1
حادث غريب، حدث..
ولا أحد يصدّق حدوث ماحدث
يوم عادي، في بيت عادي..
لا شئ يختلف عن أي شئ، ولا أحد يتوقّع حدوث ماحدث، ولا أحد مبال لأن يحدث ما حدث.. الحياة تسير كعادتها منذ بدء الخليقة، لا أحد حتى يعرف متى بدأت الخليقة بالتحديد؟!
لا أحد يهتم.
ومثلما يحدث في كل وقت وفي أي وقت، في كل مكان، وأي مكان، لم يكن حمل هذه المرأة الذي تبدأ به وقائع الرواية، مختلفا عما حدث لملايين بل بلايين البشر.
كم إمرأة حملت وأنجبت على مدار الزمن؟..
حملت المرأة، وأستعدت للإنجاب، كان الحمل طبيعيا، وجاء موعد الولادة، ولدت.. وجاء الطفل عاديا، لايختلف عن بلايين سبقوه إلى الحياة، أطلق صرخة معتادة تأتي مع كل مولود، كأنما هي إعلان منه لتسجيل وصوله إلى الدنيا..
هل كان يحتج على ولادته في هذا العالم؟!
أم هي أشارة لم يتنبه إليها أحد، أراد بها هذا المولود أن يعلن أنه ليس ككل السابقين؟!.. أشارة لم تصل.
أم هي صرخة يعلن بها فرحته بالوصول؟..
فرحت الأم. وفرح الأب، المولود صحيح، الوزن مناسب، وكل شئ هادئ وسعيد في هذا البيت..
الأم أكثر سعادة بمولودها..
فهو باكورتها، وهو صبي، ذكر.
والأب غير مبال للأمر.. لايهمه إن كان مولوده البكر ذكرا أم أنثى.
وسعادته بوصوله عادية، أو هكذا أراد لنا أن نشعر.. فهو يميل إلى إخفاء عواطفه، ومشاعره.
بدأ يتهيأ لدوره الجديد كأب.. يشعر بثقل المسئولية.. يفكّر في ما سيكون عليه حال إبنه بعد أن يكبر ويصبح رجلا..
يفكر الأب أنه لايريد للإبن أن يعاني ماعاناه هو.. لا يريده أن يعمل في مهنته، ولا أن يتعامل مع إناس من النوعية التي يتعامل هو معها.
يريد أن يحمي إبنه من المتاعب التي كابدها..
آه.. يتذكر الأب أنه لم يفكّر في إسم لولده، يتشاور مع الأم.. يختلفان، ويتنازعان دون أن يتفقا على أسم محدد، فيضطرا لتأجيل التفكير في ذلك، والتشاور مع الأهل..عاتب الأب نفسه لإنشغاله عن إبنه..
"كان يجب أن أناقش وأفكّر مع الأم في أسم وليدنا، قبل أن يأتي، كان يجب أن نتفق على أسم ولد وأسم بنت، من قبل الولادة.
المسألة ليست سهلة.. لنفكّر فيها اذن بعناية".
مضى أسبوع، ولم يتم تحديد اسم الوليد.
ليس لأن الوالدين غير قادرين على التوصّل لإسم، لكن لأنهما مازالا مختلفان على ذلك، هي تفضّل أن تسمّي ابنها " شومان".
عشقها للموسيقى الكلاسيكية وراء الإختيار بالطبع.
وهو يفضّل أسم "بلال".
وميوله الدينية وراء الإختيار بالطبع.
مع الأهل والأحباب بدءآ الاحتفال بـ"سبوع" المولود، دون أن يكونا قد إتفقا على إسم له!.. هو يناديه "بلال" وهي تناديه "شومان"..! وسط إندهاش واستنكار الأهل والأحباب.
سمعا تعليقات غير سارة، فمن قائل أن غياب الأسم يضيّع هوية المولود.. ومن قائل أن عدم إطلاق إسم على الطفل حتى الآن يحمل في طياته نذرا غير محمودة!
واقترح عليهما واحد من كبار العائلة أن يجريا قرعة لإختيار الإسم.
ورأت الجدّة العجوز، أم الأم، أن التسمية يجب ألا تؤذي المولود مستقبلا. قالت:
= الإسم الغلط سيترتب عليه عذاب ومعاناة لطفلكما.. حفيدي.
وربما يحقد عليكما عندما يكبر ويعاني من إسمه.
سألاها أن تقترح اسما مناسبا، قالت:
= الأسماء الجميلة لاحصر لها، يحضرني إسم يعجبني هو:
"بدر البدور".
- هذا إسم أميرة جميلة من "ألف ليلة وليلة".. هل تريدينه أن يكرهنا عندما يكبر ويعي ذلك؟!..
ردّد الأب محتجا.
قالت الأم:
- سأتخلّى عن اسم "شومان" لأنه فعلا يمكن أن يؤذيه في الكبر، وأحب أسم"بدر".. فيه نور وإشراق وكمال وسطوع ولون أبيض وضّاء، و..
وافق الأب على الفور، فـ "بدر" اسم له دلالة دينية ناصعة.
واكتمل حفل الـ"سبوع" بالتوّصل لإسم للوليد.
وتضمنت أغاني الأطفال الإسم، وتكرّرت عبارات:
"يارب يا ربنا تكبر وتبقى زينا
يارب يا ربنا تكبر وتبقى زينا
يـــا " بدر" يا بدرنــــــــــا"
***
بعد الحفل.. أخلد الأب للنوم، فلديه عمل في الصباح الباكر.
و الأم من جرّاء التعب والإرهاق، نامت.
الوليد.. أصبح له اسم.."بدر".. ونام.
ونامت الجدّة أيضا..
وبقت روائح البخور تلفّ المكان بعبق خاص، مُميّز و..غامض.
كانت رشّات الملح في كل ركن من البيت تفسح الطريق لشئ ما، لايعرف عنه أحد شيئا.
وحتى بقايا روائح البخور ورائحة "المغات" والحبّات السبع، والإبريق المزيّن بالألوان.. والسكين.. بجانب الخضروات والماء والملح.. والغربال، والهون، كانت تشكّل مفردات تشيع روحا تستهدف مطاردة الهواجس، والمخاوف، وخزي عين الشيطان، وطرد النحس، والأخطار، والشؤم عن المولود الجديد..
عمّ هدوء ثقيل بعد الضجيج الذي لم يشهد له البيت مثيلا منذ دخله الأب والأم عند زواجهما قبل مايقرب من السنة.
راح الجميع في سبات عميق.
النوم سلطان..
وكان"بدر" نائما في هدوء، في حلته البيضاء المائلة للزرقة اللطيفة، في الغربال، بجوار أمه.
بعد فترة قصيرة، صاح وبكى، ولم تستيقظ الأم، جاءت الجدّة، أخذته بغرباله ليبقى في غرفتها، ليريح الأم والأب.. وهنّنته لينام.
صحا الأب عند الفجر، وهيّأ نفسه للخروج دون أن يوقظ أحدا..
لم يتنبه لعدم وجود المولود إلى جانب أمه، فلم يكن يفكّر وقتها حتى في إبنه.. كان عليه أن يفكّر في شئ واحد فقط هوعمله.
مهموم هو بعمله..
ولم تستيقظ الأم إلا بعد الظهر..
أما الجدّة فكانت على موعد مع حدث غريب، استيقظت فجرا.. وأحست بزوج ابنتها وهو يتهيأ للخروج لعمله.. لم تقم من فراشها.. كانت جد متعبة من ترتيبات حفل"السبوع" والجهد المضني الذي بذلته في تحضير كل شئ.. وضجيج الصبيان والبنات.. واصلت النوم، ولم ُتفق إلا قرب العاشرة صباحا..
لاحظت بطرفة عين، أن الغربال بجوارها خال.. وأن"بدرا"- الذي اختارت هي أسمه- غير موجود!
"ربما جاءت أمه وأخذته إلى حضنها لإرضاعه".. قالت الجدّة لنفسها، اطمأن قلبها.. وعاودت النوم.
كانت الساعة تدقّ دقتها الثانية عشرة عندما أفاقت.
لفت نظرها شئ رأت أنه غيرعادي، غير طبيعي.. ملابس الرضيع"بدر" ملقاة بإهمال فوق الغربال.
هل بدأت إبنتها تتكاسل.. وتهمل..؟.. قالت لنفسها، ثم تساءلت "لماذا لم تضع غيارات "بدر" في الغسّالة؟..
أم أن علىّ أن أقوم بكل عمل هنا؟"..
بضيق جرجرت نفسها واتجهت نحو غرفة نوم ابنتها.. وجدتها مستغرقة في النوم.
لكن"بدرا" ليس إلى جانبها!
خرجت بلا تفكير.. لفّـّت البيت غرفة غرفة.. وركنا ركنا، لا أثر للمولود الجديد الذي كان موضع حب وإقبال وحفاوة واحتفال كبير طوال أمس؟!
عادت تلقي نظرة فاحصة على غرفة نوم ابنتها.."بدر" ليس هنا.. وليس حتى تحت السرير.. لاصوت له.. ولا أثر!
أيقظت إبنتها بتعجّل وإضطراب.. وهي تصيح:
- أين"بدر"؟!.. أين حفيدي.؟!..
قامت الأم، وكأنها في أسر كابوس، لا تعي ماحولها.. تستمع إلى سؤال أمها، دون أن تتجاوب معه، نائمة أو شبه نائمة ماتزال.
= ماذا تقصدين؟.. لا أعرف، كان نائما في الغربال هنا بجواري.
- ليس في الغربال سوى جلبابه الجديد!
= ربما حمله أبوه معه إلى غرفة المكتب..
- لكن زوجك غادر مبكرا بالتأكيد ليلحق بعمله في موعده.
اتجهت المرأتان إلى غرفة المكتب.
كان هناك رجل لايعرفانه، رجل أكبر من الأب، يجلس في الغرفة.
أصاب الأم وأمها فزع إبيضّ له وجهيهما، واقشعرّ جسداهما.. تجمّدت نظراتهما، نشب شعرهما.. بردت أطرافهما، انقبض لسانيهما، وأصاب الغم قلبيهما فكادتا تهويان مغمى عليهما من وطأة ما رأتا..
رجل يجلس مسترخيا على الأريكة!..
من هذا؟!..
من أنت؟!
لاحظت الجدة أن وجه الرجل يشبه ابنتها.
ولاحظت الأم أن له ملامح من زوجها.
ولاحظت المرأتان معا، أنه رجل عار!
عار تماما، كما ولدته أمه!
وأنه كان يتسلّى بهز رأسه يمنة ويسرة على وسادة من وسائد الأريكة..
وأنه عندما شاهدهما، لم يأبه لوجودهما، واصل تسليته، يهز رأسه يمنة ويسرة ويبتسم ببلاهة.
لم تفق المرأتان من الصدمة إلا بعد فترة، وللعجب كان الرجل كما هو.. عاريا.. يتسلّى.
ولم يجب على سؤالهما.. والحقيقة أنهما لاحظتا معا، كونه لاينطق، يتلعثم ويتهته، ويهـّز رأسه، ويحرّك شفتيه ويؤرجح ذراعيه وصدره كله للأمام والخلف كطفل يحاول النطق، ولاينطق.
بشئ من التدقيق، لاحظت المرأتان أن عنق هذا الرجل الغامض مطوّق بأسورة، وكذلك معصم يده اليمنى.. هما ذات الأسورتين اللتين طوقتا بهما الطفل الوليد "بدر" ليلة سبوعه.. أمس؟!
وإن كانت أسورة المعصم مشدودة تكاد تعوق سريان الدم في العروق.
هل تكون لهذا الرجل علاقة بإختفاء"بدر"؟!..
ولكن لماذا يلبس أساوره؟!..
وكيف أستطاع إدخال إسورة المعصم في مكانها؟..
ولماذا كل هذا؟..
وأولا: أين ابننا"بدر"؟..
كانت المرأتان تلطمان خدودهما، وقد تجمّدت قدرتهما على أي تفكير أو تصرّف.
لكن الأم وجدت نفسها، بتلقائية غريبة، تأتي بالجلباب الأبيض الذي كانت أرتدته أمس لتخطو به فوق وليدها وهو في الغربال، سبع مرات..
بلا تفكير ولا تأن ولا تراجع، ألبست الأم جلبابها لهذا الرجل الذي بدا لها الآن طفلا ضخما، رجل/ طفل!
نظرت إلى عينيه، فنظر إلى عينيها.. وعرفت بقلبها أن هذا المخلوق الضخم الذي هو أكبر منها حجما وسنا، وأكبر حتى من حجم وسن زوجها، هو..هو. هي لاتصدّق، لكنه - كما يراه قلبها، من وراء عينيها- هو طفلها الوليد"بدر".
لم تصدّق الجدّة ما أعلنته عليها ابنتها توّا.. "ربما أصابت إبنتي حمى أو خرف مابعد الولادة، علمت وسمعت كثيرا عن هذه الأعراض".. حدّثت الجدّة نفسها دون أن تنطق.
وانهارت تماما.. فتهالكت على مقعد قريب، مريح.
لم تتمالك الأم نفسها من إختلاط مشاعر الذهول والفرح، فتهالكت هي الأخرى على الأرض.