3
يتمكن من فوق كرسيه الذي لا يتوقف عن الدوران، من رصد كل شاردة وواردة بالمؤسسة!
علاقته توطدت بصلاح خطاب الرجل القوي بالمؤسسة.. فتح له كل الأبواب المستعصية.. حتى بعد أن ترك المؤسسة ظل يدعمه بكل طاقته.. يكفي أنه السبب وراء تولي سيف منصب الرئيس.
الكل يعلم أن إعلان شغل الوظيفة الذي نشرته الصحف مجرد إجراء روتيني لإسكات أصحاب شعارات الحق في تكافؤ الفرص ومعايير الشفافية، وأن اختيار الرئيس قرار سياسي بالدرجة الأولى.
لم يعتقد أحد أن تقديم سيف ناصر أوراقه بالمسابقة إلا ضربا من ضروب الجنون التي تنتاب مراهقي السياسة والهوى.
ما هو تاريخه الذي يستند إليه؟!
لا شيء.
الكل يعرف أن المرشح الأول لمنصب الرئيس هو إيهاب فخري.. قضى عمره كله بالمؤسسة، حتى أصبح نائبا للرئيس.
كلما خلا منصب الرئيس تقدم بأوراقه.
يحفظ المؤسسة حرفا حرفا.. كل موظف بها يعرفه بالاسم.. ويعرف كل كبيرة وصغيرة عنه.
يتمكن من فوق كرسيه الذي لا يتوقف عن الدوران، من رصد كل شاردة وواردة بالمؤسسة، يحتفظ في درج مكتبه بأخطائهم الصغيرة التي دسها بين أوراقه ليلوح بها وقت الحاجة في وجوههم.
الكل يلجأ إليه عند أي مشكلة، فهو وحده يعرف طريق الحل.. يحفظ قوانين المؤسسة ولوائحها وكيف تسير الأمور بها.
لو لم يعرف الرئيس كيف يكسبه إلى صفه ستتجمد المؤسسة، وتشل حركتها وتتوقف عن العمل.
في كل مرة يتخطاه منصب الرئيس يكتب استقالته، ويضعها أمامه.. كثيرون من الأصدقاء نصحوه بالاستقالة والتفرغ للكتابة.
اسمه ككاتب سيناريو يضمن نجاح أي فيلم.. لو تفرغ للكتابة سيجني من ورائها أرباحاً مجنونة.. لكن لا أحد منهم كان يعرف أن المؤسسة لا تمثل له مجرد وظيفة.. كانت أشبه بمعشوقة مستعصية أضاع عمره كله من أجل الإمساك بلحظة دافئة تجمعه بها.
لحظة مجنونة تمزج بين النور والماء، خفاقة كأول الحب، ترمم ثقوب سنوات العمر الطويلة بحنو بالغ.
وكلما ظن أن لحظته اقتربت تنفلت من بين يديه كفاتنة لعوب ملعونة.. فيكتب استقالته ويضعها أمامه بعد أن يطلب فنجانا من القهوة.
يظل يغلق عليه باب مكتبه وتليفوناته ولا يغادر المؤسسة إلا بعد أن يغادرها الجميع.
حينها يسمع صوتها تناديه من جديد.. يطوي ورقته ويضعها في درج مكتبه ويصحب نعومة الأسى معه في طريق عودته إلى بيته.
لا يذهب إلى المؤسسة ليومين أو ثلاثة!
حينها يكون الرئيس الجديد تسلم مهام منصبه، وكلما طرح سؤالا على العاملين بالمؤسسة.. تكون الإجابة واحدة في كل مرة:
إيهاب فخري.. لا شيء يسير في المؤسسة بدونه.
هذه المرة يعرف أنها فرصته الأخيرة للحاق بمحبوبته اللعوب.. لم يبق من السنوات الوظيفية ما يجعله يلحق بفرصة أخرى، ويعرف أن الطريق إلى قلب محبوبته يجب أن يمر بباب الرضاء السياسي.
من أجل ذلك سعى للالتحاق بلجنة السياسات بالحزب الحاكم ليكون قريبا من دائرة الرضاء السياسي.
من ناحيته استخدمه الحزب في الرد على هجمات أقباط المهجر الشرسة ضد النظام باعتباره قبطي وطني، يخرج وقت الحاجة إلى وسائل الإعلام ومراسلي وكالات الأنباء ليردد على أسماعهم ما تحب الحكومة أن تقوله!.
كل ذلك جعله المرشح الأول بلا منازع.. لم يبق له سوى عامان ويحال إلى المعاش، لن تبخل عليه الدولة بمكافأة صغيرة!
لم يطمح للحصول على منصب وزير ليستعص عليه المنصب كأحد المستحيلات.
سيف ناصر صارح صلاح خطاب بمخاوفه.
قال أن المناخ السياسي كله يصب في صالح إيهاب فخري.. ضغوط أقباط المهجر وأمريكا والدول الغربية يجعل الدولة حريصة على اختياره للتغطية على انتهاكاتها لحقوق المواطنة.
ضحك صلاح خطاب وعاد بظهره إلى الخلف وتطلع إلى النيل من شرفة شقته وقال:
حاول أن تنسى الشعارات التي حفظتها في الحزب.. تلك الجعجعة لا تفيد في شيء.
ثم شرد بنظره بعيدا وهو يقضم سيجاره الكوبي ويشعله، قبل أن يكمل:
ليس فقط الشعارات.. من الأفضل أن تترك الحزب نفسه.. ودع أمر إيهاب فخري لي.. الطائفية سلاح ذو وجهين كلاهما مر.. أحيانا تستخدم لصالحك، كما قد تستخدم ضدك. أنا سأتصرف!
لم تمر أيام إلا وكان ملف إيهاب فخري أمام جهات أمنية عليا.. ممارسات وصفها البعض بأنها طائفية، قيل أنها حدثت في بدايات عمله بالمؤسسة ولم يسمع عنها أحد، وآخرون أكدوا أن أحدهم دسها في ملفه الوظيفي بعلاقاته مع كبار قيادات أمن الدولة.
هكذا ترددت الأقاويل بعد الإعلان عن اختيار الرئيس الجديد.. وسط علامات التعجب الكبيرة التي ارتسمت على الوجوه.
لم يرد في ذهن أحد من العاملين بالمؤسسة شخص آخر بخلاف صلاح خطاب وراء تسريب الملف الأمني لإيهاب فخري والصعود اللا منطقي لسيف ناصر وانقضاضه على كرسي الرئيس.
دائما صلاح خطاب يقف وراءه، دون أن يعرف أحد السر وراء علاقتهما الحميمة.
حين لم يجدوا مبررا معقولا يجعل سيف يحظى بثقته، تناقلوا أخبارا وحكايات عن لقاءاتهما الكثيرة بالمؤسسة وخارجها.
فتحوا صفحة صلاح خطاب ورددوا أسئلة خبيثة عن أسباب عدم زواجه.. تساءلوا عن السر الذي جعل إدارته بلا امرأة واحدة؟!
دائما كل موظفي الإدارة من الرجال الأشداء.. يعلن عن مسابقة لتعيين موظفين جدد ويجلس بنفسه مع اللجنة المشكلة لاختيارهم.. حتى سكرتاريته الخاصة يختارهم من الرجال.
أحدهم قال إنه رأى سيف بصحبة صلاح خطاب يقصدان أحد الفنادق التي يرتادها الشواذ.
ظلوا يبحثون وينقبون في أسباب بعيدة ولم يتخيل أحد أن زملاءه بالإدارة كانوا وراء علاقته الحميمة بصلاح خطاب!
حينها لم يكن مر على تعيين سيف ناصر بالمؤسسة سوى عدة أشهر، وفوجئ باستدعاء رئيس الأمن بالمؤسسة له.
كانت إدارة الأمن بالمؤسسة إدارة وليدة، لا أحد يعرف لها دورا بالتحديد.
مكتب معدني حكومي يرقد هناك بحجرة صغيرة بالطابق السادس، يسكنه رئيس الإدارة وموظف صغير آتى معه، لا يعرف أحد إن كان سكرتيرا للرئيس أم عاملا بالمكتب، أم موظفا كتابيا؟
أم كل ذلك معا؟!..
أما التوصيف الوظيفي فكان أكثر غموضا.. مسئول أمن!
لم يعرف هو نفسه معناه.
وماذا عليه أن يعمل خريج كلية الحقوق في إدارة الأمن؟
لم يكن عليه إلا الوقوف بطرقات المؤسسة ومتابعة المترددات على المكان ومراقبة رجرجة مؤخراتهن المكتنزة من بعيد، بعد أن يُحضر الجرائد اليومية وإصدارات المؤسسة للرئيس، ويطلب من عامل البوفيه أن يحضر له قهوته السادة.
كثيرون احتاروا في أمر الإدارة الجديدة، هل هي عودة إلى الرقيب العسكري الذي عينته قيادة ثورة الضباط الأحرار بمؤسسات الدولة.. أم إنها إدارة اخترعتها الدولة لتكافئ رجالها المخلصين بعد أن يحالوا إلى التقاعد، أم أنها إدارة جديدة زرعها حبيب العادلي في الجهاز الحكومي ليمسك بمفاتيح الدولة كلها ويحتفظ بها في درج مكتبه بلاظوغلي.
بمجرد أن علم سيف ناصر بأمر الاستدعاء زارته شياطين الهواجس.. وتساءل في نفسه إن كان للأمر علاقة بنشاطه السياسي وعلاقته بالدكتور؟.
لم يكن حينها عرف طريق جماعته السياسية بالعاصمة بعد.. كان مشغولا باكتشاف عالمه الجديد وتثبيت مكانه بالمؤسسة أولا، أما الدكتور فلم يره أو يتصل به منذ وطأت قدماه عتبات القاهرة!.
أحد أصحابه بالشئون القانونية همس له أن زملائه بالمكتب قدموا شكوى ضده بخصوص ميزانية النشاط المسئول عنه لإدارة الأمن.
وصلتنا نسخة منها أمس!
تلقفها من بين يديه.. حفظ كل حرف فيها قبل أن يعيدها إلى صاحبه، ثم تركه مسرعا، بينما الأفكار تتدافع إلى رأسه كجماعات تتزاحم وتتجادل وتتعارك للوصول إلى حل للخروج من المأزق.
حسام حامد إذن وراء الشكوى؟..
لم يرد على رأسه اسم آخر!
لمجرد إنه أصدر كتاباً عينوه سكرتيراً لتحرير إحدى سلاسل النشر، موقعه الوظيفي جعله ينسج شبكة علاقات واسعة بالأدباء ومحرري الصفحات الأدبية من أجل نشر كتاب ضمن السلسلة، أو إدراج أسمائهم في كشوف لجان القراءة وإجازة الأعمال من أجل مكافأة مالية تعيسة، ورغم ذلك يحقد عليك ولا يرضيه خطوات السلحفاة التي تخطوها بقاهرة المعز.
لن تستمر هنا يا سيف إلا إذا امتلكت عصا وجزرة.
ومن أين لك بهما؟
كان حوار ممتد يدور في رأسه ويستولي على جوارحه وأفكاره، لم يفق منه إلا في مطبعة المؤسسة.
صحب معه عدداً من الكتب التي يشرف على إصدارها حسام حامد واتجه بعدها إلى موقف الفيوم.
كلمات ترحاب شحيحة تبادلها مع شوقي، ثم طلب منه أن يصحبه إلى الشيخ إخلاص!
ما الأمر؟
سأل شوقي باستغراب..
صاحبه الذي غاب لأشهر عاد دون أن يقول كلمة عن مؤسسته الثقافية وعمله هناك، يسحبه من يده لمقابلة الشيخ إخلاص الذي يصفه الدكتور وأصحابه بالفاشست الصغير!.
ترى ما الذي فعلته بك قاهرة حسن البنا والتلمساني يا صديقي؟
ستعرف كل شيء هناك؟
سألا على الشيخ إخلاص ببيت العائلة المتهدم، لكنهما لم يجدا أحداً هناك، دقا باب أحد الجيران، فأخبرهما أن الشيخ بنى بيتاً جديداً على الطريق بجوار مسجد قباء.
كان سيف يتعجب حقا كيف يعيش الشيخ وأقرباؤه في حجرة ببيت متهدم لا يتسع لأسرة واحدة، فما بالك بعدد من الأسر؟!
تدافعت البيوت أمام عينيه كشيء عابر يمر من نافذة قطار دون أن يعني له شيئا وهو يلهث للوصول إلى الشيخ إخلاص.
لم يعرف شوقي سببا للغرابة التي تتبدى في تصرفات صاحبه، صمته الذي يخبئ خلفه قدراً كبيراً من الغضب والقلق والغموض.
طاوعه بريبة المتشكك والمتلهف لمعرفة السر الذي عاد بصاحبه إلى شوارعه القديمة.
ظل يسير خلفه في محاولة للحاق بخطواته الأسرع دائما.
بمجرد أن لاح مسجد قباء أمامهما بالجهة المقابلة، قطع الطريق عابرا إلى الجهة المقابلة غير محترز للسيارة التي مرقت بجواره واحتكت بحقيبته السوداء المعلقة بكتفه الأيسر، أو بسباب السائق وتحذيرات شوقي الذي تسمر في مكانه.
سأل أحد المارة، فأشار له ناحية البيت.
وضع يده على الجرس الذي أَنَّ بعنف، ولم يتوقف إلا عندما سمع صوتاً من أعماق البيت يقول:
مين؟!!
الشيخ موجود؟
لحظات رفع فيها عينيه ناحية واجهة البيت الذي ارتفعت طوابقه الأربع عاليا ترسم علامة تعجب كبيرة عن الكيفية التي جعلت الشيخ الذي كان عاجزا عن استئجار شقة بالمساكن الشعبية ليسكن فيها مع أولاده بدلا من الحجرة التي كانت تؤويهم مع عائلة بأكملها.. الآن أصبح يمتلك بيتا بطوابق أربع تزيد تكلفته عن راتب الشيخ لو تم مضاعفة عمره الوظيفي لعشرات المرات؟!
بعدها انفرج الباب عن ابن الشيخ ودعاهما للدخول.
اطلعوا للشيخ في الدور الرابع..
لم يدعه يكمل الجملة إلا وكانت خطواته ترتقي درجات السلم.
إذا أراد الصعود فعليه أن يصعد درجات السلم في خطوة أو خطوتين، دون أن يعيقه عائق!
الآخرون بقفزة واحدة يصعدون البرج.. يملكون سماوات القاهرة البعيدة ويلمسون نجومها بأيديهم!
على مقربة من الشيخ جلس يمسح العرق والغبار والغضب عن جبهته، ويرسم ابتسامة فاترة على وجهه مع كلمات الترحاب المقتضبة.
كان يضيق بالزوار من الرجال والنساء بنظراتهم الكسولة المنكسرة الذين توافدوا على حجرة الشيخ يبحثون عن ذيول الأمل لمواصلة الحياة.. نفس الوجوه المتعبة التي تبحث عن طوق نجاة ولا تجده.. تكدّر قليلا، وشعر بغصة داخله قللت من حماسه، تجاهلهم وتسلل بعينيه بعيداً إلى الصور المعلقة على الجدران.. صورة للشيخ بملابس السجن الزرقاء، ملصق للمصحف الشريف يتعانق مع سيفين متقاطعين، وآخر لعبارة (الإسلام هو الحل)، وأية قرآنية في برواز قديم مُذَّهب.
أفاق على صوت الشيخ ينهر أحدهم بقسوة.. حين تفحصه وجد حركات عصبية غير طبيعية على وجهه وشفتيه اللتين تحركتا دون إرادة من غير أن تقولا شيئاً.
تجتاح جسده كله رجفة شديدة وهو يحاول الاستغاثة بمرافقيه الذين وقفوا على مقربة منه ينتظرون أوامر الشيخ، كل ذلك جعل شعوراً من القلق يتلبسه تجاه ما سيحدث.
حينها نظر ناحية شوقي الذي وضع كفه على فمه وبادله النظرات الحائرة نفسها.
طالما لم يخرجوا من جسده بإرادتهم، سنخرجهم بإذن الله بطريقتنا!
هكذا قال الشيخ بصوت عالٍ زرع الرهبة في قلوب الحاضرين.
مال بجسده وأخرج حبالا سلكيه وسوطا وعصا غليظة من تحت الكنبة وناولهم لأحدهم، ثم قال بنبرة تومئ عن عنف حقيقي وطقوس مهيبة قادمة:
انتظروني بالأسفل.. سأنتهي من بعض الأمور وأنزل لكم.
حينها صرخ المريض صرخة مدوية أفزعت كل الموجدين بالحجرة.. حاول التملص من بين أيدي الممسكين به؛ دون فائدة.
الممسك بالعصا والسوط والحبال تحرك بتثاقل وقال ببطء وحذر، بينما يخالج صوته رنة حزينة شعوراً منه بالذنب:
هتضربه؟!
لن يشعر بشيء.. إذا لم يخرج عفريته قبل أن أنزل لكم، فسأخرجه بالقوة.
حين عبروا من عتبة الباب، التقت نظراتهما فانقبض وجهه، قال شوقي وهو يتلبسه شعور بالخزي والأسى:
من الواضح إنه مريض ويحتاج إلى طبيب نفسي!
طبعا
قال الشيخ إخلاص بتعبير محايد تقريبا، بينما هز رأسه مؤيدا رأي شوقي:
لا تخافا.. لن أفعل له شيئا.. لكننا أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم..
........
هم أهلنا ورجالنا. إن أغلقنا أبوابنا في وجوههم، لن يعودوا إلينا ثانية.
لا يعرف سيف سر غبطته التي استشعرها حين سمع كلمات الشيخ الأخيرة.. تأرجحت في رأسه أفكار باهته عن تشكيل الاعتقادات والإيمان بها.. ووجد في كلماته شيئاً ما يقربهما معاً.
أما شوقي فرأى أن الكلام في تلك اللحظة نوع من الرذيلة الآثمة، فآثر الصمت، وترك سيف يجر الحديث إلى حيث أراد من زيارته.
تكلم عن الثقافة ودورها في توعية الناس.. الفرق ما بين العلم وما بين الخزعبلات التي تعشش في عقول العامة والبسطاء.
ثم عرج إلى الأدب وأحواله، وكيف كان أدبنا العربي، وإلى أين صار؟.
كيف كان الأدب معينا للرقي بالأخلاق والمشاعر، ثم تحول إلى بورنوغرافيا تنطوي على عملية إنتاج واستهلاك صورة الجسد في كل خصوصياتها لنشر الرذيلة بين مجتمعاتنا لصالح أفكار غربية لا تخلو من مخططات استعمارية وتوسعية تحيق بالمنطقة، وتركنا كل ما هو أصيل في ثقافتنا العربية.
معك حق يا سيف.. كل أدب إنساني يدعو للقيم والفضيلة في حقيقته أدب إسلامي، علينا أن نشجعه ونسعى لنشره.
هكذا قال الشيخ وفي عينيه تعبير سعيد، وآمّن سيف ناصر على كلامه بالحمية نفسها قائلاً:
لكن للأسف هناك كتابات لا تخدم أخلاقياتنا، ولا تتوافق مع عاداتنا وديننا.. رغم ذلك يسمحون بطباعتها على نفقة الدولة من أموال الشعب المسكين!
قال جملته الأخيرة، ثم فتح حقيبته الجلدية وأخرج مسودات الكتب التي حملها معه وأعطاها للشيخ.
تناولها الشيخ من بين يديه، تسلل بنظراته بين صفحاتها، ثم وضعها إلى جواره وواصل حديثه، بينما انطفأ بريق كان يشع بعيني سيف بعد أن أنجز مهمته العاجلة وعاد مسرعا إلى قاهرته.
***
لم يرتب لأفكار بعينها يسوقها لرئيس الأمن بالمؤسسة، جمع صور من وريقات التسوية للميزانية الخاصة بالنشاط وصحبها معه.
لن يستغرق الأمر أكثر من بضع دقائق يعطيه فيها الأوراق ويتركه يراجعها كيفما شاء.
أهم شيء في التعامل مع الدولة الأوراق اللعينة!
يولد الإنسان بورقة، ويموت بورقة، يصبح مواطنا بورقة، ويبات بلا جنسية أو وطن بورقة.. لا يهم إن كان شريفاً أو لصاً، المهم ما تفصح عنه الأوراق والمستندات، وما دامت الأوراق سليمة، فكل شيء بخير، والأمور تسير على ما يرام..
إلى أين؟.
لا يهم..
المهم الأوراق والفواتير!
كانت حجرة رئيس الأمن لا تختلف كثيرا عن باقي حجرات إدارات المؤسسة بأثاثها الفقير الذي لا يزيد عن مكتب معدني وعدد من المقاعد الجلدية المتهالكة، الاستثناء الوحيد كان لمكتب رئيس المؤسسة وسكرتاريته.
حين دخل إلى المكتب وجد أحدهم جالساً في أحد المقاعد أمام المكتب المعدني، عميقاً ومستغرقاً باطمئنان في جلسته.
تفقد المكان بعينيه فلم يجد أحداً آخر.
سأله:
ألا يوجد أحد هنا؟
تقريبا
كاد سيف أن يتراجع وينسحب عائداً إلى إدارته، ثم يعود في وقت لاحق، لكن الجالس باطمئنان في المقعد الجلدي أشار له قائلا:
تفضل.. كلها دقائق ويأتي أحدهم.
استسلم سيف لكلماته وجلس في المقعد المواجه له، يعبث في أصابعه بين الحين والآخر، ويبتسم بسذاجة كلما التقت نظراتهما.
تفحص ملامحه ليعرف هل آتى مثله لشكاية تقدم بها أحدهم حقداً على نجاح يُصنع، ووضع العراقيل في طريقه، أم تراه أحد الحاقدين الذين يغرسون الأرض أشواكاً تنغص على الناجحين حياتهم، أم مجرد زائر عابر لأحد العاملين بالمكتب؟
كانت ملامحه مبهمة كصورة شعرية لجماعة إضاءة، لكن بدا من هندامه أثر نعمة ما زالت تلاصقه.
حضرتك بتشتغل هنا؟
قال وطيف ابتسامة يلامس وجهه:
أنا..؟!
لأ.. أنا ضيف.
صمت لحظة، ثم رفع جفون عينيه ناحيته.. ظلت عيناه للحظات تحدقان في ملامحه قبل أن يسأله:
وأنت ؟
يعني..
قال سيف بتأن حذر، ثم لم يعرف ما الذي جعله يسترسل معه في الحديث دون تحفظ اعتاد أن يلازمه.. حتى رئيس الأمن تطرق إليه وانتقده بعنف غير عابئ بوقوفه أمامه بعد لحظات.
قال محاولاً إبهاره واستعراض ثقافته أمامه: ماذا يفعل الأمن بالمؤسسة.. لاشيء تقريباً، إدارة مبهمة لا دور لها إلا مكافأة بعض المتعطلين بمنحهم وظائف مجانية، ومكافأة رجال خدموا الحكومة بعد إحالتهم للتقاعد من مناصبهم.. لكن هؤلاء كيف يرضون أن يبقوا مجرد صورة في برواز قديم على حائط المؤسسة.
لا دور لهم، ولا مكانة!.
انظر يا سيدي إلى حجرة الرئيس، إنها لا تختلف عن حجرات موظفي الأرشيف.. ما معنى أن تكون رئيساً بلا حاشية، وبلا سلطان أو جاه؟!.
لن يحترمك أحد أو يخشاك إذا عاملوك مثل ورقة بيضاء تحركها الريح وتعبث بها كيف شاءت، ويلونوها بالألوان التي يبغونها.
عام مر منذ إنشاء الإدارة ولا أحد يشعر بها أو برئيسها.. فقط يتذكروه لإرهاب من يختلف معهم من موظفي المؤسسة بتحقيق لا معنى له، أو كتابة تقرير ضد أحدهم يضمنون به ألا يعتلي مقعداً لأحد المناصب القيادية!
لو كنت مكانه لأصبحت الرجل الخفي في المؤسسة الذي يتحرك كل شيء بإذنه وإرادته.
قال كلمته الأخيرة وداخله شعور بأن فرعون صغير يعشش في قلبه ويريد أن يخرج مارده.
بدا على وجه الرجل مزيج من الإعجاب والدهشة حين استوقفه متسائلا:
وهل يستطيع أن يفعل ذلك؟
طبعا..
وجد سيف نفسه يسترسل في الحديث بعفوية وأريحية جعلته لا يضع ضوابط أو حسابات لجمله.
تخيل لو كان مكانه ماذا سيفعل؟..
من الغد سيستولي على الطابق السادس بأكمله لإدارته، سيتفق مع أكبر شركات التأثيث والديكور لتأثيث مكتبه الذي لن يسمح لأحد بدخوله دون موعد سابق تحدده السكرتارية الخاصة به.. حتى رئيس المؤسسة سيلزمه التفكير أكثر من مرة قبل أن يقترب من مكاتب إدارته.
حين سيسمح له بدخول مكتبه، سيكتشف أن الرئيس الحقيقي هنا في الطابق السادس.
الرئيس الذي يعرف كيف يربط تلك البالونات - المنتفخة والممتلئة هواءً والتي تملأ طرقات المؤسسة بالضجيج - بالأرض.. لن تنطلي عليه العبارات والجمل الرنانة التي يرددونها على صفحات الجرائد أو عبر شاشات التلفزيون.. لقد دخلوا بأقدامهم إلى الحظيرة، وعليهم جميعا ألا يتجاوزوا أسلاكها.
لن يجعلهم يحلقون إلا بالكيفية التي يريدها.
مكافأة من هنا أو مكافأة من هناك ستجعلهم يسيرون خلفك كالقطيع، وإن شرد أحد عن القطيع سيكون عبرة لزملائه وللواقع الثقافي كله حتى لا يفكر أحد في الخروج عن النص المكتوب بعناية.
تلك الأشياء ضرورية وهامة لتصنع مكانتك بين الذئاب الذين لا يتركون شيئا لمن أرادوا لأنفسهم أن يظلوا حملانا!.
لكن أين هو الرئيس.. هل تصدق إنني لو قابلته في طرقات المؤسسة لن أعرفه؟!
كان يحاول أن يشرد بفكره ويذهب ببصره نحو مكان آخر، لكن لم تسعفه التفاصيل.
لم ينتبه سيف ناصر للرجل الذي نهض من مكانه إلى مقعده خلف المكتب المعدني وأمسك بقلمه بين إصبعيه ووضعه بين شفتيه كعاشق نهم يشتاق إلى سحب أنفاس لفافة تبغ بعد انقطاع عنها لسنوات طالت.
نهض هو الآخر من مكانه وظل يروح ويجيء بخطوات وئيدة منتظمة متحدثا عن خططه للإدارة.. ظلا يتبادلان الحديث حتى اكتشف سيف أن الجالس أمامه لم يتكلم إلا بكلمات شحيحة لم تجعله يعرف عنه شيئاً تقريباً، رغم إسهابه في الحديث معه.
حينها توقف وسأله بخصوص حضوره إلى إدارة الأمن.
من سيزور بالإدارة ولا أحد بها؟!
حاول الرجل أن يتهرب من الإجابة ليستمع أكثر من سيف لكن إصراره جعله يستنتج أن جعبته باتت خاليه.
لم يقاوم الرجل إعجابه بسيف وشهية الكلام التي باغتته، فأجابه قائلا:
(ستتعجب حين أحكي لك.. لا يتعدى الأمر كله كونه هراء كبير نعيشه.
كنت أعمل في جهاز سيادي هام.. قدمت للبلد خدمات جليلة كبيرة لا يمكن أن تتصورها.. لكن من يتذكر، ومن يحفظ للرجال مكانتهم وحقهم في هذا الوطن، لكل بداية نهاية.. وحين لا يجدون لك المكان المناسب يضعونك في أي مكان كنوع من المكافأة أو الترضية أو أي شيء آخر، لك أن تسميه كما تشاء، المهم أن يضمنوا وفاءك حتى النهاية.
على الأقل.. في نهاية كل شهر سيحولون إلى حسابك البنكي ما يكفي للمساعدة بإدارة شؤونك الشخصية بشكل معقول.
انتهى دوري بالجهاز، وأرادوا مكافأتي بتعييني مديرا لمكتب أحد الوزراء.. كنت بحكم منصبي أعرف الكثير عن فساده.. تقارير كثيرة عنه مرت من بين أيدينا، وكنا مع كل تغيير وزاري ننتظر خروجه من الوزارة.. لكن يبدو أن التقارير كانت تساعد أكثر في ترسيخ مكانه، فنفاجأ به كأول المطروحين في التشكيل الجديد.
أردت الاعتذار عن قبول الوظيفة والاكتفاء بالمدة التي قضيتها في عملي السابق، لكنهم أصروا.
قالوا إنها فترة مؤقتة لن تطول.. عند أول تشكيل أو فرصة لتغيير وزاري سأكون أول المطروحين للدخول فيه.
لا تضيع الفرصة على نفسك، لقد خدمت الوطن كثيرا.. وأنت أحق بالوزارة من غيرك!
هكذا قالوا، وأنا صدقتهم.
لكن العمل معه كان بمثابة الغلطة التي تلوث ثوبك إلى الأبد، وتضيع معها الأحلام الكبيرة، لم أكن أتخيل أحداً بتلك الفظاظة والخسة والضعة في منصب رفيع بهذا المستوى.
لم يكن يخجل حتى من التربح من أي شيء عابر يمر من خلال الوزارة.. لم يكفيه مليارات الجنيهات التي تكدست بها أرصدته ببنوك سويسرا.. كان يستغل صغار الموظفين بالوزارة بكافة الأشكال، وكأنها تكية خاصة يديرها لحسابه.
لكن كل ذلك يهون إلى جوار شخصيته الوضيعة وسلوكه المشين.
فبخلاف إنه لم يكن ملماً أو عابئاً بالعادات والآداب المناسبة للمجتمعات المتحضرة، كان منفلت اللسان، لا ينسى أصوله الوضيعة التي تظهر مع كل مناسبة في ألفاظ سوقية خارجة لا تقال في حواري وليس في ديوان وزاري!
خاصة وهو يدمن الشراب في كل وقت.. ولا يتورع عن اصطحاب الداعرات إلى مكتبه في وضح النهار!
كنت أتعجب وأتساءل عن السبب الذي يجعلونه يستمر في منصبه بعد أن فاح أمره، وتخصصت إحدى الصحف المستقلة في نشر وقائع فساده على صفحاتها.
لكنهم نصحوني بأن استمر في عملي وأتغاضى عما أسمع وأرى.
أحدهم أشار إلى الأخبار التي تتسرب إلى الصحف عنه ونصحني أن أخفف من حدة المعركة من أجل الكرسي المنتظر!
بعدها حاولت أن أتحاشى الاصطدام معه، لكن كان من المثير للسخط لدي محاولة استغلالي الشخصي في تسهيل إنهاء الإجراءات الخاصة بسفر زوجته وأولاده واصطحابهم من المطار وإليه.
ثم تمادى بتكليفي بمهام خاصة، قبلت بعضها على مضض، ورفضت البعض الآخر مما يستحيل أن أتخيل نفسي أقوم به.
حين رفضت، جن جنونه.. سبني بألفاظه القبيحة كما أعتاد مع موظفيه.
حينها لم أتمالك نفسي، انقضضت عليه، ولم ينقذه من يدي إلا أمنه الخاص.. كنت من اليوم الأول لتعييني بمكتبه أتحين تلك الفرصة، ولم أكن لأضيعها.. لم أكن غاضبا لسوقيته أو تعليقاته المخجلة أمام العاملين بالوزارة، بقدر ما كنت ساخطا على وجود شخص مثله في ذلك المنصب الرفيع.
لكن كلما فكرت في ضربه أعدت النظر في الأمر، وقارنت ما بين إشباع رغبتي الخاصة في ضربه وما بين احتياجي لتثبيت مكاني لأشق طريقي إلى كرسي الوزارة، فاخترت الحل الأخير، حتى حانت اللحظة التي لم أتمالك فيها نفسي.
بعدها حين استدعوني قالوا إن ما فعلته يمثل ضربا من الجنون.. ولولا خدماتك الجليلة للوطن لما مر الأمر بسلام.
قالوا إنهم تقديرا لتاريخي سيعينونني بإدارة بوزارة الثقافة!
اعترضت وقلت: ما علاقتي أنا بالثقافة؟
لكنهم نصحوني أن أنفذ الأوامر بلا اعتراض.. أحدهم قال نفس كلامك تقريبا: (إنها إدارة بلا عمل تقريبا.. إن مللت من البيت يمكنك أن تذهب لتحتسي قهوتك بالمكتب).
ساعتها نهض سيف ناصر مرتبكا.
حاول أن يتذكر ما قاله تحديداً، هل قال شيئا لن يغفره له الرئيس أو ينساه؟
لم يستطع أن يكمل جملة واحدة بشكل صحيح:
يعني ي ي.. حضرتك
اجلس واطمئن.. لم أصبح رئيساً بعد، فأنا ما زلت بانتظار الرئيس السابق لأستلم الإدارة منه!
***
لا أحد في المؤسسة يعرف عن ذلك اللقاء البعيد، وكيف أصبح سيف ناصر بعدها رجل صلاح خطاب بالمؤسسة، الذي ينقل له كل صغيرة وكبيرة بها.
من جانبه لم يدخر صلاح خطاب جهداً في الأخذ بنصائح سيف ناصر حتى أصبح الرجل الذي يخشاه الجميع بما فيهم إيهاب فخري نفسه.
كان سيف يريد أن يقول لزملائه الذين يجدونه مثل قصيدة نثر في جسد تقليدي مقفى: ماذا فعلتم أكثر من بضع مقالات هاجمتم بها مؤسسة حكومية شائخة وانتصرتم عليها، ثم التسكع بين مقاعد الجريون وزهرة البستان بحثاً عن فكرة جديدة تسقط من أوراق قروي ساذج بعثرت أوراقه أحلام الشهرة بقاهرة أمل دنقل والأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله.
في الثقافة لا توجد محاذير، يمكنهم أن يسيروا فرداً فرداً خلف أمجد ريان وهو يحدثهم عن سوزان برنار والقصيدة الجديدة وأوراق الكلينكس ويلقوا بزجاجات البيرة وطفايات السجائر وبقايا التبغ المحترق في وجه أحمد عبد المعطي حجازي الذي نصب نفسه هرما أكبر لكلاسيكية الشعر.
أما سيف ناصر فقد حارب الحكومة وانتصر عليها في محراب السياسة التي لا ترحم.
واحدة بواحدة، فلا غالب ولا مغلوب.
طلب من عامل البوفية أن يسقي المؤسسة كلها مشروباً على حسابه وأسرع إلى مكتبه ليلم أوراقه ويلحق بمقر الحزب للاحتفال الكبير.
لكنه وجد أنور شفيع ينتظره هناك!
أنور شفيع!..
تعانقا طويلا قبل أن يسأله عن أحواله وأحوال الفيوم، ومتى عاد من سفره؟.
اتكأ أنور على مقعده إلى الخلف وسحب نفساً عميقاً من دخان سيجارته وزفره بعنف في وجه صاحبه وقال:
من تقصد في الفيوم؟
أنت.. وحاتم.. وشوقي.. وباقي الأًصحاب.. والأدباء بالقصر!
حاتم ترك العمل بالفيوم.. نقل إلى قوات الأمن بالمنيا.. ثم سمعت أخيراً إنه عاد إلى المباحث... يقال إنه استلم عمله في قسم شرطة إمبابة منذ أيام.
النذل.. حاتم في القاهرة ولم يتصل بي.. سيكون لي معه حساب عسير.. وأنت وشوقي أيه أخباركم؟
لقد جئت إليك من أجل شوقي!
خيراً.. هل حدث له مكروه؟
قال الجملة الأخيرة وتذكر إنه مر أكثر من عامين على لقائهما الأخير بعد أن خرجا من عند الشيخ إخلاص.. ودعه عند محطة مصر ومضى مطرقاً لا يلوي على شيء خلفه.
أنور قال إن أموره تسير من سيء إلى أسوأ.. لم يعد يشعر بأن له مكاناً في هذا الوطن.. حتى الأجازة القصيرة التي يقضيها هنا يستشعر أنها مثل واجب ثقيل يؤديه بلا رغبة.
تخيل يا سيف لم أعد قادراً على كتابة الشعر، خاصمتني القصيدة فلم أعد قادراً على مراودتها!.. أصبحت الأشياء تنفلت من بين أصابعي واحدة بعد أخرى منذ ضاعت سلوى من بين يدي.
كان يريد أن يستطرد أكثر عن خضوعه لرغبة أمه.. لن يقدر أحد تلك السطوة التي تمارسها.. لن يصدقوا أن الشاعر الباحث عن التمرد لا يستطيع أن يقول لا في وجه أمه، ويكسر قافية واحدة ليخرج من عباءة التقليدية إلى ثوب الحداثة.. حين قال لأمه أنه يريد أن يتزوج انشرح قلبها، شعرت ساعتها أن تعب السنين لم يضع هباء، أغرورق الدمع بعينيها ونظرت ساهمة إلى صورة أبيه تريد أن تبوح له بأوجاع السنين.. أنور أصبح رجلاً تتمناه النساء، ذلك الطفل الذي تركته بين يدي بات رجلاً تحلم النساء به فوق حصانه الأبيض يدق خدرهن ويقطف أزهارهن البيضاء!
كان رهان حياتها الأكبر الذي تركه زوجها لها بعد حياة قصيرة لم تشبع نزيف جسدها.
كانت تقرأ نظرات الشفقة في عيون العائلة على العروس التي ترملت مبكراً، والصغير الذي اختار اليتم مسكناً.. لكنها كانت تستمد من ضعفها قوة، ومن وحدتها سياجاً تحمي به صغيرها من سموم العواصف، حتى صار رجلاً وشاعراً تتحدث البلدة عن أشعاره التي يقرؤونها على صفحات الجرائد.
صارت الأم والأب بالنسبة له، وصار لها كل شيء في حياتها.
كاد حلمها أن يتحطم حين عاد قبل امتحان عامه الأخير بالجامعة ليقضي الأيام الأخيرة العصيبة التي تسبق الامتحان في رعاية أمه.
كانت البلدة تموج بأحداث الفتنة، والعساكر تحاصر الشوارع والميادين، امتدت اليد العمياء وأمسكت به، وحملته إلى عربة صماء لم تسمع لاستجدائه.. دقت أبواب المسئولين واحداً بعد آخر، ظلت تقسم لهم أن ابنها لا علاقة له بشيء مما حدث بالبلدة عقب تعدي قبطي على طفلة مسلمة.. أنور كان بسكنه بالمدينة الجامعية وعاد ليستذكر دروسه قبل الامتحان.. لكن أحداً لم يستمع لها، أو يمد لها يد العون.. ظلت تترجاهم أن يطلقوا سراحه ليلحق بامتحانات آخر العام، لكن العربة السوداء كانت بلا قلب، لم تتعلم معنى الإنسانية، ولا تعرف شيئاً عن مشاعر الأمهات، ولا تستجب لتوسلاتهن ورجاءاتهن المخضبة بالألم!.
أيام وحملته مع كثير من شبان البلد بعيداً.. قالوا سيحبس بالفيوم، ومرة يقولون لها إنه في سجن المنيا، ومرة يقولون في سجن أبي زعبل أو ليمان طرة!.
مرت الأيام عليها طويلة كدهر، لحظتها شعرت بضعفها وعجزها، لو كان أبوه على قيد الحياة لعرف مكانه وحملها إليه.
لكن الأيام بأي حال تمر!.
خرج أنور من معتقله، والعام الذي فاته عوضه عام آخر.. أنهى دراسته وحصل على شهادته، وها هو يقف أمامها ويطلب الزواج.
ضمته إلى صدرها وقالت:
شاور أنت بس وأنا أخطبلك بنت أحسن عائلة في البلد.
لكنه ظل صامتا ولم يقل شيئا.. كان يعرف الأفكار التي تعشش كخيوط عنكبوت عجوز برأس أمه، لا تستطيع أن تنسى ما حدث لأخيها، ظلت تعتبره ثأراً لا يموت بينها وبين عائلة سلوى، لا تزال تسمع صدى صوته المفعم بالشباب والرجولة يتردد في أذنيها حتى يضيع في أعماق المحيط دون أن تمتد له يد وتنقذه، أغلقت الفجيعة كل المحاولات لإقناعها أن ما حدث قضاء وقدراً، لا ذنب لسلوى وعائلتها به، أسرته عالية العمة كما أسرت سلوى أنوراً ابن الأخت، أغلق عشقها كل سبيل للعقل والتعقل، وقف حائلاً أمام كلمات القدر والنصيب التي يرددها العامة سواء اكتووا بنار العشق واستسلموا لهزائمه، أو ذاقوا حلاوة وصاله وحياة الرغد في نعيمه، دون أن يشعروا بما اكتوى به قلبه.. ما طلبه جد سلوى مهراً لعاليتهم لم يكن بمقدور أحد من أبناء البلدة دفعه!.
الأهل والأصحاب والجيران فسروا مغالاتهم في المهر على أنهم يرفضون تزويج أبنتهم له بطلبات يستحيل أن يستطيع تلبيتها، لكن الخال أبى، انفرطت كلمات مبعثرة على حافة لسانه، وقال: إن طلبوا لبن العصفور مهراً لعالية سأحضره!
ولم يكن أحد يعرف شيئا عن الأمل الذي ظل يتواثب وينقر الشباك التي غزلها لعش يجمعه بها.
حين قال أنه سيسافر ليدبر المهر الذي طلبوه، كان الناس يتطلعون إليه بمرارة وعتاب، يقولون له: ستأكلك السنين دون أن تحصل على شيء!.
لكنه قال أنه سيسافر ويعود لعاليته مهما بعد الزمن، وستنتظره عالية مهما غاب.
سافر الخال وأكله البحر.. خرج قاصدا ليبيا للعمل هناك، وبعد شهور من سفره جاء أحد الأغراب ملتحفاً بالمرارة والشجن، وقال أنه كان معه في ليبيا، وأنهما فكرا معاً في السفر إلى ايطاليا للعمل هناك.. ركبا مركب صيد حملت الشباب وأحلامهم إلى عرض البحر وألقت بهم إلى المجهول المرعب بمجرد أن طاردها خفر السواحل، مات من مات، ونجا من نجا.. نكس رأسه وسقطت دمعة من عينيه وقال: البقاء لله.
سكت ليه؟
أنتِ تعرفينها يا أمي
تقصد مين
شاهد ثيابها ترتعش وتئن فوق جسدها.
أزاحته بعيدا عن حضنها، وظلت تثرثر مع صورة أبيه المائلة فوق الجدار عن خيبة الأمل والتربية التي لم تنفع والشماتة التي ستقرؤها في عيون نساء العائلة.
لن أضع يدي في يد قتلة
هل نسيت يا أنور خالك.. هل هان عليك دمه إلى هذه الدرجة؟
لكن يا أمي خالي مات، ودفن الماضي معه، فلم تريدين أن تحكمي عليّ بنفس المصير.. اختاره القدر لمصيره، كما اختار لنا حياتنا!
لكنها لم تستمع له، لم تغفر لعالية التي عاشت على ذكرى الخال تأكلها الحسرة حتى ماتت، ماض انتهى ومر، فلم نظل عالقين بأذياله الدامية؟!
لكن من قال أن العقاد استمع إلى صلاح عبد الصبور أو عبد المعطي حجازي.. من قال أن حجازي استمع إلى أمجد ريان وشعراء قصيدة النثر، ستظل كل قصيدة في خصامها مع الأخرى حتى وإن كانت الضحية سلوى!
سلوى.. سلوى.. سلوى..
ظل يردد اسمها في نفسه مفتونا بصدى الخفقان الذي يحدثه في قلبه ليخفف من وجع الجرح الذي ما زال ينبض.
في الحقيقة كان يريد أن يستدعي سيرتها بمناسبة أو بغيرها بحثاً عن أريج الذكرى أو رغبة في عقاب النفس وجلدها في كل لحظة.
(لكن.. لكن )
هكذا ردد في نفسه وتمنى لو كان الجالس أمامه شوقي واستفاض معه في حديث لا ينتهي عن سلوى، وعن القهر الذي مورس عليه ليتركها تضيع منه.
شوقي ربما يتفهم الوضع بعد أن زلت قدماه ووقع في فخ الحب.
البنت التي تشبه شجن ربابة سحرت قلوب طاولة نادي الأدب بقصر الثقافة، قطعت اجتماعهم وقالت أنها تريد أن تصبح شاعرة، رغم أنها كانت أجمل من كل القصائد التي وقعت عيونهم على حروفها، أكثر موسيقية من بحور الخليل بن أحمد وأكثر تمردا من نساء نزار قباني.
شوقي أجلسها إلى جواره، ودعاها لتقرأ خواطرها، وفي قرار نفسه كان يتمنى ألا يسمعها أحد غيره!
فتحوا عيونهم وآذانهم بإنصات لم يحظ به كاتب من قبل.
الخاطرة التي لم تتعد عدة أسطر حظيت بمناقشات تكفي الندوة لعام كامل، بعضهم جعل منها ربة للشعر، وجعل أسطرها المرتبكة تتخطى شاعرية نازك الملائكة.. وربما كان صادقا لو كان يصف عينيها.
أما الآخرون الذين لم يستطيعوا مجاراتهم في المديح، هاجمهم جوع وحشي للافتراس، حاكموا الشعر في سطورها الوليدة وأطلقوا السهام الجارحة حتى تخضبت الطاولة بدماء الحروف العاجزة عن الإفصاح عما يدور داخلهم من إعجاب بجمالها يريدونه أن يصل إليها ولو استخدموا في ذلك شراسة ذئب جائع.
البنت التي تشبه شجن ربابة لم تعِّ ما يدور حولها ولم تفهم السر وراء مهاجمتها بشراسة وخمشها بالكلمات، وهي التي أتت بخطواتها الناعمة إلى طاولة نادي الأدب لتتعلم الحب والجمال، وتلمع مثل نجمة مضيئة في السماء.
نزفت دموعها بحرقة، وتركت طاولة الطابق السادس تتقاسم الاتهامات واللائمة فيما بينهم.
شوقي هرع خلفها، ركب المصعد معها، وقال أنها أجمل من أي قصيدة جادت بها قريحة الشعراء، ناولها منديلاً ورقياً لتجفف دموعها وربت على كتفها وضمها إلى صدره ضمة خفيفة.
أفاقت حينها وسحبت نفسها وابتعدت عنه خطوة أو خطوتين.. عيناها لمعتا بوميض غريب كقطة غاضبة، استشعر معه شوقي بالخجل، مال برأسه وقال:
أنا آسف.. لم أكن أقصد شيئا... كنت فقط لا أريد لهاتين العينين أن تجرحهما الدموع!
وهي صدقته.
تآمرت المصادفة والدموع وعطل فاجأ المصعد وخوف غريزي خمش قلبهما في لحظة واحدة، جعل قلبيهما ينبضان على إيقاع موسيقي واحد!
تشبثت بكفه وهي تصرخ وتستغيث لينقذهما أحد.
كان الحديث عن التكلفة الباهظة التي تكلفها تشييد قصر الثقافة الجديد الذي استغرق أعواماً عديدة، والمصاعد التي لا تعمل بكفاءة، وعدم اكتمال التشطيبات، وحادث مصعد عمارة الأوقاف بالفيوم وانهياره بمن فيه مازال عالقا بالأذهان بصوره القاتمة!
دقائق من الخوف والرعب والحب وارتعاش لا أرادي لجسديهما مرت عليهما حتى تمكن عمال القصر من إصلاح العطل وإخراجهما.
لكنهما لم يخرجا من المصعد كما دخلا فيه، باتت تجمعهما لحظة من صنع القدر، وألفة صنعتها أزمة عابرة.
الأمنية التي تمناها شوقي في نفسه وهو جالس على طاولة نادي الأدب استجابت لها السماء، وأصبحت تكتب وتقرأ له وحده خواطرها الشعرية.
يلتقيان بقصر الثقافة أو كافتيريا المدينة أو حدائق باغوث، يقضيان الساعات الطوال معا دون أن يشعرا بها.. حتى عندما يذهب شوقي إلى ندوة أو أمسية خارج المحافظة يصحبها معه.
كان مدفوعا بقوة أكبر منه للوقوع في الحب حتى تسري في أعضائه تلك القشعريرة السحرية التي تعيده للحياة.
كان مدفوعا بقوة أكبر منه للوقوع في الحب للاحتفاظ ببعض الأمل في مواصلة اللا جدوى ومقاومة الرغبة في حفر قبر يزداد ضيقا عليه يوما بعد يوم!
وقع في أسر الزواج مبكراً.. شمس زوجته الطيبة كملاك لم تبخل بشيء من أجل مواصلة الحياة بسيرها الرتيب، وتوفير النفقات من ريع أرضها التي ورثتها عن أبيها لحياة لا تكف عن المطالبة بالمزيد والمزيد كل يوم.. لم تشعره لحظة بأنها تحتاج إلى شيء مما تحتاجه النساء، أو أنها تفعل شيئا يختلف عما يجب أن تفعله الزوجات مع أزواجهن، أو تضج بطلباته التي لا تنتهي.
راتبه من عمله بمجلس المدينة يكفي بالكاد نفقات حساب المشروبات على المقهى مع أصحابه.. أما الكتب والمجلات والجرائد التي تكدست بها حجرته فتحتاج إلى راتب آخر.
لم تشأ يوما أن تسأل عن حقوقها، تركته أسير حجرته وأوراقه، وأسير ندواته وأصحابه من الذين مسهم شيطان الكتابة.
لكن من قال أنه كان يشعر بالحياة مع ذلك الإيقاع الرتيب، كان بحاجة إلى شيء يصيبه بالخفقان، ويولد لديه طاقة المواصلة ومجابهة الضياع واللا جدوى.
كثيرا ما سأل نفسه عن جدوى ما يفعله في حياته، عن الكلمات الكبيرة التي ينطق بها على طاولة نادي الأدب ويرى في العيون الانبهار بها.
عن القصص والروايات والأشعار والأفكار الكبيرة التي يتداولها المثقفون كعقار مسكن يعميهم عن واقع لا علاقة له بأفكارهم وقصصهم المجنونة.
مجتمع يصعد بقيم الاستهلاك والفوضى ويدهس بقدميه فوق كل ما هو جميل في حياتنا دون أن يستشعر ذنباً.
أحيانا يشعر أن ما يفعله وغيره من المثقفين نوع من الهروب لعدم مواجهة الحقيقة، موت بطيء يسيرون إليه بعد أن وضعوا عصابة على أعينهم حتى لا يروا الهاوية التي ينزلق إليها الجميع في ظل فساد طال كل شيء.
كان بحاجة إلى ذلك الخفقان الذي داهمه بمصعد قصر الثقافة، وظل مصاحباً له منذ عرفت هبه طريقها إلى حياته، والتقطته كما يلتقط نورس سمكة شاردة لتعود به إلى السباحة في طريق الأمل والحياة.
لم يعبأ بزوجته وصغيره والحياة الرتيبة التي تسير بآلية تروس آلة مجنونة لا تكف عن الدوران ودهس كل شيء يعترض طريقها!
حين تبادلن النساء النميمة فيما بينهن، ثم همسن بها في أذن شمس عن العلاقة التي يغرق فيها زوجها، لم تعبأ بكلامهن.
قالت: إنها نزوة عابرة، الفنانون والمثقفون مثل الطيور تحب أن تغرد فوق أغصان الأشجار لكنها سرعان ما تعود إلى أعشاشها.. بررت لنفسها وقالت: ربما يعيش حالة كتابة، ويبحث عن صدق الحالة في تجربة ستنتهي مع انتهاء الكتابة.
لاحظت مثل هذه الحالات من قبل، كانت تتكتم هواجسها وظنونها لأيام، وأحيانا لأشهر تقضيها مثل شمعة تحترق وتذوي دون أن تبدي اعتراضاً، وحين يعود يجدها في انتظاره!.
لكن حين علمت عن رغبته في الزواج بهبه انقلبت إلى نمرة شرسة تتمطى وتنكمش وتقفز وتهاجم في آن واحد دفاعاً عن حبيبها وبيتها!
لم تترك أحداً من أصدقائه وأقربائه ومعارفه لم تتصل به.. اتصلت بأنور شفيع الذي كان عائداً لتوه من عمله بالسعودية، وقالت أنها من الممكن أن تتفهم أي شيء إلا أن يتزوج عليها!
كانت تفهم الحب على أنه علاقة يقوم فيها العاشق بتقديم كل شيء دون انتظار مقابل، لكنها الآن عدلت من أفكارها وراجعتها، وأرادت أن يظل حبيبها حبيس عشها وحدها فقط، ولا يقفز إلى أعشاش الحديقة الممتلئة بالأزهار والفراشات.
لقد تركت له حياته يفعل بها ما يريد، ولم تسأله عن شيء، ولا تريد أن تمنعه عن شيء مما يحبه، مهما كلفها الأمر أو كلف صغيرها.
إلا أن يتزوج عليها!.
ستترك له الدنيا بما فيها.
لم يفهم أنور ما تعنيه بكلامها، لكنه كان يشعر بأنه مدين لها بالكثير هو وأصحابه.. كان بيت شوقي الملجأ لهم في كل الأزمات، كان الوحيد الذي تزوج وأصبح له بيت مستقل، ولم تتأخر زوجته يوما عن خدمتهم أو تضج بهم لأجل زوجها.
أصبحوا يمارسون معه ذات الألاعيب، ويطالبونه أن يظل متمسكاً بالأطر الشكلية المعتادة رغم كل دعاوى الحداثة!.
( فليذهب النقاد إلى الجحيم.. فما فائدتهم إذن إن لم يستطيعوا أن يغيروا الأفكار البالية التي تعشش برأس أمي، أو يقنعونها أن أحدنا قد يلقى حتفه في منعطف من منعطفات الموت الكثيرة التي تحيطنا من كل اتجاه، دون محاكمات وإدانات ومقاصل للقتل، أو أن يقنعوا زوجة شوقي بحقه في الحب.)
قال أنور في نفسه، وقطع شروده الذي طال.
نظر إلى سيف الذي كان منهمكاً في إخراج وترتيب الأوراق بأدراج مكتبه وجذبه من يده ليشد انتباهه، وقال:
انظر يا سيف.. الوطن أصبح ضيقاً أكثر من خرم إبرة.. إذا كنتُ عاجزاً عن انتشال نفسي من الضياع وأنا أرى الأيام تهرم بحسراتها الكبيرة دون أن أستطيع أن ألحق بقطاراتها التي لا تنتظر أحداً، فكيف تريدني زوجة شوقي أن أساعدها؟.. لم أجد أمامي غيرك.. أنت الوحيد الذي يستطيع إقناع شوقي بالعدول عن قراره.
كان أنور يتحدث بنعومة الرماد المتلاشي شيئاً فشيئا.. ويعد نفسه للرحيل عن وطن لم يعطه إلا الطعنات ووخز الألم، ولا يريد أن يربطه شيء به.
سلوى كانت وطنه، وبعد أن ضاع الوطن ووطأه رفعت الشهاوي بجسده وحبسه في زنازينه، بات لا معنى لوجوده هنا، سينهي أجازته ويعود إلى غربته.. بينما سيف تتخبطه أمواج عاتية لرياح تفتح أبواب مستقبل جديد أمامه.
جمع أوراقه وحملها بين يديه وشد صاحبه من فوق كرسيه ودعاه لينطلقا للحاق باحتفال الحزب.. بعدها سيكون بإمكانه أن يحكي له عن كل شيء باستفاضة.
أراد أنور أن يعتذر له عن مصاحبته إلى هناك، لكن شيئاً دفيناً جعل سيف يصر على أن يحضر معه الاحتفال.
لقد كان ما ينقص اليوم أن يشاهد أحد من الفيوم زهوة انتصاره.. وها هو أنور شفيع يحضر بقدميه.
أصبح الآن مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى أن السماء اليوم فتحت أبوابها في وجه رغباته، ولن يمنعها أو يردها أحد.
***