3

5 0 00

3

الرّأس ملقاة على الرّكبتين في شبه ارتخاء. لم يكن داخل المكان. المكان ذاته لم يكن هناك. لعلّها المسافة. هي التي هيّأت كلّ شيء فكان. سقوط في الحلم يتلوه سقوط في الحلم يتلوه سقوط في الحلم يتلوه سقوط من سرير لا وجود له خارج الحلم. و مع ذلك بدا كلّ شيء حقيقيّا وقابلا للتّصديق كما لو أنّ كتابا انفتح فجأة و خرجت منه أصوات الحمقى القابعين فيه منذ أعوام.

الغرفة مربّع بلا زوايا لأنّ عيني الرّأس الملقاة على ركبتين صارتا لا تميّزان بين الاستقامة والاعوجاج. هي مجرّد دوائر. كلّها دوائر و إن بدت فيها خطوط مستقيمة. بعد الشهر الأوّل من دخول هذه الغرفة لم تعد زواياها زوايا. تغيّرت تدريجيّا. صار من الممكن قيس قطر المكان. هو لا يفعل شيئا منذ جاؤوا به إلاّ قيس الأقطار ثمّ قسمة كلّ منها على اثنين ليجد قيس الشعاع. هي أربع خطوات لا غير دون مدّ للخطوة مبالغ فيه أو تقصير.

مكوّما كما هو، كتلة جاهزة للانفجار ، لم يعد يهتمّ بنزول الأفكار المنسكبة من السّقف في شكل كتل دهنية. لعلّها كانت كتل رصاص. يظلّ يطرق السّمع منتظرا أن يسمع صوت ارتطامها على رأسه ذات الجبين الباروديّ. يظلّ يطرق السّمع دون أن تفاجئه فرقعة أو دويّ. لعلّ رطوبة الغرفة أفسدت معدن جبينه. صار جبينه جبنة يمكن لأيّ فأر أن يقضم منها قطعة وينسحب في هدوء نحو جحره هنا أو هناك في محيط تلك الدّائرة التي صار قيس شعاعها خطوة واحدة.

يضع عزّ الدين احتمالا واحدا بين جبينه وركبتيه و ينهمك في الضّغط عليه بأقصى ما تملك الرّأس من قوّة وبأقصى ما تملك الرّكبتان من قوّة. سترتفع الجدران دفعة واحدة ويخرج. الاحتمال الذي صار رقيقا جدّا بفعل القوّتين المسلّطتين عليه بات غير قادر على الصّمود أكثر، لذلك تحوّل إلى ذكرى احتمال. فالجدران هي الجدران و إن صارت دائريّة. الجدران هي الجدران و إن ارتخت الرّأس و اتّسعت زاوية الرّكبتين.

بمرور الأشهر الخمسة لم تعد الرّكبتان قادرتين على حمل الرأس المرتخية فاتّسعت المسافة بينهما وانسحب الاحتمال الوحيد تاركا الجسد المكوّم يُنبت احتمالا جديدا. الاحتمال الجديد مغلّف بالحمّى والهذيان. الهذيان متواصل لا يقطعه سوى صوت الباب تُرفع فتحته السفلية لتمتدّ منها يد ووعاء بلاستيكيّ أحمر فيه طعام بنيّ. الطّعام البنيّ يصدر بخارا أصفر يصعد في فضاء الغرفة كتلا من الرّؤى سرعان ما تمحوها الرّطوبة ويأتي عليها الجوع. الجوع في الغرفة الدّائرية سيّد تمّحي بقدومه جميع الأحاسيس. الأحاسيس المتروكة عند مركز الدّائرة تنتصب عمودا يشدّ السّقف الذي يهمّ بالسقوط فتمنعه أرواح تدعو سرّا إلها ينظر في قلق نحو الهاوية المنصوبة فخّا أنيقا يقع فيه الحمقى الحالمون. الحمقى الحالمون لا ينامون نوما كاملا ولا يصحون صحوا كاملا. الصّحو الكامل عاهة مستديمة تصيب البشر فتأتي على أحلامهم.

لم يكن ذاك صوته قادما من شفتيه أو من أعماقه. كان صوت "السيّد" حين ضمّه أوّل مرّة إلى صدره ضمّة جعلته قادرا على قراءة أحلامه وتفسيرها. بل واستحضارها من تاريخه الشّخصيّ ثمّ إعادة صياغتها كما لو كانت نصّا يكتبه أو يوحى إليه بلغة لا يفهمها غيره.

كان "السيّدُ" جالسا يفترش حشيّة صغيرة في ركن معتم من غرفة ممتدّة داخل تلك الدّار التي زارها قبل عامين. لم تدم الزيّارة أكثر من دقائق قليلة. كانت دقائق نافرة من توقيت الكون. خرج منها عزّالدّين ممتلئا بالأحلام، قادرا على رفع ثقل المجرّات دون جهد، يمشي فتتبعه خيالات يحرسنه، يتوقّف فيرتفعن عن الأرض قليلا يظلّلن مكانه.

_ و من كان "السيّد"؟

_سأحدّثك عنه.

حين التفت عزّالدّين ناحية القوس الأندلسي قرب مقام سيدي حسن المغربي، لم يكن ينتظر أن تقوده تلك الالتفاتة إلى "السيّد" صاحب الاسم المحصّن. التفاتة عفوية تابع خلالها بعض المارّة ثمّ استدار مواصلا سيره الحثيث نحو القصبة حيث تعوّد الجلوس في ساحة العسكر. لحظتها أبصر رشيدا يعبر القوس الأيمن قادما نحوه. وإذ ارتسمت صورته في ذهنه التفت من جديد وتوقّف ينتظره مبتسما. كان رشيد قد وعده بزيارة "السيّد" ذات يوم. وحين يسأله عزّالدين متى يجيء ذاك اليوم يجيب رشيد عندما يأذن "السيّد". يومها أعلمه بأنّ الزيّارة قد فتحت له وأنّه مرحّب به فلم يتردّد في أن يطلب من رشيد مرافقته في الحين دون تأخير، فكان له ذلك. دخل دار "السيّد" وضمّه تلك الضمّة. وكان آخر ما سمعه منه " الصّحو الكامل عاهة مستديمة تصيب البشر فتأتي على أحلامهم". فاقرأ أحلامك الآن قبل فوات الأوان.

ما كان لعزّالدّين أن يسأل "السيّد" كيف يقرأ أحلامه بل إنّه لم ينطق بكلمة بعد السّلام. اكتفى بالإنصات ثمّ غادر الرّكن المعتم والتحق برشيد الذي كان واقفا بالباب في انتظاره. قضّى ساعات المساء بصحبته، وكان أوّل ما سأله: كيف أقرأ أحلامي؟ فأجاب رشيد: صرت قادرا على ذلك الآن، فلا تقلق. لم يترك رشيد عزّالدين إلاّ وقد شرح له ما يجب شرحه مؤجّلا ما لا يجب إلى وقت لاحق. لم يطل انتظار عزّالدين. حان الوقت. صار واحدا من الذين يقفون عند باب "السيّد". يعرف ما تجب معرفته. يشرح ما يجب شرحه ويؤجّل ما يجب تأجيله. بل إنّه صاحب "السيّد" في مهمّات خارج العاصمة. "السيّد" يحدّثه أحيانا ويطلب منه أن يدوّن الرّسائل ويوصلها بنفسه إلى أصحاب الأسماء المحجوبة وأصحاب الأسماء الظاهرة، حتّى أنّه كتب رسالة إلى القائم الأعلى وسلّمها إليه يدا بيد. القائم الأعلى لا يتكلّم مع أحد، لكنّه تحادث معه و سمع منه ما يجب أن يسمعه و ضمّه إليه مرّتين، الأولى عندما دخل عليه، والثانية بعدما أقسم عزّالدين القسم الأكبر بين يديه. يومها اكتشف أنّه امتلك ما يجب امتلاكه من قدرات تؤهّله لرؤية ما يشاء من الأحلام, يكفي أن يطلب الحلم الذي يريد رؤيته في المنام فيراه.

طوال الشهور الخمسة التي قضاها عزّالدين داخل تلك الغرفة، لم يفكّر لحظة في أحلامه فلم ير حلما واحدا في نوم. لقد تمثّل "السيّد" يدخل عليه خلوته و يبشّره بمقام أرفع ويحذّره من طلب الحلم ففي ذاك تصاغر نفس وطمع لا يليق به. ستحلم بعد السّجن فاصبر.

الصّبر الذي كان يخبّئه عزّالدين داخله ويغلّفه بلفافة من التجهّم كي لا يلاحظ وجوده الحرّاس شرع يتزحزح يوما بعد يوم ويحاول تمزيق لفافته، ينقرها بمنقاره ساعات النّهار وإذ يأتي الليل و يهمّ عز الدّين بطلب حلم من الأحلام، يضمّ الصّبر منقاره وينسحب بهدوء داخل مغلقه. إنّه يخشى الحلم. ماذا لو استحلم ما يبزره لأوّل ناظر له؟

ماذا لو عنّ لعزّ الدين أن يحلم بالحريّة؟ ذلك يعني أنّه تخلّص من صبره نهائيا. سيكون على الصّبر أن يختفي فلا يعود إليه أبدا.

- لم أفهم.

- أحسن.