- 3 -

8 0 00

- 3 -

صفرت الريح الرطبة في أرجاء الشارع المنبطح تحت أقدام المنزلة، وصعدت مركبة الشمس خط الضحى، وارتفع نباح كلب، جاوبة صهيل فرس يدق الأرض بحوافره، وصراخ طفل يضرع إلى أمه أن تصحبه معها إلى حيث تذهب، فانتبهت سلوى من شرودها، وهى تطل من نافذة غرفتها، وعادت تعبر بنظرها مسافة الشارع المقفر الخالى، في إتجاه متجر " مينوس " (وهو بقالة عريقة شهيرة بإسم جد صاحبها الحالى أنيس مؤنس ونيس اليونانى الأصل)!

كانت تتعجل عودة نورا، ولكنها لم تر شيئا ذا بال، غير الاطفال الذين لم يبلغوا بعد سن العمل في الحقول أو مراكب الصيد أو سن دخول المدرسة، ولم تسمع سوى صفير الرياح وقرقعة الكرة التي يتلهى بها الصغار، وهى ترتطم بجدران المنازل وأسطحها..

أخذها السأم، وغرقت مرة أخرى إلى الأذنين، في التفكير بماجد، ولم تعد ترى شيئا أمامها، فتواردت على ذهنها كلمات الرسالة التي أنفذتها ردا على رسالته أمس، كلمة إثر كلمة.

كانت رسالة مطولة، بيد أن أهم ما قالته فيها:

" أتعرف رأى أمى إزاء إصرارى على قهر ذلك الشيطان، الزاهى الالوان الذي انتقل رأسك تحت قناع جميل ومبرر!، إنها ترى في مجرد فتاه حاذقة متمرمرة، إذ أحاول بسط سلطانى على رجل مثلك!

ثم أتعرف رأيى أنا..؟!

إنها ولا شك الرخاوة والطراوة، والنفس الهابطة يا ماجد! فمتى..

متى تشد إزار نفسك، متى تعود إليك فرحتك وعزمك؟، إنك شاب أنيق جدا ووسيم، وإ سمك يضرب في أفاق البلدة وفوق ذلك ثرى بدرجة تكفى لرغد العيش، هذا صحيح ولكنك.. يا للخسارة الفادحة!.. تكره أن تكون مسئولا!.. فماذا تنتظر؟.. ماذا تأمل؟.. ألست إنسانا وتستطيع كعامة البشر، أن تقبل على الحياة.. أن تستبشر.. أن تعطى لكل شيء قيمة.. أن تشحذ همتك وتخلص عزمك من الكسل الذي يكمن في صلب نفسك ويبعثر شبابك في الخواء!

وتقول في رسالتك الاخيرة لى " يا للعذاب " سوف أعيش لحبك وآلامى!

سوف احاول دائما أبدا أن أبقى على قيد الحياة من أجلك!..

بالله عليك أهذا كلام يقوله رجل؟!

وعندما وصل تفكيرها إلى هذا الحد تأوهت، وزفرت من لهيب صدرها زفرة حارة لافحة، ضمنتها كل ما ينوء به فؤادها من إنفعالات..

ولسبب ما تذكرت نورا فابتسمت في توتر، وهى تزن الشارع بنظراتها، واستشعرت – كالعادة كلما خرجت – أنها تفتقدها إفتقادا جارفا لا تدرى له سببا، وتساءلت:

أيكون ذلك لأنها المخلوق الوحيد النبيل الذي يفهمنى؟.. أم أنه مجرد مظهر من مظاهر الإلتصاق الغريزى بالأم؟.

ورجحت كفة الإحتمال الأول، إذ أنها ودعت طفولتها منذ سنوات تزن عمرا سميرا.

ولسبب ما أيضا تذكرت ثانية أن نورا سألتها وهى تشق طريقها إلى الباب:

- أتأتين معى إلى متجر حفيد مينوس؟!

فأجابتها قائلة:

- كلا إنى بحاجة للإنفراد بنفسى في حجرتى!

ومضت برهة قبل أن تقول نورا وهى تجاوز عتبة الباب:

- وهكذا ستضطرين إلى التفكير بما جد على ما أعتقد!

وتوقفت قبل أن تتوارى من الباب، كأنما تذكرت أمرا هاما، ثم إستدارت إلى طارق الصغير، وكان قريبا منها ينذرها بالصراخ إن لم تصحبة معها!، وشدته إليها في لطف واستطردت:

- سآخذك معى كيلا تفسد بشقاوتك أفكارها العاقلة!

وما إن أغلقت الباب خلفها حتى أدركت سلوى، أنها أصطدمت بهانم " الشغالة المتجولة " التي تستخدمها سلوى أحيانا، في توصيل رسائلها لماجد، حين تتقاعس سناء (الغريبة الأطوار) عن زيارتها..

وهانم هذه إمرأة تعتبر نفسها، من أتعس نساء المعمورة بزوجها الصياد، الذي علق رزقة – تماما – بأوفاص البحيرة، التي تفيض أحيانا بالخيرات، وتغيض في غالب الأوقات! وتدعى عليه أنها دوما ملأى بالسمك، لدرجة أنه يتناثر على الضفتين، ولكن ضميرة الفاسد الدنس، يطرد الرزق من وجهة اللعين!

وكانت تلك هي كلماتها الشهيرة التي تبرر بها حياتها العاثرة، تقولها لكل من تعرف ومن لا تعرف على السواء، مادامت ترى في راحة من تحدثة رحابة وإنبساطا، يعللها برزق أوفر، أو بعمل بيتى ينتظر، حتى يندر أن تجد أذنا لم تصفع صوانها بلعناتها على زوجها المنكود.. التعس!

وعرف عنها كذلك وبصفة خاصة، أنه ما إن يلم بالشارع الذي تحتكر الخدمة المنزلية فيه، وافد جديد لاسيما إن كان أعزبا حتى تكون هي في طليعة المستقبلين، تفدم اليه خدماتها بغير حساب، وبلا مقابل في اليوم الاول، الذي تخصصة لنشر مؤهلاتها الرفيعة بين يدية، من أنها إعتادت أن تكون موضع ثقة الناس ومستودع أسرارهم، فهى كتوم طالما أبقاها المستأجر الجديد في خدمته، والويل كل الويل لمن يرفض خدماتها شاكرا، فهى آنذاك تستطيع أن تصرخ ما شاء لها الصراخ، قائلة أنها ليست بحاجة إلى أحد، وليست شحاذة، وهى لا تحب أن تقوم بخدمة الناس الذين هم على شاكلته!، بل إنها عندما وقع نظرها عليه لأول مرة لمحت أنه ثقيل الدم!، فسحقا لها إن إرتضت يوما، أن تعمل في خدمة آدمى ثقيل الدم!.. ويا له من زمان عم فيه الفساد، المنحلون يملأون الطرقات!، وهى التي لم تكن تريد أن يقيم في شارعهم إلا أفاضل الناس، ومع كل فهى لا تنسى أن تذكر أن الذنب – في كل ما وقع من سوء طالع – ليس ذنبها، وإنما ذنب " أبو غدير! زوجها الذي لا يستعين على الشقاء بذكر الله!..

ولهذا حينما فوجئت بها نورا أمامها، لحظة خروجها مباشرة، أدركت أن الأمور تجرى على غير المرام، وأن أبو غدير - ولا شك - قد ارتكب قبل خروجه إلى المنزلة تحت جنح الظلام في الفجر جرما لا يغتفر، مما أوعز إليها أن تهتف بهانم وهى تتضاحك:

- ليحى زوجك الطيب يا هانم!

- لعنة الله عليه.. إنه لا يكف عن التبول كلما حمل شباك صيده.. لدرجة أننى أفكر في أنه هو سبب غرق العبارات!

وترامى إلى سمع سلوى صوت نورا يغمغم في أريحية ومرح:

- طيب تعالى إلينا ومعك أطفالك في المساء.. سوف تجدى عندنا ما يسرك!

فشدت هانم ملاءتها السوداء على خصرها بحزم وعزم.. وهى تتأهب للانصراف قائلة:

- سوف آتى بدون شك!

والتقطت أذنى سلوى هذه الجملة الأخيرة من فم هانم فابتسمت في حزن، وتذكرت شيئا هاما فخفت إلى الباب وألقت على هانم تحية عاطفة، ثم همست لها بعد انصراف والدتها، بأن هناك رسالة، فشهقت المراة إعجابا - وكانت تشهق كلما استحسنت شيئا - وابتعدت بعد أن دست الخطاب في صدرها، وهى تقمط ملاءتها على جسدها، مفصحة عما باستدارات الأنثى فيها من نحول وغروب على نحو إتسعت له إبتسامة سلوى، التي ظلت تتابعا بنظرها إلى أن إختفت، وعندئذ سقطت إبتسامة الرثاء عن شفتيها، وأوصدت الباب وهى تتنهد.

ثم سكن كل شيء وقبعت في غرفتها، ومضى الوقت متباطئا، فبدأت تحس آلام إنتظار نورا وتتململ وحدها في النافذة، وقد أحست هذا الشعور الغريب بفقدانها، وطفقت تلوم نفسها على أنها تسرعت فاساءت تقدير جوها النفسى فلم تصاحبها في جولتها اليومية لشراء الحاجيات.

على أن الإنتظار والوحدة كانا أخف ظلا على قلبها من دم " حفيد مينوس " الذي يقارب والدها في السن، وهى لم تعرف إلى الآن سببا لعدم إرتياحها إليه، على الرغم من أنه رجل عرف عنه الخوف من الله ورقة الحاشية، فهل يكون ذلك بسبب تلك النظارات الكبيرة التي يضعها فوق عينية، وهذه القلنسوة السوداء (التي ورثها أبا عن جد هي الأخرى) ولذلك لا يرفعها لحظة عن رأسه الأصلع السمين؟..

غير معقول!

إذن ماذا؟ ربما لأنها تعرف أنه يتعمد إطالة مدة مكث نورا في متجره، متظاهرا بالإنشغال عنها بعمل آخر ريثما يخلو الجو ليكرر على مسامعها أخبار الأمهات اللائى تعرفهن ودخلن السجن لإخفاقهن في سداد أقساط ثمن الأجهزة الكهربية التي إلتزمن بتزويد مطبخ بناتهن بها عند الزواج!

ولكن هل كانت تعرف أن والدتها هي الأخرى تحب الثرثرة معه، ولهذا كان صدرها يتسع لإهماله المتعمد لها؟

ربما أيضا.. فإنها تملك قدرة فطرية على التصور وفهم الأشياء فهما جيدا، وفى ذاك الحين الذي تتململ فيه إنتظارا، فإنها مهما أوتيت من ملكة التصور، بيد أنها لن تتمكن من الإلمام بهذا الحديث القصير الذي يدور الآن بين أمها وبين مينوس الحفيد في المتجر، وهو يصعد سلما صفيرا ليصل إلى حيث يتناول ما تطلبه من قطع الصابون الناصع:

- يخيل إلى يا سيدتى نورا أنك تشترين هذا الصابون بكمية كبيرة كل اسبوع.. وانك تشترين على الدوام أحسن أصنافة!

- ذلك لأن أولادى يحبون النظافة.. ولأن الملابس لا تبقى طويلا فوق أجسامهم التي لا تكف عن الحركة!

- واذن فلابد ان يكون في بيتك عدد كبير من الاطفال!

- لا شك في هذا.. وهم أيضا يحبون بعضهم.. فلا يفارق الأخ أخاه إلا عند النوم .. كم حسابى يا سيد مينوس؟!

- اثنين وثلاثين جنيها ونصف!

- أكملها إلى أربعين جنيها بالضبط وضع بعض الحلوى للأطفال.

- كما هي العادة.. صدقينى إنى لم أر قط إمراة غيرك تشترى لأطفالها قدر ما تشترينه أنت لأطفالك!.. وأول ما يجب أن تعرفينه عن نتيجة هذا انهم سيصبحون اكثر بدانة مما يجب!

- مثل من من أهل بيتك؟!

- سيدتى!

- مثل زوجتك ماريانا؟!.. تذكر يا رجل أنك لا تتوانى لحظة عن دس الحلوى والفطائر في فمها!

- ذلك لأننى أريدها ممتلئة!.. ولكن الأمر مع الأطفال يختلف فإننا نكون أكثر سعادة بهم.. كلما كانوا أقل بدانة وأكثر رشاقة.. وأمامك شاهدا على ذلك إبنتى بندورا التي إسمها الأصلى غندورا ولكننا نناديها بهذا الإسم تيمنا بإسم جدتها وأمى!.. يخيل إلى أن قوامها سيكون غدا.. مثار حديث من يقع بصره عليها.. رشاقة ودقة تكوين!.. بحيث يزرى بقوام تلك اليونانية التي عبدها أجدادك الفراعنة فزوجوها لإلههم أوزوريس.. والتي أطلق عليها أجدادى.. فأنت ربما تعلمين أنها نشأت في اليونان.. إسم يو! يا عزيزتى.. هذه القصة تؤكد أن اتصال أجدادنا كان قديما قدم الإنسان نفسه.. وإذن لاغرو أن ينعكس هذا في أحاديثنا ونحن نتسامر!

قالت متضاحكة:

- ونقول " يو " عندما نستنكر أو نتذمر!

وفكرت هنيهة قبل أن تسترسل وتتساءل:

تقصد إيزيس؟!..

- إياها أقصد..!

قالت حاسمة:

- وإياك أنت أيضا أن تغالى في إسداء النصح الى.. فإنه لا ينبغى ان نمنع الحلوى عن الأطفال من أجل أن تكون رشاقتهم مثار حديث الناس.. أو مدعاة لغيرة إيزيس أو يو كما تزعم!

- أزعم؟ سيدتى!

- أعرف تريد أن تؤكد وكأننى ذاك الحمار الذي لا يتعلم شيئا إلا بطول التكرار! تلك القصة الخرافية!

- تقصدين قصة إيزيس؟

- إياها أقصد! فهى التي نقلت إلى أمهات هذا الزمن هذا النوع غير العاقل من الحب الذي أدخلهن السجن!.. عندى لك قصة أغرب.. أتعرف تلك الأم التي دخلت السجن لعجزها عن سداد أقساط كمبيوتر إبتاعنه لأبنائها!.. السيدة منيرة التي تسكن في نهاية الشارع!

- أعرفها وأعرف قصة تحرش الدائن بها.. عديم الضمير أدخلها السجن إنتقاما لأنها فضحته!

ولما تأهبت نورا لتعود إلى البيت اشتدت ضجة العاصفة التي ثارت فجأة على غير توقع، وكانت بوادر الصباح تخدع الأحياء بميلاد يوم بديع، ولذا كان طبيعيا ان تتحير ويأخذها العجب، وهى تشاهد تناقض الطبيعة بين السكينة والهياج، ولكنها لم تفكر لحظة في أنه الشتاء السوداوى!

وسارت في الطريق غير عابئة باجهاد مخيلتها في تفسير الظواهر الجوية اللامجدية بالنسبة لها، إلا فيما يتصل بصفاء النفس!..

وتناهى إلى سمعها صوت غريب يتصاعد بالقرب منها فخالته في أول الأمر، صوت أمواج المنزلة، وهى تتكسر في صخب وقسوة على رمال الشاطئ، في صراعها الرهيب مع تيارات الهواء ، ولكن خاب فألها فإن الصوت يبدو كأنين عجوز يحتضر، وتوقفت عن السير وهى تشرئب بعنقها،كما لو كانت حيوانا ضعيفا دهمه خطر مباغت!

والغريب أن الصوت تلاشى بغته، بعدما وقفت فهزت رأسها وواصلت السير، بعد أن أرخت عباءتها العربية الفضفاضة فوق عينيها وحدبت كتفيها، لتقوى مقاومتها لعبث الريح التي كان همها كشف رأسها في تلك المنطقة التي تقع في أقصى الشمال من دلتا النهر!

غير أن الأنين تصاعد ثانية، وانبعث هذه المرة قويا بجوار حائط المنزل الذي على يمينها مباشرة، فبهتت وتوقفت عن السير وشخصت ببصرها نحو مصدر الصوت وهى تتمتم في جزع وذهول:

- عم خليل يا له من أمر مخيف كيف حالك؟!

فأجاب العم خليل وهو يئن متحاملا على نفسه ليجلس:

- حالى عدم يابنيتى!!

وما كان أعظم إشفاق نورا وهى تتأمله متفرسة وتضغط بيدها الناعمة الدافئة، على يده الباردة المعروقة دون أن تنطق بحرف.

كان الرجل باردا كالثلج لا يكاد يقوى على الحركة، رث الثياب، شاحب الوجه الذي تذكر نورا، أنه كان في الأيام الخوالى من صباها قمريا مستديرا، كوجه أحد الأولياء، وكانت عيناه تقاومان رغبة شديدة في الإنغلاق تهالكا وإجهادا، بينما الغبار يهاجمه من كل جانب ويصب في خواء فمه المتهدل المفتوح، الخالى إلا من بقايا أسنان أدبرت!

إن صحة الكهل لم تعد تسعفه بالقدرة على العمل هذا ما أدركته نورا، خاصة وأنه يمارس مهنة شاقة - إلى حد ما - فمنذ عرفه الأهلين وإلى تلك الآونة وهو يكب على دفع عربة يد لبيع الليمون في موسم نضجه على الشجيرات التي كان يدعى أنها من زرع يده، ولايدرى أحد كيف توفرت لمثله الأرض اللازمة لذلك، أما في غير موسمه فقد كان يبيع الخضروات الورقية، وكان له ولع خاص ببيع النعناع والقناديل الصغيرة الملونة للصغار عند حلول شهر رمضان، التي كان يدعى صنعها بنفسه..كيف لا أحد يدرى أيضا أو لم يهتم أحد بالتحقق ممايدعيه لعدم أهميته.

أما بعد الآن فياللأسف! إن طارق الصغير وأصحابة الميامين، سيضطرون إلى حمل قناديل العام الماضى!..

وتذكت نورا أن سميرا تمشيا مع نموها العقلى والزمنى، قررت ألاتعود إلى حمل قناديل العم خليل، وهى تجوب شوارع الحى المحيط ببيتهم مع بقية الأطفال في موكب الغناء الصبيانى البرىء، الذي يتكرر في كل ليلة من ليالى هذا الشهر، فرحا بروائحه البطنية والدينية على حد سواء! فهمست لنفسها وهى ترمق العجوز بقلب يكاد ان ينقد لوعة وأسى:

- إنها ستقلع عن تلك العادة أرادت أو لم ترد!

وأسرعت بوله يعزى إلى تلك الخواطر التي راجت في ذهنها وفؤادها، عن علاقة العم خليل بالأطفال وعرضت عليه أن تسنده على كتفها إلى بيتها، وكلها عزم أن تخفف عنه سقمه ولو إلى حين.. فقابل الرجل عطفها بإشراقة أيقظت في أعماقها ذكريات صباها، حيث كانت قناديله شاغلها الشاغل وتلكأ يدعو لها بطول البقاء، فقد كان المسكين في أمس الحاجة للنظافة والدفء والراحة، وراح يحلم بحمام ساخن وطعام دسم ورداء قديم لفريد يحمى به جسدة المتداعى برد الشتاء، كما يحدث في كل مرة. وبقيت نورا في وقفتها وقتا ليس بالقصير حتى وهنت ساقاها وتساءلت مكررة:

- هل يمكننى أن أعيرك كتفى أيها العم..؟!

وكأنما قالتها من باب الرغبة في الحديث فحسب، إذ لم تهتم بانتظار إجابته على تساؤلها، ومالت عليه تعاونه في النهوض من جلسته المتثاقلة، وفى سرعة كادت ان تطوى عزمه الذي أبى إشفاقا على شعورها، وهى تسنده من هنا وتشد أزره من هناك تحت بصر الاقوام، إلا أن يرفض الإتكاء على كتفها المكتنز المستدير قائلا في نفسه:

- ما أكثر الأعين النكراء التي لن ترحم سيدة طيبة القلب مثلها.

وعندما أصرت مشيرة إلى أنه لن يقوى على السير يمفرده، أوشك ان يصرخ بها:

- أن قفى عند حدك فإننى أولا وقبل كل شيء العم خليل!

لكنه لم يصرخ ولم يستسلم، وكان كل ما فعله حينما نظرت في غور عينيه تهيب به أن يرضخ لها.. لنظرتها الرقيقة العاطفة، أن أدار عيناه بعيدا في إصرار!

فتبسمت قائلة:

- إنه عناد الرجولة إذن!

تبسمت طويلا لأنها كانت تعلم جيدا، ما يمكن أن يصنعه العناد، وبوجه خاص عناد الرجولة بقوة منهارة، فها هي فورته المجهولة التركيب، تعمل عملها الساحر في نفس وبدن العم خليل صاحب القناديل، وترفعه عن الأرض رفعا!

***

وفى البيت تحقق له كل ما تاقت إليه نفسه.

ولو لم يكن الكهل طيب النفس نقيا، لظن في معمة إنقلابه السريع بين اليأس والرجاء، أن المعاملة السخية، التي تعامله بها نورا وحبيباتها لن تكون بلا مقابل فهكذا الحياة عطاء وأخذ!

وكان يحق له أن يتوهم أكثر من هذا، فقد أعدنه حقا إلى الحياة ثانية، وها هو يتنفس في نعومة، وهو مضطجع كالملك على أريكه لينة بالردهة، وفؤاده ينبض بضجة.. إنه حى!.. وليس هنالك من يدرى معنى تلك الكلمة الإلهية غيره، لأنه تذوق مرارة الموت لحظات.

وإذ فرغت سلوى ثم سميرا وإيمان بعد عودتهما من المدرسة، من تقديم هداياهن إلى محبوب الطفولة، الذي يحتل أعز وأذخر جناح في قصر ذكرياتهن الحالم، ومن رفع دعواتهن إلى السماء، بأن تبقى لهن صاحب القناديل الرمضانية، رمزا طروبا وحزينا للأيام السعيدة التي مضت ولن تأوب، وإلا فقد الحاضر ظل الماضى المؤلم اللذيذ، تأكد أنه شرب كوب الأمانى المترع إلى آخر قطرة، فألقى نظرة مترنحة على الباب المفتوح دوما، وهو يتنهد بابتسامة حاول قد جهده الذي تخلص نهائيا من جهد الملوك أن يجعلها إبتسامة تليق بأعينهن الذهبية، وأومأ لهن بإنحناءة طويلة مثقلة بالعرفان وأردف:

- مساء جميلا يا فتياتى!

قالها بمرح ولكن بصوت يرتجف، ثم انطلق لتوه تتنازعه عوامل وجدانية متباينة من الرضى والتركيز والإنتعاش الروحى والبدنى، وصياح " فتياته " يركض في أعقابه ويخترق سمعه الرهيف، متمنيات له الليلة السعيدة التي قلما يحظى بها جد مثله!

كان يعدو متناسيا حكمة وحكم السنين الثقال التي ينوء بها كاهله، إلى ناحية الشارع التي يتصدرها متجر مينوس الحفيد، مخترقا جماعات الناس متجنبا إياهم، وكأنه يروم أن يصل إلى مأواه بأسرع ما يمكن، ليدفن رأسه بين كفية ويبكى باحتراق!..

وشيئا فشيئا صارت معالم الشارع الدقيقة في متناول بصرة الكليل، فرأى ماجد يقف وحيدا متعبا وخجلا في استكانة رائعة، كان على علم بما بينه وبين سلوى ولذلك تخيل كأن الشاب ينتظر مرور موكب إحدى أميراته الاسطورية المقدسة بتلك الناحية المثلثة!

ومع أنه كان متعجلا يحاول كبح جماح عواطفه، فقد كان من المستحيل عليه ألا يلحظ وحدة ماجد، وألا يحس في هذه الوحدة عزلة ما في الوجود كله، فانفلت منه زمامه وأغرورقت عيناه بالدمع وألفى نفسه يقترب منه حرا خفيفا، ودون أن يفكر أو يقصد التهريج مال عليه وقبله في خده وهو يغمغم:

- ما أشبهك بملوك الكوتشينه!.. إليك قبله من ملك سابق!

كان هذا التشبيه الساخر هو كل ماخطر بباله كأنه يعقب على موقفه من سلوى والحياة عموما بمزحة، وفيما كان يبتعد، مضى ماجد يتابعه وهو يفرك عينية دهشة وحيرة، لما بدر من الجد صاحب القناديل الرمضانية، الذي خلده في أنشودة رائعة، عن عهد الصبا وطرفة الممراح، وعن له أن يلحق به ويمسك بتلابيبه، ويستفسر عن معنى تلك القبلة الرعناء التي طبعها فوق وجنته، نازحا إلى شعوره تلك السعادة الحزينة، التي لم تكن تنتابه إلا كلما أحضرت له جارته سناء رساله من سلوى مجددة أمله، فقال لنفسه " أنه طالما شعر بذات الإحساس فلابد أنه واجد عنده أمل من نوع خاص، وإذن ليلحق به يسأله خطبه، وماذا يضطره – وهو شيخ – إلى بذل هذا الجهد البالغ، الذي لن يحس آثاره وعواقبة، إلا بعد أن يسترخى على الفراش، دون ان يعر العربات التي تعترض طريقه إنتباها.

قال العم خليل مصدقا لما جزم به ماجد بعد أن لحق به:

- شكرا لك أيها الشاب لأنك فسرت لى السر الحقيقى.. وراء إنطلاقى بكل بقايا قوتى.. وكنت قبل ذلك أظن أنها رغبة في البكاء تزجرنى زجرا!

وأضاف وهو يتنفس في صعوبة تاهت معالمها في عباب أبتسامته الطيبة العنيدة:

- تصور أننى قطعت دون وعى مسافة الشارع الذي كنت تقف على ناصيته ركضا!

- لا شك أن التعب قد نال منك.

- ليس إلى هذه الدرجة فالأمل الذي يسرى في أوصالى أقوى وأصلب.. الأمل في الله والأولياء والناس.. إنه أمل.. أمل!

كررها في حشرجة إذ هاجمه بغته ضيق في التنفس، شرع يقاومه بعناد وإصرار دون أن يتوقف عن السير، كيلا تسقط إبتسامة العناد التي تعمد أن يزيدها إتساعا، ليدارى الآلام التي بدأت تحز في صدره حز السكاكين، وهنا أدرك أن كل آلام الانسان تهون فيما خلا آلام الصدر أيا كان نوعها، وأنه لا مبرر مطلقا لهذا التحدى والكبرياء الذي يعذب به نفسه، مما دفعه على مضض إلى القول وأجفانه تختلج:

- هيا يا بنى.. دعنا نجلس قليلا.

وكانت أشجار الصفصاف تصطف بجانب بعضها، وتدلى خصلات شعرها النافرة في عبث على وجه المنزله، بيد أنهما لم يكونا في حاجة إلى الجلوس، في ظل إحدى الشجرات العتيقة القائمة على جانب البحيرة، فقد كان الجو رطبا وكل شيء ساكن من حولهما، حتى الرياح تراجعت عن غيها وكتمت أنفاس الحرب اللافحة، نزولا على قرار إنسحاب حليفاتها السحب من ميدان السماء، إلى ما وراء خط الأفق فجاءت جلستهما في بقعة خالية تماما، وعلى جانب من الطريق تمتد المنزلة على مدى البصر، وعلى الجانب الآخر تنبسط حقول القمح كأنها بحيرة أخرى من الذهب.

ورويدا رويدا خفت حدة آلام العجوز، وعاد إليه بعض لونه الطبيعى فتنفس الصعداء وقال:

- لقد نشطت هذه المراكب بعد طول سكون.

وأشار له بسبابته إلى مجموعة متجانسة من قوارب الصيد، هائمة كصغار النوارس فوق صدر الماء الآسن، فأخذا يتحدثان عن الصيد وعن إعتماد الصيادين الكلى على رحمة البحيرة، وتنهد الشيخ وكان إبان الحديث لا يغتأ يردد حكمة أو مثلا مشهورا ثم أردف:

- لو أنها كانت تملك كل تلك المراكب لتنازلت لهم عنها عن طيب خاطر.

ثم صمت لحظة ومضت فيها عيناه وميض الثقة بالأفكار التي تخطر في رأسه واستطرد:

- حقا أنها ما كانت تتردد عن ذلك.. في سبيل إسعاد زوجات وأطفال الصيادين.

ومرت فترة صمت أخرى قبل أن يوجه إليه جليسه سؤاله متأثرا من إنفعاله:

- عمن تتكلم..؟

فابتسم الرجل إبتسامته الطيبة وهمس كمن يفضى بسر:

- عن سيدة أعرفها!

وتنهد مرة اخرى ثم استتلى بنفس اللهجة:

- لقد أكلت معها عيشا وملح.. إنها إمراة طيبة!

وتبادلا معا نظرات إناس يحاولون التوافق، وفكر الشاب أن يسأله إفصاحا أكثر لولا أنه استرسل في تأثر شديد وببطء ووضوح كأن الكلمات تصعد حرفا حرفا من أعماقه:

- يا لها من إمرأة!

فمست شفاف قلبه الطريقة الغريبة التي ساق بها قوله، ورنت نغمتها في أذنيه كما لو أنها الترتيلة الختامية التي سوف ينهى بها هذا الصوت الأجش المرتعش حياته ووجوده..

وعلى حين فجأة واصل العم العجوز كلامه في سرعة بالغة، حتى لا يكاد يلتقط أنفاسه اللاهثة، عن سيدة رقيقة بعثت بها العناية الالهية لتنقذه، تاركا الشاب في جلسته إلى جواره لا يفعل شيئا، إلا أن يتابع حديثه ويحدق فيه مأخوذا بغرابة أطواره، وهو يتحدث بحماس وسرعة وحنان، كأن أحدا قد نقده أجرا عن كل كلمة، ذاك الحديث الذي أنهاه بقوله:

- وانتهزت فرصة وسألتها في بله وغباء " من أجل من هذا الإحسان ولم تحملين نفسك عبئا فوق طاقتك وطاقة أسرتك!؟ ".. فضحكت تصورا ضحكت.. وما كان أجملها عندما تضحك! قائلة: هكذا أيها الجد الطيب يتجدد الشباب! تخيل هذا بالإحسان إلى الضعفاء يتجدد شباب المرء منا!!.. ولما تحسنت حالتي أحسست أننى سأقضى بقية عمرى الذي لم يبق منه إلاالقليل المشكوك فيه.. أسير تلك السيدة أم سلوى!

وعند ذكر الإسم الحبيب هرول فؤاده في صدره، وشرد في مملكه غرامه الضائع، يناجى أمله الضعيف ويقلب الأشياء الثابتة أمام ناظريه رأسا على عقب، وانقبضت روحه وهم أن يصيح: ذكرت أمامى إسمها وأنا الأحق منك برؤيتها أتعذب.. أشكو الحنين.. فهل هذا هو العدل الذي تتشدق به في رسائلها..!

وصاح في صبر نافذ وكمد لا يوصف مستجيرا :

- يا للسماء!

أجل يا للسماء ويستطيع أن يصيح بصوت أعلى أن يصرخ قائلا:

- إلحقينى أيتها السماء!

ولن يهتم به أحد ولا حتى هذا العجوز الذي كل همه أن يقص عن روح إمرأة نالت حبه العميق..

- أيها الشاب.. أيها الشاب..!.. إنتبه إلى بعض الشىء!

- إننى معك..!

- إستيقظ لحظة قصيرة.. هيا.. كن لطيفا..!

- لحظة قصيرة..؟

- بلى.. ولا تجعلنى أرجوك!

- لا ماذا تريد منى في هذا الوقت المتأخر من الليل؟!

- ليل ماذا؟.. إن الشمس لم تزل ساطعة في كبد السماء!.. أنت تخرف يا صديقى وعلى الله العوض في الوقت الذي أضعته معك.. كنت أتحدث إلى صنم.. كنت أكلم من لا يسمع.. أيها الشاب.. أيها الشاب!.. إنتبه إلى بعض الشىء!

- إننى معك!

- إستيقظ لحظة قصيرة.. هيا كن لطيفا!

- لحظة قصيرة؟

- نعم حتى لا يقال عنى أننى تركتك نائما في الطريق وذهبت عنك دون صوت!

- إنتظر حتى أنشد المقطوعة!

- مقطوعة؟!

- دعنى حتى يصفق الجمهور!

- جمهور؟!

ورفع العم خليل وجهه إلى ماجد وعليه ظل ابتسامة مكروبة " إن الفتى حالم ولا أحد يعلم!.. أكيد أن أمثاله وراء حريق قطار الصعيد ليلة العيد!".. ثم أخذ يتفرسه بعينيه في صمت من الرأس إلى القدم.. " ومع ذلك ليس هناك ما يميزه عن بقية شباب هذا الجيل "، ثم ندت عنه تنهيدة صغيرة.. " لا حول ولا قوة الا بالله.. عوضك على الله يا بلدى!".. وأنسحب بظهره في بطء وهو يحدق فيه بشدة وحذر، كأنما يخشى أن ينقض عليه بغته تحت تأثير حلم أو طيف، من أضغاث أحلامه فيلقى به كالأرنب في البحيرة!

وحين تيقن من أن الشاب غارق حتى الثمالة في مستنقع من وحل الوهم وتقريع النفس، وأنه أصبح على بعد كاف منه، أدار له ظهره وسار في سبيله حائرا، مأخوذا تسيطر عليه فكرة جنون ماجد، التي لا يعلمها أحد غيره " دعنى حتى يصفق الجمهور ".. فلم يستطع أن يمنع نفسه من الحنق " جمهور من يابن إمبراطور الأوز! "

وحينذاك أتضح له كل شىء، وفهم سر غضبته على ماجد " إنه يحلم ويشعر دائما، حتى ليثير الحنق ولكن تعليله هذا كان قد وصل متأخرا جدا فقد ماتت روحه الطروبة الهانئة ، وتعكر ماء ذهنه الصاف حتى إستحال وحولا، في الوقت الذي كان يستغفر رب السموات فيه ضاربا أخماسا في أسداس!

***

وأفاق ماجد من إغمائه النفسى الحاد قرب الأصيل، فانتزع نفسه من فوق رمال الشاطىء إنتزاعا، وراح يتخبط كالأعمى في غمار الطريق الممتد بجوار المنزلة، والجو يرين عليه ضباب أصفر، ينيخ ظهره على أشرعه المراكب، ويمسح بأنفه في شراعات النوافذ، لاعقا بلسانه بقايا فلول النهار، متسكعا كصعلوك فوق البحيرة.

كان يمشى شاردا زائغ النظرات في غياهب من الفكر القارع الممزق، ينظر أمامه في ذهول وتبلد تسوقه الغريزة وحدها إلى الاتجاه السليم نحو المنزل، حيث الراحة والخلاص، ولحسن حظه كانت الطريق أمامه خالية من معارفه، فلم يره أحد وقدمه تزل إلى حافة المنزلة ويبتل بالماء حذاؤه أكثر من مرة، سوى الكلاب والفلاحون الفقراء العائدون إلى منازلهم، بعد إنقضاء نهار من العمل الجهيد، وقد بدوا أمام ناظريه كأنهم تخوم من السماء البلدى، قد ركبت فيها أعين الكلاب والحمير والأبقار.

على أن الأمر لم يخل من أن بعض المارة الظرفاء الذين لا معرفه له بهم، كانوا يوزعون عليه بسماتهم وتحياتهم التي كان شغوفا بالرد عليها قبل الآن، لما كان يعنيه كثرة الذين يعرفونه ولا يعرفهم، من أن ماء شهرته يترقرق، ومن أن دولة الشعر مازالت دولة!، فلم ينتبه إلى أحد منهم وأستمر في سيره، يبصق فيما حوله ويضرب بمقدمة حذائه الأحجار الصغيرة، التي تعترض طريقة آنا ويطارد قطا أو يمسك عن المسير ليضحك كالثمل المخمور آنا آخر، ثم يستأنف سيره متخبطا بين أشجار الصنوبر الشائكة، وأشجار السرو الباسقة التي تحمل من الغبار ما يكفى لردم المنزلة وكل أحاسيسه تصرخ:

- إنتهى كل شيء أنت أحمق.. غبى.. صعلوك.. أنت.. يالك!.. أنت مهرج كبير الذنب!

وفجأة تمزفت الأرض تحت أقدامه عن حفرة واسعة، إنكفأ فيها على وجهه إنكفاءة أليمة، ورغم الدم الذي كان يقطر من وجهه وأسنانه بعد أن نهض فإنه لم يكن يستشعر أي ألم.

وقادته قدماه إلى درب مطروق يعرف لا شعوريا أنه سار فيه آلاف المرات قبل الآن، فهو يفضى به قرب نهايته لبيته، بينما كان الليل قد بدأ يضرب على الدنيا بجرانه، فأخذت عينيه النجوم وهى تلتهب في فحمة الطاغوت كفؤاده المحب.

ولاحت له الأنوار على البعد تنبعث من حجرة الاستقبال في منزله، فقال في نفسه بضيق وتقزز، أنه إذا كان ثمة زائر فلن يكون غير سناء، تلك الفتاة المعقدة اللعينة! التي تنتظره كعادتها كل مساء، ليقرأ عليها أشعاره المبكية، التي يبدو أنها تريح قلبها وتساعدها على فض عقدها!

ثم بدت له حجرته مظلمة كئيبة، وكأنها صورة أخرى من صور هذا الكابوس الذي لا يريد أن ينتهى، وتذكر ما ينتظره عند الباب من عذاب، حين تتصلب وتتحجر قبضته بغته بين يديه تأبى ان تدور، فخيل إليه أنه لم تبق له إرادة بعد، ولا ذرة من العزم يقاوم بها، وحتى إن وجد الإرادة والعزم فما فائدتهما، وهو يبغى أن يتسلل إلى غرفته خلسة دون أن يحدث ضجة، تنبه طرف أمينه – والدته – إلى هذا العذاب المشتعل في مقلتيه، وذاك الضنى المختال فوق ملامح سحنته الكالحة، وقطرات الدم البغيضة تلك التي تنزف من ذاك الجرح الغائر في وجهه، ليتها لا تبصرها! وإلا فستضرب - مؤكدا - صدرها بقبضة يدها، وتنتحب مولولة " أي بنى لقد كنت في مشاجرة! "

وقد كان ما توقعه صدقا، فقد تمنعت قبضة الباب اللعينة لا تريد أن تلين له في هدوء، ولم يكن في حال تسمح له بأن يسوسها في صبر، فهاج وماج كأنه يواجه خصما عتيدا، وراح يدفع الباب بكل قوته وعذابه وحيرته وكمده وقلقة وارتباكه، وأنفتح له بعد أن أحدث دويا هائلا مغيظا!، إنخلع له قلب أمينه وصديقتها زينا – والدة سناء – التي كانت في زيارتها هذا المساء، فانتفضتا في مكانهما بهلع تحدقان في هذا الشبح المخيف المدمم بذهول واضطراب.

- ماجد!

هتفت أمينه بهذا النداء الحبيب في لهفة وحنان وقلق على وحيدها، ولكن ماجد من؟.. إنه ليس هنا.. إنه هناك في ميدانه الداخلى الخاص حيث استحال كل شيء إلى لجة من الظلام!