4

6 0 00

4

عوت كذئبه حقيقية نهمة لافتراس حمل وديع تركها للضياع.

في أغسطس تصحو جدرانها الصامتة على عرق غزير ينساب مثل خطايا من المسام رغم أزيز مروحة المكتب التي لا تكف عن صفع جسدها المنهك بهوائها المحموم.

ترفع جفونها المجهدة متأملة النقوش التي رسمتها تهويمات وشطحات وأسئلة الرأس المجهد بالسقف.

تراها تتدلى ككائنات تخرج من لوحة سريالية لسلفادور دالي.

في بقعة مظلمة وبعيدة من الذاكرة تبحث عن طفلتها بضفيرتها المسدلة خلفها كذيل حصان جامح في براري خضراء بلا انتهاء.

تتأمل مخلوقاتها الصغيرة تعبث بسقف حجرتها.

عرائس صغيرة تغني وتمرح.. تطير بأرجوحتها لتلامس السحابات البيضاء، وتقطف نجمة من السماء البعيدة، وتلقيها على الأرض لتشع أضواءً ملونة وزاهية.

تصنع كرنفال من البهجة والصخب.

حينها تتمنى أن تصعد مع عرائسها الفرحة وتظل تحلق فلا تحدها جدران أو تصدها سماوات.

لكن في لحظة تتبدل الأشياء.. تطل عيون حمراء شريرة، لها ناب وحيد ينزف دماً من بقعة مظلمة، وتقذف الأرض بمادة لزجة بشعة.

نفس العيون التي ظلت تطارد عمتها غالية، حتى أسرتها وطارت بها بعيداً.

تراها البنت فتسقط من حلمها وتتوارى خلف غطائها وجلة.

تنتظر لحظات تمني نفسها فيها بعودة الحلم، تتسحب بنظراتها من تحت الغطاء فلا تجد عرائسها الصغيرة، ولا نجمتها الزاهية.

لا تجد إلا أشباحاً بأيادٍ خرافية تمتد لتمسك بها.

تصرخ وتستغيث.. تهرب بجسدها المحموم تحت الغطاء، وتتكور مثل ضفدعة تموت خوفاً ورعباً، ولا يشعر بها أحد.

أين ذهبت تلك البنت.. هل ما زالت تسكن غرف قلبها الموصدة، أم خطفتها الأشباح وألقت بها في غور عميق مهجور، وتركتها وحيدة؟!

لِم ذهبت وتركت أشباحها تخايل سماوات سلمى؟.

بصعوبة تجتر ساعات الأرق المضني الذي سكن ليالي وحدتها التي اختارتها لتتخذ قرارها مع مرارة التبغ التي لا تفارق حلقها وتهش كائناتها المرعبة بعيداً.

عصام أعطته لأمها، وقالت إنها ستسافر لأيام خارج البلاد لمهمة خاصة بالعمل.. مهمة تقشير مشاعرها وتعريتها، وهي التي أجادت تلوينها بالأصباغ الصناعية طيلة الوقت لتتعايش مع مجتمع المقنعين!

أخرجت شريحة محمولها وأدخلت شريحة جديدة، أعطت سرها لأنور وحده ليتصل بها فقط حين يصل إلى المطار، واختارت شقة أكتوبر الرابضة عند أطراف الصحراء لتظفر بالوحدة والألم.

اشترت هذه الشقة ولم يعرف بها أحد، لا رفعت، ولا أبوها، ولا أنور.. حتى أمها لم تُرد أن تخبرها، وظلت تحتفظ وحدها بسرها!

كانت بحاجة إلى زنزانة من اختيارها تمارس فيها حزنها الطائش الفوضوي ووحدتها المجهدة، دون أن ترقبها العيون أو توجعها نصائح المستسلمين للنصيب والقدر، أو أن تصل إليها أياديهم القاسية فتعيدها إلى محطات الحزن الرتيب.

تزحزح جسدها المنهك إلى حافة الفراش وتركل أيامها الفائتة إلى جوار الحائط، تلسعها بطنينها الموجع.

تمضغ كراهية لشيء مجهول وتقاوم رغبة أعضائها في الاستسلام لتناوم مرهق.

تجرها خطوات متعبة إلى باب الحمام الموارب.

من بعيد تلمح أشياءها تتناثر بفوضوية بأرجاء الشقة كحشرات منهكة.. إيشارب حريري أسود يرقد باستسلام فوق كنبة الفوتيه إلى جوار كتب ومجلات وجرائد وقارورات برفان وغبار يتطاير من طفايات السجائر الممتلئة.

وبقايا بن محروق بفنجان وحيد.

بالمشجب المعدني لباب الحمام علقت كلوتات بألوان وأشكال مختلفة.. إلى جوارها بلوزة بيضاء متسخة، لا زالت تحتفظ برائحة عرقها الذي برد، واتخذ شكل خطوط صفراء شاحبة.

من خصاص النافذة تتسرب شعاعات تخفف من رمادية الظلال.

ساعة الحائط تصدر رنيناً حاداً ومزعجاً، لم ينجح اعتياد سماعه في تخفيف وطأته، يشبه رنين قلبها بدقاته الموجعة.

أحنت رأسها إلى الأمام، تتجول في مدينة أشواقها القديمة، تسترجع شريط حياتها أمامها لحظة بعد لحظة، حين كان بياض حياتها مازال يحتفظ بنصاعته، تذكّرت كم عانت مع والدها في محاولة إقناعه بالموافقة على الزواج بأنور.

منذ التقت عيناهما نبت شيء في القلب أشبه بحدائق برية من عشب وشجيرات وأزاهير وموسيقى عزفتها الملائكة على غناء الطيور.

كل الحارة شهدت حبهما، لم تعبأ للعيون المتلصصة من الشقوق والثقوب ترقب همساتهما ونظراتهما وأنفاسهما.

لم تعبأ بأشباح العمة حين تنقر حلمها الصغير، كانت تتخيل أن الشمس ستذبل وتنطفئ وتموت كما ذبلت عالية وماتت، لكن شيئا لم يحدث، وأشرقت الشمس من جديد، غردت البلابل بعد أن طال عويلها الجوار كله كلما دق الموت بأكفه القاسية باب أحد البيوت.. لن تسمح لأحد أن يغتال فرحتها التي وجدتها هناك في أحضان شجرة إلى جوار أنور، ستخطف حلمها بعيداً عن العيون والأشباح والماضي لتخبئه وتحميه في قلبها الصغير.. كانت مؤمنة بأن حبهما هو الماضي والحاضر والمستقبل.. بقدرته وحده مداواة الجراح التي عجز الزمن عن مداواتها.

والدها كان يراه شاباً حالماً يعيش على أطلال "الليل والخيل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم"!

كان يتمنى لها عريساً لا تشعر معه بالحاجة إلى أحد.. الدنيا تغيرت واتسعت تجارته حتى ضاقت بها مدينته الصغيرة وافتتح حانوتاً كبيراً بمدينة نصر، أصبحت ابنته ربة من ربات المال والجمال يطلبها كبار التجار لأبنائهم، وربما كان نصيبها في واحد ممن يجمعون ما بين المال والسلطة معا.

أمها ألحت عليه، قالت:

يا رجل.. هل تريد أن تكرر ما فعله أبوك مع عالية.. من أجل قرشين رزقكم الله بهم تحرم أبنتك من السعادة؟!

حين وافق تحت إلحاحهما، راحت تجري فرحة كطفلة وجدت لعبتها، ركضت إليه وفي جعبتها سعادة تكفي العالم، كانت زهور أرجوانية ساحرة تتفتح أينما حطت قدميها، طيور تخرج من أعشاشها في جماعات وتغرد سعيدة.. أمسكت بكفيه، وقالت أنها فاتحت والدها، وأنه بانتظاره ووالدته.

لكنه طأطأ رأسه إلى الطاولة، هيمنت عليه قوة خفية ألجمته وأخرسته عن الكلام.. شعرت به ينفلت من كوخها الصغير الذي بنته فوق شجرة الأحلام ويسقط على الأرض.

ارتعش قلبها للهاجس الذي شعّ من روحها، شعرت بحرقة رهيبة في رئتيها تتصاعد إلى حلقها، وقفت ثائرة أمام صمته وتساءلت قائلة:

أمك غير موافقة؟

حوط رأسه المنحنية بكفيه، ولم ينطق.

ذات القلب المطعون بحربة صرخت فيه وهي تبتلع دموعاً تعوّدت طعمها المر وتساءلت:

وأنت هتعمل أيه؟!!

ظل صامتا من دون أن يأتي بحركة، مكتفياً بإغماض عينيه ليبتلعه الظلام.. لم تنتظر أن يجيب في الحال أو أن يجيب لو امتد بهما الزمن أبد الدهر.

خارت في مقعدها للحظات بعد أن تيقنت بأن ما في قبضتها انسل من بين أصابعها وتناثر في التراب.

حين تمكنت من جمع شتات نفسها، قامت وهي تحس أنها تسيل ألماً، وراحت تجري في أزقتها الضيقة هربا من عجزه واستسلامه!

كانت تظن أن استسلامه سيمتد يوما.. أسبوعا.. شهرا، لكنه سينتفض ثائرا ويعبر الحواجز بها متحديا الجميع.. لكنه استمرأ الصمت والاستسلام مكتفيا بالشعر.

سافر إلى السعودية ليعمل هناك على أمل أن ينساها وتنساه، لكنه سرعان ما سقط في الإغواء كعادة الرجال حين يُهزمون.. هرب إلى أحضان أول امرأة قابلها في الطريق، كوم حبها في صندوق، وأغلق عليه مغاليق الذاكرة، وتزوج امرأة أخرى.

وكان عليها أن تنصاع إلى رغبة أبيها وتتزوج من رفعت الشهاوي.. وجد أبوها فيه كل المواصفات لعريس يناسب المرحلة!

ووجدت فيه السلوى عن ضياع الأحلام الصغيرة والأماني المستحيلة وأظافر الموت التي تخربش في قلبها.

بإمكانه أن يجعلها ملكة متوجة تأمر فتطاع.. شقة بمدينة نصر أشبه بقصر للأحلام، خدم تحت إمرتها، سيارة أحدث موديل بسائق.. بخلاف الشراكة التي سيعقدها مع والدها والتي ستساعد في نقلهم إلى طبقة أخرى لا يوجد فيها مستحيل أمام المال!

لم تفكر إن كانت مقايضة الحب بالمال مقايضة عادلة أم لا.. فلم يكن أمامها خيار آخر؟.

دهنت حزنها بأصباغ الاستسلام وانصاعت للأغلال تطوق أصبعها الصغير المرتعش!

بعد أشهر من زواجها شعرت أنها شاخت، ولم تنجح الأصباغ في إعادة شبابها لنضرته.. أشياء كثيرة في حياتها تيبست وسقطت من دولاب أمانيها، أقلها السعادة!

رفعت لم ير فيها إلا جسداً جميلاً قادراً على إشباع نزواته المجنونة ثم يتركها _ إلى أعماله وسفرياته التي لا تنتهي _ وحيدة بين جدران زنزانة كبيرة يشاركها فيها بعض الخدم الذين أتوا من بلادهم البعيدة من أجل المال الذي قد يشترون به بعضاً من الحرية والكرامة حين يعودون إلى بلادهم ثانية.

كانت لا ترى نفسها تختلف عنهم في شيء إلا في المسمى الوظيفي فقط، ما بين عاملة منزل، أو عاهرة بدرجة زوجة!

معاملة زوجها لها على أنها جسد فقط يلجأ إليه ليقضي حاجته حالت دون مساعدتها على رعاية الألفة والمودة التي حدثتها أمها عنهما قبل الزواج.

في البداية كانت تنصاع له باستسلام.. لكنه لم يكف عن انتقادها.. قال أنها باردة كجسد ميت، تلك البرودة القادرة على إخماد نار بركان وتجميده، تصيبه بالعجز.

ثم أصبح يريد إجبارها على تقليد المومسات اللائي يعرفهن، ويرغمها أن تقوم بحركات لا ترضاها.. يضربها كي ترى الأفلام الجنسية الخليعة أثناء ممارستهما لتتعلم ممارسة الجنس بأشكاله المتوحشة والشاذة!

حين يتركها تتكوم مثل حطام ويرحل إلى أعماله ونزواته مع الشقراوات اللائي يقابلهن في سفرياته البعيدة، وتكاد تتبين أثر مخالبهن الأنثوية على جسده، تتشمم روائح أجسادهن المسكونة بالفتنة والغواية بين ملابسه وأشيائه الصغيرة، تبصق خلف خطوات الطاووس الذي يسكنه وتلعن كل لحظة عاشتها معه.

تنسحب إلى عالم آخر لا وجود له إلا في خيالاتها.. عالم كل مفرداته نسجت خيوطه هناك في مغزل طفولتها وحبها، لتستطيع أن تواصل حياتها المستحيلة، لكنها في الواقع كانت تنسحب من الحياة.. تنساق وراء عيون الأشباح التي خايلت عمتها عالية من قبل وسحبتها معها إلى كوكب التعاسة المرير الذي يسكنه أسرى ذاكرتهم وذكرياتهم، كان شحوبها يزداد يوماً بعد يوم، فرت طيور الأمل بأجنحتها الرقيقة مذعورة بمجرد أن عرف رفعت الشهاوي الطريق إلى حياتها.. بدت وكأن لحظاتها التي تحياها ما هي إلا طقوس لازمة لمعانقة طائر الموت الذي جاء ليخلصها من وطء الكابوس الذي يجثم على حياتها، وكانت تشتاق إلى لحظة تحليقها لمعانقته بترحاب.

لكنها تفيق على وخز الصغير الذي بدأ يتشكل داخل أحشائها وحماقات الأسئلة التي لا أجوبة حقيقية عنها!

تخبط وجهها بكفيها، وتصرخ مستغيثة:

أي جنون سيقودك إليه.. أي جريمة ارتكبها ذلك المجهول القادم.. أي ذنب يقاسمك وزره؟!

تعبث بأدراج دواليبها بحثاً عن دواء يشفيها من ذلك الأسى الذي يجمدها بصقيعه، تنتابها نوبة هياج حين لا تجد ضالتها في الصيدلية، الثلاجة، دولاب الملابس.. تلقي بكل محتوياتهم على الأرض، تركل كل ما يقابلها، تهرع كالمجنونة إلى السيارة، تدير مفتاحها وتنطلق بها إلى أقرب صيدلية، لا تكتشف أنها خرجت دون أن تغير ملابسها البيتية إلا هناك.. تنتظر في سيارتها أول عابر أو عابرة وتترجاه أن يشتري أي مهدئ لها من الأجزخانة.. كان الكالميبام calmipam رفيقا لها منذ تزوجت رفعت، كانت تراه بديلا عن الموت أو الانتحار، زوجها الحقيقي الذي يفتح لها ذراعية ويحتضن أوجاعها وهزائمها ويربت عليهما بحنان، في البداية كان قرص واحد كفيلا بتخليصها من أرقها وكوابيسها التي تداهمها بمجرد أن تغفل عيناها، مع الأيام باتت تحتاج إلى أكثر من قرص لتغلق عينيها وتنام.. كانت تتعجب حقا من قدرة عقلها وجسدها على مقاومة النوم، تستشعر أنها باتت على حافة الجنون، تسقط الأشياء من بين يديها وتتحطم، لا تتحمل كلمة من أحد، حين أعطاها رفعت أول شريط لم تكن متحمسة لتجربته، لم تتوقع علاجا يقدمه لها رفعت الشهاوي، قال أنه يأخذ قرصا كلما ركب الطائرة في رحلة من رحلاته الكثيرة للتخلص من فوبيا الطيران بالنوم طوال الرحلة!

لم تشأ أن تجربه في وجود رفعت، في داخلها كانت ترى في عصبيتها وهياجها عقابا لرفعت حتى لا يهنأ بلحظة في وجوده معها، حين رحل في إحدى سفرياته ظلت تبحث عن شريط الكالميبام calmipam حتى وجدته وابتلعت قرصا، وظلت تنتظر وتنتظر دون فائدة!

لعنت نفسها حين صدقت للحظة أن رفعت قد يكون مسكنا لآلامها، ظلت تصرخ وتستغيث دون أن يجيبها أحد، حتى خذلها صوتها ولم يعد قادرا على الصياح، وتداعى جسدها وسقط مستسلما على السرير البارد.. أغمضت عينيها بكل ما عرفته من استسلام ويأس، وأشباح بائسة توشوش في أذنيها.

لم تصدق نفسها إلا بعد أن أيقظتها أمها.. فتحت عينيها باندهاش حين وجدت يد أمها تفحصها وتهزها لتوقظها، استطاعت بعد لحظات أن تُجّمع صورة أبيها الواقف إلى جوار أمها كشبح.

أمي!.. هل حدث شيء؟!

قلقتينا عليك.. تليفونك لا يرد منذ يومين، والخدم قالوا أنك نائمة، ولم أصدقهم!

من حينها أصبح الكالميبام calmipam الصديق والأخ والأب، رمز الذكورة الحانية فوق الأرض، حبة واحدة تريحها من غباء هذا العالم وغباء رجاله وقسوتهم!

لكن بمجرد أن عرف الطبيب بأمر حملها، سألها إن كانت تتناول أية أدوية؟

أجابت ببراءة:

لا

ثم عادت وأردفت:

أحيانا أتناول مسكنا أو مهدئا لأستطيع النوم!

لكن الطبيب حذرها من تناول مثل هذه الأشياء أثناء الحمل، فهي قد تؤدي إلى تشوه الجنين.

لا تعرف لحظتها لم بدا التشوه جاثما مجسدا أمام عينيها، لا يحتاج جنينها لأدوية تصيبه بتشوهات أخرى، يكفي ما سينتقل إلى جيناته من مرض التشوه بحكم العوامل الوراثية!

كابدت وعانت لأيام وليال قاطعها فيها النوم، لكنها لم تستطع.. جرت إلى شريط البرشام وابتلعت قرصين دفعة واحدة!

أنتِ مجنونة.. ليس من حقك تشويه ابني

صرخ فيها زوجها وهو يختطف الشريط من بين يديها، ظل يسب ويلعن ويجمع كل أنواع الدواء ويلقيها إلى سلة المهملات، لكنها لم تكن تعبأ بصياحه وسبابه، تركته وانسحبت في هدوء إلى سريرها، وظلت تنسحب وتنسحب وتنسحب!

لكن مهما طال انسحابها تفيق على واقع لا تريد أن تحيا لحظة واحدة تحت سمائه!

كادت في المرة الأخيرة أن تضعف أمام شبح عاليه.. ظلت توسوس لها لتعطي روحها فرصة الهرب من الحياة الجرداء التعيسة، تتحسس خرائط أنوثتها لتستجيب وتدغدغها الرغبة فتفرغ شريط الكالميبام calmipam وتضع حباته الكاملة في كفها، وتهم برفعها إلى فمها، لكنها تفيق على وخز الصغير الذي بدأ يتشكل داخل أحشائها وحماقات الأسئلة التي لا أجوبة حقيقية عنها!

تلقي بحبات الشريط إلى الأرض، وتخبط وجهها بكفيها، وتصرخ مستغيثة:

أي جنون سيقودونكِ إليه.. أي رذيلة تدفعك ذكورته الرعناء دفعا للسير في طريقها! وأي ذنب للصغير القادم؟!

أي غواية يقودونكِ إليها؟!!

ربتت على بطنها وظلت تنشج بلوعة وقامت كالممسوسة، وقالت أنها لن تبقى في هذا الجحيم للحظة واحدة.

لكن من يسمح لكِ يا سلمى؟!..

حين سألتها أمها عما حدث ظلت تبكي وتحكي دون حساب.. تركت الكلمات المعذبة المجروحة تستعطف قسوة صمت أبيها وحياديته!

بعد أن فاض نشيجها وغلبها، طفح نهر من الدموع والدم، أبوها قال أنه لا يحب الفضائح و(الجُرس )، لا توجد امرأة عاقلة تترك بيتها بسبب أوهام في رأسها وكلام فارغ زرعته الأفلام والمسلسلات برؤوس الصغيرات ولم تكن تعرفنه النساء على أيامنا، أو تتجرأ إحداهن بالإفصاح عنه!

لكنني أكرهه ولا أطيق الحياة معه!

صاحت معترضة في وجه أبيها، لكنه نهرها بحزم:

لا داعي للمجادلة.. عودي إلى بيت زوجك الآن قبل أن يعود ويشعر بغيابك!

كانت ممزقة بين صورتين يهتزان أمام عينيها ويكادا أن يتطابقا.. نفس ملامح الرجل السلطوي رأتها لحظتها في عيني أبيها كما رأتها في عيني رفعت الشهاوي، لا فرق بين زنزانة يمتلك مفتاحها الأب، أو زنزانة يمتلك مفتاحها رجل آخر يملك نفس السلطوية تحت مسمى الزوج!

جرجرت خطواتها المنسحقة عائدة إلى حضن وحدتها وحزنها.

لم تجد يداً أخرى تحنو على ضعفها وهزائمها إلا تلك الكيماويات التي بإمكانها أن تدلك مفاتنها المنطفئة، وجعلتها تكره الساعات التي تفيق فيها، وتتعجل انقضاءها لتعود إلى عالمها المرصع بالأشباح!.

حتى المولود الجديد الذي قالت أمها عنه أنه سيملأ حياتها عليها، ولن يجعلها تفكر في شيء آخر، لم يقطع عاداتها، رغم وخزات النفس ومرارات الأسئلة التي تواتيها عقب إفاقتها.

حتى باتت تعيش في هروب مستمر، من نفسها، ومن زوجها، ومن أبيها، ومن العالم أجمع!

حتى صغيرها لم تكن تستطيع النظر بتعمق إلى عينيه الصغيرتين!

كانت تستشعر أنها تسير عارية وملوثة بذنب لم تكن تعتقد أنها ارتكبته بإرادتها.. حياة ناقصة ومفتوحة على الاحتمالات كلها، بما فيها الضياع لها ولصغيرها الذي لم يرتكب ذنبا إلا أنه جاء لأب آخر غير أنور شفيع.

المخدر إذن مهما كان مفعوله لا يمثل علاجاً.

رغبتها للحياة ضاعت في غياهب الإهمال، وضاع ذلك الشعور المتوهج الذي كان يعطي لحياتها إيقاع الموسيقى، وتحوّلت إلى جرح سيظل مفتوحا يتقيح باللوعة والحسرة.

لن ينقذها من ضياعها إلا شخص واحد تركها وهرب بعيداً هناك خلف الكثبان الرملية وسفوح النفط السائل!

أنور شفيع...

ومع سماع ذبذبات صوته تتردد في إذنيها شعرت أنها تستعيد خفتها، وتحلق كطائر صغير يتعلم الطيران.

ألقت بشرائط الكالميبام calmipam إلى سلال القاذورات، وامتطت سحابة محلقة إلى السماء.

علمني يا أنور أن أبقى نقية كصباحات أيامنا الفائتة.. أنا تائهة.. ضائعة.. انحدر من قمة الجبل إلى صخور السفح ولا يد تتلقف جسدي الهش وتضمد جراحي!

كل شيء حولها أصبح ساراً مفرحاً، حتى لعنات زوجها لم تعد تعبأ بها.. أغمضت عينيها عن حياتها واستعادت ضفيرتها وفيونكة شعرها الحمراء من حقيبة الذكريات، وعادت تلك الطفلة التي تحلق كفراشة.

لكن من قال أن أحداً يُمّكن الفراشات من التحليق إلى الأبد؟!

حين اكتشف رفعت مكالماتها السرية مع أنور، هاج كثور حقيقي على استعداد لتحطيم كل ما حوله.. ألقى على أذنيها سيل جارف من البذاءات وظل يضربها بجنون، لكنه حين نطق بكلمة الطلاق شعرت بتشافي جسدها من كل آلامه وقروحه.

سمعت رنين سلاسل قيدها وهي تتساقط عن معصميها أمامها، وتنفست طعم الحياة من جديد بعد أن نسيت معناها!

هرعت تحمل صغيرها وفرحها المصحوب بالوجع إلى أحضان أمها وقد أصابتها هستريا البكاء والضحك:

دا مش بني آدم يا أمي.. ظل يضربني حتى فقدت معنى الألم، ثم طلقني ورحل.

أبوها لم ينطق بحرف، ظلت عيناه معلقتين بالجروح والضمادات التي غطت كل مضغة بجسدها، وشعر بطائر يئن في صدره ويمنعه عن الكلام.

أحتضن حفيده إلى صدره وركل الفراغ الدامع!

ليالي كاملة مرت كدقائق وهي تحتضن هاتفها، تحكي لأنور كل لحظة ألم عاشتها منذ ضعف أمام أمه وحوط رأسه المنحنية بكفيه ولم ينطق.

قال أنه سيعوضها عن كل لحظة أسى عاشتها، سيصطاد لها يمامات الحب ويقدمها كقربان تحت قدميها، سيجعل حياتها سيمفونية من القشعريرة اللذيذة.

قال أنه أعد لكل شيء، في أجازته القادمة سيخطفها إلى عش لا تصل إليه الغربان.. يطويان صفحة الماضي بكل ما فيه ويتزوجان!

ظلت تتعجل الأيام والليالي الطويلة التي لا تريد أن تمر.. لكن قبل أن تنقضي عدتها حضر رفعت الشهاوي بصحبة أبيها، وقال أنه لا يستطيع أن يعيش بدونها.

عصام هو أهم ربح حصل عليه في حياته، ولا يريده أن يعيش بعيدا عن أبويه.. لا يعرف كيف امتدت يداه بكل ذلك العنف عليها، لكنه في النهاية يحبها وعلى استعداد أن يفعل ما تشاء من أجل إرضائها!

أبوها لم يقاطعهما بكلمة.

تركه حتى قال كل ما عنده واحتضن صغيره ورحل.. حينها جلس إلى جوارها ودون أن ينظر إلى عينيها قال:

يا ابنتي أنا لن أعيش أكثر مما عشت، لم يعد لي هدف في الحياة إلا الاطمئنان عليك وعلى صغيرك.. رفعت أخطأ، لكنه في النهاية رجل، والرجال دائما ما يرتكبون الحماقات في حق من يحبون، لكنهم سرعان ما يعودون إلى أعشاشهم بالعشاء لزوجاتهم وصغارهم.. قد تظنين أننا أصبحنا أكثر قوة حين رزقنا الله بالمال ووسع تجارتنا، لكن الحقيقة أننا أصبحنا أكثر ضعفاً.. نحن أصبحنا مثل صاحب القطيع الذي تلتف حول قطيعه الذئاب وتريد أن تغفل عيناه لحظة لتنقض على القطيع وتلتهمه.. رأس المال جبان ويحتاج إلى من يحميه من الذئاب.. ولن يتصدى لهم إلا ذئب مثل رفعت الشهاوي.. أنا لا أريد أن أجبرك على شيء، سأترك الخيار كله لك، لكن من حق عصام أن يعيش في كنف أبيه حتى لو كان أبوه ذئباً.. فلا مكان للحملان في زماننا!

لا تعرف لِم طافت صورة أنور شفيع برأسها حين جاءت سيرة الحملان على لسان أبيها!

تمنت لحظتها لو نبت لها نابان، وغرزتهما في لحمه، وعوت كذئبه حقيقية نهمة لافتراس حمل وديع تركها للضياع.

***