4
تدور عجلتا عربة ميلاد دورانا رتيبا يصنع إيقاعا لحركات جسده وهو يمسك بالمقودين الخشبيين بكلتا يديه محاذرا الحفر والنتوءات ساكنة الطريق التي حفظتها ذاكرته. هي ذات الذّاكرة التي كانت لأبيه من قبله. أورثه إيّاها قصرا.
لا شيء يسقط من ذاكرته و إن كان بسيطا. أطنان من الأحداث مرميّة دون نظام. يعرف ميلاد أدقّ تفاصيلها ويعرف الخيوط الرّابطة بينها فكأنّما هي نسيج دقيق الصّنع حاكته أصابعه.
مات مصطفى زرود عند الانعطاف الأخير، قبل خطوات من بلوغ ساحة عثمان داي. قتلته ذاكرته التي لم يعد قادرا على حملها فانهار تحتها وتناثرت بقايا اللّنديزا والطّماطم خدود الصبايا والفلفل المسكي... وحمل الهواء البارد ذاكرته بهدوء مخترقا الأزقّة والأنهج إلى أن بلغ رحبة الشمّاعين حيث يقف ميلاد أمام عربته وألقى له ذاكرة والده دون أن ينقص منها شيء فتلقّفها الفتى ووضعها بجانب ذاكرته فصارت له ذاكرتان.
ارتعش ذو الذّاكرتين مستشعرا فقد أبيه، لذلك تناول قطعة البلاستيك الزرقاء المخفية في درج العربة وغطّى بها أكداس الخضر أمامه ثمّ أمسك بالمقودين الخشبيين وقفل عائدا في غير موعده.
لم يكن دوران عجلتي العربة في ذلك اليوم رتيبا. كان بلا إيقاع.
- لو كانت لديّ دموع لبكيت.
- ميلاد نفسه لم يبك. لم تبرح دمعة واحدة عينيه. كان يدّخر دمعه ليوم سيأتي بعد أعوام. لذلك ابصر ضفادع كثيرة في المقبرة. ضفادع بحجم الكفّ كانت تخرج من بين الأعشاب ومن شقوق القبور وتنطلق قافزة بين أقدام المشيّعين. ضفادع رماديّة و حمراء ظلّت تقفز من الأرض مصدرة نقيقا شبيها بالعواء. وحده ميلاد كان يبصرها ويسمع أصواتها. تلك الأصوات هي ذاتها التي سمعها حين داهم رجال البوليس منزلهم واختطفوا أخاه عزّ الدّين أمام عينيه عاريا ومقيّدا. يومها بكى حتّى ملأ الدّمع غرفته وأغرق العالم في ملوحة معتّقة.
- والضّفادع؟
- أيّ ضفادع؟
ميلاد لا يحبّ أن تستيقظ الشّمس قبله. عادة يسبقها ويظلّ جالسا في وسط الدّار ينتظرها. حين تلتحق به الشّمس يكون هو قد أحضر عربته وأفطر وشمّ رائحة النّهار الجديد وتذكّر حدثا أو حدثين. مرّة يستلّه من ذاكرته وأخرى ينساب إليه من ذاكرة والده. عندها ينظر إليها ويبتسم لها فترافقه إلى خارج الدّار. هو يدفع العربة ممسكا بالمقودين محاذرا الحفر وهي تدفع بقايا الظّلام. تختفي عنه حينا ثمّ تعود إليه حينا آخر حتّى إذا ما بلغ مكان انتصابه بجانب الكلتوسة وراح يثبت عجلتي العربة بحجارة ويخرج الصّحاف البلّورية الصّغيرة والملاعق وأواني السكّر واللوز المرحي والحلوى الشامية، انشغلت عنه وانصرفت إلى شأنها مغنّية أغنية دافئة.
- والضّفادع؟
- مالك والضّفادع؟
أحبّ أن أذكّرك بأنّ منصور الحشيش أخو ميلاد من الرّضاعة لذلك ينادي صالحة أمّ ميلاد أمّي. ماتت أمّه بعد ولادته بأسبوع واحد. قالوا قتلها قطّوس النفاس. حمله أبوه قطعة لحم تبكي وسلّمه إلى صالحة جارة الساس لإرضاعه فلم تبخل. لذلك حزّ في نفس ميلاد أن يسمع منه ذاك الكلام حتّى وإن أساء فهمه.
ميلاد لا يحبّ التلفزيون تماما كوالده ولا يحبّ الرّاديو ولا يحب الجرائد ولا يحبّ من يثرثر. تعلّم الصّمت من عربته، تظلّ واقفة دون أن تنبس ببنت خشبة إلى أن يأمرها بالعودة إلى البيت فتطيعه. لا يجب أن نعدّ ما تصدره من أزيز أو قزقزة أو صرير كلاما، فذاك من أصل تكوّنها. ينبع من عنصرها. يحبّ ميلاد عربته حبّا لا يمكن لي الحديث عنه الآن، ولعلّ حبّها هو الذي منعه من أن يحبّ أنثى غيرها. حتّى عزّة.
_ عزة؟
_ نعم عزّة.
هو يحبّها ولكن ليس بالقدر الذي يحبّ به عربته. ذات يوم، إن صرت قادرة على التمييز بين أشكال الحبّ سأحدّثك عنها.
_ عن العربة؟
_ لا عن عزّة.
لا يمكن القول إنّ ميلاد غيّر عربته. ففي كلّ مرّة يصنع واحدة جديدة يحتفظ فيها بجزء من القديمة. العارضتان الجانبيّتان هما الأقرب إلي التلف. المقودان الخشبيان يصمدان أكثر من الرّكيزتين القصيرتين اللّتين تشاركان العجلتين في تحمّل ثقل العربة والبضائع. الواجهة الأماميّة لا تحتاج إلى تغيير، يكتفي ميلاد بتجديد طلائها محتفظا بذات الكتابة " توكّلت على الله ". خطّها أبوه. أبوه مصطفى يحسن القراءة والكتابة. هل قلت لك ذلك؟
- لا.؟
- كان أصغر إخوته. تعلّم مع الفرنسيين وحفظ أحزابا من القرآن. أبوه، أعني جدّ ميلاد قضّى الأربعين سنة الأخيرة من عمره جنّانا في مدرسة ابتدائية. كان اسمه البحري أولاد عيسى. المدرسة كانت في حاجة إلى من يرعى حديقتها فشاء حظّه أن يكون هو من سيرعاها. عندما سأله المدير السيّد فيليب لافوان عن اسمه لم يفهمه، استعان بأحد الجندرمة ممّن تعلّموا بعضا من العربية وأجابه. كان لقبه صعبا في نطقه بالنّسبة إليهم فغيّروه، وضعوا مكان أولاد عيسى "زرود" وهو اسم الوادي الذي يحاذي قرية البحري "أولاد عيسى" فصار الكلّ ينادونه "باري زرود" أو "بيزود" هكذا. مصطفى ابنه تعلّم مع أولاد الفرنسيس لغتهم. كان كثيرا ما يجلس معهم ويتحدّث إليهم وكأنّه واحد منهم غير أنّه لم يدخل قاعة قسم إلاّ ليساعد الحارس على تنظيفها وحمل أكياس القمامة. كان البحري في الخامسة والعشرين حين بدأ العمل في المدرسة. تزوّج بعدها بخمس سنوات وأنجب ثلاثة أولاد، عبد الله الذي يحمل اسم والده والصّحبي الذي يحمل اسم عمّه ومصطفى. كانت أمّه من اختارت الاسم فلم يعارض البحري. أنا لم أحدّثك عن عبد الله والصّحبي؟
- لا.
- عبد الله مات في الحرب و الصّحبي كذلك. كلاهما مات والبندقية في يديه والخوذة على رأسه. زوجة البحري كان اسمها خميسة ماتت حزنا عليهما. قبل أن يضعوها داخل قبرها أبصر البحري عشرات الضفادع تخرج من الحفرة وسمع نقيقها. كان شبيها بالعواء.
- ضفادع؟
- نعم ضفادع. ضفادع رمادية وبنّية ظلّت تتقافز أمامه فيما كان هو يمسك بكتفي ابنه مصطفى الذي أبصرها هو أيضا وخزّن مشهدها في ذاكرته. ويوم مات عند الانعطاف الأخير قبل خطوات من بلوغ ساحة عثمان داي، أخذ الهواء البارد تلك الذاكرة محمّلة بالضفادع وألقى بها إلى ابنه ميلاد الذي تلقّاها ووضعها بجانب ذاكرته.
- فصارت له ذاكرتان؟
- نعم صارت له ذاكرتان.
- و عزّة؟
- عزّة حين تكون بين أحضان ميلاد تناديه "بابا" وتخدش ظهره بأظافرها وتلتفّ به التفافا غريبا حتّى أنّه يعجز عن إبعادها عنه إلاّ حين تهدأ، عندها ينسحب من الفراش وتنخرط هي في البكاء.
حين رآها تبكي في المرّة الأولى، دنا منها وسألها عن سبب بكائها فلم تجبه. دفعته بكفّيها حتّى كاد يسقط. وابتعد عنها أيّاما حتّى أنّه قرّر قطع علاقته بها. ولكنّها ظهرت من جديد. جاءت إلى الكلتوسة وابتسمت له. كانت ابتسامة برائحة الإكليل. ابتسم لها وأخذ حزمة الإكليل من يدها ووضعها في درج العربة. عندما نزل ظلام ذلك اليوم ذهب إليها. كانت في انتظاره شهيّة كابتسامتها. قالت له "بابا" وخدشت ظهره بأظافرها ثمّ التفّت به التفافا غريبا حتّى أنّه عجز عن إبعادها عنه إلاّ حين هدأت. عندها انسحب من الفراش وراح يرتدي ثيابه فيما كانت هي منكمشة تبكي.
- عزّة تبكي؟
- نعم عزّة تبكي.
ميلاد لا يعرف لماذا تبكي عزّة، ولا يعرف لماذا تناديه "بابا" ولماذا تخدش ظهره. ولو سألها لما أجابته فهي لا تعرف أيضا. ولا تسأليني فأنا لا أعرف بدوري.
الحاصل أنّ ميلاد يحبّ عزّة ولكنّه يحبّ عربته أكثر. أوّلا لأنّ العربة هي التي كانت سببا في لقائه بعزّة. أنا أقول لك هي السبب. تسكن عزّة مع أختها جليلة في بيتها بنهج الفاسي. أختها جليلة لا تتكلّم ولا تسمع ولا تقدر على تحريك أيّ عضو من أعضائها. عزّة تتكلّم مكانها وتسمع بدلا عنها وتقوم على حياتها في كلّ كبيرة وصغيرة، ولولاها لا أدري ما كان سيحدث معها وهي على حالتها تلك. قبل أقلّ من عامين كانت جليلة في صحّتها، تعيش مع زوجها وابنيها وفجأة ، أوب... فقدت كلّ شيء في أغبى حادث سيّارة ممكن. سأروي لك كيف وقع الحادث واحكمي بنفسك، وأنا لا أزيد كلمة. زوجها اشترى سيّارة. كان يعمل في حراسة الغابات، سيّارة على قدّ الحال، إنّما لا بأس بها، وطلبت منه ذلك الطلب الذي خطر ببالها " خذنا إلى الغابة حيث تعمل". لم يكن طلبها لرغبة في رؤية الغابة ولكن لتختبر خاطرها عند زوجها فلم يرفض. ركبت إلى جانبه والطفلان في الخلف. في ذلك الوقت لم تكن عزّة تسكن معهم. جاءت بعد الحادث لتزور أختها في المستشفى فلم تفارقها مذّاك.
كانت السيّارة تسير بشكل طبيــــــعيّ وهي تصـــــــــعد مرتفع "الرّحايات" في طريق مدينة باجة ولا أدري أيّ عطب أصابها. كانت تصعد إلى الأعلى فصارت تسير إلى الخلف في منحدر حادّ. تضاعفت سرعتها ولم يستطع زوج جليلة إيقافها. الفرامل، هكذا قالوا. وطارت السيّارة في الهواء ثمّ حطّت في عمق هاوية وقد عجنت عجنا فلم يخرج منها حيّا غير جليلة. ومن يومها وهي تزداد ضمورا وتفقد شيئا فشيئا جسدها وحواسها. كتلة من العظام نجتهد عزّة لإبقائها على قيد الحياة دون أن تشكو أو تتذمّر.
سأقول لك شيئا لن تصدّقيه. ميلاد لم ير جليلة أبدا. هو يعرف أنّها موجودة في ذلك البيت الذي يزوره مرّة أو مرّتين أسبوعيّا ولكنّه لم يرها ولم يسمع صوتها ولم يشعر حتّى بوجودها. أحيانا كثيرة يفكّر فيها ولكنّه لم يطلب رؤيتها. عزّة لم تطلب منه ذلك. تكتفي بإشارة صغيرة من رأسها فيفهم منها أنّها نائمة في الغرفة المجاورة لذلك لا يتكلّم حين يكون مع عزّة إلاّ همسا.
قلت لك العربة هي السبب. نعم هي السبب. خرجت عزّة لتشتري خضرا من سوق باب الفلّة فأبصرت ميلاد يدفع عربته وعليها ما تطلب فأوقفته واقتنت حاجتها فأوفى لها في الميزان وتركها تختار على هواها وهو ينظر إليها. الحقيقة أنّها أعجبته وتمنّى لو تظلّ واقفة على عربته تختار. لو أخذت بضاعته كلّها ولم تدفع له غير تلك الابتسامة التي ودّعته بها لما عارض. هي أيضا حين مدّت إليه النّقود نظرت في عينيه فحدث شيء. اختفت العربة فجأة وكان لابدّ أن تغيب عزّة عن عينيه حتّى تظهر العربة من جديد وعلى أخشابها تتململ الخضر كما لو أنّها أحسّت بما انتاب صاحبها حينها.
- وعزّة؟
- عزّة لم تنم ليلتها كما كانت تنام. وجه ميلاد الذي انطبع في ذاكرتها منعها من إغماض عينيها. نامي يا عزّة...نامي ياعزّة. لا نوم ولا هم يحزنون. نهضت في عزّ الليل ودخلت المطبخ. تناولت حبّات الطماطم وأخذت تلعب بها. نعم تلعب. أخرجت الفلفل من الكيس البلاستيكي الأسود ومرّرت أناملها عليه. قشّرت الفول الأخضر دون أن تشعر. وضعت كلّ الخضر التي اشترتها من ميلاد على الطاولة كومة، كومة. ثمّ كوّمتها كومة كبيرة وراحت تتأمّلها كأنّها لم تبصر خضرا من قبل ثمّ نامت نوما متقطّعا يشبه نوم الدّيك. كانت أمّي تقول لنا "نوم السراديك".
- وميلاد؟
- ميلاد هو الدّيك الأكثر حذرا في الدّيوك. قبل أن يداهموا بيتهم ويأخذوا عزّالدين لم يكن يفيق من نومه إلاّ نادرا، وبعد أن انطبع مشهد أخيه مرفوعا بين أيديهم كخروف يعدّ للسلخ صار ديكا. أحيانا يخرج من البيت ويهيم في الأزقّة والأنهج. مرّة نام عند قبر أبيه في الجلاّز. ليلتها أقسم أنه سينتقم .
- ممّن؟
- أقسم على الانتقام فحسب. لم يفكّر ممّن. فيما بعد عرف غريمه. السيّد صاحب الاسم المحصّن شرح له كلّ شيء وأعطاه المفاتيح.
- مفاتيح ماذا؟
- مفاتيح الحقيقة.
- كم من مفتاح؟
- ليس لها عدد. كيف أقول لك؟ السيّد صاحب الاسم المحصّن فتح ذهنه وفسّر له ما يجري. ميلاد لم يفهم كما ينبغي ولكنّه أحبّ السيّد وصدّق كلامه.
- ماذا قال له؟
- لم أكن حاضرا معهما. لكنّ ميلاد فعل ما طلبه السيّد وتغيّر. نحن نقول تغيّر مائة وثمانين درجة. لم يعد هو ذاته. ميلاد بن مصطفى بن البحري بن عبد الله بن على أولاد عيسى.
- من هم أولاد عيسى؟
- أصل ميلاد من قرية أولاد عيسى على ضفاف نهر زرود. لقبه في البطاقة "زرود" ولكنّه يحبّ أولاد عيسى التي زارها مرّة واحدة مع أبيه مصطفى عندما كان طفلا. زارها قبل أن يولد أخوه عزّ الدّين بيومين. عامها غادر ميلاد المدرسة ولم يجتز امتحان السيزيام. سمع كلام والده ولم يغضب. ومن يومها وهو يعاشر عربته. تصوّري ثلاثين سنة أو تزيد وهو معها كيف لا يحبّ عربته وعندما مات أبوه صار يحبّها أكثر. ويوم رأى ابتسامة عزّة وهي تبتعد عنه في أوّل مرّة اشترت منه خضرا ازداد حبّه لعربته.
ميلاد لم يفهم لماذا أخذه أبوه إلى أولاد عيسى ولم يسأله. ولكنّه فرح برحلته الأولى إلى خارج العاصمة. تلك الرّحلة التي بقيت في ذاكرته حيث كلّ شيء على حاله. يومها حكى له أبوه حكايات كثيرة. يومها عرف اسم جدّ والده عبد الله، ذاك الاسم ليس مدوّنا في بطاقته. المكتوب هو ميلاد بن مصطفى زرود. اسم جدّه يعرفه من قبل، البحري وجدّته خميسة. قال له أبوه إنّ جدّه البحري جاء إلى العاصمة عام عشرة وسكن أوّل ما سكن مع خاله، خال جدّه ابراهيم. ابراهيم أخو نوّارة زوجة جدّ والده عبد الله ثمّ صار يعيش في المدرسة حيث عمل جنّانا طوال حياته. فهمت؟
- طول حياته؟
- نعم طول حياته، إلى أن مات عام 52. قبل الاستقلال.
- و المدرسة؟
- ما بها المدرسة؟ ما تزال مدرسة إلى يوم الناس هذا.
- والاستقلال؟
- اسمعي، الأحسن أن تنامي الآن. تسألين عن الاستقلال. ماذا تفهمين أنت في السياسة؟ العيب ليس فيك بل فيّ أنا. أنا الغبيّ الذي يحكي لواحدة مثلك. لو الدّنيا دنيا لما نظرت إليك بنصف عين. ارقدي يا دجاجة عاشوراء.
- أنا دجاجة عاشوراء يا سردوك النّصارى، يا هيدوك، يا زعيم القوّادة، يا مجراب، يا لعور، يا بو زمزم.