1
كانت المسافة، بلا ريب، الفكرة المسيلة للدّموع. دفع العربة فجرا من نهج الفتح إلى ساحة برشلونة. قطعة بلاستيك غليظة تغطّي الصّدر تحت المعطف البنيّ. الرّأس ملفوفة بزنّار أسود وأبيض يشبه اللّحفة. أولاد الجنوب يعرفون تاريخها. من يبلغ تاج النّخلة أوّلا يحصل على لحفة البريما وعرجون دقلة ويحظى بشرف فتح قلّة اللاّقمي وشرب الكأس الأولى. ليس عليه أن يحمل جسده إلى بيته بعد الشّرب، الجماعة تتكفّل بذلك. روح النّخلة ليس حراما. يا كريم. يا فتّاح. يا رزّاق. صحفة درع تردّ الصحّة.يوقف ميلاد عربته بجانب الكلتوسة. يثبّت عجلتيها بحجارتين يحتفظ بهما في صندوق الصوارد. يخرج الصّحاف البلّوريّة الصّغيرة. الملاعق. أواني السكّر و اللّوز المرحيّ و الحلوى الشّاميّة والسكنجبير. يأخذ السّطل. يملؤه ماء من المقهى. يضعه بجانبه. يفتح قارورة الغاز الصّغيرة النّائمة في الطابق السّفليّ من العربة ويشعل الموقد. تشغّل الحافلات محرّكاتها. يغدو أزيزها إيقاعه الدّاخليّ. يشرع في دندنة أغنية...يرفع غطاء القدر فتفوح رائحة السّحلب خفيفة أوّل الأمر ثمّ تغشى أنفاسه. ما تزال الفوانيس البلديّة مضاءة. يأخذ صحفة ويغطسها في الماء ثمّ يمسح يديه بمنشفة يجذبها من جيب معطفه. يسمع صوت نـور الدّين سائق الحافلة 18 .
يرفع الصّحفة من الماء. ينشّفها ويصبّ فيها قدح السّحلب. ملعقة لوز ونصف. ملعقة سكنجبير. ملعقتان من السكّر. يرشّ عليها قطرات من مـاء العطرشاء. يقطع المسافة التي تفصله عن الحافلة مردّدا:" نهارنا دقلة وحليب ". يأخذ نور الدين الصّحفة مصبّحا. يحرّكها بالملعقة ويشربها دفعة واحدة ثمّ يمدّها فارغة إلى ميلاد ويناوله الخمسمائة.
_ استفتح.
_ يا صباح الديزويت.
_ كأنّك زاهي.
_ سأزوره غدا. أعطاني العمدة التّصريح.
_ أحضرت القفّة؟
_ كلّ شيء خمسة زيت يا خويا نورا. الوالدة طارت من الفرحة.
_ ربّي يفكّ غلبته. سلّم لي عليه.
_ يبلغ.
ميلاد في الأربعين. يبدو في الخمسين. وجهه الرّصاصيّ بعينيه الغائرتين وأنفه الطّويل وفمه الصّغير يمنحه ملمحا حادّا وحزينا. عندما كان صغيرا أطلقت عليه مادام كوجي معلّمة الفرنسيّة اسم "بينوكيو" الدمية ذات الأنف الطويل فعلق به سنوات دراسته الابتدائية. اسمه ميلاد زرود. أصبح الجميع ينادونه" بينو" حتّى والده ووالدته تعوّدا على اسمه الجديد. هو لم يعارض. قبل الاسم الذي وجد فيه موسيقى تناسبه. لم يذهب ميلاد إلى الثانويّة لأنّه لم يجتز امتحان السيزيام. صار يعرف القراءة والكتابة والحساب. قال أبوه آنذاك. لم يعاود الذّهاب إلى المدرسة. صار قادرا على دفع عربة خضار أو غلال حسب الفصول. ودار الفرنك في يده. صار كفيل العائلة بعد موت أبيه، لذلك أعفي من الخدمة العسكريّة. لكنّه دفع للعمدة السلطاني الذي مات هو الآخر وخلفه في العمادة ابنه السّلطاني الصّغير. زوّج أختيه ودفع مصاريف أخيه الوحيد عزّ الدّين الذي تخرّج من الجامعة أستاذ فلسفة ولكنّه لم يجد عملا منذ أربع سنوات. أرسل عشرات المطالب بلا جدوى. المسالة تحبّ كتفا. و ميلاد لا يعرف كتفا يتوسّط لأخيه حتّى يحصل على شغل. عزّالدين يناديه "سيدي" ولكن يوم داهمت الشرطة بيتهم وأخذوه عاريا من فراشه ناداه "ميلاد" طالبا منه موافاته بملابسه إلى المركز. يومها غابت عربة ميلاد وصوته عن ساحة برشلونة. وقع الأمر بسرعة. لم يطرقوا الباب. قفزوا من فوق السّور. دفعوا أبواب البيوت الثلاثة. أحدهم جذب عنه الغطاء الصّوفي وأمسكه بكفّين كبيرتين من عنقه. وإذ اكتشف أنّه ليس الشخص المطلوب دفعه بقوّة سائلا بصوت كالنّباح عن مكان عزّ الدّين. لم يستطع ميلاد الكلام لحظتئذ فقد أفقدته المفاجأة صوابه. أبصرهم يجرّون أخاه جرّا. أحدهم ركله على بطنه شاتما عورة أمّه وسلالة سلالته... هكذا قال للشّيخ عبد الكبير الكاتب العموميّ الذي قصد مكتبه ليحرّر له شكوى... اكتب إنّهم أخطؤوا. والله عزّ الدّين بريء. اكتب إنّهم ضربوني بغير حقّ وأنّ عليهم إطلاق سراحه. هذا ليس عدلا. قولوا لي ماذا فعل وأنا سأربّيه. سأقطع عليه المصروف. سأطرده من البيت. لكن قولوا لي ما هي تهمته؟. الشّيخ عبد الكبير كتب ما أملاه ميلاد بالحرف ومدّ إليه الورقة الوزيري ليمضيها ثمّ وضعها في ملفّ أزرق كتب عليه " إلى السيّد المعتمد حفظه الله ". نهض بعد ذلك. أغلق باب مكتبه واتّجها معا إلى مبنى المعتمديّة حيث سلّما الرّسالة إلى الحاجب وقفلا عائدين. قال لهما عودا يوم الاثنين فالسيّد المعتمد يرتاح يوم السّبت والأحد و أضاف: " إن شاء الله لن يكون إلاّ الخير".
من أين يأتي الخير؟ سألت صالحة أمّ ميلاد. سرقوا كبدي ويقولون إن شاء الله خير. الدّنيا فسدت. الجيش بالضرب والهراوة وخلع الدّيار. حتّى في الاستعمار ما كان هكذا. يا ديني. بلغ الخبر الأختين ففزعتا. مرّت إحداهما على الأخرى وما أن انتصف النّهار حتّى امتلأ البيت بالأطفال وانقلب إلى مناحة. لم يجد ميلاد كلاما يجيب به أختيه. اكتفى بالقول إنّ الأمر لا يعود إلى جرم اقترفه أخوه بل هو خطأ سيزول ويعود عزّ الدّين قريبا. هذا يحصل دائما. سيكتشفون الحقيقة. سيعود بعد يومين أو ثلاثة.
مرّ أكثر من شهرين دون أن يسمعوا خبرا عنه. ثمّ قيل لهم إنّه في سجن الخليفة، سجن السّياسة والزّيارة ممنوعة قبل الحكم. حبس السياسة؟ قال ميلاد وهو يحكي لأصحابه في مقهى الحجّاج عند رحبة الخيل. من أين دخلت السّياسة دارنا؟ نحن أولاد باب الله. أكاد أجنّ يا جماعة. الولد مظلوم. أخي لم ينطق بكلمة عيب واحدة طول عمره. هل رأيتم عليه شيئا. لم يدخّن سيجارة في حياته. قالوا سياسة والحكاية خطيرة. أيّ عاقل يصدّق هذا؟ أقسم لكم أنّي لا أعرف اسم وزير واحد من الموجودين اليوم. هذي أمور لا تهمّنا. نحن قوم نجري وراء الخبزة. قال لي العمدة الحكومة تعرف أكثر منّا. حكومة من؟ كيف تعرف أخي أكثر منّي؟ ذاك ابني. أنا ربّيته بيديّ. أقول لهم ما يوجد في أمعائه إن شاءت الحكومة. يا والله عجب. لا أحد يعارض ميلاد. وما الفائدة؟ يعلّق عبد الله برغل بائع الخردة. ستحرق أعصابك. دع الأمر لصاحب الأمر. أخوك ليس الوحيد. سمعت بمائة مثله. باتوا وما أصبحوا كلّهم أولاد جامعة ومنهم موظّفون. هو سيحاكم على الأقلّ. وإذا كان بريئا سيخرج. أعمل ربّي في بالك وصلّ على النّببيء. يتنهّد ميلاد. يتشهّد. يرفع عينيه إلى الأعلى. يا ميلاد السّماء، ارحم ميلاد الأرض.
"الأرض العطشانة تعطي ثمرة ذبلانة". يعلّق عبد السّلام عامر. نحن نعيش على أرض عطشانة وجوعانة وبردانة. كيفما تكون أرضكم تكونوا. يقول الشّيخ عبد الكبير الذي خاب ظنّه في المعتمد. أقسم أمام الجماعة أنّه لن يكتب إليه ما دام على قيد الحياة. لم يأخذ بخاطري. كلّ شكوى كتبت فيها خطّا قضاها الله. لو يكتب المكتوب وأقابله وجها لوجه لأسمعته كلمات تبقى مخطوطة في جبينه الدّهر كلّه. كتبنا كلّ شيء. صحيح أم لا يا ميلاد؟ يحرّك ميلاد رأسه مؤيّدا. الحكاية أكبر من الكتابة. أكبر منكم كلّكم. يضع منصور الحشيش يديه على الطاولة ويدنو برأسه من ميلاد والشّيخ عبد الكبير خافضا صوته. التلفزة والجرائد تتحدّث عن شيء اسمه الإرهاب وتقول إنّ بلادنا فيها هذا الشّيء وإنّ الحكومة والشّرطة والدّنيا كلّها مصمّمة على قطع دابر هذا الإرهاب والعياذ بالله. و يقول لك إنّ هذا الشيء أخطر من المرض الخبيث عافانا وعافاكم الله، إذا ضرب في أرض أهلكها. لذلك يمسكون بكلّ من يشكّون فيه. والله أعلم يا أخي. ربّي يجيرنا من الرّهبة والرّهبان ويحسن العاقبة.
يقف ميلاد مصعوقا. أخذت عينه اليمنى ترتعش. اسمع يا سي منصور لو كان عزّ الدّين مريضا بهذا المرض لكنت أولّ من علم. صحّته والحمد للّه عال العال. أحسن منّي ومنك. من قال لهم إنّه مريض؟ من كشف عليه؟ الجنون؟ الملائكة؟ حضرتك؟ المعتمد ابن الكلب؟ الحكومة القحبة؟ والله لو لم تكن جاري لقلت إنّك معهم. يا ربّ ميلاد استرها. وضع لحفته على كتفه وغادر المكان. ناداه منصور. يا ولدي لم تفهم. تعال. لم أقصد... اعمل عقلك. التفت إلى الشيخ عبد الكبير. من قال إنّ عزّ الدين مريض؟ ميلاد لم يفهم قصدي. لا إله إلاّ الله. كيف أشرح له هذا؟ أنا أتحدّث عمّا تقوله الجرائد و التلفزة. والله عزّ الدين أعزّ من أبنائي. هل قلت إنّ عزّ الدين مريض؟ برحمة والديك يا شيخ عبد الكبير هل قلت؟ يا سيّدي كلّ واحد ورأيه. تعرف أنّه في حال لا يحسد عليها. روحه معلّقة في كلمة. أجاب الشيخ. والله لم أقصد يا رجال ورحمة أمّي...
هل كان حزنا أم كان غضبا؟ ربّما امتزجا حين تركا ميلاد متردّدا بين ما قاله منصور الحشيش وخوفه على صحّة أخيه عزّ الدّين. تربّع الحزن بين عينيه وانفرد الغضب بيديه فأخذتا ترتعشان وهو يبتعد عن مقهى الحجّاج بغير وجهة. ساعة مجنونة هي هذه التي سيقضيها وحيدا. تحرّك فمه دون أن يعطيه الإذن. اسمع يا ميلاد، دوّختك الحكاية. كيف ستتصرّف؟ لم يكن ينقصنا إلاّ حبس الخليفة وغضب الحكومة وسخرية الحشيش. من أين جاءتنا هذه البليّة؟ الواحد منّا لا يأخذ إلاّ ما كتب الله له. لكن لماذا يكتب الله لنا هذا ولم نذنب في حقّ أحد؟ أستغفر الله. أأضعت البوصلة يا ميلاد؟ قال لي إرهاب. وماذا لو كان مصابا بهذا المرض؟ أعوذ بالله المانع الستّار. ومتى كانت الحكومة تداوي النّاس؟ متى؟
منذ تلك الأمسية حقد ميلاد على منصور الحشيش. اعتبره شامتا وردّد أمام أكثر من واحد أنّه يعمل مع الحكومة سرّا. ورغم الوساطات التي وظّفها منصور لإعادة المياه إلى مجاريها أصرّ ميلاد على موقفه. جاءه عبد السّلام عامر إلى البيت بعد صلاة العشاء. أدخله ميلاد إلى الغرفة مرحّبا. أعاد عليه سرد حكاية هجوم الشرطة عليهم. كنت نائما هنا. انظر. شدّني من عنقي. رأيت العجب. انقطع نفسي. ثمّ رماني هنا. كان الباب مفتوحا فرأيت عزّ الدين معلّقا بين أيديهم. آه يا أخي. لا يحسّ الجمر إلاّ من يمسكه بيديه. حين ترى واحدا من اهلك في تلك الحال. أكثر من هذا. الوالد، الله يرحمه، أوصاني به. الأنثى، يطول الزمان أو يقصر وتذهب إلى بيت آخر. ولكن عزّ الدين ضعه في عينيك. وأنا لم أقصّر أبدا. يشهد عليّ ربّي. حتّى أنّي نسيت نفسي. الوالدة، الله يصبّرها، تقول لي إنّي لم أعد أصلح للزّواج. هي تعرف كلّ شيء... يسمعه عبد السلام دون أن يقاطعه. يحرّك رأسه بين الحين والآخر. و ميلاد الذي لم يكن يشكو من قبل رغم كلّ شيء، يكاد ينفجر. هذه المرّة وصل الأمر إلى درجة لم يعد يفيد معها الصّبر. كم يقاسي الحيّ. نسي الأيّام السّوداء، حين كانوا يفتكّون عربته بما فيها. قلنا لك ممنوع الانتصاب هنا بلا رخصة. البلاد صارت فوضى. كلّ واحد يصنع كرّوسة عند النجّار ويستعمر مكانا. هذه بلاد الحاكم وليست ملكا لسيّدي الوالد. هذا يبيع الحمّص والفول وذاك يبيع البسباس والخصّ والآخر يبيع اللّوز. ونحن نجري وراءكم. سنحجز العربة بما فيها. الحق بنا إلى مركز المنصف باي يتوسّل إليهم ميلاد بلا فائدة. يأخذون العربة. السّحلب يصدر بخّاره عاليا ... تسقط قطع النّقود على الأرض. ينحني ميلاد ليجمعها. أحدهم يركلها بقدمه شامتا.ينظر إليه ميلاد. ماذا بيني وبينك؟ عندي عائلة تنتظر الخبز. قطع الأرزاق حرام. يلقي ميلاد بجسده تحت الكلتوسة ناظرا إلى النّاس المتحلّقين حوله. يصيبه الدوار في كلّ مرّة يفتكّون فيها عربته. دوار غريب، يشعر عندها بيأس كبير يلفّه، فتسودّ الدّنيا أمام عينيه. كان ذلك قبل أن يفهم أنّ الجماعة تريده أن يدفع لهم مثل البقيّة. صار يطرح دينارين يوميّا، وفي آخر الشّهر يمرّ به أحدهم فيعطيه المعلوم مبتسما. أحيانا يضيف عليه ورقة بخمسة دنانير. حاميها حراميها. يكرّر في سرّه، لم يعد أحد يأخذ عربته. البلديّة لا تعطي رخصا لأمثاله. الشّرطة هي التي تتصرّف. والشرطة تقسم معه. والقسم على ربّي. المحطّة خالية بدونك يا ميلاد. يقول له النّوري نادل المقهى وهو يملأ له السّطل. ربّي يعينك... نسي ميلاد الرّافل. هكذا يسمّون هجوم رجال الشرطة على أصحاب العربات والفرش. نسي عدد المرّات التي وقف فيها أمام رئيس مركز المنصف باي، صاحب الرأس المثلّث. الذي يطلق عليه اسم الجدع. إنّه جدع والله. لا يفهم الحديث. لا يسمع ما يقال أصلا. يرى أنّه يأتي بعد الله مباشرة في تسيير شؤون الخلق. ادفع الخطيّة وخذ سلعتك. لا تكلّمني. المخالفة مخالفة. يطلب منه ميلاد أن يسامحه واعدا إيّاه بعدم العودة إلى صنيعه. لكنّه لا يسمع. الجدع لا يسمع إلاّ نفسه. يدفع ميلاد ويدخل إلى مخزن المحجوزات ويخلّص عربته. أحيانا تضيع القدر أو تضيع الصّحون. الله غالب. نحن لسنا حرّاسا لسلعة سيادتك. هيّا خذ بعضك وارحل. ويرحل ميلاد رافعا يديه إلى السّماء التي كانت لا تنظر إليه. تسمعه ولا تتدخّل لتساعده. لقد نسي كلّ ذلك. صار يدفع. والشرطة تحبّ من يدفع لها وتحميه. لكنّ الآن؟ عليه أن يفهم أنّ الشّرطة أنواع. كلّ واحدة واختصاصها.
نظر إليه عبد السلام. منصور الحشيش هو الذي طلب منّي أن أكلّمك. وها قد جئتك. تعرف أنّي لا أتدخّل في هذه الأمور. لكنّك قسوت عليه. والله أضمنه. لقد بكى أمامي. رأيت دموعه. أقسم لك.
من أدراه أنّ أخي مريض؟ أنا لا أطلب شيئا منه. أمّا كلام ربّي لا. لا يكلّمني ولا أكلّمه. ويوم يخرج عزّ الدين سأخبره بما قال ليهشّم رأسه. عندها سيعلم أنّه سليم. تربّينا معا. أكل معنا خبزا وملحا. أرضعته أمّي ذاك الخنزير. كان سيموت لو لم يجد حليبها. قل له ابعد مرّة واحدة. أنا لم أخبرها إلى اليوم. أخاف عليها من الصّدمة. سيّدي ابن آدم لا أمان. سيتذكّر كلامه ذات يوم. اقترب منه عبد السّلام وأمسك بقبضتيه. اسمعني ثمّ احكم. أنت لم تفهم ما قاله أصلا. هو لم يقل إنّ أخاك مريض. لا قالها. عارض ميلاد. كنتم شهودا. ذكر مرضا خطيرا. أنا أسمع بأذنيّ. تركت المقهى لأمنع نفسي عن ضربه. اهدأ يا ميلاد واسمعني أرجوك. يا سيّدي قالها لكنّه لا يقصد مرضا كالكوليرا أو الجرب أو غيرهما، قال الإرهاب. نعم، هو ذاك. صاح ميلاد. لماذا ينكر إذن؟ قل له كن رجلا وتمسّك برأيك. وماذا فهمت أنت من كلمة إرهاب؟ مرض؟ أليس كذلك؟ هو يعني ما تقوله التلفزة والجرائد. القتل والجرائم والحرائق والهدم والتفجير والسّلاح وكلّ شيء يقتل النّاس. الإرهاب يعني كلّ هذا. ومنصور الحشيش أخبرنا بما سمع وما قرأ. تعرف أنّه لا يترك سطرا واحدا من الجريدة إلاّ ويقرؤه. هذا ليس جديدا عليك. قال لي إنّه يخاف أن يكـون عزّالدين متّهما ظلما طبعا بشيء من هذا. هو يعرف أنّ الدّولة لا تقبل من يعارضها. أنسيت الماضي يـا ميلاد؟ أ تحبّ أن أذكّرك؟ أنسيت الرصاص يلعلع والموتى والجرحى والبوليس والخبزة واليقظة وجماعتها وما عملوه في النّاس؟ أين ولد خليفة الصبابطي و جماعة السفارة و زوج حبيبة الساحلية وتلك العائلة التي كانت تسكن في دار الجريبي وغيرهم وغيرهم. أنت تعرف أكثر منّي. وقف ميلاد دون أن يرفع عينيه عن صديقه. الحكاية ليست مرضا إذن. بل أكبر من المرض. لكنّ أخي لم يقتل أحدا ولم يفجّر شيئا. ولم يمسك سكّينا حتّى. صرت أكثر خوفا عليه الآن. قل له يفسّر كلامه مستقبلا. أنا لا أفهم كلام الجرائد ولا أحبّ التلفزة. ولكن كيف عرفوا أنّ أخي مورّط في مثل هذه الأعمال؟ هل رأوه؟ هل لديهم دليل؟ هل قبضوا عليه متلبّسا؟ هل وشى به قوّاد من القوّادة؟ طيّب يا سيّدي. قل له سقطت الكفّ على ظلّها. نسيت الحكاية. لكن عليه أن يعرف ماذا يخرج من فمه وإلاّ هدّمته له. الله الله عليك. هكذا تكون ميلاد الذي أعرفه. سيفرحه هذا الكلام. وسيعتذر لك بنفسه غدا. دعني أذهب الآن.
لم يقتنع ميلاد بما قاله عبد السّلام. في الحقيقة لم يقتنع بكلام منصور الحشيش. رأى أنّه يحاول خداعه. لذلك سأل نور الدين سائق الحافلة في الغد. حمل إليه صحفة السّحلب وطلب منه أن يفسّر له معنى كلمة إرهاب.استمع إلى شرحه بانتباه. واقتنع. لم يأخذ ثمن الصحفة. هي من عندي. قال له. ورحمة أبي لن تدفع اليوم ملّيما. بالشّفاء والهناء.
لكن ميلاد لم يصفح تماما عن منصور الحشيش. شاهد ميلاد النقطة السّوداء بينهما وتابعها تتمدّد يمنة ويسرة وتتوسّع لتصنع جدارا هائلا ارتفع دفعة واحدة وفصلهما الواحد عن الآخر. لذلك لم يشعر حين احتضنه في مقهى الحجّاج بعد يومين من زيارة عبد السلام بما كان يشعر به قبل أن يسمع كلمة الإرهاب. و أحسّ الحشيش بنفس الشيء فأخذ يثرثر والجماعة تنظر إليه مخافة أن ينطق بما لا يروق لميلاد الذي سرح بخياله ساعتها بعيدا...
إنّه هو وسط رافل كبير. لكنّهم لم يأخذوا سلعته هذه المرّة، بل أخذوا كبده. أخذوا ابنه الذي يتباهى به. أخذوا الغالي الذي رفع رأسه وسط النّاس. أخذوا الفيلسوف الذي لا يلحق كبيرهم إلى إصبعه الصّغير. آلاف الأصوات اخترقت سمعه. آلاف الصّور هاجمت ذهنه. في كلّ صوت أنّة. في كلّ صورة دمعة. لكن لا. عزّ الدّين لا. سيخرج من حبس الخليفة ويرجع إلي حضني وحضن أمّه.