الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

كان الوزير نفسه صاحب الاقتراح الموفق من أي زاوية نظرنا إليه ، لا نقول إنها فكرة متكاملة من وِجهَتَي النظر الإنسانية الصرف لهذه الحالة والتعقيدات الاجتماعية والنتائج السياسية المترتبة عليها ، إذ أنه ريثما تُعرف مسبباته أو تُعلَم أسباب هذا المرض إن استخدمنا المصطلحات المنابة فقد أُصطُلِحَ على تسميته هذا العمى كريه الوقْع على الأذن بالشر الأبيض ، وشكرا لمخيلة مساعد الوزير التي ألهمته هذه التسمية ، وريثما يُكتَشَف علاج أو دواء له وربما لُقاح قد يمنع ظهور حالات مشابهة مستقبلا فيجب عزل كل من عميَ وكل أولئك الذين كانوا قريبين منهم جسديا في مكانٍ ناءٍ لِتفادي حالة عدوى لاحقة ، ما أن تحدث حتى تتكاثر الى هذا الحد أو ذاك وفقا لما يُعرَف رياضيا بالنسبة المُرَكَّبة .

هذا ما خَلُصَ إليه الوزير وفقا لتجربته القديمة الموروثة من زمن الكوليرا والحمى الصفراء ، عندما كانت تُحتجَز السفن الحاملة أو المشتبه بحملها في عرض البحر لمدة أربعين يوما ، باختصار وضمن قدرة العامة على الفهم كان الاقتراح بأن يوضع كل أولئك المصابين في مَحْجَر صحي حتى إشعار آخر ، هذه العبارة حتى إشعارٍ آخر الواضحة ظاهريا المبهمة في الواقع ، قد جرت على لسان الوزير لا شعوريا بما أنه لم يستطع أن يفكر بغيرها وأوضح فيما بعد :

- إني قصدت أن الحجز قد يدوم أربعين يوما أربعين أسبوعا أو أربعين شهرا أو أربعين عاما ، فالمهم هو بقاؤهم داخل المَحْجَر الصحي .

- يجب أن نقرر الآن أين نحجرهم يا سعادة الوزير . قال رئيس اللجنة اللوجستية التي شُكِلَت على جناح السرعة وأُنيطت بها مسؤولية نقل وعزل ومراقبة المرضى .

أراد الوزير أن يعرف ما هي التسهيلات المتوفرة .

- لدينا مَشْفى أمراض عقلية فارغ ريثما نقرر ما نفعل به ، وهناك عدة مواقع عسكرية لم تعُد مستعملة بعد إعادة هيكلة الجيش مؤخرا ، ومبنى خاص بالشؤون التجارية قيد الإنجاز ، وهناك أخيرا رغم أن لا أحد قادرا على تفسير السبب سوق خدمة ذاتي على وشك أن يُصَفَّى .

- أي من المباني التي ذكرت هو الأنسب لهدفنا برأيك ؟

- المباني العسكرية هي الأكثر ضمانا .

- لكن وبشكل طبيعي هناك ومن ناحية ثانية مشكلة اتساع المكان التي يُرجَح أن تزيد في صعوبة وتكلفة مراقبة هؤلاء المحتجزين .

- نعم أستطيع تخيل ذلك .

- بخصوص سوق الخدمة الذاتية من الأرجح أن نواجه بعض العقباتالقانونية المختلفة ، أما بناء الشؤون التجارية يا سعادة الوزير فرأيي أن نتجاهله تماما .

- لماذا ؟

- لأن وزارة الصناعة لن تحبذ استثمار ملايينها في هذا المشروع .

- لم يبق لنا إذن إلا مَشْفى الأمراض العقلية .

- إضافة الى كل المظاهر المناسبة والتسهيلات التي يوفرها لنا وعلاوة على السور الخارجي فإنه مؤلف من جناحين منفصلين ، نضع في أحدهما أولئك العميان وفي الثاني أولئك المشتبه بحملهم العدوى ، إضافة الى الردهة الفاصلة بينهما والتي يمكن اعتبارها إن جاز التعبير منطقة محايدة عيعبرها أولئك الذين يكتمل عَمَاهم فينضمون الى العميان .

- لكن قد تواجهنا مشكلة واحدة .

- ما هي سعادة الوزير ؟

- قد نضطر الى وضع طاقم يشرف على الانتقال بين الجناحين ، وأشك في قدرتنا على إيجاد المتطوعين .

- إني أشك في ضرورة ذلك سعادة الوزير .

- لماذا ؟

- لأنه عندما سيعمى أي حامل للعدوى كما سيحدث بشكل طبيعي عاجلا أو آجلا ثق سعادة الوزير أن أولئك الآخرين الذين ما زالوا مبصرين سيطردونه الى الجناح الآخر فورا .

- أنت محق .

- كما أنهم لم يسمحوا لأي أعمى بدخول جناحهم إذا ما خطر له فجأة تغيير مكانه .

- تفكير جيد ، شكرا لك .

- يمكنني إذن سعادة الوزير إصدار أوامر التنفيذ .

- نعم أنت مفوض .

كان عمل اللجنة سريعا وفعالا ، فقبل حلول الليل جرى تجْميع كل من عميَ إضافة الى عدد كبير من الناس الذين اُفتُرِضَ أنهم يحملون العدوى ، على الأقل أولئك الذين أُمكِنَت معرفة معرفة أسمائهم وعناوينهم في حملة بحث سريعة شملت أماكن سكن وعمل أولئك الذين عموا .

كان الطبيب وزوجته أول من تم نقلهم الى مَشْفى الأمراض العقلية الفارغ ، وكان هناك جنود يقومون بحراسة المَشْفى .

فُتِحَت البوابة الرئيسية بما يسمح لهما بالمرور وأُغلِقَت ثانيةً بسرعة ، كان هناك درابزون ، هو حبل ثخين يمتد من البوابة الى المدخل الرئيسي للمَشْفى .

- تحركا الى اليمين قليلا وستجدان حبلاً ، امسكا به وسيرا بمحاذاته مباشرة فيوصلكما الى ست درجات . قال لهما جندي : وعندما تدخلان سيتفرع الحبل الى فرعين واحد الى اليسار والآخر الى اليمين .

صاح بهما الرقيب : اتجها الى اليمين .

قادت المرأة زوجها وهي تجر الحقيبة الى الغرفة الأقرب الى المدْخل .

كانت الغرفة طويلة مثل جناح في مَشْفى من الطراز القديم ، فيها صفان من الأَسِرَّة طُلِيَت بالللون الرمادي رغم أن طلاءها قد بدأ يتقشر منذ وقت طويل ، الأغطية الملاءات البطانيات كلها رمادية أيضا .

قادت المرأة زوجها الى آخِر الغرفة ، أجلسته على أحد الأَسِرَّة وقالت له : ابقَ هنا أنا ذاهبة لاستطلاع المكان .

توجد غرف أخرى ، ممرات طويلة وضيقة ، غرف أصغر لابد أنها كانت خاصة بالأطباء ، مراحيض قذرة ، مطبخ لا زالت تفوح منه رائحة طبخ نتنة حجرة طعام فسيحة فيها طاولات سطوحها من الزنك ، ثلاثة زنازين بطول ستة أقدام محشوة الأرضية والجدران ، أما بقية الزنازين فقد فُرِشَت بالفلِّين ، خلف المبنى يوجد فناء خرب فيه أشجار مهملة تبدو جذوعها وكأنها سُلِخَت .

عادت الزوجة الى الداخل ، وجدت في خزانة نصف مفتوحة سترة مجانين .

عندما عادت الى زوجها سألته : أيمكنك أن تتخيل أين نوضعونا ؟

كانت على وشك أن تضيف : في مَشْفى مجانين .

غير أنه سبقها وقال : أنت لستِ عمياء ، لا يمكنني السماح لك بالبقاء هنا .

- نعم أنت محق ، فأنا لست عمياء .

- سأطلب منهم أن يعيدوك الى البيت إذن ، وسأبلغهم أنك كذبتِ عليهم كي تبقي معي .

- لا فائدة من هذا ، فلن يستطيعوا سماعك من هذا البُعد ، حتى إن سمعوك فلن يهتموا .

- لكنك تُبْصرين الآن .

- نعم أُبْصر لكني بالتأكيد سأعمى في وقت قريب ، وربما في أي لحظة من الآن .

- أرجوك عودي الى البيت .

- لا تصر على ذلك ، إضافة الى أني أراهنك أ ، الجنود لن يسمحوا بتجاوز الدرجات الست .

- لا أستطيع إرغامك .

- كلا حبيبي لا تستطيع ، فأنا هنا لِأساعدك أنت والآخرين الذين قد يجلبونهم ، لكن لا تقل لهم إني أُبْصِر .

- أي آخرين تقصدين ؟

- لا أظنك تعتقد جازما بأننا سنكون هنا بمفردنا .

- هذا جنون .

- ماذا توقعت ؟ فنحن في مَشْفى مجانين .

وصل عميان آخرون اعتقلوا من بيوتهم واحد بعد الآخر أولهم الرجل الذي كان يقود السيارة ثم الذي سرقها ، الفتاة ذات النظارة السوداء ، والطفل الأَحوَل الذي لحقوا به الى المَشْفى حيث أخذته والدته ، لم ترافقه والدته الى هنا ، كانت تفتقد براعة زوجة الطبيب التي ادعت العمى وهي مبْصرة ، كانت والدته إنسانة بسيطة غير قادرة على الكذب حتى لو كان في صالحها .

دخلوا الجناح بخطا متعثرة يتعلقون بالهواء ، إذ لا يوجد هنا حبل يسترشدون به وعليهم أن يتعلموا من التجربة المؤلمة .

كان الطفل يبكي وينادي أمه ، انبرت الفتاة ذات النظارة السوداء تحاول مواساته .

- إنها قادمة ، إنها قادمة .

كانت تقول له . وبما أنها كانت تلبس نظارة سوداء فقد كانت مثلهم عمياء وليست عمياء ، إذ بينما كان الآخرون ينقلون عيونهم هنا وهناك بدون أن يروا شيئا فقد كانت الفتاة ولأنها تلبس تلك النظارة السوداء وتقول للطفل إنها قادمة ، فبدا الأمر حقيقةً وكأن بوسعها رؤية والدة الطفل البائس تدخل عبر الباب .

انحنت زوجة الطبيب وهمست في أذن زوجها : لقد وصل أربعة آخرون ، امرأة ورجلان وطفل .

- ما هو شكل الرجلين ؟ سأل الطبيب بصوت خفيض .

وصفتهما له . فقال : الثاني لا أعرفه ، أما الأول فهو الأعمى الذي جاءني الى العيادة .

أردفت : الطفل أحول ، والفتاة تلبس نظارة سوداء تبدو جذابة .

- كلاهما كان في عيادتي .

بسبب جَلَبَتهم وهم يحاولون البحث عن مكان يشعرون فيه بالأمان ، لم يستطع القادمون الجدد سماع هذه المحادثة ، لابد أنهم اعتقدوا ألّا وجود لمن سواهم هنا ، ولم تمضِ على عَمَاهم فترة كافية لتقوي لديهم حاسة السمع أكثر من الحد الطبيعي ، أخيرا وكأنهم وصلوا الى استنتاج بأن لا فائدة من استبدال اليقين بالشك .

جلس كل منهم على أول سرير تعثر به ، بالنتيجة فقد جلس الرجلان على سريرين متجاورين بدون أن يعرفا ذلك .

تابعت الفتاة بصوت خفيض مواساة الطفل : لا تبكِ سترى أن أمك لن تتأخر كثيرا .

خيَّم صمت ، عندئذٍ تكلمت زوجة الطبيب بصوت يستطيع سماعه حتى من يجلس بعيدا عن باب الغرفة .

- نحن اثنان هنا ، فكم واحدا أنتم .

أرعب الصوت الغير متوقع الواصلين الجدد .

بقيَ الرجلان صامتين .

بينما أجابت الفتاة : أعتقد أننا أربعة أنا والطفل الصغير هذا .

- من أيضا ؟ ؟ لماذا لماذا لا يتكلم الآخران ؟ زوجة الطبيب

.

- أنا هنا . غمغم صوت رجل وكأنه لا يقوى على لفظ غير هذه الكلمة وبصعوبة . .

- وكذلك أنا . زمجر صوت ذكوري آخر باشمئزاز واضح .

فَكَّرَت زوجة الطبيب لنفسها : إنهم يتصرفون كأنهم خائفون من أن يعرف أحدهم الآخر .

راقبتهم ينتفضون ، يتوترون رقابهم متلعة وكأنهم يتنشقون شيئا ما ، وتعابيرهم كلها متشابهة متوعدة وخائفة في الوقت نفسه ، إلا أن خوف أحدهم لا يشبه خوف الآخر ، والشيء نفسه يصح على توعداتهم ، ماذا يمكن أن يكون فيما بينهم ؟ تساءلت لنفسها .

في تلك اللحظة ومن مكبر الصوت المعلق فوق الباب الذي دخلوا منه علا صوت أجش توحي نبرته أنه تعود إصدار الأوامر ، كرر كلمة انتباه ثلاث مرات بعدئذ تابَع : تُبدي الحكومة أسفها لاضطرارها الى القيام بالسرعة القصوى بما تعُده واجبها الحق لحماية الشعب بكل الوسائل الممكنة في هذه الأزمة الحالية التي تبين لها أنها تحمل مظاهر تفشي وباء عمى أبيض ، يُعرف مؤقتا بال‘عمى الأبيض ، هذا وإننا نُعوِّل على روح الشعبية وتعاون كل المواطنين لاستئصال أي عدوى أخرى مفترضين أننا في مواجهة مرض معدٍلا مجرد مصادفات عصية على الفهم ، لذلك فإن قرار تجميع من أصيبوا بالمرض في أماكن متجاورة لكنها منفصلة عن أولئك الذين كانوا على احتكاك معهم لم يكن ارتجاليا فالحكومة تعي جيدا مسؤولياتها وتأمل من أولئك الذين تخاطبهم الآن كمواطنين لا شك في سلامة مواطنيتهم وحس المسؤولية لديهم أن يتذكروا أن هذه العزلة التي وُضِعوا فيها تمثل وفوق كل اعتبارات شخصية تعاضدا مع باقي مجتمع الأمة ، لذلك نطلب من الجميع الإصغء بانتباه الى التعليمات التالية :

أولا لن تُطفأ المصابيح ليل نهار ولا فائدة من محاولة إطفائها لأن مفاتيح الكهرباء في كل المبنى معطلة .

ثانياً إن مغادرة المبنى بدون إذْن يعني الموت الفوري .

ثالثا يوجد هاتف في كل جناح يُستخدَم فقط لطلب الحاجات الجديدة الضرورية للصحة والنظافة .

رابعا إن المحتجزين مسؤولون عن غسل ثيابهم بأنفسهم .

خامسا نقترح انتخاب ممثلين عن كل جناح ، وهذا مجرد اقتراح لا أمر ، فيجب أن ينظم المحتجزون أنفسهم بالشكل الذي يناسبهم شريطة أن يذعنوا لتعليمات السابقة واللاحقة .

سادسا ستوضع صناديق الطعام ثلاث مرات يوميا أمام الباب الرئيسي على اليمين وعلى اليسار مقسمة وبالتساوي للمرضى ولأولئك المشتبه بحملهم العدوى .

سابعا يجب إحراق كل المخلفات ، هذا لا يشمل الطعام فقط بل الصناديق والأطباق والسكاكين المصنوعة من مواد قابلة للاحتراق .

ثامنا يجب أن تُجرى عملية الحرق في فناء المبنى أو في ساحة الرياضة .

تاسعا إن المحتجزين مسؤولون عن أي ضرر ينتج عن عملية الاحتراق هذه .

عاشرا سواء فقدوا السيطرة على الحرائق عمدا أو عن غير عمد فلن يتدخل رجال الإطفاء .

الحادي عشر بالمثل لا يُفكِرَنَّ المحتجزون بالاعتماد على أي تدخل خارجي في حال تفشي أي مرض ولا في حال حدوث فوضى أو اعتداءات .

الثاني عشر في حالة الوفاة مهما كان السبب على المرضى دفن الجثث في الفناء بدون أي مساعدة خارجية .

الثالث عشر يجب أن يتم التواصل بين نُزَلاء ججناح المرضى ونُزَلاء جناح المشتبه بحملهم العدوى في ردهة البناء المركزية الفاصلة بين الجناحين .

الرابع عشر إذا ما عميَ أحد أولئك المشتبه بحملهم العدوى فسوف يُنقَل مباشرة الى الجناح الآخر .

الخامس عشر ستعاد هذه التعليمات يوميا في التوقيت نفسه من أجل القادمين الجدد .

إن الحكومة تتوقع من الجميع رجالا ونساءً القيام بواجبهم ، تصبحون على خير .

كان بالإمكان سماع صوت الطفل بوضوح بعد الصمت الذي تلا إصدار التعليمات .

- أريد أمي .

إلا أن كلماته كانت خالية من أي شُحنَة تعبيرية ، كلمات تصدر عن آلة إعادة أوتماتيكية سُجِّلَت عليها عبارة وقد علقت الإصطوانة الآن وراحت تكرر العبارة ذاتها في الوقت الغير المناسب .

قال الطبيب : إن الأوامر التي تلقيناها لا تترك مجالاً للشك في أننا عُزِلْنا ، وقد تفوق عُزلتنا عزلة أي شخص آخر ودون أي أمل في الخروج من هذا المكان حتى يوجد علاج لهذا المرض .

- إني أعرف صوتك . ثقالت الفتاة ذات النظارة السوداء .

- أنا طبيب اختصاصي عيون .

- لا بد أنك الطبيب الذي فحصني أمس ، إني أعرف صوتك نعم .

- ومن أنتِ ؟

- أنا كنت أعاني من التهاب ملتحمة العين وأعتقد إنه لن يُشفى بعد ، لكن الآن وبما أني عمياء تماما فلم يعُد الأمر مهماً .

- والطفل الذي معك ؟

- ليس طفلي ، ليس لدي أطفال .

- لقد فحصت أمس طفلا أحول ، أهو أنت ؟ سأل الطبيب .

- نعم أنا . قال الطفل بنبرة مستاءة .

كشخص يفضل عدم ذكر عيوبه الجسدية أمام الآخرين وبترجيح عقلي لم تُذكر هذه العيوب ثانيةً ، عيوب الفتاة الطفل وعيوب والآخرين ، لأنها كانت مجرد وسيلة ممكنة الفهم ليعرف بعضهم بعضا بوضوح .

- هل يوجد آخرون هنا ؟ سأل الطبيب : هل الرجل الذي جائني أمس الى العيادة مع زوجته موجود هنا ؟

، الرجل الذي عميَ فجأة وهو يقود سيارته ؟

- هاأنا ذا . قال الأعمى الأول .

- هل هناك آخر ؟ تكلم لو سمحت ، نحن ملزَمون بالعيش معاً هنا فمن يعرف كم ستطول إقامتنا ، لذلك من الضروري أن يعرف بعضنا بعضا .

غمغم سارق السيارة من بين أسنانه : نعم .

معتقِداً أن هذه النعم كافية لإثبات وجوده إلا إن الطبيب ألح .

- هذا صوت شاب نسبيا ، فلست إذن المريض الكهل الموجود في عينه ساد ؟

- كلا دكتور ليس أنا .

- كيف عميت ؟

- كنت أسير في الشارع عندما عميت فجأة .

أوشك الطبيب أن يسأله إذا ما كان عماه أبيضاً أيضا إلا أن أحجم عن ذلك في الوقت المناسب ، فلماذا يسأله ، فأيا ما كان جوابه أكان عماه أبيض أَم أسود لن يغير في الأمر شيئا ولن يخرجوا من هذا المكان .

مد يدا مترددة الى زوجته فتلاقت يداهما في منتصف الطريق ، قبلته على وجنته ، لا أحد غيرها يستطيع رؤية ذلك الجبين المتغضن ، الفم المشدود العينين الميتتين كالزجاج المخيفتين لأنهما تبدوان مبصرتين وهما لا تُبصران .

- سيأتي دوري . فَكَّرَت لنفسها : وربما في هذه اللحظة تماما بدون أن تُتاح لي الفرصة لأكمل ما أقول في أي لحظة كما حدث لهم أو ربما سأستيقظ عمياء أو بمجرد أن أغمض عينَي لِأنام معتقدةً أني غافية فحسب .

نظرت الى العميان الأربعة الجالسين على أَسرَّتهم ، الى حاجاتهم التي استطاعوا المجيء بها وهي ملقاة عند أقدامهم ، الطفل معه حقيبته المدرسية ، الآخرون معهم حقائب صغيرة تبدو وكأنها حُزِمت من أجل عطلة نهاية الأسبوع .

كانت الفتاة ذات النظارة السوداء تتكلم همسا مع الطفل في الجهة المقابلة ، كان الأعمى الأول وسارق السيارة يجلسان قريبين أحدهما من الآخر لا يفصل بينهما سوى سرير واحد وجها لوجه وبدون أن يدركَا ذلك .

قال الطبيب كلنا سمعنا التعليمات فمهما حدث الآن فالشيء الوحيد الواثقون منه ألّا أحد سيأتي لمساعدتنا لذلك علينا أن نُنَظِّم أنفسَنا بدون إبطاء لأنه لن يطول الزمن حتى يمتلأ هذا الجناح بالناس ، هذا الجناح والجناح الآخر .

- كيف عرفت بوجود الجناح الآخر ؟ سألت الفتاة .

- لقد استطلعنا المكان قبل أن نختار هذه الغرفة لقربها من المدخل الرئيسي . أوضحت زوجة الطبيب وهي تهصر ذراع زوجها بيدها وكأنها تدعوه للانتباه .

قالت الفتاة : أعتقد من الأفضل أن تتولى تسيير أمور الجناح أنت ، لأنك في نهاية المطاف طبيب .

- وما فائدة طبيب بلا عينين وبلا دواء ؟

- لكنك تتمتع بِسطوة .

ابتسمت زوجة الطبيب .

- أعتقد أنك يجب أن تقبل .

- إذا قبِل الآخرون بي ، مع أني لا أعدها فكرة جيدة طبعا .

- لِمَ لا ؟

- نحن هنا الآن ستة فقط واعتبارا من يوم غد سنصبح أكثر إذ سيبدأ توافد الناس يوميا ، ويبدو من المبالغ فيه توقع أن يكون الناس مهيئين لقبول سلطة لم يختاروه ، علاوة على ذلك ليس لديه ما يقدمه لهم مقابل قبولهم وزعمهم الدائم الدائم بالامتثال لِسلطته وتعليماته .

- ستزداد صعوبة الحياة إذن ؟ وسنكون محظوظين إذا تبين أنها صعبة فقط . قالت الفتاة ذات النظارة السوداء : لقد أردت المنفعة فحسب ، لكن بصراح أنت محق يا دكتور ، سننتهي الى أن يأخذ كل منا أموره بيده .

إما لأنه أُستُثيرَ من هذه الكلمات وإما لأنه لم يستطع كظم غيظه أكثر نهض أحد الرجلين فجأة وصاح : هذا الشخص هو المسؤول عن مصيبتنا ولو كنت مبصرا لقتلته الآن .

وأشار الى الجهة التي خمَّن أن الشخص الآخر موجود فيها ، رغم أن الرجل لم يكن بعيدا عنه جدا ، إلا أن حركته الدراماتيكية تلك كانت مثيرة للضحك لأن أصبعه المتهِمة كانت تشير الى كومودينو صغيرة بريئة .

- اهدأ . قالت زوجة الطبيب : لا أحد مسؤول عن هذا الوباء كلنا ضحايا .

- لو لم أكن ذلك الشخص المُهَذَّب ، لو لم أساعده في الوصول الى بيته لما فقدت عينين الغاليتين .

- من أنت ؟ سأل الطبيب .

بيد أن المتذمر صمت وبدا أنه قد انزعج من قول ما قاله .

عندئذٍ قال الرجل الآخر : إنه من أوصلني الى بيتي هذا صحيح ، لكن بعدئذ استغل وضعي وسرق سيارتي .

- هذا كاذب لم أسرق شيئا .

- لقد فعلتها بالتأكيد .

- إن كان أحد قد سرق سيارتك فلست أنا ، كانا العمى جزاء صنيعي النبيل ذاك ، إضافة الى ذلك أود أن أعرف أين شهودك على ما تقول ؟

- لن يبدي هذا الجدال شيئا . قالت زوجة الطبيب فالسيارة في الخارج هناك وكلاكما هنا فالأفضل أن تهدأا ، لا تنسيا أننا مجبرون على العيش معاً .

- عُدّوني غير موجود . قال الأعمى الأول : أنا ذاهب الى غرفة أخرى ، الى أبعد ما يمكنني عن هذا النصاب الذي استطاع أن يسرق شخصا أعمى ويدعي أنه عميَ بسببي ، ، حسنا ليبقى أعمى على الأقل سيعرف أنه ما زال هناك بعض العدل في هذا العالم .

رفع حقيبته عن الأرض وجر قدميه جرا كي لا يتعثر وتلمس بيده الأخرى وسار على طول الممر بين صفي الأَسِرَّة .

- أين تقع الغرف الأخرى ؟ سأل .

غير أنه لم يسمع ردا ، إذ ما كان هناك غرف أخرى ، لأنه وجد نفسه فجأة تحت هجوم ذراعي وقدمي سارق السيارة الذي قام بتنفيذ تهديده بأفضل ما يستطيع للانتقام من هذا الرجل الذي تسبب بكل مصائبه ، تدحرجا على الأرض وسط الممر الضيق وهما يتبادلان المواقع أعلى وأسفل ، يصطدمان من حين لآخر بقوائم الأَسِرَّة ، وقد أفزعا من جديد الطفل الأحول الذي بدأ يبكي وينادي أمه .

أخذت زوجة الطبيب بذراع زوجها فقد عرفت أنها لن تستطيع بمفردها إيقافهما عن العراك ، قادته الى الخصمين الغاضبين اللذين كانا يلهثان وهما يتعاركان فوق الأرضية ، وجَّهت يدي زوجها وتولت هي أمر الأعمى الأول الذي وجدت التعامل معه أسهل ، وبجهد كبير استطاعا فصل أحدهما عن الآخر .

- إنكما تتصرفان بحماقة قال الطبيب غاضبا : إن كنتما تفكران بتحويل هذا المكان الى جحيم فأنتما في الطريق الى ذلك ، لكن تذكرا أننا هنا معزولون ولا يسعنا توقع مساعدة من الخارج ، أتسمعانني ؟

- لقد سرق سيارتي .

زمجر الأعمى الأول الذي تبين أنه لا يجيد تسديد اللكمات .

- انسها ، ما الفرق . قالت زوجة الطبيب : فلم تكن قادرا على قيادتها عندما اختفت .

- هذا صحيح لكنها كانت ملكي ، وقد سرقها هذا الوغد ولا أحد يعلم أين وضعها .

- الأرجح أن توجد السيارة حيث فقدَ هذا الشخص بصره .

- أنت شخص ذكي دكتور ، نعم يا سيد لا شك في ذلك . قال اللص فجأة .

بدرت عن الأعمى الأول إيماءة كمن يحاول الإفلات من الأيدي التي تمسك به ، لكنها لم تكن محاولة جيدة وكأنه أدرك أن إحساسه بمهانة الاعتداء عليه مهما كان مقنعا لن يعيد إليه سيارته ولا سيارته ستعيد إليه بصره .

غير أن اللص هدده : إن كنت تعتقد أنك نجوت بهذا فأنت مخطئ ، أنا سرقت سيارتك حسناً لكنك سرقت بصري فمن اللص الأكبر بيننا ؟

- يكفي . احتد الطبيب : جميعنا عميان هنا ولا نتهم ولا نشير بإصبع الإدانءة الى أحد .

- لا تهمني مصائب الآخرين . أجابه اللص بازدراء .

- إن كنت تود الذهاب الى غرفة أخرى فإن زوجتي سترشدك الى هناك . قال الطبيب لالأعمى الأول : إنها تعرف المكان أفضل مني .

- كلا شكرا ، غيَّرت رأيي أفضل البقاء هنا .

سخر منه اللص : الولد الصغير يخاف من الوحدة فقد يظهر له بعبع .

- يكفي . صاح الطبيب نافد الصبر .

- اصغِ إلي الآن دكتور . قال اللص : جميعنا هنا فلا تأمُرني .

- لا أحد يأمرك ، أنا ببساطة أطلب منك أن تترك هذا المسكين بسلام .

- ععظيم عظيم ، لكن انتبه الى نفسك عندما تتعامل معي فأنا شخص صعب المراس عندما يزعجه أحد ما ، ومن ناحية أخرى خير صديق تتمنى لقاءه ، لكني أسوأ عدو يمكن أن تقابله أيضا .

ثم بحركات وإيماءات عدوانية تلمس طريقه الى سريره ، دفع حقيبته تحت السرير وأعلن : سأنام قليلا . ثم أضاف وكأنه يحذر : الأفضل أن تنظروا الى الجهة الأخرى لأني سأخلع ملابسي .

- الأفضل أن تنام أنت أيضا . قالت الفتاة ذات النظارة السوداء للطفل : ابْقَ في هذه الجهة وإن احتجت شيئا في الليل نادني .

- أريد أن أتَبَوَّل . قال الطفل .

شعروا جميعا عندما سمعوه بحاجة مفاجِأة وملحة للتبوُّل .

انصبت أفكارهم الى هذا الحد أو ذاك الى السؤال التالي : كيف سنتعامل الآن مع هذه المسألة ؟

تلَمَّسَ الرجل الأعمى الأول تحت السرير بحثا عن مبوَلة صغيرة ، رغم أنه كان في الوقت نفسه يأمل ألا يجد واحدة لأنه سيشعر بالارتباك من من التبوُّل بوجود الآخرين ، ليس لأنهم يرونه بالطبع لكن لعد إمكانية إخفاء جلبَة التبوُّل ولا الخطأ في تمييزها ، ثم إن الرجال بوسعهم على الأقل تدبر ستراتيجية لا تستطيعها النساء .

- خراء . قال اللص الذي كان يجلس على سريره الآن : أين يمكن أن أتَبوَّل في هذا المكان ؟

- انتبه لألفاظك ، يوجد بيننا طفل .

احتجت الفتاة ذات النظارة السوداء .

- بالتأكيد يا عزيزتي ، لكن إن لم تجدي مرحاضا فلن يطول الوقت حتى يتبَوَّل صغيرك ذاك في سرواله .

تدخلت زوجة الطبيب : ربما أستطيع تحديد مكان المراحيض ، أتذكر أنني شممت رائحتها .

- سآتي معك . قالت الفتاة ذات النظارة السوداء .

وأخذت بيد الطفل .

أضاف الطبيب : الأفضل أن نذهب جميعا لنعرف الطريق كلما احتجنا الى الذهاب هناك .

- أعرف ما يدور في رأسك . فكر سارق السيارة لنفسه بدون أن يجرؤ على نطقه بصوت مسموع : لا تريد لِزوجتك أن تأخذني الى المرحاض كلما شعرت بالحاجة الى ذلك .

بسبب المعنى المضمر وراء تلك الفكرة شعر اللص بالامتعاض وفاجأه الأمر ، وكأن حقيقة كونه أعمى يجب أن يتْلوها بالضرورة فقدان أو تناقص الرغبة الجنسية .

- جيد . فكر لنفسه : ففي نهاية المطاف لم أفقد كل شيء ، حتى بين الموتى والجرحى هناك من ينجو .

وانسحب من الحديث الى حلم يقظة ، لم يوغل بعيدا إذ كان الطبيب يقول : لنشكل رَتلاً تقودنا زوجتي ، لِيضع كل واحد يده على كتف الآخر أمامه وبذلك نتجنب المخاطرة في الضياع .

قال الأعمى الأول : أنا لن أرافقه الى أي مكان .

كان يشير بوضوح الى النصاب الذي سرق سيارته .

سواءً أكان يبحث بعضهم عن بعض أو يتجنب بعضهم بعضا بالكاد يستطيعون التنقل في الممر الضيق ، فالأفضل إذن أن تقودهم زوجة الطبيب وكأنها عمياء مثلهم .

وأخيرا انتظموا في رتْل ، الفتاة ذات النظارة السوداء تُمْسِك بيد الطفل الأَحوَل وراءها اللص بسرواله الداخلي وقميصه وراءه الطبيب وآخِرهم الأعمى الأول الآمن من أي اعتداء جسدي ، تقدموا ببطء شديد وكأنهم غير واثقين ممن تقودهم ، يتلمسون عبثا بأيديهم الحرة بحثا عن أي شيء صلب حائط أو إطار باب يستندون عليه .

باصطفافه وراء الفتاة ذات النظارة السوداء أُسْتُثيرَ اللص من العطر الذي كان يفوحه جسدها ، فقرر بذكرى امتعاضه أن يُعمِل يديه في شيء أفضل فراح بإحداهما يداعب قذالها وبالأخرى يداعب صدرها ، هكذا مباشرة وبدون تمهيد ، تلوت الفتاة لتتخلص منه ، لكنه كان يقبض عليها بقوة عندئذٍ رفعت قدمها ورفست الى الخلف رَفْسةً بأقصى ما أوتِيَت من قوة ، غاص كعب حذائها المستدق في فخذ اللص العاري مما جعله يُطلِق صيحة ألم وصدْمة .

- ما الذي يجري ؟ سألت زوجة الطبيب ناظرة الى الوراء .

- لقد تعثَرْت . قالت الفتاة ذات النظارة السوداء : ويبدو أني آذيت الرجل الذي ورائي .

كان الدم ينبجس من بين أصابع اللص الذي راح يئنُّ ويَسُب محاولا التالتحقق من عواقب اعتدائها .

- لقد تأذيت ، هذه القحْبة لاتنظر أين تضع قدَمها .

- ولا أنت تنظر أين تضع يدك . أجابته الفتاة بقسوة .

فهمت زوجة الطبيب ما جرى .

تبسمت في البدء ، لكن رأت بعدئذ كم كان الجرح بليغا إذ كان الدم يتدفق نازلا فوق ساق الشيطان التعس وليس لديهم مُعّقِّم ولا يود ولا ضماد أو لاصق طبي ، لا شيء .

انفرط عقد الرتْل الآن .

كان الطبيب يسأل : أين الجرح ؟

- هنا هنا .

- أين ؟

- في ساقي ، ألا ترى ؟ لقد غرست هذه القحْبة كعب حذائها في ساقي .

- لقد تعثرت ولم أستطع أن أتوازن . كررت الفتاة قبل أن تنفجر غاضبة : كان هذا الوغد يداعبني ، أي نوع من النساء يحسبني ؟

تدخلت زوجة الطبيب هذا الجرح بحاجة الى غسيل وتضميد في الحال .

- وهل يوجد ماء هنا ؟ سأل اللص .

- في المطبخ ، يوجد ماء في المطبخ ، لكن لا حاجة الى ذهابنا جميعا سأرافقه أنا وزوجي انتظرونا هنا سنعود بسرعة .

- أريد أن أَتَبَوَّل . قال الطفل .

- احبسها قليلا سوف نعود فورا .

كانت زوجة الطبيب تعرف أنها يجب أن تنعطف مرة الى اليمين وأخرى الى اليسار ومن ثمة تعْبر ، كريدورا ضيقا يشكل زاوية قائمة مع المطبخ الذي يقع في نهايته ، توقفت بعد عدة خطوات متظاهرة أنها ضَلَّت رجعت من حيث تقدمت ثم قالت : آه تذكرت الآن .

ومن هناك توجهوا مباشرة الى المطبخ ، لا مجال لإضاعة الوقت كان الجرح ينزف بغزارة في البدء ، كان الماء في الصنبور قذرا واستغرق وقتا حتى أصبح أنقى ، غير أنه كان دافئا وكريه الرائحة وكأنه قد تعفن داخل الأنابيب ، بيد أن الرجل الجريح استقبله بزفرة ارتياح ، بدا الجرح سيئا .

- الآن كيف سنضمد هذه الساق ؟ سألت زوجة الطبيب .

كانت هناك بعض الأسمال المستعملة فيما مضى لتنظيف البلاط تحت الطاولة ، لكنها بدت أسوأ من أن تُستخدم كضمادة .

- لكن يبدو ألاوجود لشيء آخر هنا . قالت زوجة الطبيب وهي تتظاهر في استمرارها بالبحث .

- لكن لا يمكن أن أُترَك هكذا دكتور ، فالنزيف لن يتوقف ، ساعدني أرجوك وسامحني إن كنت فظا معك منذ قليل . قال اللص .

- إننا نحاول مساعدتك وإلا ما كنا هنا . قالت زوجة الطبيب ثم أمرته : اخلع قميصك فلا خيار آخر أمامنا .

غمغم الرجل الجريح بأنه يحتاج الى قميصه ، لكنه خلعه .

لم تضيع زوجة الطبيب وقتا في تحضير الضمادة التي لُفَت حول فخذه ، لفتها بقوة واستخدمت حمّالة القميص ونهايته السفلى كَرِباط قوي ، لا يستطيع أي شخص أعمى أن يقوم بهذه الحركات بسهولة بيد أنها لم تكن في حالة تسمح لها بإضاعة الوقت في ادعاءات عمى أخرى يكفي أنها تظاهرت بإضاعة الطريق .

شعر اللص أن شيئا غير عادي يجري ، منطقيا يُفترَض أن الطبيب رغم أنه اختصاصي عيون هو من يجب أن يُضمِد الجرح ، لكن عزاءه بأن شيئا ما يُبذَل لأجله أغرق الشكوك الغامضة التي عبَرت ذهنه لِلحظة .

عادوا للانضمام الى الآخرين وهو يعرج ، وحالما وصلوا لاحظت زوجة الطبيب فورا أن الطفل الأَحوَل لم يستطع الاحتمال أكثر فبلل سرواله ، لا الأعمى الأول ولا الفتاة ذات النظارة السوداء لاحظ ذلك ومن طرف سرواله مازالت نقاط البول تتساقط الى بركة بول صغيرة تشكلت عند إحدى قدميه .

وكأن شيئا لم يحدث قالت زوجة الطبيب : لِنذهب للبحث عن المراحيض .

مد العميان أيديهم يبحث بعضهم عن بعض ورغم أن الفتاة ذات النظارة السوداء عبَّرت بجلاء أنها لا تود أن تسير أمام ذلك المخلوق الذي داعبها ، إلا أن الرتْل انتظم أخيرا ، فسار اللص مكان الأعمى الأول وسار الطبيب بينهما .

كان عرج اللص يزداد سوءاً فراح يجر ساقه جرا إذ كان الضماد المحكم يضايقه والجرح ينبض بالألم وكأن قلبه قد بدَّل مكانه واستقر في قعر تجويف ما .

كانت الفتاة ذات النظارة السوداء تُمْسِك بيد الطفل الذي بقي بعيدا عنها ما أمكنه خشية أن يكتشف أحدهم ما جرى له .

مثل الطبيب الذي غمغم : توجد رائحة بول هنا .

شعرت زوجته بضرورة تأكيد انطباعهفقالت : نعم ، توجد رائحة .

لكنها لم تستطع أن تُضيف أنها تنبعث من المراحيض لأنهم كانوا لا يزالون بعيدين عنها ، ولأنها مضطرة أن تتصرف كعمياء لم تستطع أن تقول إن الرائحة الواخزة تنبعث من سروال الطفل .

اتفقوا جميعا رجالا ونساءً عندما وصلوا المراحيض على أن يكون الطفل الأحول أول الداخلين لِيريح نفسه .

دخل الرجال الثلاثة معاً بدون تمييز لأي ضرورة أو عُمْر ، كانت المباول عامة لابد أن تكون كذلك في مكان كهذا والمراحيض أيضا .

بقيت المرأتان عند الباب ، يقال إن احتمالهن أكبر ،

لكن لكل شيء حدود وسرعان ما اقترحت زوجة الطبيب : ربما توجد مراحيض أخرى .

إلا أن الفتاة ذات النظارة السوداء قالت : بالنسبة إلي فأنا أستطيع الانتظار .

- وكذلك أنا . ردت المرأة الأخرى .

صمتتا قليلا ثم عاودتا الكلام .

- كيف عميتِ .

- مثل الآخرين فجأة لم أعد أرى .

- كنتِ في المنزل ؟

- كلا .

- إذن بعد أن غادرتِ عيادة زوجي ؟

- الى هذا الحد أو ذاك .

- ماذا تقصدين ؟

- أقصد ليس بعد خروجي مباشرة .

- هل شعرتِ بأي ألم ؟

- كلا ، لم أشعر بألم ، لكن عندما فتحت عيني كنت عمياء .

- بالنسبة إلي فقد كان الأمر مختلفا .

- ماذا تقصدين ؟

- لم تكن عيناي مغمضتين ، عميت في اللحظة التي ركب فيها زوجي سيارة الإسعاف .

- إنه محظوظ .

- من ؟

- زوجك ، لأنكما في هذه الحالة تستطيعان البقاء معاً .

- وأنا محظوظة إذن .

- نعم أنتِ محظوظة .

- أأنتِ متزوجة ؟

- كلا لست متزوجة ، ولا أظنني سأتزوج بعد الآن .

- لكن هذا العمى الشاذ جدا والعَصي على التفسير العلمي لا يمكن أن يدوم الى الأبد .

- وافترضي أننا سنبقى هنا نحن والآخرون طوال حياتنا .

- سيكون أمرا مرعبا ، عالم مليء بالعميان شيء لا يحتمله العقل .

خرج من المراحيض الطفل الأَحوَل أولا حتى إنه لم يكن بحاجة الى دخولها أصلا ، وقد رفع كُمَيّ سرواله حتى ركبتيه وخلع جوربيه .

- لقد عُدْت . قال الطفل .

فتحركت الفتاة ذات النظارة السوداء باتجاه الصوت ولم تنجح محاولتها الأولى والثانية لكنها استطاعت في الثالثة أن تجد يد الطفل المترددة ، بعد قليل ظهر الطبيب ثم الأعمى الأول .

سأل أحدهما : أين الباقون ؟

في الحال أمسكت زوجة الطبيب بذراع زوجها ، بينما لامست يد الفتاة ذات النظارة السوداء ذراعه وأمسكت بها .

لعدة لحظات تالية لم يجد الأعمى الأول أحدا يحميه ، بعدئذ استقرت يد شخص ما على كتفه .

- هل جميعنا هنا ؟ سألت زوجة الطبيب .

- لقد تخلف عنا الشخص ذا الساق المجروحة لقضاء حاجة أخرى .

عندئذٍ قالت الفتاة ذات النظارة السوداء : ربما توجد هناك مراحيض أخرى ، اعذروني لم أعد أحتمل .

- لِنَذهب ونبحث . قالت زوجة الطبيب .

فذهبتا معاً يدا في يد ، عادتا في غضون عشر دقائق ، وجدتا غرفة معاينة فيها مرحاض خاص .

كان اللص قد عاد وهو يشكو من برودة وألم في ساقه .

عاودوا الاصطفاف في الرتْل على الترتيب نفسه ، \ وبجهد أقل من السابق ودون أحداث عادوا الى الغرفة ببراعة غير منظورة ، ساعدتهم زوجة الطبيب على الوصول كُلّاً الى سريره الذي كان يشغله ، إذ اقترحت عليهم قبل أن يدخلوا الغرفة وكأن الأمر إثباتا للذات بالنسبة للجميع أن الطريقة الأسهل ليجد الجميع أَسِرَّتهم هي أن يَعِدّو الأَسِرَّة بدءا من السرير الأول عند المدخل ، وأضافت : سريرانا هما الأخيران في الجهة اليمنى ، التاسع عشر والعشرون .

كان اللص أول من دخل الممر بين الأَسِرَّة عاريا تقريبا ويرتجف من رأسه الى قدميه يشغله هاجس تخفيف الألم في ساقه ، وهذا بالنسبة إليه سبب كافٍ لِيُعطى الأولوية ، تنقل من سرير الى آخر يتلمس الأرض بقدميه بحثا عن حقيبته ، وعندما وجدها قال بصوت عالٍ :

- إنها هنا . وأضاف بعدئذ : السرير الرابع عشر .

- في أي جهة ؟ سألته زوجة الطبيب .

- في الجهة اليسرى .

أجابها واستغراب غامض يلف دماغه ، وكأنه يجب أن تعرف ذلك بدون أن تسأله .

دخل الأعمى الأول ثانيا كان يعرف أن سريره بعد سرير اللص بسريرٍ في الجهة نفسها ، لم يعُد خائفا من النوم قريبا منه إذ\ أن حالة ساقه سيئة جدا وبالحكم على أنينه وتنهداته فإنه من الصعب أن يتمكن من الاعتداء عليه ثانيةً .

عندما وصل سريره صاح : السرير السادس عشر في الجهة اليسرى .

ثم جلس عليه بكامل ثيابه .

بعدئذذ توسلت الفتاة ذات النظارة السوداء بصوت خفيض : أيمكننا البقاء قريبين منكما في الجهة الأخرى ؟ سنشعر بأمان أكثر بقربكما .

تقدموا أربعتهم معاً وجلسوا على أَسِرَّتهم فورا .

بعد عدة دقائق قال الطفل الأَحوَل : أنا جائع .

فدمدمت الفتاة ذات النظارة السوداء : غدا سنجد شيئا ما نأكله ، نم الآن .

بعدئذ فتحت حقيبة يدها ، بحثت عن زجاجة القطْرة التي اشترتها من الصيدلية نزعت نظارتها ورمت رأسها الى الوراء أبقت عينيها مفتوحتين وبِيَدٍ قادت الأخرى ثم قَطَّرَت في عينيها ، لم تسقط كل القطرات في عينيها إلا أن التهاب الملتحمة تراجع بسرعة بعد معالجة مواضِبة كهذه . . .