الفصل الأول

6 0 00

الفصل الأول

تبينت وقفتى فى التقاء شوارع إسماعيل صبرى ورأس التين وفرنسا .

أفق البحر يبين فى تقاطع إسماعيل صبرى والكورنيش . السماء صافية الزرقة ، والقوارب متناثرة فى المينا الشرقية ، وأسراب الطير محلقة بالقرب من الشاطئ .

هل أمضى فى فرنسا إلى ميدان المنشية ؟ هل أسير فى رأس التين إلى السراى ؟

مضيت فى امتداد إسماعيل صبرى حتى نهايته . الزاوية على شارع صفر باشا ، وعلى ناصية الطريق المرصوف بالبازلت ، والمحاط بسور الجمرك ، إلى المخازن ، ومحال بيع أدوات البحر : معدات الصيد وطعم السمك وقطع غيار الفلايك والبلانسات والفلين والغزل والقار والحبال والكنار والبكر والمخاطيف .

من الناحية المقابلة ، يمضى الشارع إلى شاطئ الأنفوشى ، يطل عليه باب رقم واحد باختلاط الزحام والنداءات والصيحات والتفتيش والشخط والنطر والتصاريح وعساكر الميناء والبحارة والعتالين والسيارات والأرصفة وصفير البواخر وأصوات المحركات والروافع والحاويات والأوناش والمستودعات ولوطات الخشب ورصات الأجولة وأكشاك التخليص .

سيدى العدوى هو الولى الذى يعيد الأولاد التائهين ، والأشياء الضائعة ، إلى أصحابها . هل أستعين به ـ ولو بينى وبين نفسى ، ولو فى صوت هامس ، وأنا ألمس بيدى شباك المقام بأصابع ملهوفة ـ ليدلنى على قبر الإسكندر ؟

منذ ألقى السؤال : أين قبر الإسكندر ، والمحاولات لا تكف عن الدراسة والبحث والتنقيب

وقفت على رأس الموقع . يتوسط شاطئ المينا الشرقية . قبالة مبنى المحكمة بالمنشية تماماً . أحدس الصوت ، أتخيله . صوت مجوف له رنين وصدى ، يشى بأنه يعلو ما يخفيه . أكاد أسمع دقات قلبى ومعاول العمال تشق باطن الأرض ، فى طريقها إلى اكتشاف الوثيقة الكنز .

هل يشهد العالم بها مستقبلاً جديداً ؟.. وهل تطمئن الإسكندرية من الخطر المتوقع ؟. لكننى لم أعثر فى الموقع الجديد على أية بقايا أثرية . وصلت المعاول إلى المياه دون أن تشى الأرض بأثر من أى نوع .

أرقب تمثال الأشرعة وعروس البحر أول الطريق إلى السلسلة .

لم تعد السلسلة ـ كما كانت قبل 1967 ـ موضعاً للتمشى والتأمل والمذاكرة ولقاء المحبين . أصبحت ـ عقب الحرب ـ موضعاً عسكرياً ممنوع الاقتراب منه ، أو تصويره . الخرائط لا تسقط السلسلة باعتبارها موقعاً محتملاً لقبر الإسكندر . هى لسان يمتد فى قلب المينا الشرقية . تحت المياه آثار للبطالمة ، وربما ـ زيادة فى التمويه ـ جعلوا قبر الإسكندر تحت لسان السلسلة .

ألفت التردد على السلسلة وقلعة قايتباى وكوم الدكة وحجر النواتية وعمود السوارى والكنيسة المرقسية .

كنت أقرأ تاريخ الأمكنة ، وأتأمل ، وأحلل ، وأناقش ، وأكتب مذكرات ، وأرسم خرائط . أحاول التوصل إلى الاستنتاج الصحيح . أمنى النفس بأن أعثر على أى شئ قديم : بقايا قصور ومعابد وهياكل ، فخاريات ، أماكن تقديم القرابين وتماثيل الآلهة والتماثيل الصغيرة كأوشابتى الفراعنة ، أوراق بردى ، أطعمة ومشروبات محفوظة . طرف خيط يدلنى على بداية البداية . الميلاد والنشأة ، فالحياة التى أثمرت وثيقة فيها الخلاص للبشرية لو أنى أفلحت فى العثور عليها . أتصور الوصية فى صندوق من الذهب ، أو من الفضة ، أو الأبنوس ، أو الخشب . بداخله علبة من النوعية نفسها ، بداخلها أوراق تتضمن وصية الإسكندر ، الباعث لمحاولات البحث عن قبره .

يقلقنى التآكل فى الشواطئ ، ضيق البلاجات فى المندرة والعصافرة وميامى وستانلى ، يجعلها الأقرب لخطر الانهيار . استعادة الشواطئ بحقنها برمال الصحراء ، فى جليم ، والشاطبى ، واستانلى ، والعصافرة ، وميامى ، والمندرة ، وأبو قير . الأمواج تضرب الكورنيش ـ منذ أنشئ فى 1934 ـ فتسحب الرمال من أسفله . مكعبات الأسمنت أخفقت فى إبعاد خط الأمواج ..

***

هل يغرق البحر مدينتى ؟..

لم يكن الغرق الذى يتهدد الإسكندرية هو أول ما واجهته فى تاريخها . حدثت زلازل ، وتشققات أرضية ، وهبوط تحت سطح البحر ، وغمر مد البحر مساحات بأكملها من المدينة . الزلزال ـ فى القرن الثانى قبل الميلاد ـ أخفى الحى الإمبراطورى تماماً . هو الآن تحت المينا الشرقية . العلماء يتحدثون عن ارتفاع البحر ـ فى الأعوام القادمة ـ بحيث تبتلع مياهه أرض الإسكندرية والدلتا . يدّلون على تحذيراتهم بالأرقام والإحصاءات والتحليلات ، لكننى أرفض مجرد التصور أن يقتل البحر مدينتى ، بعد أن طال عناقه لها بصدر يمتد بين سراى رأس التين وقلعة قايتباى ، وذراعاه المينا الشرقية والمينا الغربية . عناق متواصل لآلاف السنين ، من المستحيل تصور أنه ينتهى باغتيال العاشق لمعشوقته !

كنت قد ركزت أبحاثى على البرزخ الفاصل بين الميناءين الشرقى والغربى . هى الهيبتاستاديوم القديم . امتدت ـ فيما بعد ـ ناحية القبارى والمكس والمحمودية وكوم الدكة ومحرم بك ، لكنها هى البداية ..

تخطيط الإسكندرية ـ كما وصفه دينوكراطيس ـ هو شارعان رئيسان ، متقاطعان بزاوية قائمة ، وتتقاطع مع الشارعين شوارع أخرى فرعية ، موازية لهما . نمط الزوايا القائمة المستقيمة ..

أكتم فى داخلى ما توصلت إليه قراءاتى . جوامع أبو العباس ونصر الدين وياقوت العرش والبوصيرى بنيت على هضبة هى بقايا الهيبتاستاديوم القديم للإسكندرية . اتصلت جزيرة فاروس ومدينة راكوتيس ، ونشأت الإسكندرية . شملت كل مساحة الأرض بين البحر والبحيرة . ظلت راقودة [ راكونداه ، راكوتيس ] حياً وطنياً للمصريين الذين كانوا يقيمون فى القرية القديمة قبل مجىء الإسكندر . تزايدت البنايات التى تضيف إلى ملامح المدينة واتساعها : مقبرة الإسكندر ، المتحف ، المسرح ، المكتبة ، القصور الملكية ، الاستاد الرياضى ، الميناءان الغربى والشرقى ، ملعب الجمينازيوم ، معبد ربات الفنون ، مدينة الموتى ، معابد الثالوث المقدس : سيرابيس وإيزيس وحربوقراط ، وغيرها من المعابد والمقابر والحدائق والمرافئ والأسوار العالية الجميلة . امتدت مساحة المدينة فى القرن الثانى الميلادى ، إلى المكس والورديان من جهة الغرب ، وإلى حى الرمل فى جهة الشرق . تجاوزت الشاطبى وكامب شيزار والإبراهيمية ومصطفى كامل ، حتى أبو قير . صارت أول ، أو ثانى ، مدينة فى العالم المأهول آنذاك ..

أحرص أن يكون البحث داخل أسوار المدينة البطلمية . المدينة التى وضع تخطيطها محمود الفلكى فى منتصف القرن التاسع عشر ، مدينة عربية ، فلا شأن للإسكندر بها ..

هل اختار الإسكندر قبره فى موضع البداية ؟

قال لمهندسه دينوكراتيس : أريد أن أبنى مدينة هنا . قال ـ فيما بعد ـ : أريد أن أبنى قبرى هنا .

صعدت الرافعة بتمثال إيزيس ، حامية الفلاحين ، من مياه الميناء الشرقية . تاريخه القرن الثالث قبل الميلاد ..

قدمت إلى جاك شارتييه خريطة تحددت عليها المواقع الأثرية الغارقة فى الموضع نفسه : أعمدة وتماثيل وأجزاء من قصور ومعابد ومسارح . أشرف على أعمال مسح طوبوغرافى ، وحفائر أثرية ، فى مساحة المدينة . تناثرت أعمال المسح . شملت حتى المناطق التى ربما لم يصلها العمران . كانت ـ فى عهد الإسكندر ـ مجرد صحارى بلا آفاق ..

قال لى الرجل بعربية متكسرة :

ـ معداتنا متقدمة .. تستطيع تصوير كل ما فى أعماق المنطقة من آثار ..

قاطعته :

ـ قبر الإسكندر ..

ـ من ؟..

ـ الإسكندر .. الإسكندر المقدونى .. قبره فى هذه المنطقة ..

ـ ما نعلمه أن المنطقة بها آثار .. بعد تصويرها سنعرف أى آثار هى ..

غالبت تلهفى :

ـ هل أصحبكم ؟..

ـ هذه مهمة علمية ..

قلت فى لهجة محرضة :

ـ معى خرائط قد تفيدكم ..

ـ دعنا نصور أولاً .. ثم نلجأ إلى خريطتك ..

أهملت لهجته المستفزة . فى بالى أن أهمل كل ما يعيق . غضضت النظر حتى عن جلسته المسترخية ، اللامبالية ، فى طرف الموقع ..

لمحت تلويحة يد نجلاء . أدركت أنها استجابت لدعوتى بزيارة الموقع . كان من الصعب أن تنزل إلى حيث أقف وسط العمال ، فصعدت إليها ..

قلت ، وأنا أمسح المكان بإشارة متباطئة :

ـ لو أنى عثرت على ما أبحث عنه .. فسأصل إلى اكتشافات مذهلة ..

تأملت البنايات التى شكلت نصف دائرة من القلعة إلى السلسلة والكازينوهات والنخيل وارتفاع مئذنة أبو العباس . واجهات البيوت على امتداد الطريق . تساقط طلاؤها من الرطوبة والملح ، وتقشرت الألوان فى ضلف النوافذ ، وعلا الصدأ قوائم الحديد فى الطوابق التحتية ..

إذا وقفت على الكورنيش ، فإن البنايات تطالعك فى امتداد الطريق بتعرجاته وانحناءاته . ارتفاعات متباينة وشرفات ونوافذ وأفيشات وإعلانات نيون . هو ما يطالعك إذا وقفت فى موضع مماثل ، فى أية مدينة أخرى تطل على البحر . بنايات الإسكندرية تختلف . ليس بالجمال أو القبح ، لكنها تبدو مختلفة . هذه هى بنايات الإسكندرية . تستعيدها فى المدن الغريبة ، وتتعرف عليها إذا اخترت موضعاً فى مواجهتها . أنت تتعرف إلى سحن أحبائك ، دون أن يشغلك تأمل الملامح ، فهى حاضرة فى عينيك ، وفى داخلك . مجرد التكوين العام ، أو الصورة الكلية ..

بدا كأنها تشاهد المكان للمرة الأولى ، أو أنها استغرقت فيه تماماً ..

عرضت أمامها أيقونة من العصر البطلمى :

ـ ما رأيك ؟

ـ فى ماذا ؟

ـ هذه الأيقونة .. عمرها أكثر من ألفى سنة ..

هزت كتفيها :

ـ يوجد أفضل منها فى محال السيراميك ..

ـ ميزتها فى القيمة التاريخية ..

أطلقت أف متضايقة :

ـ التاريخ .. التاريخ .. ماذا يفيد البحث عن الماضى ؟.. عن الموتى ؟..

وأنا أضغط على الكلمات :

ـ ما يهمنى هو الطلسم الذى يحمى الإسكندرية من الغرق !

تحت هذه الحصيرة التى تعلو وجه المياه ، توجد مدينة كاملة ، ربما هى المدينة التى تضم قبر الإسكندر .

أرفض تصور أن يكون اللصوص قد سبقوا إلى اكتشاف قبر الإسكندر . أن يكونوا قد سرقوا الطلسم ، ضمن ما جردوه من كنوز الذهب والفضة .

الفصل الثانى:

ـــــــــــــــــــــــــ

الإسكندرية ..

المدينة ـ فى وصف المقريزى ـ من أعظم مدائن الدنيا وأقدمها وضعاً . بنيت غير مرة ، فأول ما بنيت بعد كون الطوفان فى زمان مصرايم بن بيصر بن نوح . وكان يقال لها حينذاك مدينة راكوتيس . ثم بنيت بعد ذلك مرتين . فلما كان فى أيام اليونانيين ، جددها الإسكندر بن فيليب المقدونى الذى قهر دارا ملك ممالك الفرس بعد تخريب بختنصر مدينة منف بمائة وعشرين سنة شمسية ، فعرفت به .

راقودة هى التسمية الأولى ..

من الذى غير التسمية ؟ ومتى ؟ ولماذا ؟..

نسب إلى صياد قوله : " نحن مؤسسو هذه المدينة " . بمعنى أن الصيادين هم أصل الإسكندرية ..

كان الناس يشتغلون ـ فى البداية ـ بصيد الأسماك . فى العصور الوسطى كانت السفن الأجنبية ـ وحدها ـ ترسو فى الميناء الشرقى ، الميناء الرئيسى للإسكندرية حينذاك ، بينما سفن المسلمين ترسو فى الميناء الغربى . أبطل الانتفاع ـ فيما بعد ـ بالميناء الأول . منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، صار الميناء الغربى مرفأ للبواخر والبضائع على السواء . وحتى حفر قناة المحمودية فى 1820 كانت الإسكندرية ـ المدينة ـ ما بين المينا الشرقية والمينا الغربية .

بعدها ، ولدت المدينة من جديد ..

البعثة الفرنسية هى التى اكتشفت راكوتيس فى تسمية اليونان ، راكونداه فى تسمية الفراعنة ، وهى راقودة ، القرية التى كانت قبل مجىء الإسكندر . كانت جزيرة فاروس المقابلة ، منفصلة تماماً عن أرض اليابسة . قال هوميروس عن جزيرة فاروس التى وصلت بقرية راكوتيس : " هناك فى وسط البحار التى تعوم فيها مصر ، قامت جزيرة فاروس ، التى يعرفها الجميع " . قيل إن هذه الكلمات هى التى أغرت الإسكندر بقيادة جيوشه إلى القرية المصرية . بداية راكونداه فى الزمن الفرعونى . كانت راقودة ، راكوتيس ، مأهولة بالحياة والبشر . صيادين ورعاة ، وأسر حاميات مصرية مرابطة فى القرية الواقعة فى قلب البحر . الآثار الغارقة فى المينا الشرقية تعود إلى الملك الفرعون سيتى ، وإلى عصر الدولة الوسطى الفرعونية ، أى حوالى ألف سنة قبل مجىء الإسكندر إلى مصر . وفى كتابات مؤرخى الحملة الفرنسية أن الميناء الذى غمرته المياه ـ فيما بعد ـ تحت سطح البحر ـ هو ميناء حربى أقامه رمسيس الأكبر ، قاعدة يرد منها هجمات الغزاة . ثم شيد الفرعون بسماتيك قلعة حربية فى الموضع نفسه ـ للغرض نفسه ..

سبق عمران الإسكندرية فى عصور الفراعنة ، ما أضافه البطالمة ، منذ طلب الإسكندر أن تقام المدينة باسمه . قدم الإسكندر فبنى فوق راكوتيس ، وأضاف إلى مساحتها . تحولت قرية الصيادين الصغيرة إلى مدينة هى الإسكندرية . لم ينشئ الإسكندر ما أطلق عليه اسمه ، لكنه أمر بإنشاء جسر الهيبتاستاديوم ، يصل بين بقايا مدينة راكوتيس وجزيرة فاروس . وصلها المهندسون ، فنشأت مدينة ، اتسعت بتوالى العصور ، هى الإسكندرية الحالية ..

اختيار موقع الإسكندرية فرضه وجود جزيرة فاروس الصغيرة ، البعيدة عن الشاطئ بحوالى كيلو متر . شريط صخرى ، إذا اتصل بالجزء الرئيسى من أرض المدينة بواسطة جسر . تحمى المدينة الميناءين الشرقى والغربى على جانبى الجسر . مدينة جديدة ، ذات موقع حصين يسهل الدفاع عنه ، لها مدخلان ضيقان يربطانها من الشرق والغرب باليابسة . مناخها معتدل ، لهبوب الرياح الشمالية الغربية بصورة دائمة .

تحدث هوميروس فى الأوديسا ، عن الميناء الواقع على الطرف الجنوبى الغربى لجزيرة فاروس . حين فتح الإسكندر مصر ، لم يكن على الأرض سوى قرية راكوتيس ، على الطرف الجنوبى للتلال الضيقة ، المواجهة لبحيرة مريوط . جسر الهيبتاستديوم ربط راكوتيس بجزيرة فاروس . اختصر المسافة بينهما من نقطة عند الطرف الغربى للمدينة ، إلى أقصى نقطة جنوبى الجزيرة .

أمر الإسكندر ببناء مدينته على ما هو قائم بالفعل . بشر وأرض ومظاهر حياة . لم يشر إلى خلاء ، ولا إلى صحراء ، أو جزء من البحر يأمر بردمه . القرية ـ راقودة ـ يعيش فيها صيادون ورعاة ، والجزيرة فاروس ألهمت هوميروس أبيات قصيدته ، تكاد تكون ملاصقة للبر الأصلى ، وتكون معه ميناء ذا مدخلين ، وتمتد بالطول فى موازاة الشاطئ . بدت ميناء طبيعياً ، متوقعاً ، للمدينة المتصلة .

هكذا نشأت الإسكندرية .

موقعها الاستراتيجى يتجه بها ـ من الداخل ـ نحو النيل ، ومن الخارج نحو البحر المتوسط . الميناءان الشرقى والغربى يصلان بين أقصى طرفى المدينة ، تحميهما جزيرة فاروس ـ بموقعها الفريد من رياح الشمال . الميناء الشرقى هو الميناء البحرى الملكى . يحميه حاجز يمتد فى البحر من طرف رأس لوخياس . أقيم عليه القصر الملكى ، ومعسكرات الجنود المقدونيين . على الخليج الصغير بين الميناء الشرقى ورأس لوخياس فى الغرب ، أنشئ الميناء الداخلى للعائلة الملكية .

طريق كانوب وطريق الضريح أهم شوارع المدينة ، تفرعت منهما شوارع جانبية ، شكلت ـ فى امتدادها ـ مساحة الأعوام الأولى من الإسكندرية . امتدت ـ بعد ذلك ـ ناحية الشرق . نمت ـ خارج أسوار المدينة ـ ضاحية إليوسيس ، وضاحية أخرى بالاسم نفسه ، على شاطئ البحر . زودت المدينة بقنوات تحت الأرض ، تصل ـ من خلالها ـ مياه النيل إلى البيوت . أمر الإسكندر كل من يقيم فى المناطق القريبة من الإسكندرية ، فى حدود ثلاثين ميلاً ، أن يتحركوا ناحية المدينة ، ويعمروها ..

أصبحت الإسكندرية عاصمة لمصر طيلة العصر البطلمى ، وظلت هى العاصمة بعد هزيمة أسطول كليوباترة فى معركة أوكتيوم ، وانتحار آخر سلالة البطالمة ، وتحول مصر إلى ولاية رومانية فى النصف الأخير من القرن الأول قبل ميلاد المسيح . وظلت الإسكندرية هى العاصمة سبعة قرون حتى فتح عمرو بن العاص مصر تحت راية الإسلام ، فى النصف الأول من القرن السابع الميلادى ..

القبر ـ فى روايات كثيرة ـ عند ملتقى الشارعين الرئيسين فى وسط المدينة . أعرف أن تخطيط الإسكندرية المماثل لرقعة الشطرنج ، لم يتغير بعد الفتح العربى . ظلت الشوارع المستقيمة المتعامدة . يخترق المدينة من الشرق إلى الغرب . طريق فسيحة هى " المحجة " العظمى . تتعامد مع طريق فسيحة أخرى من الشمال إلى الجنوب ، بين القصرين ..

امتدت الإسكندرية ، واستطالت ، وتغيّرت ، وتبدّلت . خططت فيها الشوارع ، وشيدت المبانى ، وتعدّدت الصناعات والحرف ، وتزايد الناس ، لكن راكوتيس ظلت موطن الصيادين . غادرها معظمهم ـ فى الأزمنة التالية ـ إلى أبو قير والمكس ومناطق أخرى فى امتداد الساحل ، ظلت راقودة ـ قرية الصيادين القديمة ـ موطن الصيادين إلى زماننا الحالى . الطريق الرئيس ، الكانوبى ، الممتد من الشرق إلى الغرب ، ينتهى غرباً فى البحر ، ويمتد شرقاً حتى كانوب [ أبو قير ] يمتد ـ طبيعياً ـ بطول لسان الحجر الجيرى . كانت الطريق موجودة قبل قدوم الإسكندر . فى حوزتى وثائق لعلماء وأساتذة تاريخ ، مصريين وأجانب ، تؤكد وجود مدينة سابقة على مدينة الإسكندرية فى المنطقة نفسها . عثروا على جانب من حائط بميناء من الخشب والحجارة ، تاريخه القرن الخامس قبل الميلاد ، قبل عشرات الأعوام من إنشاء مدينة الإسكندر ..

***

ولد الإسكندر المقدونى فى 356 ق . م . أبوه فيليب الثانى ملك مقدونيا . أمه أوليمبياس ، ومؤدبه أرسطو ..

ظل ما قرأته ـ الرواية إغريقية ـ فى ذهنى لفترة طويلة . أستعيده ، ويناوشنى . فى ليلة زفاف أوليمبياس ، رأت فى المنام أن صاعقة نزلت على جسدها ، فتحول إلى شعلة من النار . أفاقت المرأة من حلمها . فسّرته بأن الصاعقة هى مظهر عناية زيوس آمون بأمر الخلف الذى تنجبه .

زيوس آمون هو إله الإغريق ، يمت بصلة حقيقية إلى آمون إله المصريين . فى اليوم التالى للزفاف ، رأى فيليب ـ فيما يرى النائم ـ أنه طبع على جسد زوجته خاتماً عليه نقش أسد . قال عراف القصر إن الإنسان لا يختم شيئاً فارغاً ، فلابد أن تكون أوليمبياس قد حملت ، ووليدها سيكون فى شجاعة الأسد . ربطت أوليمبياس بين نزول الصاعقة والحمل . فسرت الأمر ـ كما صارحت زوجها ـ بأن الجنين الذى فى بطنها ليس ابنه ، لكنه ابن الإله آمون الذى أنزل الصاعقة ـ فى المنام ـ على جسدها . ما بلغ الإغريق من أساطير المصريين ، أن الإله آمون يتردد ـ بين وقت وآخر ـ على مخادع الملكات ، فيحملن منه ملوك المستقبل . ضاجع آمون الملكة فى صورة حية ، نفخ من روحه فى أذن المرأة ، فحملت . كانت أوليمبياس مولعة بحية معينة ، أليفة ، رآها فيليب وهى تداعب الحية ـ ليلة ـ فثار الشك فى داخله ، ثم تيقن أن الحية لم تكن إلا الإله آمون نفسه .

كان فيليب المقدونى خارج قصره يتأمل تناثر الطيور وهى تلتقط طعامها . هبط طائر ، وألقى بيضة فى حجر الملك ، ثم تدحرجت البيضة من حجر الملك المقدونى ، فسقطت على الأرض ، وتهشمت . خرج منها ثعبان صغير . التف حول البيضة عدة مرات . وحين أراد أن يدخل البيضة من حيث خرج ، اصطدم رأسه ، ومات ..

قال المنجم أنتيفونتا للملك فيليب :

ـ أيها الملك . سوف يكون لك ابن يغيّر وجه العالم بأسره ، ويخضع كل فرد لسطوته ، ولن يستطيع أحد إخضاعه . على أنه سوف يموت فى أثناء عودته إلى بلده بعد أن يكون قد عاش فترة قصيرة من العمر .. فالثعبان حيوان ملكى ، كما أن البيضة التى خرج منها الثعبان تمثّل العالم . وعندما أراد الثعبان ـ بعد أن أحاط بالعالم ـ أن يدخل المكان الذى انطلق منه . فشل فى ذلك ، ومات ..

رواية ثانية ، لعل المصريين مصدرها : كان ملك مصر نيكتانيبوس يجيد أفعال السحر ، وإخضاع الطبيعة للقدرات البشرية . وحين أدرك أن مملكة مصر آذنت بالغروب ، حمل الكثير من الذهب والفضة ، وحلق شعر رأسه واختفى .

مضى ـ فى غيبة عن الأنظار ـ حتى وصل مدينة " بلاّ " المقدونية ، ومارس التنجيم كنبى مصرى يمتلك من وسائل السحر والتنجيم ما لا يمتلكه بقية البشر .

حين افتقد المصريون ملكهم الغائب ، تناهى قول الإله من العالم السفلى فى " سينوبوس " : ملككم هذا الذى هرب ، سوف يعود مرة أخرى إلى مصر ، لا بوصفه رجلاً كهلاً ، بل شاباً ، وسوف يخضع أعداءكم الفرس . تعددت تخميناته ونبوءاته وتوقعاته ، واستشارته الملكة أوليمبياس فى أمورها . لاحظت الملكة تحديق الشهوة فى عينيه . قالت :

ـ لماذا تنظر لى هكذا ؟

قال نيكتانيبوس :

ـ تذكرت ـ مولاتى ـ نبوءة تلقيتها ـ ذات يوم ـ من الآلهة ، تقول إننى سأتشاور مع ملكة جليلة ، وأعنى بأمورها . وها هى ذى النبوءة قد تحققت ، فهل تتفضل مليكتى فى إبلاغى بما تريد السؤال عنه ؟

أخرج نيكتانيبوس يده من تحت ردائه ، أظهر من أفعال السحر ما بدا كأنه حقيقة . استزادت الملكة من علم الرجل ، قالت :

ـ هناك إشاعة تقول إن فيليب سيهملنى عقب عودته من البحر ، ويتخذ زوجة أخرى .

لجأ نيكتانيبوس إلى وسائل التنبؤ ، وقال :

ـ العلامات تقول إنك ستعاشرين إلهاً أرضياً ، وتحملين منه ، وبعد الحمل ستلدين ، وترعين الطفل ، وسينتقم هذا الطفل لكل ما يصيبك به فيليب من إساءات .

قالت أوليمبياس :

ـ من ذلك الإله ؟

قال :

ـ إله المصريين آمون .

أضاف :

ـ الآن ، أعدى نفسك لرؤيا ترين فيها نفسك والإله المناسب لك .

قالت :

ـ إذا رأيت هذه الرؤيا بالفعل ، فسأحبك لا بوصفك رجلاً ، بل إلها !.

قام نيكتانيبوس بأفعال سحر ، وصحت أوليمبياس من نومها ـ ذات صباح ـ واستدعت نيكتانيبوس ، وقالت له :

ـ لقد رأيت الرؤيا ، ورأيت الإله الذى حدثتنى عنه ، وقال لى : لقد حملت منى بطفل ذكر سيكون المنتقم لك . والآن أريد أن أضاجع الإله . عليك أن تخبرنى باللحظة التى سيحدث فيها هذا الأمر لأعد نفسى بثياب العرس .

قال نيكتانيبوس :

ـ ما رأيته ـ مولاتى ـ فى البداية كان حلماً ، لكن الإله الذى ظهر لك فى الحلم ، هو نفسه الذى سيأتى لينام معك . فلتأذنى لى أن أظل بالقرب من حجرتك ، حتى لا يعروك الخوف من رؤية الإله !.

منحته الملكة حق الدخول إلى جناحها . وضاجع نيكتانيبوس الملكة فى الظلمة ، وقال وهو ينصرف عنها :

ـ أنت الآن حامل فى طفل ذكر سيكون المنتقم لك ، وسيصبح الملك الذى يغزو العالم المتحضر كله !

تعددت زيارات نيكتانيبوس لجناح الملكة حتى انتفخ بطنها . ولجأ نيكتانيبوس ـ ثانية ـ إلى أفعال السحر ، فلما عاد فيليب إلى مقدونيا قال للملكة :

ـ أنت لست مسئولة عما حدث ، إنما هناك من يلام على ذلك ، وما حدث ظهر لى فى الرؤيا بما يشير إلى براءتك ، ويدفعنى إلى عدم لومك . لكننا ـ نحن الملوك ـ نفعل ما نشاء ، ولا نستطيع أن نعارض الآلهة .

ثم راجع فيليب الأمر من بداياته ، وتسلل الشك إلى داخله ، حتى تنصت نيكتانيبوس ـ ذات صباح ـ على قوله لأوليمبياس : أنت لم تحملى من الآلهة كما تصورت ، ما حدث هو بفعل شخص أحبك ، فأقدم ـ سراً ـ على مضاجعتك . إذا ما وقع ذلك الشخص فى يدى فلن يجد منى إلا الموت !.

عاد نيكتانيبوس إلى سحره وتنبؤاته وتوقعاته ، حتى فرض التصديق على أوليمبياس وفيليب ، وعلى الجميع .

***

ولد الإسكندر ـ فى ظروف ولادة الأبطال ـ فى منتصف ليلة من ليالى الخريف العاصفة الممطرة . تعالت فيها أصوات الهزات والبروق والرعود ، وشق السماء ـ وقت الظهر ـ برق تدفعه أشعة الشمس ، صنع من الألوان ما أذهل الجميع . اتسعت السماء ، فغابت الآفاق . انطلقت ـ حتى التلاشى ـ أسراب من الطير بلا عدد . حلقت آلاف الفراشات فوق الزهور البرية المتناثرة فى المدى . تضوعت روائح زكية بلغت كل الأمكنة ..

انتصر القائد بارمنيون ـ فى الليلة نفسها ـ على رأس قوات فيليب ، وخضعت مستعمرة بوتيديا اليونانية للملك المقدونى ، وفاز جواد الملك فى سباق ، وتكلم طائر فى قمة الأولمب بلغة البشر . تحدث عن بلاد الدنيا التى ينبغى أن تصبح بلداً واحداً ، يحكمه رجل من نسل الآلهة ، وجرفت مياه النهر أشخاصاً ، استيقظوا ـ بعد زوال المفاجأة ـ فى آخر جريان النيل ، قبل أن يلتقى بالبحر ، ومشى فى الأسواق شيخ عار ، وإن غطت ذقنه صدره . قال إنه لا يعرف هؤلاء البشر الذين التقى بهم ، وإن ناسه لم يكونوا يرتدون هذه الثياب ، ولا يمشون بين البنايات التى تختلف عن بنايات أيامه . حتى الأسماء والطعام والبشر ، ذلك كله بدا له غير مألوف . رجح أنه ينتمى إلى عصر مختلف . اعتبر المنجمون ما حدث نبوءات بالمستقبل الذى ينتظر الوليد ..

قال فيليب المقدونى :

ـ أنا لا أريد أن أرى هذا الطفل لأنه ليس منى ، ولكن لأنه من الآلهة ، وحمت ولادته قوى الطبيعة ، فإنى سأرعاه رعايتى للطفل الذى أنجبته زوجتى الأولى ، وسأسميه الإسكندر.

أرسل فيليب إلى أرسطو : أكتب إليك لأخبرك بأنى رزقت ولداً ، فللآلهة منى خالص الشكر ، لا لمولد الطفل فحسب ، بل لأنه أيضاً ولد فى زمانك . أملى أن يصبح تلميذاً لك ، وأن يكون جديراً بانتسابه لنا ، خليقاً بأن يرتقى ذروة العرش الذى سيؤول إليه ..

***

أمضى الإسكندر عاميه الأولين فى رعاية أمه . كان أبوه مشغولاً فى جيشه الجديد ، وإعداده للغزوات والفتوحات . اختارت الأم لوليدها مرضعاً هى هيلانة . لازمته حتى بلغ ست سنوات . فى ذلك العام ، تيقن أهل مقدونيا من اختلاط العنصر الإلهى بدم الإسكندر . عرفوا ذلك فى توالى ظهور المذنبات والشهب ، وتفجر البراكين ، وقصف الرعود ، ونزول الصواعق ، وحدوث الزلازل ، وتهاوى الشهب المذنبة ...

فى عامه السابع ، أخذ فيليب ابنه من المربية . عهد بتربيته إلى ليزيماكوس المنحدر من عائلة نبلاء . تقطن إقليم أكارنيا بالقرب من أبيروس الجنوبية . عينت أولمبياس ـ للعناية بولى العهد الطفل ـ قريباً لها هو ليونيداس . ظل ليزيماكوس على ولائه للإسكندر حتى الموت . أما ليونيداس فقد وسم الطفل بطابع الخشونة والتدبر قبل اتخاذ القرار ..

قال الإسكندر :

ـ كان من عادة الرجل أن يفتح الصناديق التى كنت أحتفظ فيها بأغطيتى وملابسى ، ويفحصها ليطمئن إلى أن أمى لم تعطنى شيئاً . لست فى حاجة إليه ، ولم يقدم لى ما يثير شهوتى ، أو يدفعنى إلى ارتكاب حماقات ..

***

وجد فيليب الثانى معارضة شديدة من خصومه ، عندما أزمع أن يوحد بلاد الإغريق تحت زعامة مقدونيا ، فتشن الدولة الموحدة حرباً ضد الفرس . ضعف اليونان أغرى فيليب بغزوها ، وامتلاكها . هزم فيليب معارضيه فى موقعة خايرونيا [ 338 ق . م ] . تلقى الطاعة ، وجمع موظفوه الجزية . صار سيداً على شبه الجزيرة الإغريقية كلها . تحولت حرية الإغريق إلى عبودية محملة بالسخرية والمهانة ، وإن أعدت مقدونيا جيوش مقدونيا والإغريق للحرب ضد الفرس ..

اغتيل فيليب قبل أن يتم الإسكندر عامه العشرين ، لكن الناس فى مقدونيا وأثينا كانوا قد عرفوه ، وراهنوا على كفاءة الإسكندر السياسية والعسكرية . ورث عن أبيه دولة مثقلة بالديون ، ولم يكن يملك هو نفسه مالاً يعينه على تدبير الدولة . وكان يعانى عداء الأشراف المنافسين وقبائل الشمال ، وتفتت بلاد اليونان ، ورفضها الاعتراف به ..

بعد وفاة أبيه بأقل من عام ، كانت اليونان كلها قد خضعت لسلطان مقدونيا . خلت البلاد من مدينة واحدة تدين بالولاء لغير الإسكندر .

اسمه الإسكندر المقدونى ، فهو مقدونى إذن . ورث عرش اليونان ضمن الإمبراطورية التى أقامها أبوه فيليب المقدونى . وكان ضباط الإسكندر من المقدونيين . وكان حكام مصر ـ الذين خلفوا الإسكندر ـ من أصول مقدونية .