- 4 -

3 0 00

- 4 -

عندما كفت الريح عن غرس أنيابها في ثرى المنزلة في الاصيل، دخلت نورا حجرتها وجلست أمام النافذة ثم رفعت عينيها ويممت بصرها شطر البحيرة.

كانت الشمس تبدو صفراء عليلة معصوبة الجبين، وهى تنحدر نحو مضجعها البعيد، وقلوع المراكب الناصعة البياض ترتعش خوفا، من أن تدركها جحافل الظلام قبل أن تلوذ باليابسة، فذكرها إرتجافها بأن الوقت قد حان لقدوم هانم وطفلاها، فهبت من جلستها وخطت نحو المطبخ بقلق، ثم القت بنفسها بين أحضانه إلى أن أسدل الليل غياهبة ونشر ظلامه، وغرفت المدينة كلها في سبات عميق لا يقطعة بين الفينة والفينة غير نباح كلب أو بوق سيارة.

وفى الوقت الذي أدارت فيه ظهرها للمطبخ، فؤجئت بالظلام يهتف بها " إن هانم قد تأخرت! "

فزالت أمارات البشر والترقب " التي كانت تملأ صفحة وجهها، واعتلى مكانها تجهم خفيف وقالت وهى تجلس على الأريكة الكائنة بفسحة البيت تحت النافذة بصوت محزون مسموع:

- كارثة حلت بهانم!.. نعم ما يعجزها عن الحضور غير كارثة!

وأبصرت بها إيمان تنكمش على نفسها فوق الأريكة مضطربة، يجللها الصمت المصبور فهمست لنفسها " أي قلق وأيه محنة! " ثم دنت منها بوجه باسم، وأبدت استعدادها في ثقة وعزم أن تذهب إلى هانم في كوخها، لتستطلع الأمر وتجيأها بالخبر اليقين.

ألمت الحيرة بنورا لفترة كانت تسائل فيها نفسها " يا ترى هل تترك إبنتها تخرج في الظلام بمفردها؟ "

وأحست إيمان ما يتعلج بصدر والدتها من وساوس، فطافت على شفتيها إبتسامة يقظى وخجول وقالت في شبه إحتجاج:

- هذا من تأثير القنوات الفضائية يا أمى!.. تخافين أن يتحرش بى أحد.. كأننا نعيش في غابة!..

-....................؟

- بالله لاتنظرى إلى تلك النظرة!.. الشباب إما غارق حتى أذنيه في المذاكرة والدروس الخصوصية.. أو غلرق أيضا في الشبكة العنكبوتية بالمقاهى والأندية والبيوت!.. ثم إن إبنتك تعرف كيف تدافع عن نفسها!

أدركت نورا ما تهدف إليه إيمان وقالت في بساطة وهدوء شارحه وجهه نظرها:

- ليس هذا هو ما أفكر فيه الآن.. إنما يحزننى أن لا أحد من الصبيان قد عاد من هذا المسمى نت كافيه!.. فيقوم عنك بهذا الواجب.

فقالت إيمان في جد باد:

- بالعكس إن عملا مثل هذا تقوم به الفتيات على وجة أفضل مما لو قام به الفتيان..

فأومأت لها نورا برأسها موافقة وسمحت لها أن تذهب بشرط أن تصحب معها شقيقها الصغير طارق، فحقا أنه لن يستطيع لصغر عمره البالغ أربع سنوات أن يدفع عنها الشر، إلا أنه يحمل في أعماقه روح رجل، وأن شيئا لا يذكر أفضل على كل حال من لاشىء على الاطلاق.

وخرجت إيمان والطفل يدلجان في هدأة الليل، ويضربان في ظلام الطريق، ويتحدث أحدها إلى الأخر حديث الأخوة، وكلما نال منهما الذعر من كلب يدنو منهما مكشرا عن نظرة عدائية، أو من زمرة من الشباب العابث تلقى على إيمان كلمات غزل سخيف، أو من شحاذ متهالك زائغ البصر جائع يتمسح فيهما مشيعا في بدنيهما الرعب، كلما إزداد إلتصاقهما ببعضهما وأمعنا في خلق الأحاديث التافهة، لإغراق حيوان الخوف الثائر فيهما في بركة النسيان.

وما هي إلا غضون دقائق حتى كانا أمام أكواخ فقراء الصيادين، المنتشرة كالذباب على رمال الشاطىء، والتي لولا بصيص من نور باهت ينبعث من كوة هذا الكوخ وذاك، لما إستطاعت إيمان أن تتبين أشباحها الركامية في عتمة الليل، ولضلت الطريق بأخيها، ويممت وجهها تجره إلى ناحية أخرى ظانة أنه لا شيء هنالك!

وتوقفت حائرة به تحملق في صفوف الأكواخ الصغيرة المتشابهة، المتلاصقة كأعضاء جسد واحد يتكىء بعضه على بعضه!، تعمل فكرها وتجهد مخيلتها متسائلة في صمت وربكة:

- ترى أيهم كوخ هانم؟

وحاولت عبثا أن تسترجع المعلومات التي انطبعت في ذهنها من زيارة سابقة، وكانت زيارتها الوحيدة فاسقط الأمر في يدها وندمت على تسرعها في المجىء، وأدمعت عيناها عندما فكرت في أنها سترجع إلى نورا، دون أن تحقق ما سعت إليه، ولكن حدث في تلك الأونة أن رآها فتى مهذبا، إجتذبه جمالها وحيرتها وتطوع لإرشادها، فشكرته بكلمة من شفتيها ونظرة من عينيها، وسار الفتى إلى جوارها مزهوا بها أمام أترابه الذين كانوا ينظرون إليه في حسد، وعندما وصلوا إلى الكوخ الذي لا يختلف في شيء عن بقية الاكواخ، طلب منها في أدب لم تعهده فيمن هم في مثل سنه أن تقف على مبعدة، ثم نادى من فيه قائلا:

- اسمع يا حسن أبو غدير! هذه فتاه كريمة من المحسنات تحب أن تكلم زوجتك الطيبة!

ولمحت إيمان على باب الكوخ رجل ضئيل الجسم له وجه صغير يدعوها اليه بإشارة من يده، فأمسكت بيد طارق في حنو ودنت منه، وفى ذات اللحظة إنسحب الفتى الشهم ذاهبا، وهو يعلن في جدية بالغة حتى لتثير الحنق:

- إننى في الخدمة.. في أي وقت!

وتعجبت وتوترت عندما توقف الفتى المهذب الأصفر الوجه على بعد خطوات منها يحملق فيها، واعتقدت (ربما لاصفراره) أنه ينتظر أن تنفحة الأصفر الرنان فهو قد خدمها ويتحتم أن تنقده الأجر! فلا أحد في مثل هذا المكان ولا في أي مكان آخر في هذا الزمان يخدم دون مقابل!، فأسرعت بإعطائه ورقة من فئة الربع جنيه كانت تملكها انذاك، وظلت برهه تتأمل في انبهار فرحته الكبرى بها وقد تهلل وجهه، يرقص في خطواته أثناء ابتعاده نحو أترابه الذين كانوا ينتظرونه على مبعدة، وهم يتميزون كمدا منه وكأنهم يغبطونه لأنه صار يملك ربع جنيه لايشترى شيئا دون دعم ولايكفى لقضاء ساعة في (السايبر!)

وغمر إيمان وهى تشاهد هذا المنظر شعور بالخجل والأسى لا تدرى سببه وهمست:

- يا إلهى هل لربع جنيه عند بعض الناس تلك الأهمية؟

ثم تحولت مبتسمة في تنهدة يسيرة لتواجه في عينى " أبو غدير " توترا من نوع آخر أمر وأبغض..

كان الرجل يرمقها بنظرة وقحة هادئه تحمل معنى خبيثا أنفرها وأشاع النفور والحنق في نفسها بقدر مساو لتلك البقع السمراء المنتشرة كالنمل على بشرة وجهه الشاحب الكالح، وسرت في بدنها رعدة رهيبة وهى تتأمل تلك الظلال الناشئة عن استلقاء الضوء الباهت المرتعش، الصادر عن مصباح غازى معلق على مسمار بالجدار على وجهه، مهيئا لخيالها التجاويف والأخاديد، فياله من مسكين تعس هذا الرجل، ويا لصغار الصيادين من ضحايا لا حول لهم!

وأحست بدوار شديد، وبدا عليها أنها على وشك الإغماء، وأنها ستجود بآخر نسمات الحياة عما قليل، ومد الرجل يده نحوها ليساعدها فتراجعت إلى الباب وهى تنتفض إشمئزازا، وشكرته بفتور وهى تزم شفتيها، ثم قالت وهى تتحاشى النظر إلى عينيه الناهبتين:

- شكرا كل ما أحتاج إليه.. هو زوجتك..

فتساءل الزوج الفاضل وهو يواصل التحديق فيها دون مبرر وبلهجة غريبة:

- زوجتى.. تريدين زوجتى!

تلعثمت إيمان وهى تجيبه:

- نعم.. فلزوجتك صديقة إسمها نورا!

ورفعت عينيها إليه لترى هل تغيرت نظراته المتأججة الغريبة، وكانت تأمل في ذلك، ولكن الرجل خيب رجاءها، فغضت من بصرها بسرعة، والتهب صدرها سخطا واستهجانا، وأعادت على مسامعه قولها بأن والدتها أنفذتها لتقابل زوجته من أجل أمر خاص، فأردف بلهجة مريضة وهو يحبس ضحكة عصبية:

- الأمور الخاصة لاتخفى على فوالدتك كانت صديقتى أيضا!.. وكان يمكن أن تتزوجنى في الماضى!.. لكن.. قد مضى الآن على هذا العهد وقت طويل!

واقشعر بدن إيمان لهذا التصريح الخطير، الذي أتعسها حظها فسمعته من فم رجل كهذا عن حياة والدتها في شبابها!، فزمت شفتيها متبرمة ورفعت رأسها رفعة لها خطورتها، وتكلمت بغيظ ونفاذ صبر قائلة:

- آه!.. هذه مسأله خطيرة!.. أنت رجل لا تعرف معنى الشفقة.. أقول أننى أريد زوجتك فتوقفنى أمام الباب.. لتثرثر معى!

فقال الرجل معترضا:

- أنا لست غليظ القلب لقد كنت ذات يوم فنانا أنقر الطبل.. جميع أنواع الطبل والرق! وأجيد ضبط إيقاع جميع الألحان الشرقية.. كنت ضابطا تآمرت ضده رموز الشر كلها!

وأقبلت هانم ببدنها القليل ودوى صوتها كالرعد القاصف:

- خيرا ما سبب هذه الضجة؟

ثم حينما وقع بصرها على إيمان هدأت فجأة ورق صوتها وهى تغمغم:

- من؟.. إيمان!

- أي والله أنا يا عزيزتى هانم!

- ماذا فعل بك هذا الحيوان القذر؟!

- كنت أريدك حينما إعترض زوجك الضابط طريقى!.. وعطلنى عن لقائك ليقول لى أنه كان ذات يوم ضابطا عبقريا..!

- إن زوجى مخلوق بائس!

قال الزوج المبجل:

- عفوا يا محبوبتى!.. قلت لنفسى قد يكون بوسعى أن أؤدى لها الخدمة التي سعت إليك من أجلها.. ريثما تأخذين قسطا من الراحة!

فقالت الزوجة في هياج:

- ومن دعاك للكلام وإبداء الرأى يا حيوان!.. هل هذا من شأنك؟.. إبتعد عنا ودعنا نتبادل الرأى!

وابتعد ضابط الإيقاع السابق بالفعل دون كلمة، وقد نكس رأسه على صدره في مذلة وكمد، وكان حريا أن تعتمل الشفقة في قلب إيمان لأجله غير أنها تنفست الصعداء وقالت:

- ماذا حدث يا هانم.. أخبرينى بسرعة حتى أعود؟

- آه.. لقد سلمت الرسالة إلى ماجد بمجرد...

فقاطعتها إيمان مستثارة:

- أيه رسالة..؟

فقطبت هانم حاجبيها وقالت:

- أوة!.. عفوا يا عزيزتى أقسم لك أن الذنب في تأخير رد ماجد على رسالة سلوى ليس ذنبى.. وأننى سلمته الـ...

وقاطعتها إيمان ثانية بحده:

- سحقا للعفو!.. أنا ما جئت أسألك رد ماجد على رسالة سلوى!

فارتسمت الحيرة في عينى هانم وتساءلت:

- إذن لماذا أتيت؟

- جئت لأجلك!

ومضت لحظة من السكون قبل أن تستطرد متسائلة:

- ألم تعدى ماما بزيارتها وأولادك في أول المساء!..

وتضخمت الحيرة في عينى هانم فتساءلت بفضول:

- كل هذا التعب من أجلى أنا وأولادى.. وفى هذا الليل.. أوه.. هذا كثير!

- هو كثير فعلا.. ولكن.. كانت هناك أيضا.. رغبة في الخروج!

وتألق وجه هان تألقا ذا مغزى.. وهتفت بحبور:

- أوه!.. إذن فقد نضج صدرك أخيرا يا إيمان!

فعقدت إيمان جبينها في تساؤل وصاحت مغضبة:

- أنا لا أفهم ما تقصدين تماما كما لم أفهم منذ لحظات..

وأرادت أن تقول " نظرات زوجك "!

ولكنها امسكت هنيهة ثم قالت بهدوء متكلفة المرح:

- أوه!.. أرى أنك في أحسن حال.. ولا أثر يدل على تلك الكارثة التي توهمت ماما أنها حاقت بك ومنعتك عن زيارتنا وأولادك.. وعلى ذلك أقول لك.. سعدت مساء.. وإلى الغد!

واستدارت بطارق لتذهب فأوقفتها هانم قائلة بلهفة:

- إنتظرى يا إيمان قد فهمت الآن إلى أي حد أنا محبوبة عندكم.. ولهذا سأكشف لكم سرا ما كنت أقوله لأحد حتى ولو دفع لى مائة جنيه ذهب!.. إسمعى.. عليك أن تخبرى ماما أن السبب الذي منعنى.. هو زوجى الملعون!.. كنت أطاردة!

- تطاردينه؟!

- أجل أنت لا تعرفين .. الفاجر يريد أن يتزوج من عزيزة الرشيدى!

- لا والله لا أعرف!

- لا يهم!.. أخبريها اننى سرت وراءه من العصر حتى العشاء لأعرف أين يذهب هذا المخنث.. الخائن.. زير النساء!

- تريدين أن تقولى أنه يزور تلك الأرملة الثرية؟

- نعم الأرملة اللعوب و..

قاطعتها إيمان مسرعة قبل أن تفتح معها الحديث الذي لاينتهى عن مسلسل الإنحرافات وسوء السلوك الذي تفشى بين الناس تلك الأيام قائلة:

- طيب!.. ليكن فهمت.. فهمت عذرك مقبول!

ثم ضمت طارق الصغير إليها الذي كان لا يفعل شيئا سوى أن يتفرج في صمت ووداعة على ما يجرى أمامه، وانصرفت في عجلة رغم إلحاح هانم عليها، كى تنتظر ولو بضع دقائق حتى تسمعها كل القصة، التي حارت إيمان فيها وتشككت في مدى صحتها وصدقها، معتقدة أن روح هانم العدوانية المتسلطة، تجعلها تخترع مثل هذه الأكاذيب عن زوجها المنكود، ولكنها حينما تذكرت تلك النظرة الملتهبة التي كانت تفور في عينيه الوقحتين بالنداء والرغبة، زال من نفسها كل أثر للشك وسارت في جوف الظلام تتساءل في ألم:

- أيمكن أن تكون الحياة بلا معنى إلى هذا الحد.. وأن يكون الانسان ضعيفا إلى تلك الدرجة؟!

وعوى كلب.. وماء قط.. كأنما يقولان: نعم!.. ثم مرت لحظات صامتة!

وفيما كانت تدير هذا السؤال الرهيب في رأسها، وكأنه جواد يركض في ساحة ضيقة فيلهبها بحوافره، لمحت عن بعد تحت عامود نور ظل فتاه وشاب، يسيران على مهل ويكاد أن يتلاصق كتفاهما يتناجيان على الأرجح بأحاديث هي الجوى بدون شك، فمدت قامتها في فضول وجمعت حواسها وانقلبت كلها بصرا وطيبت خاطرها قائلة " هذان ليس كتفا أمى فهى بالقطع تعنى التراص لا التلاصق! " ووضحت قامة الفتاه في لباس وردى لما دنت من منها ورفيقها تحت بعض المصابيح، وتمهلت تتنصت إلى صوت الهمسات التي ترن في سكون الليل، وبصرها إلى ظهر الفتاه تتأمله للتعرف على صاحبته.. إنها بعينيها أشجان زميلتها بالمدرسة، فهذا هو صوتها الجرىء الذي طالما تنكرت له، وتلك هي مشيتها التي يهتز فيها ويتمايل خصرها!، والتي كانت سببا قويا جعلها ترفض مرافقتها في الطريق من وإلى المدرسة، مع أنها تقطن في ذات الشارع الذي يقع فيه منزلهم..

- تمر حنه يا حلوة!.. يا غزال البر!.. تفضلى يا حلوة!.. كلمة واحدة تتحول المسامير في قلبى لمزامير!

كان الصوت لشاب حسن الهندام وسيم اطلعة، شجعته وقفة إيمان البرئية أمام محله، فراح يغازلها ومع أنها فرحت في سريرتها لكنها تجاهلته، ومضت مسرعة بطارق يصعدان معا الطريق، وقد كانت لحظات مروهما على أشجان ورفيقها من أحلك لحظات حياتها، مع أنها كانت سريعة كلمح البصر، فقد أضطرت إلى التظاهر بأنها لم ترها، وبذلت جهدا منهكا لكى تبدو طبيعية، وقد نجحت إلى حد ما رغم انه لسبب مجهول، وفى اللحظة التي جاورت فيها أشجان، وثبت عينا ابو غدير أمام عيناها، تتراقصان في بهلوانية ونزق، فأطلقت صرخة مكتومة لم يسمعها غير عقلها الباطن، وأشتد بها التوتر فأرسلت نظرها إلى مجهول البحيرة المظلم الممتد إلى غير غاية، وطالعها السكون المخيف في كل جانب، في الشاطىء والليل والسحب المتكاثقة، في المدينة الهاجعة والنجوم البعيدة المتألقة في قلب السماء، في المصابيح الخافتة الضوء في الظلام المخيم، ولكن لاشىء يسكن ثوران خواطرها ويغريها بالإنصات لخرير البحيرة، وحفيف النسيم، وبث النظر في أي شيء تراه، ناشدة النسيان من تلك العينان الآثمتان لاهية بأى خيال.

وأسرعت في الطريق بعد أن جاوزت زميلتها بأمتار كثيرة، وطارق في بحبوحة صباه يلاحق خطوها عدوا دون تذمر، لأنه كان يعلم انهما سائران في الليل إلى المنزل، فحبذا لو تم ذلك بأقصى سرعة، ولكنهما وجدا نفسيهما يتجهان بلا تعمد، صوب ثلاثة فتيان إرتجلوا لأنفسهم في عرض الشارع، الذي يكاد ان يكون خاليا، لعبة يعبرون بها عن فرحتهم بشبابهم، وبهجتهم بتلك الليلة الساجية الدافئة، وعن سعادتهم بالدنيا النبيلة المضحكة وملهاتها الخالدة، وعما يشعرون به من غبطة بهذا الندى الليلى المنعش المتناثر، كانوا يتدافعون ويتعقب كل منهم الآخر، فتنطلق منهم ضحكات حرة لا يقيدها شىء.. ويتصايحون بالكنى التي أطلقها الواحد منهم على الآخر " أبو كف وأبو رجل وأبو العيون! "

وعندما رأى ثلاثتهم إيمان وطارق، أو بالأصح إيمان فقط، ردوا حركاتهم ولعبهم إلى وقفة صامته ضارعة.. " آه!".. وراحوا ينحنون واحدا بعد الآخر، مبالغين في الإنحناء والتحية " سمعا وطاعة يا مولاتى! ".

وعلى نحو ما سر المنظر إيمان وتباطأت في السير وتساءلت " ماذا يجدر بها أن تفعل؟ ".. وهم على ما يبدو يزمعون قطع الطريق عليها؟.. ثم ماذا يجب أن يكون موقفها منهم وهم ثلاثة؟!

وإذ ذاك سرت بين الفتيان همهمه تردد فيها إسم " إيمان " فارتقى أحدهم صخرة منخفضة على مقرية منه، وقال لرفيقية بلهجة مسرحية كانما يخطب فيهما:

- ها هي ذى إيمان يا من ترغبون في رؤية تمثال من الرخام يختال على أديم الأرض!

فصاح أبو كف متسائلا بلهجة مسرحية:

- إيمان.. الفتاه الحجرية.. أصحيح هذا..؟!

وجاوبة أبو العيون:

- أجل.. الفتاة الرخامية كما قلت!.. وإننا لسعداء الحظ.. فهى لا تخرج قط إلى الطرقات في غير مواعيد المدرسة.. وما رأيتها مرة تمشى كالفتيات الطيبات بعد مغيب الشمس!

وأردف أبو رجل:

- يقولون أنها عشيقة كلب البحر!

فعاجلة أبو العيون بقوله:

- وأن الأمر سينتهى بها إلى الزواج من شيخ الخفراء!.. فهى تلبس الحجاب.. ولا تتمخطر في مشيتها.. وطباعها مهذبة.. ومسلكها غير ملفت و لامشجع!

وعلى حين غرة تجاسر ووثب عليها واضعا بين اللباس واللحم قبضة من برد فصرخت:

- آه يا أمى!

وأستنجدت:

- أدركنى يا طارق!

وأذهلها قولها وهى تقاوم أبو العيون في بسالة إذ استنجدت بطارق الصغير فماذا هو فاعل إزاء هذا الطاووس الضخم المنتفش الذي تعرفه جيدا " إنه حمادة يوسف! " إبن عزيزة الرشيدى المدلل الذي بلغت مطارته لها حد الهوس، فهو ينتظرها عن خروجها من البيت في الصباح، ولكن على بعد كاف يخفية عن أنظار عماد وخالد اللذين يعرفان كيف يعاملانه، وهو أيضا ينتظرها عند خروجها من المدرسة بعد الظهر، حتى ذهب بها الظن (فى الأيام الأخيرة) إلى أن الفتى لا عمل له غيرها!..

وبعد ماذا يستطيع طارق أن يفعل مع فتى كهذا؟..

وسواء صدقت ما فعله طارق أو لم تصدق، فإن الصغير فقد شعوره البكر بمجرد ان سمع صرخة شقيقته تستغيث به، وانحنى على الأرض بدافع غريزى مبهم، والتقط شيئا لم يهتم إذ ذاك إن كان قطعة من الحديد سقطت من عربة، أو قطعة من الحصى الصلد ثم قذف بها رأس حماده صارخا كما في أقاصيص رسوم " كاريكاتير " الأطفال التي يراها في التلفاز:

- سبانخ!

فأصابته في عقر غروره وكبريائه بطعنة في الصميم جعلته يصرخ مذعورا يترنح من الألم، حتى تهاوى على الأرض بعد مقاومة يائسة لقدميه، التي شاء قدره أن تخونه وتقرب المسافة بين هامته والأرض، لتتفصد قطرات الدم من جرح غائر في جبهته، وهو يئن ويتأوه ويقذف بالسباب ويزمجر بالإنتقام أثناء أنينه.

مسكين أبو العيون!

كان في ذلك الوقت ضعيفا كالتيس العجوز معذب الروح، إذ لم يسبق على الإطلاق أن أهانه أحد بمثل هذه الطريقة، فكيف به حين يتولى أمر إهانته طفل مازال لبن الرضاع يلمع فوق شفتيه!..

وقاسية تلك النظرات التي يلقيها عليه صديقاه أبو كف وأبو رجل !، وهما يتضاحكان من حولة في شماتة وكأنهما اللذان أنزلا به هذا العقاب الرادع!، أو كأنهما بقرقرتهما تلك يقولان له بلا مواربة:

- زمن المجد ولى.. مجرى العيون إنكسر!.. كأنه قذفك بصخرة الدويقة!

أما إيمان فإنها حملت أخاها الهائل قاهر القراصنة بين ذراعيها!، كيلا يعوقها عن الابتعاد بأقصى ما تستطيع عن هذا المكان، وهى تقبله جارية به فرحة بما أحرز، غير مصدقة لما يمكن أن يفعله طفل صغير لا يتجاوز عمره سنوات أربع بفتى كبير أحمق هدد شرف أخته العتيد!..

كانت توسعة لثما وتقبيلا بشغف وكأنها محمومة، أو كأنها تريد أن تأكله لاهية عن الظلام ومخاطره، قائلة تلك العبارة التي بالقطع ترسبت في أعماق الصغير للأبد:

- لقد أثلجت صدرى بما فعلت يا أسد.. يا بطل!

ثم عندما فتحت لهما نورا باب البيت، والقلق الشرس يرسم غيومة الداكنة في عينيها، إرتمت إيمان على صدرها وأخفت وجهها فيه وهى تهمهم:

- خبئينى في ثنايا حبك.. خبيئنى!

ولما سألتها نورا بانزعاج:

- ماذا حدث؟

أجابتها بنغمة كالطبل وهى تضغط أنفها في صدرها الرحب، مستروحه عبير الحنان الذي كادت أن تفقده:

- أبو غدير المتزوج.. يريد أن يتزوج!