٢

6 0 00

٢

فمضى الفتى البناء في حديثه فقال: إني لست من أهل الدهاء والرياء، ولكني لست من أهل السذاجة المطلقة، فأنا أعلم أن هذه الفتاة الحسناء لا تبتسم لي إلا لأنها محتاجة إليَّ في غرض من الأغراض.

– أتظن أنها محتاجة إليك؟

– دون شك ألم أقل لك: إنها سجينة في منزلها؟

– ما أظنك إلا فقدت رشادك، ومتى كان السجناء يخرجون من سجونهم إلى المتنزهات؟

– وأي خطر من فرارها إذا كان السجانون يصحبونها؟

– إني تقلبت في جميع أنواع الغرام ومر بي كثير من الحوادث، فلم أجد مثل أمرك هذا!

– أصغِ إليَّ حتى النهاية وسوف بعد ذلك بساعة، كان مرميس وميلونترى، فإن حب هذه الفتاة باغتني لأول نظرة، فلم أتدبر في أمري، وشعرت أن هواها قد جرى في قلبي مجرى دمي في مفاصلي.

وقد رأيتها أول مرة في يوم سبت فلما رأيتها تبتسم لي تضعضع عقلي وغلت يدي عن العمل، حتى إن مدير البنائين أنذرني بالطرد إذا استمريت على ما كنت عليه من التهاون.

وكان اليوم التالي يوم الأحد؛ أي يوم دفع الأجور، فقبضت أجرتي واشتريت بها ثوبًا جديدًا فلبسته، وجعلت أتخطر حول المنزل طامعًا برؤية هذه الحسناء.

وهي تقيم في هذا المنزل الذي تراه مشرفًا على معمل البناء ومنزلها في الدور الثالث منه، فقد استأجرت جميع ذلك الدور، ورأيتها أول مرة تطل من نافذة غرفة زينتها.

فابتسم الجندي وقال: أظنها من غنيات أهل الدعارة، وأنها ما ابتسمت لك إلا للعبث بك.

ولكنه رأى أن الفتى قد اشمئز ونفر من قوله، فاستدرك خطأه وقال: ومع ذلك، فقد أكون مخطئًا، فلنفترض أنها من الأميرات وتمم حديثك.

– إني طفت حول المنزل نحو ساعة فلم أرها، فذهبت إلى هذه الخمارة المقابلة للمنزل فرأيت رجلًا يسير ذهابًا وإيابًا، فما شككت أنه رقيب متنكر، ثم رأيت بواب المنزل واقفًا عند الباب ولي معه سابق عشرة فدعوته إلى شرب كأس من الخمر معي علِّي أقف منه على شيء من أخبار الفتاة، فأجاب الدعوة ودخلنا إلى الخمارة فما شربنا الكأس الثالثة حتى بدأت أحادثه بأمر هذا المنزل الفخيم وأغبطه على استخدامه فيه.

فقال لي: قد يجوز أن تغبطني لو كان المنزل مأهولًا بجملته، ولكن دورين منه لا يزالان فارغين، ثم إنه قد يحدث لنا أمور مزعجة مع هؤلاء الأجانب.

– كيف ذلك؟

– يوجد الآن فتاة إنكليزية تقيم في الدور الثالث منه يظهر أنها من النبيلات، وأنها ابنة لورد هربت من منزل أبيها إلى هذا المنزل.

وقد صحبت معها حين حضورها خادمة وخادمين كلهم من الإنكليز، فلم تكد تستقر في المنزل حتى أحضرت مركبة وطافت بها جميع باريس كأنها تبحث عن رجل لا تعلم مقره.

ولم تعد إلا في المساء فجاء رجلان وطلبا أن يحادثاها، ولكنهما لم يخرجا من المنزل بعد المحادثة بل بقيا فيه، واستبدلا جميع ما كان من الخدم وجعلا يراقبانها مراقبة شديدة حتى إنها أرادت أن تكلمني فوقف واحد منهما ووالله لقد أشفقت عليها؛ فإنها تذهب إلى النزهة كل يوم، ولكن الرجلين يصحبانها فلا يفارقانها لحظة عين.

هذا كل ما يعرفه البواب من أمر الفتاة فتركته وقد أيقنت منه أن هذه الصبية من خير أسرات الإنكليز، وأنها أسيرة هذين الرجلين.

وفي اليوم التالي عدت إلى العمل وأنا منقبض النفس، أود لو بذلت نفسي في سبيل إنقاذها، فبينما أنا أشتغل بنحت حجر وعيناي تنظران إلى نافذتها، فتحت تلك النافذة، وأشرقت منها الفتاة إشراق القمر من السحاب، فكانت تجيل طرفها باحثة إلى أن رأتني، فاستقر نظرها عليَّ وابتسمت لي.

فشعرت أن جسمي قد تكهرب، وقد اشتد خفوق قلبي حتى كدت أسمع ضرباته.

فشخصت عيناي إليها ولم يكن أحد يراقبنا، وكأنما أدركت ما أصاب نفسي من الاضطراب لابتسامها، فوضعت إصبعها على فمها، كأنها تشير عليَّ بوجوب الكتمان.

ثم أخذت ورقة من جيبها وألقتها من النافذة فسقطت وراء أكداس من الأخشاب القديمة وأشارت إليَّ إشارة تفيد أنها ألقت الورقة إليَّ، ثم أقفلت النافذة ودخلت إلى غرفتها.

وكنت بعيدًا عن هذه الأخشاب وما أحببت أن أسير إليها لالتقاط الورقة على الفور فقلت في نفسي: إن موعد فرصة طعام الصباح قريبة وسألتقطها حين يدق الجرس لا سيما وقد أيقنت أنه لم يرها أحد.

فقال له الجندي: وبعد ذلك؟

فتنهد الفتى وقال: سوف ترى ما كان من نكد طالعي وطالعها، فإني بينما كنت أنتظر فرصة الطعام لالتقاط الورقة وأنا آمن عليها وقد اطمأنت نفسي لوثوقي من احتياج الفتاة إليَّ، قدم شخص إلى ورشة البناء التي أعمل فيها وطلب أن يتكلم مع المدير.

فجعلت أنظر إليه دون اكتراث، وأنا أحسب أنه صاحب الأرض، أو أنه أحد المهندسين؛ إذ كانت ظواهره تحمل على الاحترام، وهو بين العمرين.

فأسرع إلى لقائه وسمعته يقول: إني أقيم في الدور الثالث من هذا المنزل وقد سقطت من النافذة إلى أرض المعمل ورقة لها أهمية عندي فأرجوك أن تأذن لي بالتفتيش عنها.

فأذن له المدير دون اعتراض، فذهب توًّا إلى حيث سقطت الورقة ورأيته وا أسفاه قد التقطها ووضعها في جيبه.

فقال له الجندي: إنك على ذلك لم تعلم ما كتبته لك.

– كلا.

– أما رأيتها بعد هذه الحادثة؟

– بل أرها في كل صباح، وإنها تفتح النافذة وتنظر إليَّ نظرة السائل كأنها تريد مني شيئًا.

– ذلك يدل على جهلها ما حدث لاعتقادها أنك قرأت رسالتها.

– هذا أكيد وا أسفاه وهي تنظر إليَّ نظرات تشف عما داخل نفسها من الغم والانقباض مما يقطع القلوب من الإشفاق.

– ألم تحاول الدخول إلى منزلها؟

– كلا.

وامتعض الجندي وقال: لقد كان العشاق في عهد الجندية أجرأ منكم على اقتحام الصعاب.

– ماذا كنت تصنع لو كنت في مكاني؟

– كنت أدخل إلى المنزل من بابه.

– وهذا الرقيب الذي لا يفارق الباب لحظة؟

– كنت أدق عنقه.

– والبواب؟

– أرشوه بالمال فينصرف به إلى الخمارة.

– والرجلان اللذين يحرسانها ويبيتان معها في المنزل؟

– أقتلهما إذا اعترضا سبيلي.

فأطرق الفتى البناء برأسه إلى الأرض وقال: لا أستطيع الموافقة على هذا الرأي.

– ذلك لأنك لست من الجنود القدماء.

فابتسم الفتى ابتسام المكتئب وقال: إني لم أكن جنديًّا ولكني أسفك دمي طائعًا مختارًا في سبيلها.

– إذًا خاطر بحياتك على ما قلت لك.

– إني لست من رأيك.

– لماذا؟

– لأني إذا جريت على ما تُشير به من العنف، في سبيل الوصول إليها، لا أبلغ ما أسعى إليه من تخليصها، بل تفضي النتيجة إلى عكس ما أريد وتريد.

– إذًا ماذا تعمل؟

– لقد خطر لي خاطر أرجو أن يكون مفيدًا، ولكن لا يمكن تنفيذه قبل ثمانية أيام، وذلك إلى أن يتم بناء الدور الثالث من هذا البناء الذي نشتغل فيه، وذلك أن نوافذه تصبح مساوية لنوافذ غرفة الفتاة، لتساوي المنزلين بالارتفاع، وليس بينهما غير عرض الشارع، وهو لا يتجاوز ستة أمتار.

وإذا تم هذا البناء ترقبت ليلة مظلمة لا يكون فيها غير أنا وأنت في المعمل فمددت لوحًا خشبيًّا من نافذة المنزل الجديد إلى نافذة منزلها ودخلت إليها على هذه الطريقة دون خطر ودون أن يراني أحد.

فسر الجندي لاقتراحه وقال: إنه خاطر حسن ويسرني أن أراك أشد جرأة مما كنت أظن.

– ليس في الأمر جرأة، إني أعمل في حرفتي منذ عشرة أعوام وقد ألفت هذه الخطوات وإذا نجح قصدي هربت على هذه الألواح، حتى إذا صحا النيام رأوا أن الطير أفلت من القفص.

– إن ذلك يدلني منك على التروي والحكمة، اصنع ما أنت صانع.

– لقد علمت الآن السبب في نومي في المعمل في حين أن جميع الرفاق يذهبون إلى منزلهم، وأرجو أن تكتم سري بعد أن بحت لك به.

– إني جندي والجندي لا يخون على أني لا أقتصر على كتمان سرك، بل أكون لك خير معين.

وكان الفجر قد انبثق وبدأت الطيور تناغي، فنظر الجندي إلى ذلك المنزل الذي دله عليه الفتى، ورأى النافذة التي كلمه عنها، ثم رأى أن النافذة قد فتحت فجأة وظهرت منها الفتاة.

فلم يتمالك الجندي من إظهار دهشته لما رآه من جمالها ووقف يتأمله معجبًا بتلك المحاسن الفاتنة.

أما الإنكليزية فلم تراهما وقد فتحت النافذة لتستنشق نسيم الصباح.

وقال الجندي للبناء: أعرفت اسم الحسناء؟

– نعم، فقد قال لي البواب: إنه سمعهم ينادونها مس ألن.

وعند ذلك حانت التفاتة من الفتاة فرأت الفتى البناء ينظر إليها وارتعشت وجعلت تبتسم له كأنها علمت بأنه سيكون منقذها.