظروف يمكن أن يصبح أصغر حادث مأساة حقيقية وربما هذا ما ينتظرونه ، أن نهلك هنا واحد بعد الآخر فعندما يموت الحيوان يموت السم معه .
نهضت زوجة الطبيب من سريرها ، انحنت فوق زوجها على وشك أن توقظه ، غير أنها افتقدت الشجاعة لذلك وهي تعرف أنه لا يزال أعمى .
توجهت حافية بهدوء الى سرير اللص ، عيناه مفتوحتان لا تتحركان .
- كيف تشعر الآن ؟ همست زوجة الطبيب .
- أدار اللص وجهه ناحية الصوت وقال : سيئ ، ساقي تؤلمني .
أوشكت تقول له : دعني أراها لكنها أحجمت في الوقت المناسب .
ما هذه الحماقة ، فهو الذي نسي أنه لا يوجد هنا إلا العميان ، تصرف من غير تفكير وأزاح البطانية كما كان سيفعل قبل بضع ساعات ، هناك في الخارج لو قال له طبيب : أرني الجرح .
إن أي شخص مبصر بوسعه في نصف العتمة هذه أن يرى الضماد وقد انحل رباطه وتبلل بالدم والثقب الأسود لجرح بحوافه المتورمة .
أعادت زوجة الطبيب البطانية بحذر بعدئذ ، وبحركة سريعة رشيقة مررت يدا فوق جبين الرجل ، كانت بشرته جافة وحرارته مرتفعة ، تغير الضوء ثانيةً ، السماء تنجلي .
عادت زوجة الطبيب الى سريرها إلا إنها لم تستلقي فيه هذه المرة ، كانت ترقب زوجها الذي يدمدم في نومه وأشكال الآخرين الشبحية تحت البطانية الرمادية ، الجدران الوسخة والأَسِرَّة الفارغة بانتظار أن تمتلئ ، وتمنت بصفاء لو أنها تَعمى أيضا . ا .
تخترق القشرة المرئية للأشياء وتلج عمقها الى عمائها المدوخ غير القابل للشفاء .
فجأة ومن خارج الجناح ربما من الردهة الفاصلة بين الجناحين وصلتها أصوات غاضبة .
- اُخرُجوا اُخرُجوا ، اغربوا من هنا لا يمكنكم البقاء هنا ، يجب أن تطيعوا الأوامر .
تعالت الضجة ثم تخامدت مرة ثانية وانصفق باب ، وكل ما أمكن سماعه الآن هو النحيب وجلبت سقوط شخص ما ، جلبة لا يمكن الخطأ فيها .
أداروا رؤوسهم باتجاه المدخل ، ما كانوا بحاجة لأن يُبصروا كي يعرفوا أن هؤلاء عميان وصلوا الآن .
نهضت زوجة الطبيب ، كم كان سيسعدها لو تساعد القادمين الجدد ، تواسيهم بكلمة توصلهم الى أَسِرَّتهم وتقول لهم : انتبه هذا هو السرير السابع في الجهة اليسرى ، هذا السرير الرابع في الجهة اليمنى ، لا يمكنك أن تُخطِئه ، نعم نحن هنا ستة جئنا الأمس نعم كنا الأوائل ، أسماؤنا ؟ ماذا تهم الأسماء ؟ أعتقد أن أحد الرجال قد سرق سيارة ثم هناك الرجل الذي سُرِق ، وفتاة غامضة تلبس نظارة سوداء وتقطر في عينيها قطرة لالتهاب الملتحمة ، كيف أعرف وأنا عمياء أنها تلبس نظارة ؟ حسنا ، اتفق أن زوجي اختصاصي عيون وكانت في عيادته أمس ، ويوجد أيضا الطفل الأَحوَل .
لم تتحرك من مكانها وقالت لِزوجها : إنهم يقتربون .
نهض الطبيب من سريره ساعدته زوجته في لباس سرواله ، ليست مشكلة فلا أحد يستطيع أن يراها ، في هذه اللحظة دخل المحتجزون الى الغرفة ، كانوا خمسة ثلاثة رجال وامرأتين .
قال الطبيب بصوت مسموع : اهدأوا لا داعي للعجلة نحن هنا ستة كم عددكم ، هنا متسع للجميع .
لا يعرفون عددهم ، صحيح أنهم احتكوا بعضهم ببعض وتعثر أحيانا أحدهم بالآخر وهم يتدافعون من الجناح الأيسر الى الجناح الأيمن لكنهم لم يعرفوا كم واحدا كانوا ، ولم يكن بحوزتهم أمتعة ، فعندما استيقظوا في جناحهم عمياناً بدأوا النواح على مصيبتهم فَطَرَدَهُم الآخرون بدون تَمَهُّل حتى بدون أن يتيحوا لهم مجالا لوداع أي أقرباء أو أصدقاء ربما كانوا معهم .
علَّقت زوجة الطبيب : من الأفضل لو يستطيعون العد وكُلّاً منهم يقدم اسمه .
تجمد المحتجزون في أماكنهم مترددين ، فاتفق أن تكلم رجلان منهم في الوقت نفسه وصمت كلاهما فبدأَ الشخص الثالث .
- أنا الرقم 1 .
وتوقف .
بدا على وشك تقديم اسمه لكنه قال : أنا شرطي .
فَكَّرَت زوجة الطبيب لنفسها : لم يقدم اسمه ، هو أيضا يعرف ألا فائدة للأسماء هنا .
قدم رجل آخر نفسه : أنا رقم 2 ، سائق تاكسي .
قال الرجل الثالث : رقم 3 مساعد صيدلي .
بعدئذ تكلم امرأة : رقم 4 ، أنا عاملة فندق .
وآخِرهم : رقم 5 ، أنا موظفة .
- إنها زوجتي ، زوجتي قولي أين أنتِ ، قُولي أين أنت ؟ .
- هنا ، أنا هنا . قالت وانفجرت في البكاء .
وتقدمت بخطا مترنحة على طول الممر بين الأَسِرَّة وعيناها مفتوحتان ، يداها تجاهدان في البحر الحليبي الغارقتان فيه .
تقدم نحوها بثقة أكبر وهو يتمتم كأنه يُصَلّي : أين أنتِ ، أين أنتِ .
وجدت يدٌ رفيقتها وفي اللحظة التالية كانا متحاضِنَين ، جسدا واحدا ، وقبلاتهما تضيع أحيانا في الهواء لأنهما لم يستطيعا رؤية خدَي أحدهما الآخر أو شفتيه .
تعلقت الزوجة برقبة زوجها وراحت تنشج وكأنهما اجتمعا الآن .
وكان بالإمكان سماع صوت الطفل الأحول يسأل : هل أمي موجودة أيضا ؟
جلست الفتاة ذات النظارة السوداء على سريره ودمدمت : ستأتي لا تقلق ، ستأتي .
البيت الحقيقي للمرء هنا هو سريره ، لذلك لا تستغربوا كثيرا أن ينصَّب اهتمام الواصلين الجدد على اختيار سرير ، تماما كما فعلوا في الجناح الآخر عندما كانوا لايزالوا مبصرين بالنسبة الى زوجة الأعمى فمكانها الصحيح والطبيعي هو بجانب زوجها في السرير السابع عشر تاركتة السرير الثامن عشر في الوسط فارغا يفصلهما عن الفتاة ذات النظارة السوداء .
يوجد هنا العديد من الصِلاتبعضها معروف وبعضها سيُعرَف لاحقا ، فعلى سبيل المثال إن مساعد الصيدلي هو الذي باع القطْرة لالفتاة ذات النظارة السوداء ، وهذا سائق التاكسي الذي أوصل الأعمى الأول الى عيادة الطبيب ، والشخص الذي قال إنه شرطي ووجد اللص يبكي كطفل ضائع ، وابالنسبة الى عاملة الفندق فقد كانت أول من دخل الغرفة عندما أصيبت الفتاة ذات النظارة السوداء بنوبة صراخ ، مع ذلك فمن المؤكد أنه لن تتضح وتُعرَف كل الصِلات ، إما لانعدام الفرصة وإما أنه ما من أحد منهم تخيل أنه يمكن أن يجتمعوا هنا وإما لأنها ببساطة مسألة إحساس ولباقة ، فلن تتخيل عاملة الفندق أن الفتاة التي رأتها عارية موجودة هنا ، ونعرف أن مساعد الصيدلي باع قطرات عين لزبائن آخرين يلبسون نَظّارات سود ، وما من أحد ستبلغ وقاحته حد أن يبلغ الشرطي عن وجود شخص ما سرق سيارة ، وسيُقسِم سائق التاكسي أنه لم ينقل بسيارته خلال الأيام الماضية رجلا أعمى .
طبيعي أن الأعمى الأول قد أخبر زوجته أن أحد المحتجزين هنا هو الوغد الذي هرب بسيارته ، يا لها من مصادفة ، لكن في الوقت نفسه بما أنه يعرف أن ساق الشيطان التعس قد تأذت كثيرا ، أضاف بشهامة : لقد نال جزاءً كافياً .
وبسبب إحباطها الشديد من عماها وفرحتها باستعادة زوجها ، فالفرح والأسى قد يجتمعان معاً لا كما الماء والزيت ، لم تعُد تذكر ما قالته منذ يومين بأنها مستعدة بأن تخسر سنة من عمرها ، وهذه كلماتها حرفيا ، مقابل أن يعمى هذا الوغد ، وإن كان أدنى أثر من الامتعاض مازال يعتمل داخلها فقد تبخر عندما أندى الرجل الجريحأنينا مثيرا للشفقة .
- دكتور أرجوك ساعدْني .
سار الطبيب على هدى زوجته ، تلمس حواف الجرح لم يستطع أكثر من ذلك وليس من فائدة تُذكَر في محاولة غسله من جديد ، فربما نتج التَجَرْثم عن احتمالين متكافئين ، أوساخ من شوارع المدينة وأرضية المكان كانت عالقة بكعب الحذاء الذي نفذ عميقا في ساقه أو عن جراثيم يُحتَمَل أنها موجودة في الماء الآسْن الملوَّث الذي يستجرونه في ظروف مرعبة من أنابيب عتيقة .
نهضت الفتاة ذات النظارة السوداء عندما سمعت أنينه وتقدمت ببطء وهي تعُد الأَسِرَّة ، انحنت الى الأمام ومدت يدها التي لامست وجه زوجة الطبيب ، بعدئذ ومن يعرف كيف لمست يد الرجل الجريح الساخنة جدا .
قالت بصوت خفيض : سامحني أرجوك ، كانت غلْطتي أنا ، لم يكن ضرورياً أن أفعل ما فعلت .
- انسيها ، . رد الرجل : هذه أمور تحْدُث في الحياة وما كان ينبغي أن أفعل ما فعلت أيضا .
صدحَ مكبر الصوت عالياً بصوت خشن طغى تقريبا على كلماتها الأخيرة .
-انتباه انتباه ، وُضِعَ طعامكم وكذلك مواد التنظيف والصحة العامة عند المدْخل ، ليتجه العميان أولا الى جلْب طعامهم وسَنُبلِغ حاملي العدوى متى يحين دورهم ، انتباه انتباه ، وُضِعَ طعامكم عند المدْخل ليتجه العميان أولا ، العميان أولا .
لم يفهم الرجل الجريح الذي دوَّخته الحمى كل الكلمات ، فاعتقد أنهم يبلغونهم عن انتهء احتجازهم ، فحاول النهوض زوجة الطبيب بذلك .
- الى أين تذهب ؟ ؟
- ألم تسمعي ؟ سألها : قالوا إن على العميان أن يغادروا .
- نعم ، لكن من أجل إحضار الطعام .
تنهد الرجل الجريح قانِطاً وشعر ثانيةً بالألم يخترق جسده .
قال الطبيب : ابْقَ هنا سأذهب .
- سآتي معك . قالت زوجته .
كانا على وشك الخروج من الغرفة عندما سأل رجل من الذين جاءوا من الجناح الآخر : من هذا الشخص ؟
- إنه طبيب . أجابه الأعمى الأول : اختصاصي عيون .
- رائع . قال سائق التاكسي : من حظنا أن نجتمع مع طبيب لا يستطيع مداواتنا .
- ونحن أيضا التقينا مع سائق تاكسي لا يستطيع أن يأخذنا الى أي مكان . قالت الفتاة ذات النظارة السوداء ساخرة .
كانت صناديق الطعام في الردهة الرئيسية .
طلب الطبيب من زوجته : خذيني الى الباب الرئيسي .
- لماذا ؟
- سأخبرهم أن لدينا شخصا مُصاب بالتهاب حاد وليس لدينا أدوية .
- تَذكَّر تحذيرهم .
- نعم ، لكن ربما عندما نواجههم بحالة ملموسة .
- أشك في هذا .
- ةوأنا أيضا لكن يجب أن نحاول .
وقف على المصطبة فوق الدرجات النازلة الى الساحة الأمامية ، بهر ضوء النهار زوجته لا لأنه كان ساطعاً فالسماء تتخللها غيوم سوداء وبدت كأنها ستُمْطِر .
- أفي وقت قصير كهذا اعتادت عيناي الضوء الشحيح ؟ .
في تلك اللحظة صاح جندي من جهة البوابة : قفَا عودَا ، لدي أوامر بإطلاق النار .
بعدئذ صوَّبَ بندقيةً نحوهما .
وبالنبرة نفسها صاح رقيب : هناك شخصان يحاولان الخروج .
- لا رغبة لدينا في الخروج . صاح الطبيب محتجاً .
- برأيي أنهما لا ينويان الخروج . قال الرقيب وهو يقترب لينظر عبر قضبان البوابة الرئيسية وسأل : ما الأمر ؟
- يوجد هنا شخص تأذت ساقه والتهب جرحها ، إننا بحاجة ماسة لمضادت حيوية وأدوية أخرى .
- إن الأوامر واضحة لدي جدا ، لا يُسمَح لأحد بالخروج والشيء الوحيد المسموح بإدخاله هو الطعام
- إذا ساء وضع الجرح ويبدو الأمر مؤكَدا فسوف يكون مميتاً .
- هذا ليس من شأْني .
- اتصل برؤسائك إذن .
- انظر أيها الأعمى أقول لك إما أن تعود من حيث أتيتما وإما أن أطلق النار عليكما .
- لنعد . قالت زوجته : لا يسعنا فعل شيء ، ولا يلامون لأنهم خائفون وينفذون الأوامر .
- لا أستطيع أن أُصَدِّق ما يحدث ، إنه يخالف كل المعايير الإنسانية .
- الأفضل أن تُصَدِّقَه ، فالحقيقة لا يمكن أن تكون أوضح من أنها حقيقة .
- ما زلْتمَا هناك ؟ سأعد حتى الثلاثة وإن لم يدخلا فليتأكدا أنهما لن يعودا الى الداخل أبدا ، 1 ، 2 ، 3 جيد .
كان عند كلمته .
- حتى لو كان أخي . وجَّه كلامه للجنود ، إلا إنه لم يبيِّن لهم من قصَدَ بكلامه ، ذلك الذي جاء يطلب ادواء أَم ذلك الآخر ذا الساق المُتَجَرْثِمَة .
أراد الجريح في الداخل أن يعرف إذا ما كان سيعطونهم أدوية .
- كيف عرفت أني ذهبت لأطلُبَ دواءً ؟ سأله الطبيب .
- خمَّنْت أنك في نهاية المطاف طبيب .
- آسف .
- هل تعني آسف ألّا دواء ؟
- نعم تعني ذلك .
كان الطعام محسوبا بدقة ليكفي 5 أشخاص ، زجاجة حليب بسكويت ، غير أن من أعد لهم الطعام نسي أن يضع لهم كؤوساً وأطباقا أو سكاكين ، ربما سستأتي مع الغداء .
أعطت زوجة الطبيب بعض الحليب للجريح لكنه تقَيَّأَ ، تذمر سائق التاكسي من الحليب فهو لا يحبه وسأل إن كان بوسعه الحصول على بعض القهوة ؟
عاد بعضهم الى الأَسِرَّة بعد الطعام ، وحدهما الأعمى الأول وزوجته ذهبا لاستطلاع المكان ، طلب مساعد الصيدلي أن يُسمَح له بالتحدث الى الطبيب ، أراد أن يعرف إذا كان الطبيب قد خَلُصَ الى رأي حول مرضهم .
- لا أعتقد أن بوسعنا تسمية هذا مرض .
وشرع الطبيب يشرح له ، وبكثير من التبسيط أوجز له ما بحثَ عنه في المَراجِع الطبية قبل أن يعمى ، كان سائق التاكسي الذي تفصله عنهما عدة أَسِرَّة يُصغي باهتمام ، وعندما أنهى الطبيب شرحه علَّقَ السائق بصوتٍ عالٍ : أراهن أن ما حدث هو أن القنوات التي تصل بين العينين والدماغ قد احتَقَنَتا .
- مجنون غبي . زمجر مساعد الصيدلي بازدراء .
- من يعرف ؟ قال الطبيب ولم يستطع أن يُغالِب ابتسامة .
في الواقع إن العينين ليستا سوى عدستين ، والعقل هو الذي يقوم بفعل الرؤيا ، تماما كما تظهر الصورة على الفيلم وإذا انسدت القنوات كما افترض الرجل فيحدث هنا كما يحدث مع مُكَرْبِل السيارة الذي إن لم يصله الوقود لا يُقْلِع المحرك ولا تسير السيارة .
- الأمر في غاية البساطة كما ترى قال الطبيب لمساعد الصيدلي .
- وكم تعتقد سيطول احتجازنا هنا دكتور ؟ سألت عاملة الفندق .
- على أقل تقدير سيحتجزوننا ما دمنا غير قادرين على أن نرى .
- وكم سيطول ذلك ؟
- بصراحة لا أعتقد أن أحداً يعرف ، فإما أن يكون الاحتجاز مؤقتا وإما أن يستمر الى الأبد .
- كم أود لو أعرف . تنهدت العاملة وأضافت بعد برهة : أود لو أعرف ما جرى لتلك الفتاة ؟
- أي فتاة ؟ سأل مساعد الصيدلي .
- تلك التي كانت في الفندق ، تسببت لي بصدمة كبيرة عندما رأيتها وسط الغرفة عاريةً تماما كما ولدتها أمها إلا من نَظّارة سوداء وتصرخ أنا عمياء ، ربما هي التي عَدَتْني .
نظرت زوجة الطبيب فرأت الفتاة تخلع نظارتها ببطء وتضعها تحت الوسادة وهي تَسْأَل الطفل الأَحوَل : أتريد بعض البسكويت ؟ .
للمرة الأولى بعد وصولهم الى هنا شعرت زوجة الطبيب كأنها تنظر عبر مجهر وتراقب سلوك عدد من الكائنات البشرية ، لا يشكون بوجودها ، صدمها هذا الشعور بكونها وضيعة وقذرة . فَكَّرَت لنفسها : لا حق لي أن أنظر ما دام الآخرون عاجزين عن رؤيتي .
قطَّرَت الفتاة بيد مرتجفة عدة قطرات في عينيها ، وهذه تتيح لها الادعاء بأن ما يجري من عينيها ليس دموعاً . .
***
أخبرهم مكبر الصوت بعد عدة ساعات بأن عليهم التحضر لإحضار غدائهم ، فتطوع الأعمى الأول وسائق التاكسي للقيام بهذه المهمة التي لا تحتاج بالضرورة الى بصر ما داما قادرين على الّتَلَمُّس بأيديهما .
كانت صناديق الطعامبعيدة قليلا عن الباب الذي يصل بين الردهة الرئيسية والممرات ، فاضطرا الى الزحف على أربع كانسين الأرضية كي يصلا الى الصناديق مادين في الهواء يدا مستخدمين الثانية كمخلب ثالث ، وإن كانا ل م يجدَا صعوبة في العودة الى الجناح فمرَدُّ ذلك الى فكرة زوجة الطبيب ، فكرة جاهدت لإقناعهم أنها اكتسبتها بخبرتها الشخصية ، بأن يصنعوا حبلا من بطانية ، يربطون إحدى نهايتيه بمَسْكة باب الغرفة والأخرى بكاحل أي شخص يذهب الى إحضار الطعام ، ووجدوا هذه المرة أَطْباقا وسكاكين ، إلا أن كمية الطعام مازالت لخمسة فقط ، والاحتمال الأرجح هو أن الرقيب الذي يوزع الطعام على الجناحين لم يعرف أنهم زادوا ستة أشخاص لأن الموجودين في الخارج حتى إن اهتموا بما يجري في الداخل فإن المصادفة وحدها ستمكن أياً منهم من أن يعرف من خلال الظلال التي تتحرك في الردهة بانتقال أحد من جناح الى آخر .
تطوع سائق التاكسي بأن يذهب ويطالب بحصص الطعام الناقصة ، ذهب بمفرده فلم يرغب برفقة أحد .
- نحن لسنا خمسة فقط بل نحن 11 شخصا . نادى على الجنود .
فانبرى له الرقيب نفسه من الجهة الأخرى قائلا : اخرس سيأتي المزيد فيما بعد .
وإذا صَدَّقْنا ما قاله سائق التاكسي عندما عاد فقد بدت له نبرة الرقيب ساخرة وقال لهم : بدا لي أنه يسخر مني .
تقاسَموا الطعام ، قَسَّموا حصة خمسة على عشرة إذ أن الرجل الجريح ما زال يرفض تناول الطعام ولم يطالب إلا بقليل من الماء ، ورجاهم أن يُرَطِّبوا له شفتيه .
كانت درجة حرارته مرتفعة جدا وبما أنه غير قادر على احتمال احتكاك البطانية وثقلها فوق جرحه لفترة طويلة راح يكشف ساقه من حين لآخر غير أن الهواء البارد في الغرفة سرعان ما يجبره على تغطيتها ثانيةً ، ودامت هذه الحال عدة ساعات ، وفي فترات متعاقبة منتظمة يُسْمَع أنينه الذي بدا كَلِهاثٍ مكتوم ، كأن الألم الدائم المضطرد قد ازداد وطأةً قبل أن يستطيع السيطرة عليه .
وصل ثلاثة عميان جدد عصر ذلك اليوم ، كان أحدهم موظف الاستقبال في العيادة ، فعرفته زوجة الطبيب فورا والآخران كما حَكَمَ القدَر الرجل الذي كان يضاجع الفتاة في الفندق وذلك الشرطي الوقِح الذي أوصلها الى البيت ، وما أن وصلوا واستقروا على أَسِرَّتهم حتى انخَرَطَ موظف الاستقبال في بكاء يائس ، لم يقل الآخران شيئا وكأنهما لا يزالان عاجزين عن فهم ما جرى .
فجأة وصلهم صراخ ناس من الشارع ، أوامر تُعطى بصوتٍ عالٍ وهدير أناس محتجين ، أدار المحتجزين رؤوسهم ناحية الباب وانتظروا لم يستطيعوا أن يروا إلا أنهم عَرَفوا ما سيحدث ، وخلال بضعة دقائق .
جلست زوجة الطبيب على السرير قرب زوجها وقالت بصوت خفيض : لابد أن الجحيم الموعود على وشك أن يبدأ .
شد على يدها ودمدم : لا تتحركي ، فمن الآن فصاعداً لا يمكنك أن تفعلي شيئا .
تلاشى الصراخ وسُمِعَت الآن جلبَة أصوات قادمة من ناحية الردهَة ، إنهم العميان وهم هائمون كالخِراف يتعثر أحدهم بالآخر .
انحشروا داخل الأبواب ، فقدَ بعضهم الإحساس بالاتجاه فَضَلّوا الى غرف أخرى غير أن معظمهم تابعوا متعثرين متجمعين في مجموعات أو متشتتين واحدا إثْرَ الآخر ، واندفعوا الى داخل الغرفة كريح عاصفة كأن بلدوزر دفعهم من الخارج ، سقط بعضهم أرضا وداسته أقدام ، بدأ الواصلون الجدد بعد أن انحشروا في الممر الضيق يملؤون الفراغات بين الأَسِرَّة ، وهنا كسفينة عَلَقَت في العاصفة غير أنها استطاعت أخيرا أن تصل الميناء ، استقروا في مَراسيهم ، أَسِرَّتهم ، مصرين على ألّا أماكن إضافية وأن على القادمين الجدد أن يبحثوا عن أماكن في غرف أخرى ، غير أن القلة القليلة التي بقيت بدون أَسِرَّة خافت أن تضيع في متاهة الغرف والممرات والأبواب المغلقة والأدراج التي قد تعثرهم فيها بعد فوات الأوان ، في نهاية المطاف أدركوا أنهم لا يستطيعون البقاء هناك ، هكذا راحوا يجاهدون لبلوغ الباب الذي دخلوا منه ، غامروا في السير الى المجهول ، وكأنهم يبحثون عن الملاذ الآمن الأخير .
تدبر المحتجزون الخمسة في المجموعة الثانية الوصول الى الأَسِرَّة الفارغة التي كانت تفصل بينهم وبين المجموعة الأولى ، وحده الرجل الجريح بقيَ معزولا بدون حماية على السرير الرابع عشر في الجهة اليسرى .
بصرف النظر عن البكاء والعويل فبعد ربع ساعة من وصولهم ورسوهم فوق الأَسِرَّة واستعادة هدوئهم العقلي الى حد ما ، هدأَت أصواتهم المكتومَة .
كانت الأَسِرَّة كلها مشغولة والمساء يتوغل في الغرفة ، فبدت الأضواء الشاحبة تستعيد قوتها ، بعدئذ صَدَحَ مكبر الصوت مكررا التعليمات ذاتها كما في اليوم الأول بخصوص حفاظ المحتجزين على الجناحين ، وكذلك ضرورة انقيادهم للتعليمات ، وتحدث عن أسف الحكومة لأنها فرضت بالقوة ما تعُدُّه حقا وواجبا لتحمي الشعب بكل الوسائل المتاحة خلال الأزمة الراهنة الخ . . .
عندما توقف الصوت تعالى كورس أصوات ساخطة محتجة .
- لقد حُبِسْنا هنا سنموت هنا ، هذا ظلم أين الأطباء الذين وُعِدْنا بهم ؟
هذا شيء جديد ، فقد وعدت الحكومة بأطباء ، مساعدات طبية وربما بشفاء تام .
لم يعلن الطبيب أنه مستعد لتقديم خدماته إذا ما احتاجوا الى مساعدة طبِّيَة ولم يعلن ذلك ثانيةً ، فَيَداه وحدهما لا تكفيان ، فالطبيب يعالج بالأدوية بالعقاقير بالمركبات الكيمياوية وبمزيج من هذا وذاك ، ولا يوجد هنا أدنى أثر من مواد كهذه ، ولا أمل لهم في الحصول عليها ، حتى أنه يفتقد البصر كي يستطيع أن يرى أي شحوب مرضي ، فرط التروية المحيطية تلون المخاط والخضاب ، فكثيرا ما تكون هذه العلائم بدون الحاجة الى فحص أدق مفيدة باعتبارها تشخيصا سريريا في تاريخ المرض ، ويمكن الى حد بعيد أن نستنتج منها التشخيص الصحيح ، لا يمكن تجاهل هذا .
وبما أن كل الأَسِرَّة من حولهما أصبحت مشغولة ، لم تعُد زوجة الطبيب قادرة على إخباره بما يجري ، غير أنه شعر بجو التوتر والضيق يتسع على صراع مفتوح ، وهذا من صنع مجموعة المحتجزين الجديدة .
بدا أن هواء الغرفة نفسها أصبح أثقل ، يطلق روائح قوية متباطئة وعصفات مفاجئة أقل ما توصف به أنها تثير الغثيان .
- كيف سيصبح هذا المكان خلال أسبوع ؟ سأل نفسه وأرعبه التفكير ، في أنهم سيبقون محتجزين لمدة أسبوع مفترِضا أنهم لن يواجهوا مشكلات في الطعام المقدم لهم ، ومن يستطيع أن يجزم في أن النقص ليس قائما الآن ؟ فأنا أشك مثلا إذا ما كان لدى هؤلاء في الخارج أي فكرة كم أصبح عدد المحتجزين هنا بين لحظة وأخرى ، والسؤال هنا ، كيف سيحلون مشكلة الصحة الاعمة ولا أقصد كيف نحافظ على نظافتنا الشخصية لأننا عمينا منذ أيام ولا أحد يساعدنا أو إذا ما كانت الحمامات صالحةً وإلى متى ؟
بل أشير الى الأمور الأخرى ، كل المشكلات الأخرى المحتملة إذا ما انسدت االمراحيض أو واحد منها فسيتحول هذا المكان الى مجرور .
فَرَكَ وجهه بيده ، شَعَرَ بخشونة ذقْنه بعد ثلاثة أيام بدون حلاقة .
- إنها أفضل هكذا ، آمل ألا تخطر لهم فكرة إرسال أمواس حلاقة أو مِقَصّات ، ففي حقيبته توجد كل الأدوات اللازمة للحلاقة لكنه يعي أن محاولة ذلك ستكون خطأ ، وأين ؟ ليس هنا في الغرفة وسط كل هؤلاء الناس ، صحيح أن بوسع زوجتي أن تحلق لي بيد أن الآخري سيعرفون الأمر بسرعة ويستغربون وجود شخص مبصر هنا ، قادر على تقديم هذه الخدمات ، وهناك في الداخل في الدُش سيرتبكون كثيرا ، يا إلهي كيف فقدنا بَصَرَنا ؟ فقدنا قدرتنا على الرؤيا ، حتى إن كانوا مجرد أخيلة يقفون أمام المرآة يرون بقعة سوداء تتخللها فيقولون : هذا وجهي ، فأي شيء مضيء لا ينتمي إليَّ إِذَن .
خمدت التذمرات شيئا فشيئا ، جاء أحد نزلاء الغرف الأخرى يستفسر إذا ما كان لديهم بقايا طعام ؟
فأسرع سائق التاكسي بالرد عليه : ولا حتى كِسْرة .
أراد مساعد الصيدلي أن يستعرض إرادته الطيبة : ، أن يلطف حدة الرفض : فأضاف ربما سيصل المزيد الطعام .
غير أن لا لا شيء سيصلهم .
هبط الظلام ولم يأتِ من الخارج لا طعام ولا كلام ، سُمِعَ بكاء مان الغرفة المجاورة ، بعدئذ خيَّم صمت ، فإن كان أحد يبكي فإنه يذرف الآن دموعه بصمت إذا لم يخترق البكاء الجدران .
ذهبت زوجة الطبيب لِتطمئن على الجريح : هذا أنا . قالت له وهي ترفع البطانية بحرص .
كان مَنْظَر ساقه مرعبا ، لقد انتفخت تماما من الفخذ حتى القدم وأصبح الجرح بقعة سوداء تتخللها بثور حمراء بَنفسجية وقد اتسعت رقْعته وكأن اللحم قد اتسع من الداخل ، كانت تنبعث منه رائحة نتنَة كريهة وحلوة قليلا .
- كيف تشعر ؟ سألَته زوجة الطبيب .
- شكرا لمجيئك .
- قل لي كيف تشعر ؟
- سيئ .
- تتألم ؟
- نعم ولا .
- ماذا تقصد ؟
- إنها تؤلِمُني ، لكن كأنها لم تعُد ساقي كأنها انفصلت عن جسدي ، لا أستطيع أن أشرح لكِ ، إنه شعور غريب وكأنني أجلس هنا أراقب ساقي تؤلمني .
- هذا لأنك محموم .
- ربما .
- حاول أن تنام .
وضعت يدها على جبينه ، بعدئذ همَّت بالانسحاب ، غير أنه وقبل أن تتمنى له ليلة سعيدة أمسك بِذِراعها وقَرَّبها إليه مُرغِما إياها أن تُدني وجهها من وجهه .
- أعرف أنككِ تستطيعين أن ترَي .
قالت بصوت خفيض : أنت مخطئ ، ما الذي أدخل هذه الفكرة في رأسك ؟ إن كنت أرى فإني أرى مثل أي شخص هنا .
- لا تحاولي خداعي ، لن أنْبَسَ بكلمة واحدة لأي مخلوق .
- نم .
- ألا تثقين فيَّ ؟
- بالطبع أثق .
- ألا تثقين بوعد لص ؟
- قلت لك إني أثق فيك .
- لِمَ لا تخبرينني بالحقيقة إذن ؟
- سنتكلم بالأمر غدا ، نَم الآن .
- نعم ، غدا ، إن عشت حتى الغد .
- يجب ألا تفكر في الأسوأ .
- أنا أُفكر أو ربما هي الحمى تُفكر عني .
عادت وانضمت الى زوجها وأخبرته همسا في إُذُنه : يبدو الجرح سيئا جدا ، أيمكن أن تكون الغرغَرينا ؟
- من غير المُرجَّح في هذه الفترة القصيرة .
- أياً تكن فحالته سيئة .
قال الطبيب بصوت تَعَمدَه عَالياً : : ونحن نُحتجَز هنا في خُم وكأنالعمى ليس كافياً ، وقد يوثِقونَ أيدينا وأرجلنا أيضا .
من السرير الرابع عشر من الجهة اليمنى رد المريض : إن أحدا لن يوثقني دكتور .
مرت الساعات تباعا وغطَّ المحتجزون العميان في نوم عميق ، غطى البعض رؤوسهم بالبطانيات وكأنهم يتلهفون الى رؤية بقعة سوداء مظلمة ظلمة حقيقية قد تُطفِئ مرة واحدة وإلى الأبد تلك الشموس الشاحبة التي سكنت أعينهم .
تتدلى ثلاثة مصابيح من السقف العالي ، لاتطولها الأيدي تنشر فوق الأَسِرَّة ضوءاً شاحبا مصفراً عاجزا حتى عن خلق ظلال ، كان الأشخاص الأربعون نائمين أو يحاولون دون جدوى أن يناموا ، بعضهم يَتَنَهَد ويدمدم في أحلامه ، ربما يستطيعون في أحلامهم أن يروا ما يحلمون به ، فربما يقولون لأنفسهم : إن كان هذا حلما فلا أريد أن أستيقظ منه .
كل الساعات في معاصمهم قد توقفت إما لأنهم نسوا أن يُعبئوهَا وإما لأنهم قرروا أنها عديمة النفع ، فقط ساعة يد زوجة الطبيب لا تزال تعمل .
الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحا ، على مَبْعَدَة منها نهض اللص على مرفقيه ببطء وجلس في سريره ، لم يكن يشعر بساقه لا شيء سوى الألم وكَفَّ ما سواه عن الانتماء الى جسده ، كانت ركبتاه مُتَيَبِسَتين ، استدار بجسده على جهة الساق السليمة التي تركها تتدلى على حافة السرير ، بعدئذ حمل فخذه المجروحة بكلتا يديه محاولا تحريك ساقه المصابة الى الاتجاه نفسه ، وَكَقَطيع ذئاب اهتاجت فجأة ، انتشر الألم في جميع أنحاء جسده قبل أن يرتَدَّ عائدا الى الفوَّهة السوداء التي انطلق منها ، سحب جسده ببطء مرتكزا على يديه فوق السرير نحو الممر ، عندما وصل الدرابزون السفلي للسرير اضطر أن يستريح قليلا ، فقد كان يلهث وكأنه مصاب بالرَبو ورأسه يتأرجح فوق كتفيه بالكاد يستطيع أن يرفعه ، بعد عدة دقائق أصبح تنفسه أكثر انتظاما ، فنهض ببطء على قدميه ملقيا ثقله على ساقه السليمة إذ أنه كان يعرف أن الساق الأخرى غير ذات فائدة له وعليه أن يجرها خلفه جرا أينما ذهب ، شعر فجأة بالدوخة بِرَجْفَة يتعذر كبحها تسري في جسده ، أسنانه تصطك بفعل البرْد والحمى ،
تقدم ببطء بين صفَي الأجساد النائمة مستنداً الى الإطارات المعدنية للأَسِرَّة متنقلاً من واحد الى الآخر وكأنه يسير على طول سلسلة معدنية ، جرَّ ساقه كالحقيبة خلفه ، لم يره أحد ، لم يسأله أحد أين تذهب ؟ ولو سأله أي شخص فجوابه جاهز : ذاهب لأتَبوَّل .
لم يرغب بأن تناديه زوجة الطبيب فهي الشخص الوحيد التي لا يستطيع أن يخْدعها أو يكْذب عليها وسيضطر أن يخبرها بما في رأسه : لا أستطيع أن أستمر في التعفن داخل هذا الجحْر ، لقد عرفت أن زوجك فعل كل ما في وسعه لمساعدتي ، غير أني عندما أضطر لسرقة سيارة أسرقها بنفسي ولا أطلب من أحد أن يسرقها لي ، وهذه الحالة تشبه تلك ، فأنا من يجب أن يذهب إليهم فعندما يرونني على هذه الحالة سيدركون أن وضعي سيئ ، عندئذٍ يضعونني في سيارة إسعاف ويأخذونني الى المَشْفى ، لا بد من وجود مَشْفى خاص بالعميان وأعمى إضافي لن يسبب لهم مشكلة ، سيعالجون جرْحي يشفونني ، فقد سمعت أن ذلك ما يفعلونه مع المحكومين بالإعدام إذا ما التهبت لديهم الزائدة الدودية يستأصلونها لهم جراحياً أولا ثم يَعْدِمونهم بعد ذلك وبهذا يموتون معافين ، وفي حالتي يستطيعون إعادتي الى هنا إن أرادوا ولن أُمانع .
تقدم الى الأمام وهو يَكِّز على أسنانه ليخْمد أي أنين ، إلا إنه لم يستطع أن يقاوم نشيجا مؤلماً عندما فقدَ توازنه حين بلغ نهاية صف الأَسِرَّة ، فقد أخطأ في عدِّها إذ اعتقد أنه لا يزال أمامه سرير إلا أنه وصل فراغا ، بقي ساكنا فوق البلاط حتى تأكد أن أحدا لم يستيقظ من جلبَة سقوطه ، بعدئذ لاحظ أن وضعيته الحالية مثالية بالنسبة الى رجل أعمى ، فالسير على أربع أكثر سهولة في حالته هذه ، جرَّ نفسه حتى وصل الى الردهَة ، توقف قليلا ليفكر كيف سيتقدم إن كان من الأفضل أن يكلم الجنود من الباب أو أن يخرج الى البوابة مستفيدا من الحبل الذي يُستخدَم كدربزين ولا يزال في مكانه على الأغلب ، أدرك بعمق أنه إن صاح من عند الباب طالبا مساعدته فسوف يأمرونه بالعودة الى الداخل غير أن الخيار الوحيد أمامه هو الحبل المتأرْجِح .
وبعد معاناته السابقة في عدم قدرته على الاستفادة من أُطُر الأَسِرَّة جعله يتردد قليلا ، بعد عدة دقائق اعتقد أنه وجد الحل .
- سأزحف على أربع وسأحاول أن أبقى تحت الحبل ، ومن حين لآخر أرفع يدَي لِأتأكد أني ما زلت في الاتجاه الصحيح ، وهذا يشبه سرقة سيارة فبالإمكان دائما إيجاد الطرق والوسائل المناسِبة .
استيقظ ضميره فجأة ، وأدهشه ذلك ووبَّخه بقسوة لأنه لأنه سَرَقَ سيارة أعمى سيئ الحظ .
- في الواقع أنا هنا . هكذا فكر لنفسه : ليس لأني سرقت سيارته إنما لأني رافقته الى بيته ، تلك كانت غلطتي الكبيرة .
لم يكن ضميره في حالة تؤهله لِخوض نقاشاات في هذه الأسباب ، كانت أسبابه بسيطة وواضحة ، الأعمى إنسان مقدس ، فلا تسرق أعمى .
- أنا لم أسرقه بالمعنى المِهَني للكلمة ، فهو لم يكن يحمل السيرة في جيبه ولم أُشهِر عليه بندقية .
احتج المتهم في دفاعه : كُفَّ عن هذه السَّفْصَطة وامْضِ في طريقك . غمغم ضميره .
لَسَعَ وجهه هواء الفجر البارد .
فكر : كم يتنفس المرء هواءً منعشا في الخارج هنا .
تشكَّل لديه انطباع أن ألم ساقه قد خفَّ ، غير أن هذا لم يفاجئه إذ حدث هذا من قبل ولأكثر من مرة ، فقد حدث الشيء نفسه أحيانا .
كان الآن خارج الباب الرئيسي وسرعان ما سيصل الدرجات الست وهذه أصعب مرحلة في مشواره .
فَكَّرَ أن عليه نزول الدرجات أولا ، رفع ذراعه لِيتأكد من وجود الحبل وتابع ، حدث ما تَنَبَّأَ به ، فلم يكن سهلا عليه الهبوط من درجة الى أخرى لاسيما بسبب ساقه التي لا تساعده على ذلك ، وجاءه البرهان سريعً ، ففي منتصف الدرجات انزلقت إحدى يديه فمال جسده الى الجهة وانزلق بفعل الثقل الكبير لساقه ، عاوده الألم فورا ، وكأن أحدا ما كان ما ينشر ويَثْقُب ويدق جرحه ، حتى أنه كان عاجزا عن شرح كيف منع نفسه من الصراخ .
بقي عدة دقائق طويلة مُنْبَطِحاً ووجهه على التراب ، هبت عَصْفَة ريح على وجه الأرض جعلته يرتجف ، لم يكن يرتدي إلا قميصا وسروالاً داخلياً ، كان جرحه مُلامِساً للتراب ، ففكر : أنه ربما سيتجَر]=ْثم : تفكير أحمق ، لقد نسي أنه كان يَجُرّ ساقه على الأرض منذ أن غادر الغرفة .
- حسنا ليست مشكلة ، سيعالجونه قبل أن يتجرْثَم . فكر بعد ذلك في أن يريح ذهنه .
انقلب على جنبه لِيصل الحبل بسهولة أكبر ، لم يجد طريقه الصحيح ، نسي أنه قد أصبح بعد أن تدحرج من على الدرجات في الاتجاه المعامد مع الحبل ، إلا أن غريزته أخبرتْه أنه يجب أن يبقى في مكانه ، بعدئذ قاده تفكيره عندما تحرك وهو في وضعية الجلوس الى الوراء ببطء ، حتى لامست عجيزته الدرجة الأولى ، وبشعور عام بالنصر أمسك الحبل الخشن بيده المرفوعة عالياً ، ربما هو الشعور نفسه الذي قاده ومباشرةً على الأغلب الى اكتشاف طريقة في التحرك بدون أن يحتك جرحه مع الأرض ،
فأدار ظهره الى البوابة الرئيسية وهو في وضعية الجلوس واستخدم ذراعيه كعكازين كما يفعل المَشلولون ، وراح يريح جسده في وضعية الجلوس في محطات متقاربة ، إلى الوراء لأنه في هذه الحالة كما في الحالات الأخرى كان ابالسَحْب أَهون من الدفع وألم ساقه أقل ، إضافة الى أن انحدار الساحة الطَفيف باتجاه البوابة كان في صالحه ، أما بالنسبة الى الحبل فلا خوف من الانحراف عنه إذ أنه كان يلامسه برأسه .
تساءل إن تبقت مسافة طويلة حتى يصل الى البوابة ، سيقطعها على قدم واحدة والأفضل على قدمين فذلك يختلف عن التقدم الى الخلف بمقدار راحة اليد في كل مرة ، نسي لحظةً أنه أعمى فأدار رأسه الى الخلف وكأنه يريد التأكد من المسافة المتبقية ، فوجد نفسه في مواجهة البياض الكَتيم نفسه .
تساءل إن كان الوقت نهارا أَم ليلا ، حسنا لو كان نهارا لَشاهَدوني فورا ، بيد أنهم لم يجلبوا لنا سوى الفطور ومنذ بضع ساعات فقط .
تَفاجأَ باكتشافه سرعة ودقة محاكمته ومقدار منطقيته ، رأى نفسه في ضوء مختلف ، رجلا جديدا ولولا هذه الساق الملعونة لأَقسَمَ أنه لم يشعر بشعور كهذا طوال حياته .
اصطدم ظهره المنحني بصَفْحة معدنية في أسفل البوابة .
لقد وصل ، ربض داخل المَحْرس اتقاءً للبرْد .
اعتقد الحارس المناوب أنه قد سمع جلبة طفيفة ، لم يستطع تحديدها ، لم يفكر على أي حال أنها قد تكون من الداخل ، لابد أنها من حفيف أشجار مفاجئ ، حرَّكت الريح غصنا فاحْتَكَّ مع الدرابزون .
سمع جلبة أخرى ، مختلفة هذه المرة ، خبطة صوت تحطم أكثر وضوحا وهذا لا يمكن أن يصدر عن ريح .
خرج الحارس من المَحْرس مُنَرْفَزا إصبعه على زناد بندقيته الآلية ونظر صوب بوابة المبنى ، لم يستطع أن يرى شيئا ، عادت الجلبة ثانيةً أعلى هذه المرة وكأن شخصا ما يخربش بأصابعه على سطح خشن ، على لوح البوابة المعدنية .
كان على وشك الذهاب الى الخيمة الميدانية التي ينام فيها الرقيب ، غير أنه توقف عندما فكر أنه لو أيقظه على تقدير كاذب فسوف يوبخه ، لا يحب الرقباء أن يوقظهم أحد إن كانوا نائمين حتى لو وُجِدَ سبب وجيه ، عاد ونظر صوب بوابة المبنى وانتظر متوترا ، ثم ببطء شديد بدأ يظهر له من بين القضبان المعدني المتصلبة وجه أبيض شبحي ، وجه رجل أعمى ، تجمد دم الجندي في عروقه الخوف الذي دفعه الى أن يسدد بندقيته ويطلِق النار عن قرب .
خرج الجنود من خيامهم نصف عراة على صوت إطلاق النار ، جنود حراسة مَشْفى الأمراض العقلية ومن فيه ، حضر الرقيب فورا .
- ما الذي يجري هنا ؟
-أأ رجل أعمى ، رجل أعمى . تأتأَ الجندي .
- أين ؟
- كان هنا . وأشار الى البوابة
المعدنية بأخمص بندقيته .
- لا أرى شيئا .
- كان هناك ، لقد رأيته .
أنهى الجنود لبس ثيابهم وانتظموا في رتْل وبنادقهم جاهزة ، أُشعِلَ الضوء الكاشف .
أمر الرقيب ، صعد أحد الجنود الى الى رفراف السيارة وبعد ثوانٍ أضاءت الحِزَم الباهرة بوابة المبنى وواجهته .
- لا أحد هناك أيها الأحمق . قال الرقيب وكان على وشك أن يوبِخه بعبارات منتقاة عندما رأى في اللحظة نفسها في ذلك الضوء الباهر بركة دم تنسرب من تحت الباب .
- لقد قَتَلْتَه . قال الرقيب ثم صاح بهم متذكرا الأوامر التي تلقوها ك ارجعوا الى الوراء هذا معْدٍ .
تراجع الجنود مرعوبين ، لكنهم استمروا في الفرجة على بِرْكة الدم التي كانت تتوزع في الفراغات بين الحصا الصغيرة في الدرب .
- أتعتقده قد مات ؟ سأل الرقيب .
- لابد أنه مات ، أَصَبْته في وجهه . رد الجندي وقد انشرح صدره الآن لدقة تصويبه .
في تلك اللحظة صاح جندي آخر خائفا : رقيب رقيب ، انظر هناك .
كان هناك عدد من المحتجزين العميان واقفين تحت نور الضوء الكاشف ، كانوا أكثر من عشرة .
- قِفوا في أماكنكم . صاح الرقيب : حركة ثانية وأُطلق عليكم النار .
من نوافذ الأبنية المقابلة أطل عدد من الناس ، أيقظهم صوت إطلاق النار ينظرون برعب الى ما يجري .
بعدئذ صاح الرقيب : لِيتقدم أربعة منكم لأخذ الجثة .
لأنهم غير قادرين على الرؤية ولا العد تقدم ستة عميان .
- قلت لكم أربعة فقط .
صاح الرقيب صيحة هستيرية .
لمس العميان المحتجزون بعضهم بعضا ، ثم أعادوا الكَرة ، تراجع اثنان منهم ، أمسك الآخرون بالحبل وتقدموا الى الأمام . . .