2

10 0 00

2

يلقي بقناع الشخص المتغطرس إلى تجويف المرحاض، ويشد سلسلة السيفون ليتدفق الماء، ويترك الحمام خلفه مغلفا بالضباب.

لا تعرف شاهنده السر الذي يجعل زوجها لا يستخدم مفتاح الشقة عند عودته من عمله!

لا يكلف نفسه ويضع أصبعه فوق زر الجرس فيغرد العصفور فرحاً، أو يئن أنات طويلة متتالية وقاسية.

بالكاد يكتفي أن يمسح بكف يده باب الشقة (فيما يدعيه دقاً دون أن يترك وقعاً أجوف) في انتظار أن تنتفض من مكانها لتفتح له الباب.

وهي عادةً تتقبل ثورته المتشنجة لتأخرها الموهوم بفتور.

ترى الدم يتصاعد إلى صدغيه من خطوط زرقاء برقبته، ويضرب أذنيه، تلتفت بنظراتها بعيدا من غير أن ترد بكلمة، تتجاهل ما يقوله وتذهب لتُعد الحمام لاستقباله.

كانت تعتقد أنه لم يعد نفس الشخص الذي عرفته رومانسيا وخجولا وودودا، بقامته الرشيقة، ووسامته الحالمة الحزينة.

الأيام جعلت منه شخصا آخر أكثر حدة وانفعالا، يثور لأتفه الأسباب، وفي أحيان كثيرة بلا أسباب أو مبررات، وإن احتفظ بملامحه الهادئة المخادعة.

كانت تصبر نفسها وتقول أن ضغوط العمل كثيرة.. ولا بد أن شيئا يعكر مزاجه، سرعان ما ينزاح إلى الجرف، ويعود يتدفق كنهر بالحب والحنان.

لكن الأيام مرت دون أن تعرف كيف فلتت من بين يديها.. ومع كل يوم جديد كانت أمواجه تثور وتعلو وتشتد قسوة.

ولم يكن عليها إلا أن تكون صخرة تصد أمواجه العاتية بلا هوادة.

( لكن حتى الصخور تتفتت يا حاتم!)

دربت نفسها لدرجة أن أذنيها لـم تعدا تسمعان كلمة مما يردده منذ لحظة أيلاجه من الباب وحتى خروجه من الحمام يلمع كقط معتنى به.

يُسقط عن جسده العرق المشبع بوسخ النهار، وأعباء الوظيفة، وما ألتصق به من قاذورات لا تُرى أثناء تفقده لأقسام الشرطة وحجرات الحجز.

يلقي بقناع الشخص المتغطرس إلى تجويف المرحاض، ويشد سلسلة السيفون ليتدفق الماء، ويترك الحمام خلفه مغلفا بالضباب.

حينها تعرف أن حاتمها عاد.

ترقبه يحتضن طفلتيه بحنان، يغدق عليهما من قبلاته ويسألهما عما دار طوال اليوم في غيابه، بينما تتنافسان فيما بينهما أيهما تحكي له أولا.

تتنفس شاهندة بعمق وتبتسم برضا وتغادرهم إلى المطبخ لإعداد طعام العشاء.

أنَّ العصفور الصامت بغضب أنات عصبية وممدودة أفزعت الملاك النائم بعينيي شاهندة العسليتين.

نهضت فزعة فسقطت المجلة التي كانت تتصفحها - قبل أن تغفو عيناها في وسن لذيذ - من بين يديها على الأرض.

عيناها تسبقانها إلى عقرب ساعة الحائط وتسألان عن الوقت بدهشة.

لم تكن تنتظر أحدا، ولم يعتد العصفور أن يغرد إلا في مواعيد محددة مسبقا.. صباحا لبائع الحليب أو لسائق البوكس حين يخبرها أن السيارة بانتظار الباشا، أو بعد اتصال هاتفي من صديق أو قريب أو زميل لحاتم في العمل.. أو جار جاء يقصده ليتدخل في إنهاء مشكلة ألمت بقريب له، أو الذين يأتونه بحاجاتهم وعللهم التي تبحث عن دواء.

أقاربها امتنعوا عن زيارتها منذ وقت لم تعد تحصيه.. من يفكر في زيارتها منهم أصبح يتبع ذات الطقوس الرتيبة.

إنْ فكر العصفور أن يخرق عاداته بمساعدة الجارات اللحوحات النهمات للتلصص على حياة الآخرين وهتك سرها فهو يعرف مواعيده جيدا، ليس من بينها بأي حال موعد عودة زوجها أو تواجده بالبيت.

مع توالي الصرخات الفزعة لعصفورها الحبيس انقبض قلبها، سرت رعشة في جسدها أعاقت حركتها، ولم تعد قادرة على التحرك خطوة من مكانها.

لمحت الطفلتين تهرعان إلى الباب.

أرادت أن تمنعهما، لكن حنين سبقتها إلى الباب وفتحته.

هبط صدرها وارتفع حين رأت حاتم يدخل من باب الشقة، يميل ناحية طفلتيه ويحملهما فوق ذراعيه ويضمهما إلى صدره.

قبَّل كل واحدة منهما قبلة خفيفة في جبينها وتركهما تتقافزان كظبيتين مرحتين وخطا خطوات بطيئة متعبة ناحية حجرته، بينما شفتاه همستا بكلمة لم تتبين ما هي؟.

لم يصرخ في وجهها كعادته متهما إياها بالتأخر عن فتح الباب، ولم يركلْ شيئا اعترضه في طريقه، ودخل حجرته بسكون غاضب محير.

تبعته بحذر تريد أن تتسلق أفكاره، تتسحب إلى رأسه لتعرف ما يدور فيه.

لاحظت أنه لا يريد أن ينظر في عينيها، بالأحرى يتحاشى أن تتلاقى عيناها بعينيه فتقرأ فيهما شيئا لا يريد البوح به.

سألته وشيء ما يُصْعّد في الصدر قلقا:

هل حدث شيء في العمل؟

غمغم بلهجة عابرة:

لا.

أُحضر لك الحمام؟

لا .. اتركيني بعض الوقت وأغلقي الباب خلفك.

***

كل شيء يخرج الآن من غرفه المغلقة ويمثل أمامه، جلجلت في رأسه أنات وعبر طافحة بصخب وضجيج يختلط بصرخات مكلومة.

طفا في نفسه حزن ثقيل مباغت، حاول هدهدته بحوار داخلي ممدود: هل كنت بحاجة حقا إلى الذهاب لرئيسك وتقديم اعتذار – مرفوض مسبقاً – أم تراك كنت تبحث عن مبرر أخلاقي لتسوقه لنفسك أو تسوقه لسيف ناصر لتبرئ ساحتك أمامه؟.

سيف ليس بحاجة إلى تبريرات، إنه مغموس في نفس اللعبة، كل منا في قرار نفسه يعرف كذبته الصغيرة، كلانا يتخبط كطير أعمى داخل جدران زنزانته ولا يريد أن يعترف بالحقيقة، الزنزانة التي تطال الوطن كله، تنعق طيورها في الظلام بلا انقطاع محاولةً التخلص من الخيوط التي تلتف حول بعضها البعض دون فائدة، فلا تملك إلا أن تنهش كل ما تطاله أنيابها بقوة اليأس.

لسنا بعيدين عن الافتراس إذن يا سيف؟!

سيقول كلاما هشاً هلامياً كالذي يجيده المثقفون للهروب من الواقع عن الحرية وديمقراطية الدهماء ثم يلقي بالمسئولية كلها على نقص الوعي عند الناس وانتشار الأمية الثقافية والسياسية.

سيرتشف جرعة من فنجان قهوته ويتكلم بثقة الممسك بالحقيقة ويقول:

( لأننا شعب متدين بفطرته ما أسهل أن يُضحك علينا بالتمسح بالدين.. إن تركتهم الدولة وسيطر هؤلاء على الأمور سنعود إلى الخلف مئات السنين.. التجربة خير شاهد، انظر ماذا فعلوا بالجزائر والسودان وغزة عندما آلت إليهم السلطة؟).

تعرف جيدا أن الانتخابات ستمر بك أو بغيرك، ستتناقل وكالات الأنباء الصور ويخرج المسئولون والمعارضون يقولون كلاما كبيراً عن الديمقراطية، وحرية التعبير، ونزاهة الانتخابات، والتزوير الفاضح، والانتهاكات العلنية، ويلقون الاتهامات والسباب في وجه بعضهم البعض، وحين تنطفئ أنوار الاستوديوهات يعود كل شيء إلى نقطة الصفر ويعود النهر إلى سريانه البطيء.

ساعتها يمكنك أن تغتسل من كل الوساخات التي علقت بك وتواصل حياتك كالآخرين، دون معارك ضارية من أجل أمنيات مبتورة!

فلِمَ إذن يا حاتم كنت تطلب الاعتذار؟.

هكذا كان يحدث نفسه وهو يمد يديه بورقة الاعتذار لرئيسه.

كان شيء ما بداخله يدفعه للتراجع.. يسحب الورقة ويطويها ويضعها في حافظته.. ويدع الأمور تسير كما قُدر لها، لكنه لم يستطع.

ربما لاحظ رئيسه تردده فأسرع إلى التقاطها ووضعها أمامه.. وشرع يقرأ حروفها بفضول الصياد لقنص فريسته والتهامها.

وربما وجد في الورقة تسلية يفتقدها في أيام تحتشد بالأحداث القلقة الكبيرة التي يجدها في كل ما حوله، ولا يتحمل مسئوليتها أحد آخر بخلافهم.

في النهاية ينتهز الجميع أي فرصة أو خطأ يقع فيه ضابط صغير ليشنوا حرباً مستعرة على الوزارة ورجالها.

بمجرد أن مر بعينيه فوق حروفها ضحك باستخفاف أسقط عن حاتم كل الأردية الكاذبة التي حاول أن يستتر خلفها.. شعر حينها أنه تلميذ خائب يقف أمام مدرسه دون أن يحفظ شيئا من جداول الضرب والطرح والقسمة.

داهمه عريٌ مؤلم، استمع لأناته وحده.

ههههههههه.. أنت تهرج يا حاتم.. البلد في نار والداخلية كلها في طوارئ... وأنت تطلب الاعتذار؟

ضغط على الحروف الأخيرة مع حشرجة في صوته نتيجة الإجهاد المستمر في العمل وأطنان التبغ التي لا يتوقف عن إحراقها.

يا أفندم أنا لا أطلب إلا أن أذهب إلى أي مكان آخر.. لماذا بلدي بالذات وفي هذا الوضع ؟

هم من يختارون يا حاتم.. نحن مجرد قطع شطرنج تتحرك في لعبة كبيرة، وعلينا تنفيذ الأوامر كما هي.. هل تظن أن عساكر الشطرنج بإمكانها أن تسأل الملك عن جدوى الانتقال من رقعة إلى أخرى.. إنها مجرد قطع صماء بكماء، لا تملك إلا إطاعة الأوامر، والتحرك وفق إرادة الملك وحده.

صمت برهة، نقر بقلمه خلالها على زجاج مكتبه، ثم تنهد تنهيدة طويلة واستطرد قائلاً:

تعرف أنني أحبك..

............

ولأنني أحبك وأقدر تفانيك في عملك، سأعتبر إنني لم أقابلك اليوم ولم أسمع منك شيئا، ولا تنسَ أن ملفك...

عاود الصمت للحظة ثانية _ ظن فيها أنه سمع صرخة حادة لم يميز من أين أتت.. أو ظنها تنبعث من تلفزيون بأحد المكاتب _ قبل أن يكمل كلامه:

رغم ذلك يحسدك زملاؤك على مكانك وحركة ترقياتك. ما أسهل يا حاتم أن يخرج ملفك من درج المكتب إلى السطح، ساعتها ستجد نفسك على المعاش مع أول حركة تنقلات... هل تفهم قصدي؟!

نهض حاتم من فوق سريره واقفا، يتحسس بيديه موضع السوط الذي ارتفع ليسقط على قلبه في وحشية، رأى صورته تتشوه وتتمزق إلى قطع صغيرة أمام عينيه دون أن يستطيع أن يفعل شيئا.

لم يكن ينقصه أن يفتح أحد فوهة الحريق القديم في وجهه من جديد، ليشتعل ويحاصره من كل اتجاه.

اتصل به سيف ناصر وقال إنه بحاجة إلى مساعدته في تدبير مكان بعيد لإنسانة عزيزة عليه.

حين رآها كانت بعض حطام بعينين حالمتين!

لم يشأ أن يسألها عن شيء، أعطاها نسخة من مفتاح الأستوديو الخاص به، وقال أنه أشبه بعلبة لتخزين الأسماك الميتة وحفظها، كان عبارة عن شقة صغيرة بشارع مقبل ببني سويف، يقصدها يوم وليلة في الأسبوع.. يغلق تليفوناته ولا يعرف أحد طريقا إليه.

يكتفي بأن يقول لزوجته إنه في مأمورية ليحصل على تصريح بالغياب من حياته الرسمية ويعانق ريشته!

قال لها:

خذي راحتك فلن يزعجك أحد.

قالها وكان في اعتقاده أنها ستقضي يوما أو يومين وتذهب إلى حال سبيلها.. حتى أنه نسي في زحمة الحياة أن أحدا يشغل عالمه الخاص البعيد.

حين فتح باب الأستوديو لم يجد أثرا للفوضى التي يخلفها هناك وباتت من معالمه.. كان يتلمس الخطوات كأنه يتعرف على المكان لأول مرة.

عندما دخل مرسمه وجده مغمورا بوهج أنثوي، ووجدها مستلقية على الكنبة كقطعة من لوحة الملاك النائم.. طاف بعينيه على اللوحات التي حرصت على تعليقها فوق الجدران، غمس ريشته في الألوان وظل يعبث بها حتى تجسدت أمامه بكامل براءتها.

قامت فزعة على وهج أنفاسه، تعيد ترتيب فوضى جسدها ولملمة شتات ثيابها وروحها من أجل أن تخفي توترها.. كانت نظراتها تتسم بالترقب:

أنا آسفة.. لم أقصد أن أخترق خصوصيتك

أشارت إلى اللوحات العالقة فوق الجدران وقالت:

لكن أعتقد إنها هكذا أفضل.

لم تشر إلى اللوحات التي جمعتها وراكمتها بعضها فوق بعض، وغطتها بملاءة سرير كبيرة إلى جوار السرير الضيق الذي يحتل حجرة النوم.

حين دخلت إلى الأستوديو لأول مرة ووجدتها تتناثر في كل مكان أرادت أن تهجر المكان وتغادر عائدة إلى قبوها القديم، قالت في نفسها: كيف يرونني وأنا أسكن بين كل ذلك العري؟!

رمت شعرها وراء ظهرها، وضحكت دون حساب، قائلة بصوت مسموع:

قلة أدب

لكنها عادت وقالت أنها ستبقى ليوم أو اثنين حتى تدبر حالها بنفسها.. جمعتها كلها وغطتها بملاءة كبيرة.

حين شاهدت باقي اللوحات لم تتخيل أنها لنفس الفنان.. قربت بين المكان وقلبها، كانت تنبض بوجع وضياع تماما كالذي تعيشه.. رمادية الألوان لامست رمادية المشاعر التي تعيشها وتلاقت طفولتها مع طفولة اللوحات التي تبحث عن أحضان لا تجدها حين تضطرب وترتعش أطرافها وتموء كقط وحيد يبحث عن دفء وأمان في ليلة ممطرة.

حين سألها عن باقي لوحاته التفتت بوجهها بعيدا، قالت وهي تعضّ على شفتيها وتنظر إلى الأرض:

هو دا فن؟

أي فن تقصدين؟

العري والرذيلة!

سألها متعجبا:

إن كان الجسد خطيئة، فِلمَ خلقنا الله من روح وجسد؟!

أحجمت عن الإجابة للحظات، ثم قالت خجلة:

ل.. لا

وأردفت مستفهمة بنظرة آسيانة:

لكن العري؟!

ثم توقفت صامتة ولم تكمل.

العري يطهرنا من مشاعر الزيف التي تحاصرنا.

كان يحادثها ويتمنى أن يتجرد من زيفه أمام أبيه قطعة قطعة.. أن يخلع وجه الممثل الذي يرتديه ويعيش طبيعته حرا فوضويا كارئيا، لكنه في نهاية الأمر حاتم الحقيقي الذي لا أحد يريد أن يعرفه كما هو.

كل واحد منهم يريد أن يشكله حسب هواه.. يحتاج ألف وجه ليتعايش في عوالمهم الشمعية، بينما وجهه الحقيقي لا أحد يريد أن يراه أو يعترف به.. لن يتفهم والده كل ما يدور من حوله.. سينسى أن ابنه كبر وأصبح يقود جيشا من الضباط وضباط الصف والعساكر.. سيتخيله نفس الولد الصغير ببنطلونه الأزرق وقميصه الأبيض الذي يحمر وجهه لأتفه الأسباب ولا يستطيع أن يقول له: لا، علاقة غايتها ومنتهاها أن يأمر الأب فيطيع الابن، علاقة منقوصة قائمة على مصالح وأهواء طرف على حساب آخر، لابد أن تنتهي بالفشل.

لن يستوعب أن الابن خرج من طوع أبيه إلى سلطة أب أشد قسوة.. لا يسمح لأحد بالخروج عن صف النظام ولو للحظة إرضاء لشيخ كهل، ما زال يبحث عن هيبة قديمة ودور مفقود من عصر ذهب وولى ولن يعود.. في بلدة لم تعد تلك القرية التي يعرف أهلها بعضهم بعضا.. ويحترم صغيرها فيها الكبير.

(أي وهم تعيش يا أبي؟.. بلدنا لم يعد فيها مكان لأحد، بخلاف الذين اشتروها، وأصبحت ملكا لهم.. وبتنا فيها غرباء. نعم يا أبي.. لم يعد لنا أيضا فيها مكان، بتنا مجرد عصا تفرق متظاهرين أو تجمع مهللين..!)

سيحاسبه شوقي على المبادئ التي يرددها الجالسون على المقاهي، أو في طيات قصيدة لشاعر مجهول لن يعرفه أحد إلا بجملة ثورية عن حرية قرأ عنها في كتاب، أو صورة متمردة يلهب بها حماس جمهور سرعان ما يفتر.

من أجل مزيد من التصفيق والتشجيع، وكأنه لا يعلم أن البطل لا يحب أن يقتطع أحد من جمهوره ولو بضع مصفقين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة، وأن يستأثر وحده بالمشاهدة كاملة.

لف حول نفسه كمغزل، كأنه يبحث عن شيء لا يعرف تحديدا ما هو فشعر ببعض الدوار وكاد يسقط بشكل مفاجئ، تماسك في اللحظة الأخيرة واستند إلى الجدار حتى استعاد توازنه.

فك أزرار قميصه بينما عيناه تصعدان في فضاء الغرفة فوق خزانة الملابس وتستقران على حقيبة سفر رقدت واستكانت هناك منذ فترة.

شد كرسيا من أمام التسريحة ووضعه إلى جانب خزانة ملابسه وصعد فوقه وأنزل الحقيبة.

تراب ناعم عفر قلبه ووجهه فسعل.

مضغ كراهية لشيء ما، وقال بصوت بطيء:

اللعنة.

تكدست الحقيبة بالأوراق والقصاصات والدفاتر كما تكدست الذاكرة بالحوادث والوجوه والأسماء.

جلس يقلب سنوات وذكريات تراكم بعضها فوق بعض أطلت برأسها بعد أن بقيت حبيسة هناك دون أن يشعر بها.

اشتم رائحة أيام قديمة تفوح من الحقيبة وألبومات الصور الأبيض والأسود، حدث نفسه قائلا:

- ليت الأمور كانت بوضوح الأبيض والأسود؟

تطلع بأسى إلى السنوات والذكريات المركونة.

بدا كأنه ينظر إلى شريط سينمائي طويل، تداعت الصور أمامه، تتقافز من جحورها وتخرج لسانها له.

قفص الاتهام بأذرعه الطويلة التي قيدت كل مضغة في جسده، منصة المحكمة ينتصب خلفها ميزان عدالة لا تتساوى كفتاه، وكيل النائب العام يكيل الاتهامات بلا رحمة، نظرات التشفي في عيون بسطاء احتشدت بهم قاعة المحكمة، فلاش كاميرات ترك الحقيقة غائبة في بقعة مظلمة وظل أسير الظمأ إلى انتقام أعمى.

شوقي وحده كان يصدقه.. شعر للحظات بأن شيئا يدفعه كي يفر من الذين يندفعون بنصالهم نحوه، دق بابه، وأمسك بذراعيه وهزه بعنف.. وسأله:

هل تصدق يا شوقي أنني أقتل أحدا؟!

................

ألست واحد منكم.. هل يمكن لأحدكم أن يقتل، فلِمَ تصدقون ما يرددونه..؟

مَن مِن كل هؤلاء يعرف الحقيقة، من منهم يعرف إنك مجرد ضابط صغير لم يمض على وجوده بالقسم إلا عدة أشهر.. كل ما عليه أن يشاهد ما يحدث حوله بينما يلهو بأصابعه ويعبث بها كطفل صغير، ويوقع بعض الأوراق والمحاضر الإدارية التي لا قيمة لها دون أن يتدخل في شيء.

جلس عند حافة المقعد، يحدق في المرايا وانعكاساتها، ويستعيد وجوها شيطانية متآمرة، تمرق من أمامه وتعود.

أفاق على الباب ينفتح عن أخره بعد أن قام أحدهم بدفعه.. ارتبك حين سمع صوت عمر زاهر بالخارج.. وحده من بين ضباط المباحث اعتاد أن يدفع الأبواب بقدمه بطريقة رعاة البقر في أفلام الكايبوي الأمريكي.

نهض واقفا ليترك له مكانه قبل أن يدخل عليه الحجرة، لكنه كان أسرع من تفكيره.

وجده أمامه يستند بيد على المكتب ويشير له بالأخرى أن يبقى كما هو في مكانه، وخلفه تجمع عدد من الرقباء والأومباشية.

أنت نبطشيه النهارده؟

سأله عمر زاهر وكأنه يوجه له اتهاما ما.

زاغت عيناه تتفحصان العساكر الذين يحيطون به، أو ربما هربا من مواجهة عيني عمر زاهر وصلفهما.

أيوه يا باشا

اصطنع عمر زاهر ابتسامة باهتة قائلاً:

طيب ربنا معاك.. أنا كان عندي مأمورية صغيرة.. عملتها وها أروح.

لم يكن حاتم يعرف شيئا عن مأمورية عمر زاهر، كما لم يعرف شيئا عما يدور في القسم، أو في بيت الحاج فهمي، أو في حياة زوجته وأولاده وأصحابه، مكتفيا بالحياة على الهامش من كل شيء.

لم يخطر في باله أن يقطع عمر زاهر أجازته ويحضر إلى القسم، ويقف أمامه مستندا على مكتبه على نحو مزعج وهو يدخن في وجهه متعمدا، وإلا ما كان ليجرأ على الجلوس في مقعده.

يعرف جيدا كم يكره عمر زاهر أن يرى أحدا جالسا في مكانه، أيا كان قدره.. كان يعتقد أنه خلق لهذا المقعد الذي يناسب مقاسه وحده.

حين زار مساعد مدير الأمن الجديد_ نفسه_القسم، لم يتحمل أن يراه يجلس في مكانه.

كان رجلا ضخماً، أصلع الرأس، أحمر الوجه، بمجرد أن دخل المكتب ركض زاهر لمصافحته وتبادل المجاملات السخيفة والابتسامات المصطنعة كببغاء أعمى، لكن ما أن جلس مساعد المدير على مقعد عمر زاهر وطلب يوميات وأوراق القسم لمراجعتها حتى تبدلت ملامح زاهر واختنق وجهه.

صاح في الصول جلال الذي هرع ليحضر الدفاتر وطالبه بالانتظار في مكانه، وقال إنه سيحضرها بنفسه وسط استغراب الجميع.

حين غادر الحجرة سمعوه ينادي بعصبيته المعروفة:

يا جلال الزفت..

فهرع جلال خلفه ملبيا النداء، ثم عاد جلال وحده ومعه الدفاتر.

أما عمر زاهر فظل يروح ويجيء بين حجرات ومكاتب القسم دون هدف، حتى انتهت الزيارة وعاد إلى مقعده.

فما بالك بشعوره حين يجد ضابط مباحث صغيرا كحاتم فهمي في مقعده؟!

حاول حاتم التخلص من السحابة الثقيلة التي خلفها عمر زاهر بزيارته للقسم، طلب فنجانا من القهوة.. وسأل الرقيب الواقف بالباب عن سير الأمور بالقسم.. المحابيس، المحاضر، النبتشطية، وتمام الحجز.

الرقيب ابتسم وقال:

الأمن مستتب يا حاتم بيه

خلاص.. اقفل الباب ومحدش يدخل عليا

***