١

8 0 00

١

كانت أنقاض المنزل الذي تهدم متراكمة، وحجارة المنزل الذي يبنونه متكدسة، وبينهما نار مشبوبة يتألق لهيبها في ظلام الليل الدامس.

وكان قرب هذه النار رجلان، أحدهما حارس أدوات البناء، وهو جندي قديم، قطعت رجله في حرب القرم، والآخر بنَّاء لا يتجاوز عشرين عامًا.

وكان هذا الفتى قد اشتغل كل النهار بملء الاجتهاد، ولكنه على فرط تعبه وعلى تقدم الليل لم يكن نائمًا، بل كان ملتفًا بردائه ومضطجعًا قرب تلك النار وهو يحاول الرقاد فلا يستطيع، ويتقلب من جنب إلى جنب متأوِّهًا متنهدًا كأنما هو في عذاب أليم.

وكان الحارس يراقب هذا الفتى مراقبة المشفق عليه من حين إلى حين، فلما طال تنهده قال له: ماذا أصابك يا ليمسون، وما لي أراك منذ أيام تبيت هنا في حين أن جميع زملائك يبيتون في منازلهم؟

– ذلك لأنه ليس لي منزل.

– كيف يكون ذلك، ألا تقبض أجرتك في كل أسبوع أم أنك تنفقها على الملاهي؟

– بل أرسل نصفها إلى أمي ويكفيني الباقي لاستئجار غرفة وللمعيشة كسائر رفاقي، ولكني أؤثر النوم بالهواء الطلق.

– عجبًا كيف تؤثره في مثل هذه الليالي الباردة؟

– ذلك لأني لا أخاف البرد.

فعجب الحارس لأمره وقال: ليكن ولكن ما لي أراك لا تعرف طعم الرقاد منذ أسبوع، وأنت لا تزال في مقتبل الشباب؟

فتنهد الفتى، وقال: إن النعاس لا يجد سبيلًا إلى أجفاني.

فابتسم الحارس وقال: بل ذلك لأن أشعة الغرام قد نفذت إلى قلبك.

فاهتز الفتى وجلس متربعًا على الأرض وقال: كيف عرفت ذلك، ومن أنبأك أني من العشاق؟

– إن دلائل العشق لا تخفى على أحد يا بني، كحامل المسك لا يخلو من العبق. وأنا لم أبلغ بعد حد الكهولة، فأبسط لي يا بني أمرك عساي أنفعك برأي صالح، فقد طالما تقلبت على مهاد هذا الغرام حتى بت خبيرًا بأدواء القلوب.

فعاد ليمسون إلى التنهد وقال: ولكن هيهات أن تجد دواء لقلبي، فإن دودة أرض عشقت نجمة سماء فكيف تصل إليها؟

فضحك الحارس وقال: أراك تستعمل الاستعارات، فهل أنت دودة الأرض؟

– نعم.

– والنجمة أين هي؟

– هي فوق.

ثم أشار بيده إلى منزل عال مشرف على البناء الجديد.

فابتسم الحارس وقال: لا تقنط يا بني فإن الدودة تصير فراشة فتطير وتدرك هذه النجمة.

فتنهد الفتى أيضًا وقال: هب أنني صرت فراشة فليس لي رجاء؛ فإن نجمتي عالية جدًّا لا تدركها ذوات الجناح.

– ألعلها من نساء الأعيان؟

– ربما كانت أميرة، فإني كل يوم حين تسطع أشعة الشمس أذهب فأقف عند بابها حين تخرج إلى النزهة في مركبتها.

– هل تخرج وحدها؟

– كلا، بل يصحبها رجلان، ولكن هيئتها تدل على أنها تحتقرهما وتخافهما، حتى كان يخطر لي بعض الأحيان أن أهجم عليهما بمطرقتي وأقتلهما شر قتل.

– ولكنك لن تفعل وإلا كنت من المجانين!

– قد أكون مجنونًا في هواها، ولكن ذلك لم يمنعها عن أن تبتسم لي.

– أهي ابتسمت لك؟

– نعم، فإنها كانت واقفة في نافذتها تنظر إلى الشارع نظرة الطير المحبوس في القفص وكنت واقفًا في معمل البناء أتأمل محاسنها الباهرة فنظرت إليَّ فجأة وعلمت أني مأخوذ بجمالها فابتسمت لي.

وكان الفتى يقول هذا القول بصوت يتهدج فقال له الحارس: لقد بت أخاف على صوابك، ولكن أتم بسط حكايتك؛ فقد أفيدك بنصيحة متى وقفت على كل أمرك.