٣

5 0 00

٣

نعم إن تلك الفتاة كانت مس ألن بعينها، ابنة اللورد بالمير، تلك التي كانت من ألد أعداء الرجل العبوس — أي روكامبول — فأصحبت الآن من أشد الناس إخلاصًا له وولاء في حبه.

وإن من قرأ الرواية السابقة — أي قلب المرأة — يذكر من دون شك تلك المكيدة الهائلة، التي نصبتها مس ألن لروكامبول، وهي تحبه وتحسب أنها تكرهه.

حتى إذا ظهر لها بمظاهر اليأس، ورأت أن الجنود أطبقوا عليه من جانب والمياه تدفقت عليه من جانب آخر، ثار في قلبها ذلك الحب الذي كانت تحسبه بغضًا، وحاولت أن تقيه بنفسها وتجعل جسمها ترسًا له، ولكنها لم تجد أثرًا للرحمة في قلب ذلك الأسقف بترس توين رئيس المذهب الإنجليكاني وألد أعداء الأرلنديين.

وقد شعرت الفتاة فجأة، أنها تهوى ذلك الشخص الذي سلمته إلى أعدائه، فابتسم وقال: إنك سلمتني إلى أعدائي، ولكنك ستنقذيني منهم يا مس ألن.

ويذكر القراء، أنه بينما كان الأسقف بترس توين يصدر أوامره إلى الجنود بالقبض على الرجل العبوس، كان العبوس يقول لمس ألن باللغة الفرنسية: «إننا مفترقان أيتها الحبيبة، ولكن فراقنا لا يطول وإني أخرج من السجن متى شئت.

لا تهتمي بي أيتها العزيزة بل بأرلندا التي نخدمها، ولا تسألي أباك شيئًا، ولا تهتمي بإخراجي من السجن، بل سافري من لندرا إلى باريس، وابحثي فيها عن شخص يُدعى مرميس، وآخر يدعى ميلون، وامرأة تدعى فاندا، وقولي لهم: هلموا معي إلى لندرا بأمر الرئيس يمتثلوا لك ويسرعوا إلى المجيء.

إني أيتها الحبيبة أُلقب في لندرا بالرجل العبوس، ولكني أدعى في باريس روكامبول».

ثم مشى روكامبول إلى السجن مع الجنود، يمشي مشية المنتصر لفوزه بقلب تلك الفتاة، وقد تركها وهي توشك أن تجن من حزنها، ولكنه بات موقنًا أنها باتت رهينة هواه.

وكان أبوها لم يعد بعد من البرلمان.

ولما خرج الأسقف والجنود بروكامبول من المنزل، رأت أنها قد باتت أرلندية، وأنها لم يعد لها اتصال بأبيها.

واغتنمت فرصة غيابه، وجمعت ما كان لديها من الحلي والنقود ووضعتها في حقيبة.

وكان لديها خادمان وخادمة امتازوا في الإخلاص لها على سائر الخدم. وأخذت حقيبتها، وأمرت أولئك الخدم أن يسافروا معها، فلم يبلغ روكامبول سجن نوايت حتى بلغت مس ألن مع خدامها إلى المحطة، وبرحت معهم لندرا.

وفي مساء اليوم الثاني غادرت بولونيا، ووصلت إلى باريس عند انتصاف الليل.

وكانت مس ألن تعرف باريس كما يعرفها كبار أغنياء الإنكليز؛ فإن هذه العاصمة تشوق إليها الشعب الإنكليزي، ولا سيما الأغنياء منهم فلا يوجد بينهم من لا يزورها ولو مرة في العام.

ولم يكن روكامبول قد أرشد مس ألن إلى أماكن عصابته، بل اكتفى بذكر أسمائهم فعلق بذهنها اسم ميلون وفاندا.

ولكن ذلك لم يكن كافيًا في تلك العاصمة المتسعة للاسترشاد إليهما، فرأت أنها لا بد من السعي والتعب للبلوغ إليهما.

وكانت حين تجيء مع أبيها إلى باريس تقيم عادة في منزل في شارع لويس الكبير، فذهبت مع خدَّامها إلى ذلك المنزل نفسه، واستقبلتها صاحبته بملء الترحيب والتكريم، وباتت فيه تلك الليلة.

وقد باتت بليلة الملسوع، فلم يغمض لها جفن، ولم يتمثل لها غير روكامبول وظواهر جلاله وكبريائه، وما عساه يعانيه في ذلك السجن الرهيب، ثم تذكر أنها هي التي كادت له، ورمته في السجن، فتتأوه وتبكي بكاء الأطفال.

وفي صباح اليوم التالي بدأت في البحث، فأخذت الكتاب الذي تُنشر فيه أسماء التجار وأصحاب العمال، وجعلت تقلب فيه، وهي تقول في نفسها: إني أبحث عن ميلون، وإذا وجدت عنوانه ذهبت إليه وقلت له: أتعرف الرئيس؟ إنها طريقة بسيطة، ولكنها قد تكون أحسن الطرق إلى نيل المراد.

ثم جعلت تقرأ الأسماء فوجدت كثيرين يدعون بهذا الاسم فكتبت عناوينهم وذهبت إليهم جميعًا فلم تجد بينهم من يعرف اسم روكامبول.

فعادت في المساء إلى المنزل وقد خطر لها خاطر غريب، لا يتمثل إلا للإنكليز فكتبت هذه الرسالة الآتية وهي:

المسيو ميلون، ومدام فاندا، وكلاهما صديقان للمسيو ر. يرجى منهما أن يسرعا في المجيء إلى شارع لويس الكبير، نمرة ٥٠، والمسألة خطيرة جدًّا.

وعولت على أن ترسل هذه الرسالة إعلانًا إلى جميع الجرائد فلا بد لميلون وفاندا وأصحابهما أن يقرءوا الإعلان فيحضران إليها.

غير أن لنكد طالعها، لم يتسع لها الوقت لإرسال هذا الإعلان؛ لأن جسمها كان قد أضنكه التعب في النهار، ولم تكن قد نامت ليلة أمس، فتعشت مسرعة، وحاولت أن تنام، ثم سمعت الخادم يحادث زائرًا باللغة الإنكليزية.

ثم رأت الخادمة دخلت إليها تحمل رقعة زيارة كتب عليها الاسم:

سير جمس وود

أكسفورد ستريت

فهمت أن تجيب الخادمة أنها لا تقبل زيارة من لا تعرفه، ولكن السير جمس دخل في أثر الخادمة قبل أن تجيبها بشيء.

فاصفر محيا مس ألن لهذه الجرأة، وتوقعت مصابًا، لا سيما أنها رأت من خلال الباب شخصين أيضًا، كانا واقفين في الفسحة، وهي لا تعرفهما.

ولكنها على اضطرابها لم يذهب عنها شيء من عظمتها.

ونظرت إلى السير جمس نظرة ملؤها الكبرياء والإنكار، وقالت له: ماذا تريد أيها الرجل مني؟ وبأي حق تدخل إلى غرفتي دون أن أأذن لك؟

– إني أسألك العفو يا سيدتي، إني شخص شريف لا أغتصب الحقوق، ولم أدخل غرفتك إلا مسلحًا بحق الدخول.

فاحمرت عيناها من الغضب وقالت: ماذا تعني؟

– أعني أني أحمل جوازًا موقعًا عليه من سفير إنكلترا في باريس.

– وماذا يفيدني هذا الجواز؟

– ولدي أيضًا يا سيدتي أمر من رئيس الشرطة، وأنا من كبار أفراد الشرطة في لندرا.

فتراجعت الفتاة منذعرة مما سمعته وأيقنت بحلول المصيبة.

أما هو فإنه قال لها ببرود: أعلمت يا سيدتي الآن، لماذا تشرفت بالدخول إلى غرفتك؟ إن أباك اللورد، وصديقه الأسقف بترس توين قد أرسلاني.

فصاحت الفتاة صيحة ذعر وسقطت على كرسيها واهية القوى مما أصابها من مفاجأة الاضطراب.