الفصل الخامس:

5 0 00

الفصل الخامس:

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ

عدت إلى مذكرات مؤرخ الإسكندر كاليستينيس . عاصر الإسكندر ، وكتب ما رآه فى حياته ..

رحلة الإسكندر تبدأ من بلاد الإغريق فى أوروبا ، إلى مصر فى إفريقيا ، إلى بلاد آسيوية . بدأ مغامرته فى ربيع 334 ق . م . كان قد درس فنون القتال على يد العسكرى العظيم أبا مننداس الطيبى . رتب شئون دولته ، ووزع أمور الإدارات على من يثق فى قدراتهم ، فلم يبق لنفسه أى منصب ..

قال له صديقه برديكاس :

ـ وماذا يبقى لك ؟

قال الإسكندر :

ـ الأمل ..

أردف لأصحابه :

ـ نحن فى طريقنا إلى الغزو . وعلينا ألا نطمع فى أكثر من جزء من هذا الأمل . فلنترك الأرض ونتجه نحو الآمال !

كان فى الرابعة والعشرين من عمره ، حين استقل المركب على رأس قواد وجنود ، اخترق القناة الموصّلة بين كانوب ( أبو قير ) إلى بحيرة مريوط . أشقر الملامح ، وإن لوحت الشمس لون البشرة . حاجباه كثيفان ، عيناه غائرتان ، مستقرتان ، تطل منهما نظرة حادة . يرتدى عباءة بيضاء ، زينت عنقها وأطراف الكمين خيوط رفيعة مذهبة وحمراء ..

ما الذى استوقفه فى هذه المنطقة ، ودفعه لأن يبنى عليها مدينته ؟. هل أراد أن تكون المدينة الجديدة جسراً بين الشرق والغرب ؟..

مصر مربّع فى قطعة شطرنج هى العالم . الحلم الذى شغل عمره القصير أن يحقق أمنية أخناتون المصرى فى أن تتحد كل شعوب الدنيا . تصبح شعباً واحداً ، بلداً واحداً ، واسعاً ..

كان أول من اكتشف العالم . وكان يتطلع إلى المعرفة دوماً ، ويبحث عن المجهول ..

القرية الصغيرة المسماة راكوتيس ، شغلت موقع الإسكندرية قبل أن تنشأ المدينة على شاطئ البحر المتوسط . لم يشر هيرودوت ـ فى زيارته إلى مصر عام 460 قبل الميلاد ـ إلى راكوتيس ، كما أشار إلى مدن مثل ماريا وأبيس إلى الجنوب ، وكانوب إلى الشمال الشرقى .

راكوتيس ، اسم الأرض التى وقف فوقها الإسكندر . قرية ، أو مساحة من الأرض ، لكنها لم تكن خالية من البشر ، السكان الذين يعملون بالرعى ، وبالصيد والمهن المتصلة به ، وهى المهن التى يعمل بها فى زمننا الحالى أهل حى بحرى ..

راقودة هى الإسكندرية ، هى قرية ما قبل الإسكندرية .

حين قدم الإسكندر إليها كانت تستوعب أهلها . وكانت توجد بحيرة مريوط ، والقناة التى تصب فى ميناء قديم هو كيبوتوس . قيل إنها لم تكن معروفة . لا أحد يعرف عنها شيئاً . قدم الإسكندر فى حملة لغزو الشرق . همّه ألاّ تنحصر حضارة الإغريق فى بحر إيجة . بدت أثينا غير صالحة لأن تكون عاصمة الإمبراطورية الجديدة [ امتدت ـ بعد ذلك ـ حتى شواطئ الهند والخليج ] . قرر أن يصبح موقع راكوتيس هو العاصمة الجديدة . تطل على البحر المتوسط ، وقريبة من إفريقيا وآسيا وأوروبا .

قال ياقوت الحموى : " وقبل أن يبدأ الإسكندر فى بناء المدينة ، رأى فى منامه كأن رجلاً قد ظهر له من الهيكل وهو يقول له : إنك تبتنى مدينة يذهب صيتها فى أقطاب العالم ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم ، وتختلط الرياح الطيبة بهوائها ، ويثبت حكم أهلها ، وتصرف عنا السموم والحرور ، وتطوى عنها قوة الحر والبرد والزمهرير ، وتبعد عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل ، وإن جلبت عليها ملوك الأرض بجنودهم ، وحاصروها ، لم يدخل عليها ضرر " .

أشار القائد الأعلى لعصبة المدن الإغريقية إلى دينوكراتيس ، قال :

ـ أريد أن أبنى فى هذا المكان مدينة ..

اختار الموقع لأنها محفوفة بمياه بحرين: البحر المصرى من الشمال ، وبحيرة مريوط من الجنوب ..

واصل السير غرباً حتى بلغ عيون الماء ، وأشجار النخيل . زار معبد آمون ، وجعله أباه . اعترف الكهنة المصريون بالإسكندر ابناً شرعياً للإله أوزوريس ، شريطة أن يحج إلى موطن الإله ماشياً ، حافياً ، وقام المقدونى بالرحلة ..

تروى برديات بطليموس الأول أن الإسكندر ضل طريقه فى الصحراء . صحبه العديد من الخوارق والغرائب والأعاجيب . اقترب الأفق وتباعد ، وتوهجت قمم الجبال والصخور والرمال . تعالت صلوات بلغة غاب فهمها عنه ، وترامت موسيقا من أمكنة علوية . اختلط ضوء الشمس بضوء القمر حتى غلب النهار . علت السماء زرقة لم تشهد الأعين مثل صفائها من قبل . هطلت الأمطار فى غير موعدها ، فأنقذت الإسكندر ـ والجماعة التى صحبته ـ من العطش . حلقت فى السماء كائنات كالطير ، وإن لم تكن كذلك ، ألوان ريشها هى ألوان قوس قزح ، وتصدر من مناقيرها أصوات كأنها الصلوات أو الأدعية . علا الموكب غرابان لينبها إلى الأخطار التى تضمها الصحراء ، تقدمه أفعوانان يصدران صوتاً تمضى القافلة فى أثره ، حتى ظهرت الكوبرا ، سيدة الحياة ، أمام الموكب ، وقادته إلى معبد آمون . سور من الحجارة ، حول فناء مستطيل . الهيكل يحتوى على عدد من الأبهاء والقاعات . أقيمت على عمد ، تفضى ـ بواسطة حجرتين ـ إلى المحراب الأقدس ، قدس الأقداس ، فى نهاية المربع الرئيس . المحراب حجرة تحيط بها كتل صخرية هائلة . فى وسطه الزورق المقدس ، مصنوع من الخشب الموشى بصفائح الذهب ، على مكعب من الخشب ..

استقبله الكهنة بالقول : يا ابن آمون .. سلاماً !.

أذنوا للإسكندر ـ وحده ـ أن يدخل إلى المعبد فى ثيابه العادية . ظل مرافقوه فى الخارج يتلمسون سماع كلمات الوحى . أدخله الكهنة إلى قدس الأقداس . تلقى النبوءات بالإشارات والرموز ، وبالقليل من الكلمات . الكاهن يشد الحبل ، فيحرك رمز الإله . يحرك رأسه وذراعيه ، ويشير بيديه ، وينطق الكاهن بالنبوءة . ينطقه بها الإله الذى يتقمص جسده . يجرى الكلمات على لسانه ..

سأل الإسكندر :

ـ هل الإله أبى سيهبنى حكم الأرض كلها ؟

أتاه الجواب :

ـ سيحقق الإله لك هذا ..

سأل :

ـ هل عاقبت الآلهة من اشتركوا فى قتل أبيه فيليب ؟

أتاه الجواب :

ـ هذا السؤال كفر ، فأبوه هو الإله ، والإله لا يمكن أن يؤذى !

أيقن الإسكندر أنه ابن الإله آمون ، وأن أباه الإله وهبه رقاب كل البشر ، وكل الأراضى التى تطلع عليها الشمس ..

لم يكن احتفاء كهنة آمون بالإسكندر اعتقاداً بأنه ابن الإله الأعظم . ذلك ما كان يحدث مع كل من تبوأ ملك مصر ، منذ بداية الألف الثانية قبل الميلاد . كان آمون يهب أبناءه رقاب كل الأحياء ، وكل الممالك ، وكل الشعوب ، وكل الأرضين التى تغشاها دورة الشمس ..

ما كاد الإسكندر يدخل محراب الإله آمون ، حتى تناهى صوت الإله يناديه بالقول :

ـ يا بنى ..

سأل الإسكندر ، وأجاب الإله بحركات يديه ، وإيماءات رأسه ، وقال :

ـ إنك ابنى ، وإنى أعطيتك الشجاعة ، وأمرتك أن تحضر لزيارتى . إنى أمنحك السيطرة على كل البلاد ، وكل الأقطار الأجنبية تحت قدميك ..

لعله ذو القرنين الذى تقصده الآيات القرآنية . سمى " ذو القرنين " لأنه ارتبط بآمون حين زار واحته . أراد أن ينسب نفسه إلى واحة سيوة ، وإلى الإله آمون . نصب نفسه ابناً له ، ووضع على رأسه القرنين المقدسين لكبش طيبة ، للتدليل على نسله الإلهى .

هل وضع الإسكندر تاج آمون على رأسه ، لأنه كان يؤمن بألوهيته ، أو لأنه أراد أن يرضى المصريين ؟

كانت آلهة مصر هى آلهة الإغريق . وكان آمون معبود أهل مصر ، والناس فى ولايات إليس واسبرطة وأثينا يقدسونه . وكان الآلاف يمضون إلى معبد آمون فى سيوة ، يطرحون مشكلاتهم ، ويلتمسون العدالة ..

غادر الإسكندر مصر بعد أقل من شهرين على زيارته لسيوة . مضى على رأس قواته إلى بلاد ما بين النهرين . عاد إلى الشرق من حيث أتى . ظلت الرحلة إلى سيوة تكويناً ثابتاً فى نفسه : الوقوف بين يدى آمون ، التزود بالتعاليم والنصائح ، الانتساب المعلن للآلهة ..

بدت انتصاراته كضوء الشمس . من المستحيل على المرء ألا يراه إلا إذا أغمض عينيه . وكان المحيطون به على يقين أنه يملك من الصفات والقدرات ما لا يملكه البشر ، وأن الرسالة التى يحملها تنطلق إلى العالم كله . يصبح الإغريق جنساً متفوقاً ، يتحد الشرق والغرب من خلال الزيجات المختلطة ..

بعث دارا ملك الفرس بسفارة إلى الإسكندر . عرض عليه نصف دولة الفرس ويد ابنته ، وعرض الصلح .

رفض الإسكندر ما عرضه دارا ، وقال لسفارته : قولوا له إن البلاد كلها للإسكندر ، لكنه لا يأبى على دارا شيئاً . ولو أقبل دارا بنفسه يطلب ما يريد ، ما رددناه .

التقى بدارا فى معركة ثالثة ، فاصلة ، معركة جو حاميل . صرع ملك الفرس ، وقضى على جيشه . ودخل ـ فى أوائل 330 ـ عاصمتى فارس ، مدينتى سوسا وبروسوبوليس .

كانت مضاعفة نسائه هى الخطوة التالية لانتصاره الكبير . أعداد هائلة من النساء راكبات ظهور الجياد ، وداخل العربات المغلقة ، تضم مئات الجوارى والسبايا ، من بينهن والدة دارا وزوجته . وثمة أعداد أخرى من الغلمان كانوا يؤدون ـ فى حجرات النوم ـ دور النساء ..

أعلن نفسه ملكاً على فارس ، بعد أن أصبح رئيساً لليونان ، وفرعوناً لمصر . بسط سيطرته على عواصم الإمبراطورية الفارسية . حرق القصور . استولى على احتياطى الإمبراطورية من الذهب . وضع شباب الفرس تحت إمرة الضباط المقدونيين ليصبحوا جنوداً فى إمبراطوريته الجديدة .

توالى إخضاعه لولايات آسيا الصغرى . اجتاح بلاد اليختيار وبلاد الهند . وقف على حافة العالم عند مشرق الشمس . قفل عائداً إلى بابل .

عندما دخل بابل ، قيل له إن أهلها سيركعون أمامك ، فاعتقادهم أن مردوخ هو الذى دفعك إلى المجد . ارتدى الإسكندر التاج لأول مرة فى تاريخ اليونانيين المقدونيين . نقل الفكرة من فارس . نقلها ـ من بعده ـ خلفاؤه

صيدا هى آخر المدن التى سقطت فى 332 ق . م .

اتسعت إمبراطورية الإسكندر . زادت على مليون ميل مربع . ضمت أمماً إغريقية وعبرانية وعربية وفارسية وفلسطينية وسورية وأرمينية وبابلية ومصرية ومديانية وبارثية وفارسية وأفغانية وهندية . يقينه أن العالم كله دولة واحدة . يجب أن يكون دولة واحدة . مقدونيا واليونان موطنه ، لكن العالم وطنه .

حاول الملك الهندى هيداسبيس أن يدحر جيوش الإسكندر بأعداد هائلة من الفيلة . أمر الإسكندر ، فصنعت خيول من النحاس . ملئت أجوافها بالنفط والكبريت ، ووضعت على عجل . رفعه الجنود بالخيول المشتعلة . ارتبكت الفيلة ، وتملكها الخوف . نشرت خوفها فى جيش الهنود . عفا الإسكندر عن الملك المهزوم ، ورده إلى عرشه . أهمل ـ لتحقيق هدفه ـ ما كانت تعثر به قدمه من حصى .

بلغت جيوشه بلوشستان . أمر ببناء الإسكندرية . مدينة ثانية غير التى أمر بها فى راكوتيس . أطل على البنجاب ، وعبر نهر السند . تصور قادته أنهم وصلوا إلى آخر الدنيا ، فغلبهم الخوف ..

ضاق جنود الإسكندر بتوالى الغزوات . فترت حماستهم فى مواصلة التقدم . دعاهم الإسكندر إلى اجتماع خاطبهم فيه بالقول :

ـ ألاحظ أنكم لم تعودوا تخوضون المعارك بالروح القديمة التى تطلب النصر . وقد طلبت لقائكم للبحث عن إجابة السؤال : هل نواصل التقدم أو نعود من حيث بدأنا ؟

أضاف :

ـ لعلى كنت أعفيكم من اللوم لوهن عزيمتكم لو أننى لم أشاطركم خوض المعارك . لم أترككم تموتون فى ساحة القتال وأكتفى باكتساب الصيت . معاركنا جهد مشترك بيننا جميعاً ، وما جنيناه من انتصارات هى لكم وليست لى ..

أعطى الإسكندر قواد جيشه الحرية لكى يقرروا ما يجب فعله . فاجأوه بطلب العودة إلى أرض اليونان . تتواصل الحرب حتى نسيطر على العالم . وماذا بعد ؟

سأل واحد من ضباطه :

ـ إلى أين ؟

ـ إلى حيث يبقى إنسان ..

ـ فامض وحدك إذن . قتلنا الحنين إلى أهلنا ..

قدم الإسكندر قرباناً ليجد علامة التفاؤل . تعددت العلامات تشى بعكس ما تطلع إليه . صارت العودة هى الفعل المتاح . استعاد قول الحكيم الهندى دانداميس : إن الرجال الذين تقودهم لا يحصلون على شئ فيه الخير من استيلائهم على مساحات لا نهائية لآفاقها فى الأرض والبحر . كل ما فى الأمر أن رحلات الانتصار ـ يرافقها الموت ـ ستظل قائمة لتواجه الموت كذلك فى النهاية !. استعاد ما قاله حكيم فارسى : ما ينبغى أن تعرفه ، أن كل إنسان لن يملك من سطح الأرض إلا مثل المساحة التى يقف فوقها . وحين يأخذك الموت فلن تملك من الأرض حتى مساحة الأرض التى تدفن فيها ..

أمر الإسكندر ـ بإصرار التقدم ـ أن يحفر له الجنود قبراً . تمدد فيه وقال :

ـ أهيلوا التراب على أبيكم ، فقد مات ..

أحزن القادة خيبة أمل الإسكندر . جددوا له العهد على أن يمضوا معه إلى حيث يقودهم

عاجله الموت وهو فى الثانية والثلاثين من عمره . مات فى بابيلون عام 323 قبل الميلاد .

كان قد أعد نفسه لغزو الغرب ، بعد أن غزا الشرق . أمر قواته بأن تستعد لتستكمل ما بدأته . ثم شعر فى أوائل يونيو 332 بتعب ، فأهمله . ازداد شعوره بالتعب . حدس أنها الحمى . رافقتها سخونة وإعياء ، وأدرك قواده أنه ودع الحياة ..

هل كان موت الإسكندر نتيجة الإجهاد ؟ أو لإصابته بالملاريا ؟ أو لإصابته بالحمى بعد أن ألقى بنفسه ـ وهو يتصبب بالعرق ـ فى نهر كيدنس البارد بطرسوس ؟ أو لأنه تناول كأساً من السم أعطاه له طبيبه باعتباره دواء ؟..

المؤكد أنه لم يمت فجأة . سبق المرض موته ..

سأله أحد القواد :

ـ اكتب لنا كتاباً .. قل لمن تخلف هذا الملك ؟

قال الإسكندر :

ـ للأقوى !

غادر الإسكندر مدينته بعد أن وضع حجر أساسها ، ولم يعد إليها . ثم استقبلت جثمانه ، وأودعته قبرها الذى لم يعرف أحد موضعه حتى الآن . ظل فى باله ما لاحظه فى قبر كورش بن قمبيز من إهمال . تحطم ، وسرق بابه .

هل دفن الإسكندر فى المدينة التى تحمل اسمه ، أو فى مدينة أخرى داخل إمبراطوريته الواسعة ؟

أوصى الإسكندر ـ لما أحس بدنو الأجل ـ أن يحنط جسده ، ويدفن فى معبد آمون بسيوة . فى المعبد الذى توَّجه فيه كهنة آمون . وضع الجثمان ـ محنطاً ـ فى تابوت ذهبى ، على عربة محملة بالذهب والمجوهرات ، يجرها 64 جواداً . أصر بطليموس حاكم مصر على أن يدخل الجثمان مصر ، ويدفن فيها ..

أقدّر أنه أودع فى الوصية التى رافقت جثمانه اسم الخلف ، والطلسم الذى أنبأه به العراف المصرى ، ليحمى المدينة التى أنشأها فوق راكوتيس وفاروس من خطر الزوال . كان يشغله مصير المدينة التى أوصى بأن يدفن فيها بعد موته . ما أخبره به العرافون والمنجمون أن الغرق هو مصير الإسكندرية ، ما لم يعمل ناس الزمان بما فى الطلسم الذى أمضوا السنوات فى إعداده لدرء الخطر ..

جاء فى رواية أن بطليموس الأول دفن الجثمان فى ممفيس ، ثم نقله بطليموس الثانى إلى الإسكندرية .

يروى المؤرخ برنباس أن جثمان الإسكندر ظل فى معبد الإله بتاح حتب أربعين سنة . التابوت ـ كما وصفه ديودوروس الصقلى ـ صنع من المرمر الذهبى على شكل سرير . نقله بطليموس الثانى إلى الإسكندرية ، بعد أن تم بناؤها فى 246 ق . م .

فى رواية برنباس أن الدفن جرى ـ فى احتفال كبير ـ فى معبد إيزيس الجنائزى بالحى الإمبراطورى . تأكدت الرواية فى روايات أخرى لمؤرخين زاروا قبر الإسكندر . قاعاته كلها تحت الأرض ، يعلوها هيكل المعبد . راعهم فخامة المعبد ، وقاعة الصلاة ، وقاعة البكاء ، والدهاليز المحيطة بالمقبرة ، والتابوت على شكل السرير ..

لم يجلس على عرش مصر ، ولا دخل المدينة التى أمر بإنشائها . بطليموس الأول الذى اختاره الإسكندر ليحل مكانه فى حكم مصر . نفذ وصيّة سلفه العظيم . حنّط جثمانه ، وحمله من فارس إلى ممفيس . رفض الكاهن الأكبر أن يتسلم الجثمان ، وقال :

ـ لا تجعلوه يستقر هنا .. ادفنوه فى المدينة التى شيدت بأمره هناك .. فى راكوتيس .. إن جسده إذا حل بمدينة دخلتها القلاقل والحروب والمعارك ..

مضى الجنود بالجثمان إلى النيل فى موكب هائل ، التف بالذهب فى تابوت زجاجى [ استبدل ـ فى عهود البطالمة ـ تابوت الزجاج بالتابوت الذهبى ] . كتب التاريخ روت عن الجنازة الهائلة : عربة باذخة يجرها 64 جواداً اكتست بالذهب ، انتهت إلى المقبرة التى لم تشر الكتابات إلى موضعها ، وإن أجمع مؤرخو عصر البطالسة ومؤرخو الرومان على أن الإسكندر دفن فى الإسكندرية ، فى قلب المدينة التى تحمل اسمه ، عند تقاطع طرقها الرئيسة . كان وجود الجثمان فى سيوة سيعرضه للخطر . لن يقف على حراسته جنود . يترك للأهالى المشغولين بهمومهم . ضريح الإسكندر هو السيما Sema تحريف من كلمة Soma الإغريقية ، ومعناها الجسد .

أخذ الإسكندر معه إلى قبره الكثير من الأسرار التى كان يعرفها القلة من أخلص قواده وأصدقائه ، أولا يعرفها أحد . الطلسم هو أحد تلك الأسرار التى غابت عن كتب المؤرخين ، وإن وجدت فى نقوش أعمدة تنتمى إلى العصر البطلمى .

ظل القبر ـ منذ عهد بطليموس ـ أهم معالم الإسكندرية . ثم اختفى فى القرن الرابع الميلادى . سأل يوحنا فم الذهب فى القرن الرابع : أين يوجد قبر الإسكندر ؟. يعنى أن موضع القبر ـ آنذاك ـ لم يكن معروفاً .

أسير فى شوارع الإسكندرية ، فى ذهنى أصداء المعانى التى أحيا بها ، ولها . قبر الإسكندر ، وخطر الابتلاع ، والكنز ، والطلسم ، والمدينة التى اتسعت ـ ولا تزال ـ بوصل قرية راقودة وجزيرة فاروس . الذاكرة الضعيفة ـ مشكلة أعانيها منذ الطفولة ـ تجعلنى فى حاجة دائمة إلى الأوراق والكتب والتقارير والخرائط والمذكرات . أقرأ كل ما يصادفنى ، كتابات ماسبيرو وسليم حسن وفنديه ودريتون وإيفيس وأرمان وغيرهم . أعلق فى الهوامش . ربما نقلت الفقرات التى أجد أنى سأعود إلى قراءتها .

لا أذكر القائل ـ بعد وفاة الإسكندر ـ : كان الملك يعظنا فى حياته ، وهو اليوم أوعظ منه حياً . ما أذكره أن القول أورده الأصفهانى فى أغانيه .