- 1 -

8 0 00

- 1 -

سلوى.

يا يمامتى الصغيرة الحبيبة.

يا ملاكى الصغير الجميل.

يا حلم حياتى الذي يملكنى .. وأنت خير من يعلم اننى أملك من حطام الدنيا الشىء الكثير !

سأحب العمل من أجلك.. وسأذكرك.. سأذكر اسمك في أشعارى دوما.. وليكن الله في عونك في كل آن.. كلما عبثت بى الظروف.. يا صاحبة الفضل على.. يا روحى.. فأنت الشخص الوحيد الذي يفهمنى !

- يا إلهى.. أي خطيب هو؟!

كانت أمواج البحيرة تتلاطم في رقة كأنها تؤاسى هذه الفتاة – سلوى – المثقلة بالريبة والظنون في الإنسان المرشح ليكون شريك حياتها، وأخذت تصوصو حولها بدون توقف أعداد لا حصر لها من الطيور البحرية.

كان الجو رطيبا منعشا والهواء نديا سجسجا، حاولت أن تستعيد كلمات الخطاب الحانية المقلقة، لكنها لم تستطع أن تتذكرها فقد كانت تتراقص أمام عينيها صورة وجهه الشاحب، وتمتلىء أذناها بصدى صوته الرقيق الحزبن وشطحات خياله العابث المسافر على الدوام .

كان ذلك كله وحرارة الذكرى تجثم على صدرها ففكت زر قبة قميصها وعرضت عنقها لأنداء الصباح على أمل أن يسهل ذلك من تنفسها، أطفأ النسيم جلدها وأثلج ما بداخل صدرها فتصاعدت أنفاسها طويلة متراخية، قفزت بعينيها فوق سطور الخطاب مرة أخرى وغمغمت لنفسها مكررة:

- يا إلهى.. أي خطيب هو؟!

وصور لها خيالها أن الله – جل شأنه – يبلوها بهذا الخطيب وترددت آية " وبشر الصابرين " في ذهنها الشارد مع قرقرة البحيرة وصوصوة السمان.

ورفعت رأسها فوق الأمواج الهائمة تحت قبة السماء الفرحة بطلائع الشروق، فلاح لعينيها البريق الذهبى الممتد على صفحة المياه الرقراقه، ورأت أشرعة المراكب بقلاعها الشامخة في الهواء تزحف على صدر الماء حثيثا، وأشباح الصيادين في غبشة الصبح تتراشق هنا وهناك على مدى البصر في رشاقة ونشاط سعيا وراء سفن الحياه.

فابتهجت وأجالت النظر إلى منزلها الرابض خلفها في سكون وسط المنازل،كأنما تروم أن تستوثق من أنها ليست كما تعودت أن تشعر فتتوهم في مثل هذا الوقت المبكر من كل صباح بأنها تقف وحيده في مركز العالم بالضبط، وأنه لا أحد سواها يتمتع بتلك اللحظات النورانية التي لا تعوض، ولكن لا إنها – تلك المرة ايضا – ليست وحدها تستمتع - وتوحد الخالق - في احتفالية مولد اليوم الجديد، لقد خرج الجميع صحا كل مخلوق من سباته يغز السير في دروب السعى والكدح.

والغريب أن وجوههم جميعا علتها مسحة من كآبه وقنوط، أو هكذا خيل إليها.

كانوا خليطا بين الصيادين والفلاحين مرفوعى الانوف كالعهد بهم، عراه الرءوس فإنهم لا يدثرونها باللبد والطواقى إلا في غير وقت العمل أو المناسبات السعيدة!، يحملون على أكتافهم الشباك أو يجرون خلفهم مواشيهم التي لا يكف بعضها عن الثغاء ولا يكف الآخر عن الخوار أو النهيق في موكب بدائى طليق!.

وإذ هي تفكر بخيالها الملتهب وفؤادها الحساس المشدوه بين سحر الطبيعة الفياض حينا، وبين غموض رسالة ماجد الأخيرة التي سلمتها إليها أمس صديقتها سناء التي تكبرها بعشر سنوات حينا آخر، والتي ارتضت أن تقوم بحكم جيرتها لماجد أن تقوم بدور رسول السلام بينهما خروجا من مأزق عزوفها عن إستخدام الهاتف المحمول والبريد الإلكترونى بالكمبيوتر " هديتاه إليها للتواصل معه والتي ربما يرجع غموضها لبسمتها تلك الجامدة الملتوية فأقلقت منامها طوال الليل وباعدت ما بينها وبين الرقاد من ألفة وود!..

واكتشفت بغته والحرج يغمرها بحمرة أشد صخبا وتهليلا من حمرة الشروق، أن بعض تلك الأعين التي خرجت إلى الطريق تتلمس نصيبها من الحياة قد أهاجها الفضول الغريزى من وقفتها المريبة تلك، في هذا المكان الخالى على الرغم من أنه يقع أمام بيتها وتكرر كثيرا في مثل هذا الوقت المبكر من الأصباح الماضية. وقرأت من طرف خفى في هذه الأحداق تعبيرا يود لو يصرخ:

- يا لها من فتاة جريئة!

وتعلق الخجل بأهدابها وقاومت إحساسا باطنيا بالإهانة إزاء هؤلاء الذين لا يقدرون المشاعر السامية التي تصحو كل صبيحة!، ثم عادت فالتمست لهم الاعذار فهى أولا وقبل كل شيء تدرك أنها فتاة يانعة ناضجة الثمار!.

وكانت تلك النظرات نذيرا لها بالعودة إلى البيت، فلم تتوان عن ذلك لحظة، واتخذت طريقها اليه فوق الرمل الكثيف المتهالك، على حافة الماء الساكن، تجاهد ماخطر بذهنها من أفكار عن ضعف أحلام خطيبها الثرى الذي القى به في يسر إلى عالم (يخصه وحده) من العدم.. وإلى قناعته كإنسان بأنه لم يخلق للحياة النشطة،إذ ماحاجته حسب قوله للكد ووجع المخ والقلب، وهو يملك من الأصفر الرنان ما يمكنه من كل مايحبه البشر من مباهج الحياة الدنيا!

إن التمتع بقتل الوقت مع صاحبيه " ساهر وسيف " (اللذان لايسأمان من تكرار القول بأن غاية آمالهما في الحياة زوجة عاملة والعمل في الوظائف الحكومية فهما من هواة أحلام التمرغ في التراب الميرى ويدمنان قراءة الصحف لا لشىء إلا لمتابعة إعلانات مسابقات تلك الوظائف التي يزعمان أنها محسومة النتائج سلفا وما الإعلان عنها إلا خداعا وذرا للتراب الميرى في الأعين!) لأهم عنده (كما أوضح لها كثيرا) من الدنيا ومافيها فهما يلازمانه منذ مرحلة الحضانة والروضة ولذلك هو دائم النصح لها ألا تفكر مطلقا في عزله أو فصله عنهما " إنهما صديقا عمره وأجمل وقت يقضيه معهما عندما يجلس ثلاثتهم في ركن (المعلوماتية الحديثة) بالمقهى أمام شاشة تعرض ألعاب الأطفال! " أو وهم يتأملون الرائح والغادى، من خلق الله اللطيف! بينما يتبادلون سحب الأنفاس تلو الأنفاس من " النارجيله ذات الخرطوم الزاهى الألوان والقارورة الزجاجية الشفافة التي يتصاعد من خلال فقاعات المياه بها دخان " مهراس يعدل الرأس! " وإلقاء النكات والفكاهات والضرب على الأيدى بمرح كلما قرض الصاحب الثرى السخى بيتا من الشعر يروقه ويجد له مرتعا مريحا وسط عقلة الحائر ووجدانه المضطرب.

والغريب أنه عندما يخلو بنفسه بالبيت يصبح على النقيض من ذلك، وإن رأته (كما تزعم أمه) لن تعرفه!، فهو شديد الحساسية والهدوء والتمكن من قلمه الطيار الرائد في فضاء المعلوماتية وله نشاط ثقافى أدبى ثرى وجاد على أراض المنتديات والمواقع الأدبية التي يحط عليها سفينه على المستوى المحلى والعربى وأحيانا العالمى! يقوده ويأخذ بناصيته عندما يجلس إلى جهاز الكمبيوتر، سابحا بأشعاره وفكره في الفضاء الكونى الإلكترونى المترامى في اللانهاية، وقد نال على حد ماتؤكد والدته أوسمة وألقابا وجوائز معنوية عديدة لتميز قلمه في تلك المواقع...

- هذا تناقض غريب فعلا.. كيف تسنى له أن يكون فارسا بالبيت وصعلوكا بالشارع!

تساءلت في نفسها لما جالت تلك الخواطر عن خطيبها الهمام في رأسها، وجاءتها الإجابة حاسمة لما تخايلت لها اللافتة التي تحمل إسمه وتخصصه كمحام التي علقتها له أمه على باب مكتبة في الشارع التجارى بالمدينة فتبسمت، وكانت بسمتها باهتة تحوم حولها هالة من التهكم، سرعان ما غامت في بهوت أشد حين خطر في ذهنها خاطر آخر أليم صور لها هذا العبث والمجون الأكيد، الذي كان يحياه بلا ريب (مع كثرة المال وحداثة سنه وحنو وتدليل أمه) إبان دراسته الجامعية بكلية الحقوق فعادت تتساءل في شك وفضول:

- يا إلهى.. أأكون قد تسرعت في قبول الخطبة؟!

وتلفتت حولها في لهفة جامحة كأنها تبحث عمن يسعفها بإجابة شافية.. ولكن لا مجيب تلك المرة سوى ماء المنزلة المثلوج الذي أخذ يتدافع بين قدميها.. وهالتها المفاجأة! وسرت في بدنها رعشة إذ بدأت تدرك أن وطأة الفكر الثقيل عليها قد سلبتها شبكة ارادتها التي تستخدمها في صيد نفسها كلما فلت منها الزمام! بأساليبه اللينة فخوضت بحذائها في مياه البحيرة التي تمشى بجانبها دون أن تدرى..!

- أوه.. ما أمتع هذا ثم بعد يا سلوى أين الطريق؟..

وانتزعت نفسها في عجلة وهى تردد مجيبة بتلك الكلمات:

- الحقيقة أن التسرع كان مشتركا للأسف! فهو الآخر لم يدرس جيدا وضع أسرتى المادى!..

وأسلمها هذا القول إلى التفكير في أنهم لا يستطيعون شراء شيء يتعدى ثمنه المائة جنيه إلا بالتقسيط المريح وعلى آجال طويلة، وكيف يتشوف إخوتها لإقتناء جهاز " كمبيوتر " للتمكن من لغة العصر التي تعلموها في المدرسة وفى " السايبر! " القريب من المنزل والتواصل والسياحة في " الفضاء الإلكترونى " مع أصدقائهم الذين يقطنون بعيدا ولو في أبعد نقطة من العالم!، لكن أمها حسمت الأمر قائلة في الأمس القريب:

- دورنا في دخول الهاتف بيتنا إقترب.. أنا مشغولة الآن في توفير تكلفته من قوتنا.. وقد حرمت الشراء بالتقسيط! " أنسيتم ما عانيناه في سداد ثمن " التلفزيون الملون " وكيف تضاعف بالتقسيط واستغرق ثلاث سنوات!

وحز صوت أمها وكلماتها في نفسها فانتبهت وتفرست المكان حولها في حذر ولما تطامنت إلى أن أحدا لم يرها وهى على وشك أن تخوض ثانية في الماء واصلت المسير رافعة رأسها السعيد المتواضع برقة الحال في اعتزاز وشموخ!

***

والواقع أن تلك الفتاة - سلوى - البالغة من العمر ثمانية عشر عاما كانت محل تقدير واحترام الجميع حتى العذارى اللواتى في مثل سنها والمعروف عنهن أنهن كثيرات النظر في وجهها (وفى أوجه بعضهن) غيرة وكمدا!، لا لأن أمهاتهن يتمنين لو أذن الفجر عليهن ذات يوم فيكتشفن أنهن فجأة يملكن نصف رصانتها!، بل لأن الكثيرين من الشبان المقبلون على الزواج توقفوا عن النظر إلى غيرها إنتظارا لما تشير إليه النذر من فسخ خطبتها، دون خوف مما يشاع عنها من أنها فتاة عاقلة أكثر من اللازم !

وكان كل هذا حريا بأن يرضى غرور الأنثى فيها ويدفعها إلى البحث والتنقيب عن سره العجيب باجتلائه من أفواه البنات والأمهات، إلا انها لم تأبه لذلك وغالبت بكل قواها نوازع الانوثة فيها حتى تداركتها ونالت سعادة أكبر، لأنها كانت بعد ذلك كله تعلم علم اليقين أن سرها المفقود لدى الجميع بمن فيهم ماجد نفسه - الذي بدا لها أنه ربما يكون قد خدع - يكمن في سر أسرتها، وأنه لا وجود لها أبدا إن لم يكن داخل ذاتية تلك العائلة.

بل ولا لوم عليها ولا تثريب إن إعتقدت أنه إذا كان لكل انسان حقيقة واقعة هي حقيقة وجوده، فإن حقيقتها الكبرى هي حقيقة حياة هذه الأسرة الصغيرة الطيبة، التي عرفتها أرض المنزلة منذ لاح لآلها على البعد في مستهل خمسينيات القرن الماضى، شيخ عجوز وقور هرم له من الحرية وامتلاء النفس وسمو الروح أضعاف ما لإبنه الضابط الشاب الذي فر به - بكنزة الثمين، بدنياه - من قبضة الاستبداد والتنكيل مذعورا إلى تلك البقعة العتيقة النائية من شمال دلتا نهر النيل في أعقاب إخماد إحدى الإنتفاضات الشعبية ضد المحتل والفساد.

وكثيرون من معمرى المدينة يذكرون هذا اليوم جيدا، ويذكرون أكثر وأكثر أن الأب الشيخ قد ظهر عليه جليا أنه يكن لولده الضابط حبا يفوق الوصف، ويتمثل بصورة تدعو إلى البكاء في تلك القبضة القوية الحانية الوجلة التي أحاط بها أنامل إبنه الغليظة اثناء دخوله البلدة، بل وطوال مدة إقامته فيها فهم يذكرون أيضا أن زوجة الضابط السابق كانت الغيرة تأكل فؤادها من يد حميها ولقد طالما تشاجرت معه لهذا السبب بدعوى أنها تخشى (وهو الرجل الطاعن في السن) أن يودع العالم ويده طابقة على يد ولده فلا يستطيعون تخليصها من قبضته الأبدية المتحجرة وتكون المشكلة!

وكان العجوز يجيبها – لدهشتها – بأن ينفجر كالطفل في بكاء طويل، ياله! كم اشرأبت الاعناق نحوه في ذهول! وبعد ذلك بشهرين أو ثلاثة إنتهى هذا الذهول الذي ساور جيران العجوز في موقفة من إبنه إلى شيء بين الابتسام والتنهد، فإنهم في البداية لم يتمكنوا من أن يروا في وجه الشيخ المغضن سوى وجه يشبه وجه الطفل الذي لا يترك ذيل أمه أبدا!، ثم قادهم فضولهم بعد أن مر العجوز بأزمته في سلام إلى مواجهة طعنة قاسية نجلاء في صميم كبرياء إعتقادهم الراسخ بأن نظراتهم الثاقبة في الناس ثاقبة! فتصايح بعضهم:

- يا للعجوز الشيطان!.. الذي لا يكاد يفهمه إنسان!

وصرخ البعض الآخر في توتر وكانت الطعنة التي أصابتهم أدمى وأغلظ حانقين:

- إنه لا يستقر في مكان!

ثم استرسلوا في الصياح وقد علت سحنهم تكشيرة مكروبة تقول " يا له من عجوز خبيث!"

كان هذا العجوز الرقيق إذا أخطر مما يتصورون!

فماذا فعل؟!

ببساطة أعلن ذات صباح وهو يشير بعصاه إلى غرب البلدة الاقصى أنهم راحلون قريبا إلى ضيعة صغيرة

فعلام الحنق من رحيله وكل الناس يرحلون وقتما شاءوا؟.

كان ممكنا طرح مثل هذا السؤال الوجيه! إلا أن أحدا لم يسل لأن الاجابة كانت مما يربك الكثيرين، فالشيخ كان صاحب همة واستطاع في مدة وجيزة أن يفرض وجوده بمدهم بقروض مالية، ثم هاهو يعلن بغته الرحيل فيا للورطة!، وعن لهم أن يحاولوا ثنى عزمة على أمل ان تسنح لهم فرصة زمنية يلتقطون فيها أنفاسهم وقدرتهم على إدارة دفة حياتهم اللاهثة بتوجيه سليم!، ولكن الشيخ الذي طالعهم في أول الأمر بهمة خائرة أخذ يهش ويبش في وجوههم، وكأن الكارثة التي خلقها ليست أمرا ذا بال على الرغم من أنه كان يرقد في بؤرتها التي انطلقت منها أمواله إلى غير جعة إن لم يرجع نفسه!

وفعلا كان له ما أراد حينما زمجر بعد أن ضيق عليه الآخرون الخناق وهو يبصق على غير العادة فيما يشبه الغضب أنه إذا كانت القروش التي يدينون له بها تقف حجرة عثرة في سبيل مشروعاته " فلتذهب كل القروش إلى الجحيم!"

وفى اليوم التالى رحل العجوز بإبنه وزوجه إبنه وحفيده الرضيع ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل قد بدأ، إذ أن " المحروسة " وهو إسم الضيعة التي دفع فيها العجوز المسكين معظم أموالة كانت تعقر لقمة غير سائغة في معدة رجل من ذوى النفوذ في هذا الزمان، زين له شيطانه أن حظه الحسن، (علىى حد قوله لنفسه) قد هيأ له فرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر!، بهضم اللقمة والتقرب للسلطة الحاكمة، عندما آلت مقاليد الضيعة تلك المرة إلى شيخ من العامة وولده الضابط المفصول لتوه من الخدمة.

ولكم أخذ العجب خدامه وحاشيته بل وأفراد أسرته أيضا وهم يتلصصون عليه متوقعين أن وراء هذا الطرب المفاجىء ما وراؤه! وهو يهمس ويفح كالثعبان محدثا نفسه آنا، ضاحكا آنا، صارخا آنا آخر معللا نفسه بأمانى الراحة العزيزة، ومرات أخرى يرقص أو يجرى فرحا كالمخبول في ردهات قصره.

ولم يمر على هناء البشبيشى العجوز بضيعته أكثر من أيام معدودات حتى أرسل إليه هذا الطاغية ريحه ودياجيره في عصر يوم شره مستطير وألسنة النيران التي أضرمها رجاله تكتسح كل بادرة خضراء تقف لهم في سبيل وتلعق كل ماتصل إليه وتبتلعه في جوفها وتهضمه حتى يصير هشيما رصاصى اللون تذروه الرياح ..

كانت الريح لعينه.

ولعل سلوى حتى تلك اللحظة وهى في طريقها إلى منزلها لا يمكنها ان تتخيل أن الارض من الممكن أن تدور بساكنيها في بقعة صغيرة منها، غير أن هذا ماحدث في تلك الساعة المشئومة فقد دارت المحروسة بالخراب والدمار والضياع على أم رأس أصحابها وفلاحيها البؤساء.

وبينما كان الرجل المأفون ينظر من علياء قصره مقهقها متنشيا بما اثلج صدره أسلم البشبيشى الشيخ روحه حسرة إثر صدمة قلبية قبل أن تناله يد، وماتت زوجه إبنه بعد إغتصاب الرجال لها، وربما لم تمت الا لذاك السبب وإلى جانبها على الأرض طفلها الصغير، يبكى لحظة ثم يسكت أخرى، ليتأمل بعينيه الواسعتين الوديعتين روعة ومعنى ما حدث وهو شنيع ولكن هيهات هيهات، إن الفهم أصعب وأهول من إدراكه البرىء لبكر فيعاود البكاء.

ويقال أن آل البلدة طارت ألبابهم شعاعا لما عرفوا بالنبأ الجسيم، إلا أنهم كلسان حال العامة في هذا الزمان لم يستطيعوا الثأر للعجوز الذي أحبوه، وكل ما فعلوا آنذاك عندما عثروا على الطفل الصغير يبكى وسط الخراب وبرك الدماء هو تعليق أبصارهم بأسباب السماء قائلين في رهبة وايمان شديدين إن الله يرى كل شيء وأنه على حد همس بعضهم:

- يمهل ولا يهمل!

ثم التقطوا الصغير وقد شعر المدينون منهم أن الوقت قد حان لإيفاء هذا الطفل حقه من أموال جده التي آلت اليه مباشرة باختفاء والده الضابط الذي دارت الأقاويل عنه وحيكت الأقاصيص، بعضها ردد " أنه مات وتفحمت جثته في الحريق واندثرت ترابا!" وبعضها أكد " أنه حى بأحد مستشفيات الصحة النفسية يعالج من لوثة أصابته.

وبقيت هذه الحادثة البشعة لفترة طويلة موضوع حديث بجوار البحيرة وفوق الأرائك وداخل المقاهى والبيوت، وهى إلى تلك اللحظة تدور خواطرها في ذهن سلوى وهى في طريقها للبيت، تلك الخواطر الغريبه التي سمعتها مرارا من عجائز المدينة وكيف أن الضابط البائس قبع تحت العلاج ربع قرن من الزمان، فلم يدرك الأحداث الجسام والمعارك التي خاضها جيشه ووطنه، ولم تكتحل عيناه برؤية ولده وهو يكبر ويصير شابا له زوجة ووظيفة وأمجاد بحضوره آخر تلك المعارك ونهاية الحرب، والتي كم أثارت في نفسها أفكارا مقلقة، فبقدر ما بهرتها أحداثها (التي تشبه قصص الأفلام العربية) بقدر ما تعجبت لعدم محاولة أي فرد من أسرتها - ولا حتى والدها - أن يكلف خاطره ويزور المحروسة ليتأكد من أن جدها الضابط ووالد الطفل الذي عثر عليه أهل المدينة فكان والدها باسم الله.. مازال حيا يحرس المحروسة!