2

5 0 00

2

نزولا من نهج الحرير، باتّجاه بطحاء سيدي سالم، تنزلق الخطوات. أصوات مندفعة من الجدران المتقابلة. أضواء ملفوفة بحمرة قديمة، هنا وهناك، الخيوط المشدودة في أطراف مسامير معقوفة الرؤوس ترتخي الواحد تلو الآخر. لقد تعوّد رؤية الدكاكين المغلقة لكنّ اليوم بدا وكأنّه يراها للمرّة الأولى. كان يمكن أن يسلك طريقا مختصرة.وجد نفسه مدفوعا إلى تلك المساحة العاتمة التي يعبرها كلّ يوم. هي أنسب للعربة. طار النّوم قبل أوانه.هو لم ينم في الحقيقة. تقلّب اللّيل في فراشه. وحين سمع خطوات الصالحة أمّه أنزل قدميه على الأرض. سيزور عزّ الدّين اليوم. ترك أمّه تعدّ ما سيأخذه إليه في القفّة وغادر البيت. حلفت يمينا معطّرا بدموعها أن تحضر له خبز الطابونة. عجنته من اللّيل. سيصبح مفوّجا، خبزته فوّاحة. ولدي حرموه حتّى من خبيزة سخونة. ربّي يهلكهم. منذ أن حبسوا عزّ الدين صارت تتكلّم وحدها. الله يرحمك يا سي مصطفى. قلتها. أبوك على بركة عظيمة. الولد هذا الخير بين يديه، أمّا إن شاء الله يبعد عنه أولاد الحرام. هم أولاد الحرام أخذوه من النّوم. خرج ميلاد ليأتي بالسيّارة. سيّارة ولد الزّعبي. اتّفقا أن ينتظره في المقهى. أوصل الوالد إلى السّوق وآتيك قبل الثامنة. كن مطمئنّا. سلّم لي على أمّي صالحة.

خميّس الزعبي تقدّم لخطبة دليلة أخت ميلاد فرفضت. قالت إنّه يشرب. لم يغضب من ردّها. ربّي يسهّل لها. تزوّج عمدونية. بنت حلال. أنجبت له ثلاثة أولاد. دليلة تزوّجت بعد سنة من خطبتها. زوجها يخدم باللّيل. لا يزور دار أنسابه إلاّ نادرا. ظروف يا ميلاد. إن شاء الله في العيد نزوركم. من مكانه في مقهى المركاض يشرف ميلاد على الرّحبة. كانت ملكا للباي. يا سيدي مرحبا. قال له الباهي النّادل، وهو يصافحه. عندك مدّة يا رجل. ما الذي ذكّرك بنا؟ عندي موعد مع خميّس ولد الزّعبي. أعطني قهوة. قهوة إكسبراس لولد باب الجديد. يصيح الباهي وهو يبتعد. تذكّر ميلاد والده. كان يجلس في ذاك الرّكن المحاذي لدكّان الجبري. يتبادلان الحكايات الخضراء. لعلّهما يواصلان سرد حكاياتهما هناك. الجبري كان يبيع القمح والشّعير والبقول الجافّة. مات قبل أبيه بسنة أو أقلّ. لم يتزوّج ولم ينجب أبناءً. بيته كان يحاذي الدكّان وبينهما معبر صغير. منه يدخل ويخرج ومنه تمرّ النّسوة. يأتين من الأبعاد. ربّي أعطاني القبول. لو تزوّجت لما كان لي كلّ هذا الخير. ميلاد يتذكّره جيّدا. كان يحرس له الدكّان في تلك الأوقات و يعطيه ثمن فطيرة بالعسل. كان أبوه ينصب عربته المملوءة بالخضر في الجهة المقابلة. طماطم وفلفل وبطاطا ومعدنوس وسلق و كلافس وبصل وقرع. وقت الجلبانة جلبانة. ووقت العنب عنب. ووقت الدلّاع دلاّع.كان ينظر إلى حيث كان والده يقف بجسده الطويل مرتديا بلوزة شخماء وعلى رأسه الكبّوس والزنّار وصوته يلعلع. يمدح البطاطا. يا لنديزا يا بطاطا. يمدح الطماطم. خدّ الوردة يا طمطومة. يمدح العنب. يا عنيبة راك زبيب والزوّالي كلاه الذّيب يخلف على صطوفة واش يجيب. كان اسمه مصطفى. كان ميلاد يساعده عند العودة من المدرسة. يقف في مكانه بينما يذهب هو إلى الجامع أو يجلس مع الجبري يشربان الشاي المنعنع ويرفعان ضحكاتهما إلى السماء. من مكانه وراء العربة، كان ميلاد الصّغير يسمع تلك الضّحكات فيضحك هو بدوره بصوت عال. الله يرحمه تمتم ومسح وجهه بكمّ معطفه. وضع الباهي القهوة على الطاولة وجلس قبالته سائلا. قالوا لي عزّ الدّين مشدود. لم أصدّقهم. الحكاية صحيحة؟ إيه صحيحة. لم يفعل شيئا. اليوم أزوره. ربّي يظهّر الحقّ. من فمك إلى باب ربّي يا باهي. نهض الباهي وتركه. كان يشعر بفرح رغم كلّ شيء. مرّت خمسة أشهر لم ير فيها أخاه. واليوم سيقابله. لا يهمّ. قال في سرّه، وكأنّه يصبّر نفسه. الحبس للرّجال. والرّجال أكلهم الحبس.