الفصل السادس:
ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
تخلقت أسطورة الإسكندر ـ شيئاً فشيئاً ـ فى غلالات الدين ، والأسطورة ، والحكايات الشعبية ..
قيل إن الغربان هى التى قادت الإسكندر إلى معبد آمون . وثمة حكايات عن السد الذى بناه الإسكندر ليحول دون تسرب يأجوج ومأجوج ، وقيل إن الإسكندر خلّف من بين كنوزه مرآة تعكس العالم كله : بحاره وأنهاره ومدنه وقراه وجباله وصحاريه ، كأنها البلورة السحرية التى تحدثت عنها الحكايات العربية .
حين وصل إلى جزيرة الأمازونة ، أدهشه أن الإقامة فيها مقصورة على النساء ، فلا يدخلها الرجال إلا مرة فى العام ، وقيل إنهن لجأن إلى اللقاح من الريح ، وقيل إن مجرد تأمل خيالهن فى الينبوع يحقق فى أحشائهن معجزة الأمومة دون اتصال جنسى .
ذكر أنه بعد أن انتهى الإسكندر من فتح البلدان ، وتطهير الأرض ، حدثته نفسه لكشف ما فى قاع البحر من غرائب المخلوقات . قيل إنه غاص إلى قاع البحر فى قفص شفاف من جلود الحمير . ظل فى الأعماق ستة وتسعين يوماً بلياليها . أتته خلالها حيوانات البحر طائعة ، مختارة . رفعت له فروض الطاعة والولاء . وكان من بين الوحوش ما استغرق مروره من أمام قفص الإسكندر أربعة أيام بلياليها ، هى المدة التى انقضت بين رؤية الإسكندر لرأس الوحش وذيله ..
لم أعد أدرى الفرق بين الحقيقة والخيال . لم أعد أمتلك ما أطمئن به إلى نتائج التنقيب والحفريات ، ولا إن كانت الآثار التى يجدها العمال حقيقة ، أو زائفة ، ولا إن كانت تنتمى إلى عصر بالتحديد من تاريخ الإسكندرية منذ راقودة وفاروس ..
مهمتى أن أفرق بين الواقعة التاريخية والأسطورة ، بين الحدث الحقيقى والحدث المتخيل . حكايات الإسكندر مبثوثة فى كتب التاريخ والآثار ، وفى كتب التراث الشعبى ، والآداب ، لا تكاد تخلو منها لغة فى العالم ..
***
لما مات الإسكندر فى بابيلون عام 323 ق . م قسّمت إمبراطوريته الواسعة بين قوّاده ، لكن الحضارة الهلنستية ـ نابعة من الحضارة الهيلينية ، المنسوبة إلى هيلين ابنة زيوس ، رب أرباب الإغريق ، المنتشرة على يد الإسكندر ـ كانت قد انتقلت من بلاد الإغريق إلى الإسكندرية وإنطاكية وترالس وبرغام وغيرها من مدن المنطقة العربية . وصل البطالمة إلى الحكم . صارت الإسكندرية مركزاً للحضارة الهيلينية ، واشتهرت بها شخصيات إغريقية كثيرة ، فضلاً عن تحولها إلى أهم مدينة فى العالم . استقر طابع الفن الإغريقى فى الأرض العربية رغم صراع أصوله المادية ، والأصول الروحية للفن العربى ..
فى عهد بطليموس الأول ، أسست مكتبة الإسكندرية . عملت على الجمع والتحقيق والحفظ ، وأجراء دراسات فى الطب والفلك والهندسة وغيرها . صارت المكتبة ـ فى مدى قصير ـ أشد اتساعاً ، وأكثر شهرة . ضمت 90 ألف مخطوطة أصلية ، و400 ألف لفة من الصور المنسوخة ، إلى جانب 42800 فى الملحق ، أو المكتبة الابنة فى معبد السرابيوم ، وأيضاً مخطوطات إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس . ثم فرع المكتبة ـ أنشأه بطليموس الرابع فيلا باتور ـ لدراسة كتابات هوميروس . حققت الأبحاث والدراسات نتائج مهمة ـ فى كل المجالات ـ على مدى خمسمائة عام .
غاب موقع المكتبة والمتحف . ذابا فى إسكندرية الإسكندر المطمورة تحت مياه البحر ، وتحت الرمال . موضعهما ـ فى اجتهادات علماء الآثار ـ فى مستطيل من الأرض . يحده ـ شمالاً ـ شارع سعد زغلول وجنوباً ، شارع سيدى المتولى ، وشرقاً ، شارع النبى دانيال ، وغرباً ، شارع جوهر القائد . كان الجزء الشمالى من المكتبة يطل على مستودعات الجمرك ، وهو ما يفسر احتراق المكتبة ، لما أشعل قيصر النيران فى سفن الأسطول المصرى ، امتدت منها إلى المستودعات .
حين دخل العرب مصر فى 641 ميلادية ، لم تكن المكتبة موجودة . كانت ـ كما قلت لك ـ قد أحرقت فى عام 48 قبل الميلاد ، زمن الإمبراطور يوليوس قيصر . ما تبقى من المكتبة خلا من المخطوطات والمجلدات ، لم يكن سوى أعداد قليلة ، احتفظت بها الكنائس والأديرة .
فى عهد بطليموس الثانى ، شيدت منارة الإسكندرية . بدأ بناؤها فى أيام بطليموس الأول ( 280 ق . م . ) فى الجزء الشرقى من جزيرة فاروس . صارت إحدى عجائب العالم الثلاث ، ثم السبع . فى عام 700 بعد الميلاد سقط مصباحها . رممها ابن طولون فى 880 . فى 1100 حدث زلزال مدمّر ، لم يبق إلاّ على الطابق الأول منها . وفى 1480 أقام السلطان قايتباى على أنقاضها قلعة ليحمى الإسكندرية من تهديد الأتراك بغزو مصر . جدد محمد على بناء الحصن . ثم تهاوت بقايا المنارة تحت قنابل الأسطول البريطانى فى أثناء ضرب الإسكندرية ، فى 11 يوليو 1882 ..
فى بداية القرن السادس الميلادى ، احتل الفرس مدينة الإسكندرية . بعد ذلك بأعوام قليلة ، احتلها العرب ، ثم انتقلت عاصمة البلاد إلى القاهرة ..
أنا أحب التاريخ . أحبه لأنى أحبه ، وليس لأنه عملى ، وإن كنت لا أحفظ الأرقام ..
***
تجمع كل الروايات على أن الإسكندر دفن فى مصر ..
أين ؟
ظل جثمان الإسكندر فى بابل سنتين ، استغرقهما صنع التابوت الحجرى وعربة الموكب ، فى انتقال الجثمان إلى مصر . كان بطليموس الأول قد أمر بأن يتفق الموكب مع سيادة الإسكندر على العالم . قيل إن بطليموس الثانى أنهى بناء منارة الإسكندرية القديمة ، فى الموضع نفسه الذى دفن فيه الإسكندر ، كى لا يفطن أحد إلى موضع القبر ، وليحميه من مياه البحر . تبلورت أمنياتى ، وما أطمح إليه ، فى العثور على المقبرة ، الكنز ، السر ، المعنى الذى قد يبدّل حقائق كثيرة . يمنع خطر تعاظم أمواج البحر ، وابتلاع المدينة . قيل إن كهنة معبد زيوس آمون بسيوة ، أرسلوا مجموعة من البرديات المتصلة بعلوم السحر والتنجيم ، وأسرار العرافات . ملئ بها تابوت الإسكندر . أخفى السحر والأسرار والتعاويذ قبر الإسكندر ، فظل فى حماية آبائه الآلهة . وقيل إن القبر السر يقف أمامه وحش ، أو تنين ، خضع للسحر فلا يعود إلى الحياة إلا حين تقترب الأقدام من موضع القبر ..
القبر الذى أبحث عنه ـ فى وصف المؤرخين ـ تفضى إليه درجات من الطوب . فى أسفلها فناء مربع الشكل ، ثم طرقة طويلة ، تنتهى إلى الضريح ، تحت سطح الأرض ..
كتابات كثيرة عما كان عليه الإسكندر من عظمة وقوة ، والتراب الذى آل إليه جسده . قبر الإسكندر تحت مدينته ، به ثروات لا حصر لها ، بداخله الوثيقة التى تحمل وصيته للناس من بعده . هذه الوثيقة الوصية هى ما يهمنى ، يهمنى الحديث عن الطلسم الذى يحمى الإسكندرية من مياه البحر . الطلسم لا يفض سر المقبرة ، وإنما يفض سر حياة الإسكندرية . نجاتها من الغرق واستمرارها . ذلك ما حرص الإسكندر على أن يحتفظ به للمدينة التى أطلق اسمه عليها ..
الإسكندرية أول من وضع لها الطلسمات فى مدن مصر . يقول كتاب " مختصر البلدان " إن الإسكندرية كانت بيضاء ، تضىء بالليل والنهار . إذا غربت الشمس ، لزم الناس بيوتهم . من غادر بيته ، لا يأمن على نفسه من الفقد. عملت لذلك الطلسمات . منها ما أفتش عنه فى قبر الإسكندر ..
أعرف أن محاولات المغامرين تعددت للعثور على قبر الإسكندر . يشغلهم المجد والثراء ولذة الاكتشاف . ما يقرب من المائة والخمسين محاولة ، أخفقت جميعها فى الوصول إلى قبر الإسكندر ، لكن الاجتهادات تهب الأمل فى العثور على ما يبدو مستحيلاً . ما يشغلنى هو الطلسم الذى يحفظ على الإسكندرية حياتها .
أنا مثل يوليوس قيصر . ما شغله يشغلنى ، وما أهمله لا أسعى إليه . لم يلتفت إلى ثراء المقبرة من ذهب ومجوهرات وزخارف رائعة . كان همه أن يجد القبو الذى يفضى إلى مقبرة الإسكندر ، ربما للبحث عن الطلسم الذى يحمى المدينة من الغرق ..
هذا ما يشغلنى .