1
الذئاب لا يتركون شيئا لمن أرادوا لأنفسهم أن يظلوا حملانا!
كانا ككهلين، يجران خطواتهما الثقيلة بمحاذاة البحر ويثرثران.
وكانت الشمس تلون السماء بلون أحمر يغرس حزنا مبهما في النفوس وترقبهما من بعيد بابتسامة هازئة قبل أن تغيب.
تطلع سيف ناصر إليه بعد أن استند إلى السياج الحديدي لبحر يوسف ولمح نمشا بنيا صغيرا أحتل ملامح وجهه.
تساءل إن كان الواقف أمامه شوقي الذي يعرفه أم مسخا لآخر لم يعد له وجود إلا في بقايا الذاكرة.
وأحس بشعور ساخر جعله يبتسم دون إرادة.
سمع صوت محرك سيارة مرت برفق من جوارهما، بينما كان كاسيت السيارة يزعق بأغنية (وبحبك يا حمار) للمطرب الشعبي الذي أصبح يطارده في كل مكان.
فكر قليلا وتعجب من نفسه أيضا.
ما الذي يدفعه ليقطع الطريق الطويل من مدينة نصر إلى الفيوم ما بين فترة وأخرى، هل من أجل لقاء مع صاحبه القديم لاسترجاع أيام وذكريات ولت ولن تعود أم هو الحنين إلى الماضي؟.
لم يكن من السذاجة ليصدق تلك الأكاذيب التي قفزت إلى رأسه، اصطناع الوفاء الكاذب للأصدقاء أو الحنين إلى الماضي والذكريات.. النظر إلى الماضي على إنه نعيم مطلق والحاضر على إنه بؤس مقيم.
يجب ألا يكون مسرفا في الرومانسية، لابد إن هناك سببا آخرا يدفعه لتكرار زياراته لشوقي!.
سبب مبهم في أعماق النفس وطياتها، يتكاثف ويتصاعد ويفور، فلا يستطيع سد فوهاته إلا بالعودة إلى هنا، وملاقاة صاحبه.
تلك المرآة الصدئة التي اعتاد تأمل وجهه من خلالها، برغم قسوتها وبشاعتها، قادرة على مساعدته في اختيار عالمه القادم!
هل لأنه كان برفقته في ذلك الاجتماع الذي غير من كل شيء؟
لم يكن اليوم ينبأ بأكثر مما هو معتاد، هبت ريح خريفية قاسية لا تعبأ بهزات الأشجار العنيفة التي اصطفت بمحاذاة البحر، ولا لتساقط أوراقها الضعيفة.
جلس سيف بركن المقهى لا يفعل شيئا إلا معاودة النظر إلى ساعته في انتظار أن يأتي أحدهم ليشاركه الإحساس الخانق الذي يخلفه الخريف في نفسه.
خريف نوفمبر العجوز.. أم خريف الأمنيات التي تموت واحدة بعد أخرى مخلفة وراءها الملل والخوف والعجز.
لا يعرف على وجه الدقة؟!
أحيانا يميل إلى الكفر بتقسيمات العمر التي لا معنى لها.. ويظن أنه قد خطا خطوات واسعة نحو كهولته، دون أن يعرف طريقا إلى عتبات الشباب.
البقاء بلا عمل، نظرات الاتهام التي تحاصره من والديه كأنه يمتلك مفاتيح أبواب الجنة ويرفض الدخول!.
التنقل من مقهى إلى مقهى والثرثرة في كل شيء، من الأدب إلى السياسة إلى الأهلي والزمالك، والحديث عن أحلام لا تظهر لها بشارات أو تنبت لها أجنحة.
حتى الجرائد الملعونة تغلق أبوابها في وجهه.
شوقي نشر قصة أو قصتين، أما هو فلا يكلف أحدهم عناء الرد عليه ولو في بريد القراء، رغم الخطابات التي يضعها كل يوم في صندوق البوسطة.
حين نشر شوقي قصته الأولى شعر بالحنق عليه.. شوقي لم يكن بحاجة إلى أن تنشر قصته.
في النهاية عنده زوجة وابن سيعود إليهما في آخر النهار.. أما سيف فكان بحاجة إلى قصيدة واحدة يمسك بها في زهو أمام والديه ويقول لهما: أنا شاعر!
هل يعرفان معنى شاعر؟.. لا يهم، سيشعران بالفخر لاسم ابنهما الذي يزين صفحات الجريدة.
قطع شوقي خيط أفكاره المتسلسل الذي جعله ينسى ملاحقة عقارب الساعة بملل حين سحب كرسيا وجلس إلى جواره وقال:
اطلب لنا قهوة بسرعة
عندنا موعد مهم
صحبه إلى محطة مصر، وركبا السيارة البيجو المتجهة إلى هناك.
في الطريق قطع نشيج الست وهي تشدو حزينة (فات الميعاد) في كاسيت السيارة، فتجتر الذكريات والألم.. أخبره أن المؤسسة الثقافية دعت إلى اجتماع يحضره ممثلون عن أدباء الأقاليم.. اتصلوا به ليحضر الاجتماع ممثلا عن الفيوم.
( تلك القصة اللعينة التي نشروها له جعلتهم يتغافلون عني ويرسلون إليه!)
هكذا حدث نفسه قبل أن يصيح فيه:
ولِمَ لمْ تخبرني من قبل.. ماذا ستفعل لنا المؤسسة؟
تساءل ثم عاد وأجاب على نفسه:
- ستلقي لنا ببعض الفتات من أجل تطويعنا، وتعود بعدها تمتص دماءنا بتلذذ!
جره شوقي مشجعاً
يا أخي لن نخسر شيئا.. سنتفرج عليهم ونحصل على بدل انتقال يكفي حسابات المقهى لليلة!
***
في قاعة الاجتماع لم يجدا العدد الذي تخيلاه.. القاعة الفسيحة التي تزينت بورود بلاستيكية باردة وجافة كالجالسين من الأدباء، يشرعون أحذيتهم في وجه كرسي المسئول الخالي.
كانوا لا يزيدون عن عدد أصابع اليد الواحدة.. وجوه أعتادا رؤيتها كلما حضرا ندوة أو أمسية بالقاهرة. لم يجدا وجها واحدا من الأقاليم البعيدة النائية.
نظر كل منهما إلى الآخر وفي عينيه نظرة تسفيه للأفكار التي راودت رأسيهما وجرجرتهما إلى هنا.
أخذا نفسا عميقا وقالا في نفس اللحظة:
لم يحضر أحد غيرنا!
ابتسما واختارا مقعدين نائيين في آخر القاعة واكتفيا بالمشاهدة.
المسئول الكبير أبدى ملاحظة عابرة عن الأحذية المشرعة في وجهه دون أن يستطرد كثيرا.. قال إنه بدأ حياته بحماسة لا تقل عنهم... كان على استعداد دائما أن يجلس ويضع حذائه في وجه أي مسئول مهما كان حجمه أو وزنه في الدولة، لكنه اكتشف أن المعارك مهما طالت لا بد لها من نهاية، ولكي تصل إلى نهاية تحمل معنى الانتصار لا بد أن تضع قدمك على الأرض وتفكر برأسك في الأسباب التي جعلتك تحارب طيلة الوقت وتعرف من أجل أي شيء حاربت.
أحدهم قال باستهانة:
شكليات قميئة.. فأنتم تدهسون بأحذيتكم رؤوسنا.. تأخذون كل شيء ولا تريدون أن تتركوا حتى الفتات!.
رمقه بنظرة من بعيد، وتجاهله مكملاً:
رئيس المؤسسة منزعج من هجومكم الغير مبرر على المؤسسة.. كلما أمسك بجريدة أطلت ألسنتكم الحادة من بين صفحاتها. كلنا مقتنعون أن المؤسسة بحاجة إلى تغيير في أفكارها، وبحاجة إلى شباب ليضخوا روحا جديدة بها.. من يرغب منكم في التعاون معنا سنتعاقد معه للعمل بالمؤسسة.. نريد لأفكاركم الجريئة أن تنبت بين جدران المؤسسة.
ثم استطرد قائلا:
لا أستطيع أن أضيع الكثير من الوقت معكم.. من المفترض أن أحضر افتتاح مهرجان السينما اليوم.. ورغم مشاغلي أصريت على الحضور والالتقاء بكم.
كانت كلماته كفيلة بأن تُهدأ من ثورة الأدباء وتجعل أحذيتهم ترسو على الأرض باطمئنان.
سيف تطلع إلى شوقي الذي ما زال متشبثا بمقعده لا يريد أن يغادره، وقال:
ألن تضع اسمك معهم؟
تساءل شوقي متعجبا:
وأترك الفيوم؟! ..
مط سيف شفتيه امتعاضا دون أن يعقب، وأسرع ليسجل اسمه في كشف المتعاقدين الجدد، بينما سحب شوقي أوراقه التي دون فيها ملاحظات لم يستمع إليها أحد، وجرجر خطواته عائدا إلى بلدته وزوجته وابنه.
***
لابد أن ذلك الاجتماع البعيد هو السبب الذي يجعله يعود إلى هنا، وإلا فماذا غيره؟!
ربما يفكر شوقي في زياراته تلك على أنها بحث عن إجابة شافية حين تعاود المبادئ التي صاغها الأصدقاء القدامى إلحاحها ووخزاتها!.. الحرية.. الكرامة.. العدالة الاجتماعية.. أن نصنع العالم الذي تتمناه عيوننا.. الكفاح من أجل قضية نؤمن بها وعلى استعداد للقتال من أجلها.. الشفافية، تلك الكلمة التي أصبحت تثير التهكم؟.. أن يزهو أحدهم بعنترياته الموهومة أمامه.. إجابة سيلقيها في وجه أحدهم باطمئنان وكأنها كافية لتغفر له كل السقطات.. سيقول مطمئنا: (من غيري يحرص على العودة إلى هنا رغم كل مشاغلي.. اتركوا المبادئ والشعارات القديمة لحالها.. فلا الزمن ظل كما هو، ولا نحن مازلنا ببراءة اندفاعنا القديم ).
قد يكون شوقي محقا.
كل واحد منهم يحمل في جعبته من السقطات ما يجعله غير قادر على التحديق في عيون الآخرين بجرأة الزمن الذي انفلت من بين أيديهم، وبرغم الأقنعة التي يجيدون ارتدائها كلما حانت مناسبة للأحاديث المجانية عن الثقافة والإبداع والمستقبل الذي ينتظر الوطن، والقضايا الكبرى التي استخدموها كمناديل ورقية يمسحون بها مؤخراتهم القذرة ثم يلقون بها واحدة تلو أخرى في صناديق القمامة دون أن يبكوا على شيء، ولا يبقى منها إلا تواريخ قديمة للذكرى، أو للتشدق بالشعارات الرنانة على صفحات الجرائد أو عبر شاشات التلفزيون.
أيا كان السبب لا يريد أن يعرفه، فربما لو تبينه لانقطعت خطاه إلى الفيوم للأبد.
شعر بجفاف حلقه ولسانه.
يجب عليه أن يعترف أن الحنين إلى الماضي له مذاق لاذع وجميل في آن واحد، نكهة مازال يستلذ بمذاقها.
فلم عليه أن يحرم نفسه من المتع الصغيرة؟!
من السماء الصافية تدلت نجمات خجلى وسقطت ابتسامات بلورية صافية الزرقة ونسمات رطبة.
لـمح شوقي ابتسامة ترفرف على شفتيه فسأله عن سببها، ثم شعر ببعض الندم على تعجله بالسؤال.
كاد يلوم نفسه على تعجله الدائم في التصريح بكل ما يخطر بباله دون تأني.
لكن سيف ناصر لم يعطه الفرصة، تدلت ابتسامته كشيء كريه على شفتيه، وقال:
لاشيء تقريباً.
أشار إلى بائع ترمس مر بجوارهما وأخذ كيسا وأعطى آخر لصاحبه، أحس عند شراءه الترمس بأنه يستطيع أن يمسك بمذاق الثلج المهروش، ويستعيد أياماً بعيدة يراها جميلة الآن.
نظر إلى عيني صاحبه، وقال متسائلاً:
أنت تجاوزت المليون يا شوقي؟
مط شوقي شفتيه وسحب نفسا عميقا وظن نفسه عالقا بين السماء و الأرض، يتأرجح ولا تستطيع قدماه أن تحملاه.
هرب بنظراته بعيدا يتابع طفلا يركب دراجته وأمه الشابة تتبعه بنظراتها.
هل تسخر مني يا سيف؟!
ولِم أسخر منك؟ المليون أصبح مبلغا زهيدا، مصر تمتلك 91 ملياردير و 100 ألف مليونير طبقا لآخر إحصائية نشرتها أخبار اليوم، ومتوسط ثروة المليونير 15 مليون!
..............................
أنت الوحيد من أصحابنا الذي لم يفتتح مشروعاً أو يتاجر بأمواله، حتى البيت القديم لم يزل على حاله كما هو، لم يتغير فيه شيء!.
قطع سيف الصمت الثقيل الذي لفهما ونادى على صاحبه الذي رآه يسبح في عالم آخر، وقال:
شوقي.
كان شوقي يهرس حبة ترمس صغيرة بين أصبعيه لينزع عنها قشرتها ويضعها فوق لسانه مستلذا بالمرارة وبمذاق الملح اللاذع، بينما يراقب بعينيه السريان البطيء الهادئ لبحر يوسف ورأسه يغوص بعيدا في أعماق الذاكرة مستعيدا سنوات عمره العديدة التي تساقطت خلفه دون أن يشعر.
نعم.
هل فكرت في بشاعة القتل؟!
................
لا.. لست أقصد القتل الجنائي العادي الذي يحدث كل يوم.. بل أن يصدر أحدهم أمراً فتتحرك جيوش وتئز طائرات وتقصف قنابلها العمياء التي لا تفرق بين امرأة وشيخ، أو بين جندي وطفل.. رصاص يفجر الرؤوس والأحشاء ويجعلها شيئا لزجا تدهسه البيادات والمجنزرات دون اهتمام!.. الرصاص لا يعرف الفرق بين البشر والشجر والحجر..لا يعرف الفرق بين الطيبين والخبثاء.
إنه يترصد الحياة ويتبعها أينما ولت.
بدا شوقي لا مباليا، قال وكأنه يتحدث عن لاشيء:
الصراع موجود منذ بداية الحياة، وسيستمر إلى نهايتها.. أينما وُجد البشر وجد الصراع، وكانت الحروب، وسقط الضحايا.
لا يا شوقي، مهما كانت بشاعة الحروب وويلاتها.. حروب الماضي لا تقارن بحروب اليوم. قديما كانت الحرب ما بين جيشين نظاميين، وضحاياها من المتقاتلين، أما الآن فالحرب التي يسمونها بالحرب العادلة تتم بين أحدث أجهزة روبوت لا تعرف المشاعر، يجلس القادة في غرف عملياتهم المكيفة ويضغطون على أزرار الموت، دون أن يلفحهم غباره الحارق، وبين بشر عزل يحتمون بجدران بيوتهم متوهمين الآمان الذي لا وجود له. تعلمنا أن الحرب العادلة أن تصد عدوانا أو تدافع عن وطن أو تسترد حقا. الآن كل شيء تغير!.. تقطع الجيوش آلاف الأميال من أجل الجحيم. بضغطة من زر تحترق البيوت وتتحول الحياة إلى نار ورماد.. هل فكرت يا شوقي كيف ينام بوش؟.. كيف يستطيع أن يصدر أمرا فيقتل آلاف البشر ويدخل إلى مخدعه الوثير وينام؟!.. أي دواء اخترعه العلماء يُمكن عينيه من إغماضهما حتى لا تريا ما خلّفه من دمار وجحيم لبسطاء وعزل؟.
هز شوقي رأسه بأسى، وزفر هواءً ساخناً يشبه فحيح أفعى تتألم، وقال:
من قال إنه يحتاج إلى مخدر لينام؟.. حلم الإمبراطورية الجديدة والحرب المقدسة والأيديولوجيات، كلها أفكار تجعله يجد مبرراً لكل ما يرتكبه من جرائم.. بل لعله يدخل إلى مخدعه راضيا عما فعله نحو تحقيق رسالته السامية لتحقيق العدالة والسلام.
ثم أضاف بمرارة ساخرة:
رسالته السامية نحو تحرير العالم كما يدعي.
تحدث سيف ببطء وحذر، كأنه غير واثق مما يقول:
لا.. لا.. لا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة.. في نهاية الأمر داخل كل منا ضمير حين ينفرد بصاحبه لا يتغافل عما أرتكبه من جرائم.
يا صديقي القتل يتحول عند البعض إلى صنعة يتكسب منها، ولا يجد المرء أي جريرة في ارتكابه.. هل فكرت في الأمر من قبل.. أن يصبح القتل مهنة يقتات بها الناس؟.
شرد لحظات وأردف قائلا:
بل أحيانا يصبح شهوة، غواية يتلذذ بها البشر كما يتلذذون بمرارة صحن جعة.. العجز أن نهب الأشياء حياة تتحور إلى رغبة عارمة في سلب الحياة من الآخرين. إلى شهوة لا نستطيع كبح جماحها... أحيانا أشعر أن بداخل كل منا مسحة من هذه الشهوة.
الرغبة في القتل؟!
تساءل سيف بسخرية بعد أن استشعر أنه ممثل رديء يؤدي دورا لا يناسب ملامحه!
نعم.
قال شوقي وفي عينيه تعبير حزين، ثم استطرد مؤكدا:
قد نكبتها، أو نمارسها بصورة لا يستشعرها المجتمع خوفا من قوانينه، أو انسياقا مع عاداته وتقاليده.. لكنها تتفجر في لحظة غضب وتطيح بكل شيء.
لم يكن يعي ما يقوله شوقي، أو يشغل رأسه بالبحث عما توارى في كلماته من إيحاءات ربما أراد أن تشير إليه، وأن تلف حول عنقه وشاحا حريريا قاتلا.
هل كان يقصد هبة بكلامه؟.
ساعتها كان سيف بعيدا يبحث عن نصيبه في كعكة الشهرة والنجاح والنفوذ بين جدران المؤسسة.
عامان مرا لم يعتب بقدميه عتبات القصر القديم.. حتى بعد أن أُسند إليه تحرير سلسلة أدبية تصدر عن المؤسسة، لم يفكر أن يستدعي أصحابه القدامى للنشر بالسلسلة ولو من باب الزهو الذي يجعله كبالون يقارب على الانفجار.
كان يشغله هدف واحد، أن تفتح له السلسلة بابا واسعا بلا انتهاء على علاقات تجعل اسمه متواجدا طيلة الوقت.
لم يترك ندوة أو أمسية أو مؤتمر!
رغم ذلك كان حريصا على تواجده مع جماعته السياسية للنضال من أجل إشهار الحزب السياسي.. لم تفته جلسة من جلسات المحكمة التي أعقبت قرار لجنة شؤون الأحزاب السياسية مجددا برفض تأسيس الحزب القائم على أفكار قومية.
أعطته العاصمة بريقا سياسيا لم يكن يحلم به ببلدته حتى إن ظل مصاحبا طيلة الوقت للدكتور عضو مجلس الأمة السابق وأحد دعاة تأسيس الحزب.
فهو يعرف جيدا أن الدكتور هو كل شيء في الحزب ببلدته، هو وكيل المؤسسين وأيقونته، كان يمر أمامهم في طريقه إلى الحزب، مبتسماً كعادته، أشبه بسانتا كلوز يحمل في جعبته الدعابات والمناوشات والحب، ويوزعها على كل من يقابله في الممرات والشوارع الطويلة المؤدية إلى مكانه العالي في قلوب الناس وعقولهم، ولن يستطيع أحد مهما فعل الصعود إلى مكانته.
سيظل وحده، ولن يسمح لأحد بالظهور إلى جواره، لما يملكه من كاريزما الزعامة والقيادة التي تجعل الكل يحترمه ويحبه _ حتى المختلفون معه _ ولا تسمح لوميض غيره يشع إلى جواره.
إن غاب الدكتور لن يكون للحزب وجود.. فهو الذي يملك شقة المقر، وهو من قام بتأثيثها، وهو الذي ينفق على الاجتماعات من دخل عيادته الخاصة وقوت أولاده.
لكن العاصمة أعطت لسيف ناصر الفرصة ليظهر ويلمع ويتداول اسمه بين أعضاء الحزب بالقاهرة والمتعاطفين معه.
لم تكن تنتهي جلسة إلا وأعقبها خبر يصحبه تعقيب من سيف ناصر.
كلمات ساخنة لا تخشى سيف الحكومة المسلط على الرقاب، ولا جلاديها الواقفين عند كل باب، مما جعل البعض داخل الحزب يشككون في سيف ناصر، وعلاقته بالدولة التي تجعلهم يغمضون أعينهم عنه، وعن تصريحاته ومقالاته، ويتساءلون فيما بينهم: هل أصبح سيف ناصر رجل الحكومة الذي زرعته بينهم؟
الدكتور نفى الهاجس الذي صرح به أحد المؤسسين.
قال: إنها حماسة الشباب.. الدولة مشغولة أكثر بحركات الإسلام السياسي وتصفيتها، وتحرص على ترك مساحات لحرية الكلمة يستغلها سيف بذكاء ودون أن يزج بنفسه في صراع صريح معها.. الحكومة لا تأبه بالصوت العالي طالما لم يتعد الخطوط الحمراء.
إنها تمثيلية سخيفة، الكل يشارك فيها، ولن تصل بنا أبدا إلى تداول السلطة!
حين صدر حكم المحكمة الإدارية العليا بتأسيس الحزب اعتبره سيف ناصر انتصارا شخصيا له.
عاد من المحكمة إلى المؤسسة أولا.
كان يريد أن يقول لكل زملائه الذين وجدوا في تواجده معهم بالمؤسسة إنه وليد مصادفة لا تتكرر، أن العّظام وحدهم هم من تصنعهم المصادفات أو الفرص العابرة، نيوتن صنعته صدفه اقتنصها بدلا من أن يلتهمها، الغيطاني أصبح صحفيا كبيرا بصدفة، جعلت محمود أمين العالم يقرأ قصته ويعينه بالأخبار، كذا ألهمت صدفة المرض روح الإبداع للسياب.
هكذا كان يقول لهم ولنفسه!
فلا هو لسع المؤسسة بمقالاته اللاذعة.. أو قرأ أحد اسمه من قبل تحت قصيدة أو ديوان.
بينما أقرانه الذين تعاقدوا معهم ليجملوا وجه المؤسسة تجدهم هناك في الطرقات لتصفح الجرائد وتبادل النميمة التي لا تنتهي.
الآن لا تكاد صفحة أدبية تخلو من اسمه.. وأصبح رئيس المؤسسة يعتمد عليه في كثير من شؤون العمل بالمؤسسة منذ توطدت علاقته بصلاح خطاب.
***