4
الشاهد
تحت السن القانونية
لا أثر لـ"بدر"..
لجأ الأب والأم ومعهما الجدّة، لكل الوسائل الممكنة للبحث عن وليدهم العجيب. ولانتيجة. الشرطة نظرت للموضوع باستخفاف، واعتبرت الرجل وزوجته وأمها مصابون بحالة نادرة من الهلاوس والجنون.
لأن الثلاثة سجّلوا في بلاغهم عن طفلهم المفقود، أنه كان في اليوم الثامن من عمره، وأنهم احتفلوا بـ "سبوعه" في الليلة السابقة.
وعندما طلب الضابط وصفا للطفل التائه أو المختفي، وربما المخطوف،
أعطوه أوصافا عجيبة:
أسمر. طويل نسبيا. شعره أسود مع أنه يبدو في السبعين من العمر.
يرتدي جلبابا أبيض جديدا مائل للزرقة. حافي القدمين.
توقـّف الضابط قليلا أمام عبارة"يبدو في السبعين من عمره":
- هذا وصف خاطئ، تقصدون أنه في يومه الثامن.
قالت الأم:
= نحن لاندري ماذا جرى له، لكننا أمس، في صباح اليوم الثامن، وجدناه وقد تحوّل إلى رجل ضخم، طويل وعريض، ويبدو في السبعين من عمره!
- ماذا تقولين؟.. كيف لطفل في يومه الثامن أن يبدو كرجل في السبعين؟!
هل أنت في كامل عقلك؟..
لحقته أمها بالقول:
= لايمكنك أن تصدّق مارأيناه أنا وابنتي هذه بعيوننا صباح أمس، أنا نفسي لا أصدّق، لكن هذا ماشاهدناه، سبحان الله في خلقه.
كان الأب موجودا لكنه لايتكلم، يكاد لايعي شيئا مما حوله، أصابه ذهول بالغ الحدة، أسكته تماما.
وعد الضابط أن يقوم ورجاله بعملية بحث فورية ودقيقة، وطلب منهم الإنصراف بطريقة ضايقت الأم.
لم يكن أمام الضابط سوى أن يترك هؤلاء المخابيل يتكلمون كيفما شاء لهم الكلام، ثم يضع البلاغ جانبا، ويتفكّر في ما أصاب الناس من تدهور في عقولهم، لايعرف له سببا، ربما الفراغ.
وربما دعاهم الشيطان لتلفيق محضر كاذب وعجيب، لسبب لايعرفه الآن، وسينكشف فيما بعد.
ليس في رأس الضابط مكان للتفكير في هذا الأمر الآن..
عندما عاد الأب وزوجته وأمها إلى البيت، كان"سرحان" البواب في انتظارهم على مدخل العمارة، وهتف لدى وصولهم:
- عندي أخبار.. اللهم أجعله خيرا.
ولم ينتظر ردا، واصل:
- سمعت أن أحد صبيان الحارة كان، مع عيال آخرين، في صحبة"بدر" لحظة خروجه من العمارة، وصحبوه معهم في الطريق، لزيارة عمته في"البساتين".
بحثوا عن الصبي.. وجدوه. استنطقوه. حكى. سألوه عن الطريق الذي سلكه. دلهم. وصحبهم إليه.
سألوه: أين تركته؟..
قال: هنا.
وتوقف أمام مقبرة فاخرة البنيان تعيش فيها عمته.
= ما العمل الآن؟..
سألت الأم زوجها وأمها، وجاء الرد منهما معا:
- نذهب جميعا لقسم الشرطة.
مضى نصف ساعة أو أكثر وهم واقفون في غرفة البلاغات بالقسم، في انتظارعودة الضابط المختص بمتابعة بلاغ غياب"بدر".
جاء الضابط، حكى له الولد ماجرى، ووصف له"بدرا" تماما كما في وصف أهله له.
سُجّل كل ذلك في محضر، وقال الضابط:
= سوف نقوم بعمل التحريات، وربما نطلب منكم الحضور وقتها.
وانصرف الأب وزوجته وأمها والصبي وعمته التي صممت على الحضور معه للقسم خوفا عليه.
ألقى الضابط نظرة على أقوال الصبي، وتمتم:
- شاهد تحت السن القانونية.
وقرر أن ينسى كل شئ.