2
من يقول مايعرف؟!
ومن يعرف ماذا يقول؟!
عندما أفاقت المرأتان واحدة بعد الأخرى، حاولتا فهم ماجرى، دون جدوى.
قالت الجدّة أنها لاتصدّق أن يتحوّل المولود الرضيع الذي بدأ بالكاد يومه الثامن في هذه الدنيا، إلى رجل.. رجل عجوز؟!
في يوم وليلة؟!
رفضت تماما أن يكون هذا ماحدث.
فكّرت أن هناك لابد، مكيدة من نوع ما، جريمة ما.. مؤآمرة.
"عصابات خطف الأطفال الرضّع وبيعهم للأجانب بآلاف الدولارات، تملأ أخبارها الشاشات.
لابد أن إحداها اندسّت بين الأطفال والأهل والجيران أمس خلال احتفالنا بسبوع"بدر" وانتظرت نومنا، وتسلّلت لخطفه، تمهيدا لبيعه".
هكذا فكّرت العجوز..
ودخلت المرأتان في جدل محتدم حول ماحدث، مضى معه وقت طويل، لم يقطعه سوى شعور الأم بالرغبة في إرضاع طفلها..
لكن أين هو؟..
قامت المرأتان في هلع تبحثان عن"بدر".. عن الرجل الذي كان هنا، وكانتا تتجادلان حوله،"الرجل الطفل" في عيون الأم.. و"الرجل المؤآمرة" كما تراه الجدّة.
قال لهما بواب العمارة أنه يتذكّر مشاهدة رجل كبير السن، يرتدي جلبابا أبيض..
= خرج من هنا، لا أعرف إلى أين..
كان يمشي ببطء شديد.. وكان حافي القدمين، ولم ينطق بكلمة، وابتسم لي، وكانت له نظرة طفل.. أتذكّر الآن، هذا شئ غريب!..
لكن لماذا تسألان عن هذا الرجل؟.. من هو؟.. ولماذا تركتماه يمشي حافيا؟..
من هو؟..
تردّدت الأم وأمها، وتلعثمتا، وحاولت الكبيرة شرح الموقف، مع التمويه على ماجرى، ففشلت.
قالت الأم الشابة، ساكنة العمارة، وقد أسعفتها مخيّلتها:
- كان درويشا طيبا حضر سبوع أبني"بدر" ليلة أمس، وبات عندنا بعدما اشتدّ عليه التعب، وتأخّرالوقت، المهم يا"سرحان" هل تعرف كيف نستدل على طريقه؟.. نحتاج لبركاته..
= ليتني أستطيع، على أية حال، سأحاول، سأسأل الأولاد، ربما شافوه وقت خروجه، كانوا جميعا يلعبون هنا أمام العمارة.
قال"سرحان" البواب ما قاله، وهو جالس على أريكة خشبية لايتحرّك.
تحرّكت المرأتان.. إندفعتا نحو باب العمارة كما لو كانتا في سباق.
***
مضت معظم ساعات النهار دون العثورعلى أثر لـ"بدر"..
قاد بعض الأطفال أمه، وأمها، من أطراف"المعادي" حيث تقع العمارة، إلى أطراف"البساتين" حيث سار"الراجل أبو جلابية بيضا" كما سمّاه الأطفال.
منطقة المقابر، مخيفة لمن لايعرفها، ومخيفة لمن يعرفها.
مخيفة نهارا في نورالشمس القائظة، وليلا في قلب الظلام.
قبل أن يقترب النهار من نهايته، عادت المرأتان يغالبهما شعور مرير بالهزيمة والخيبة واليأس، الأم فقدت رضيعها، إبنها البكر، بعد اسبوع من ولادته.. وكانت في ليلة واحدة رأته وقد أصبح عجوزا!..
ثم تلاشى.. أختفى.. ضاع"بدر".. وضاعت أمه، راحت تولول وتهلّل، وتصيح في الصحراء بين "البساتين" و"المعادي":
- يا"بدر".. تعال..
أنا أمّك، لاتخف منّي.. لن أضايقك.. أنت خرجت من رحمي، وأنا أمّك..
أحبّك أيّا كان حالك.. أحبّك لأنني لا أملك إلا أن أحبّك.. لا أملك نحوك أي شعور آخر.
تعال يا"بدر".. أحضاني مفتوحة لك، أنا أمّك..
تردّدت أصداء نداءآت الأم، وشعرت برجع الصدى.. سمعت أصواتا منعكسة كأنما إبنها يردّ عليها:
= أنا"بدر".. يا أمّي.. أحبّك. لاتقلقي علىّ.
كانت الجدّة تبكي، تشعر بضياعين، الحفيد الذي ابتلعته الأرض. وأمه، الإبنة التي انكسر قلبها وتكاد تفقد عقلها.. بضياع ابنها البكر.
***
لايعرف الأب ماهو التصرّف السليم في هذه الحالة..
ولايعرف كيف يصدّق ماتقوله زوجته، وتؤيده أمها.. هتف في وجهيهما ساخطا فور إبلاغه بماجرى، وكان قد وصل لتوّه من العمل:
= لماذا لم تخطراني فورا؟.. ما العمل الآن وقد فات اليوم؟..
وماهي هذه الحكاية العجيبة التي تقولانها ولايمكن أن يصدّقها طفل؟!..
كيف لرضيع أن يتحوّل إلى عجوز في ساعات؟!.. عمري يقترب من الثلاثين ولم أصبح عجوزا، فكيف أنجب عجوزا؟!.. كيف؟
التقط أنفاسه، وأحس بإنهيار قدرته على التماسك، وكرّر:
= ماذا جرى؟.. قولا الحقيقة، لن أغضب لو عرفت الحقيقة.. لاتضيّعا الوقت في هذه الهلوسة، حتى نلحق بإبننا، وننقذه، إن كانت هناك فرصة بقت..
أسامحكما على كل ماقلتماه، وسأنساه على الفور لو تشجّعتما وتماسكتما.. قولا الحقيقة، ولكما العفو الشامل.. نحن بشر نخطئ، ونسهو، ونكذب، ونسئ التقدير، ويمكننا أن نغالط ونكابر.. لكن بقدرتنا أيضا أن نتكلّم بصدق ونعترف بالخطأ، ونطلب المعذرة والمغفرة..
ماذا جرى حقيقة؟..
تركتما المولود فسقط من الشرفة.. من هنا في الطابق السابع، نسيتماه، اعتمدت إحداكما على أن الأخرى ترعاه، فسقط ومات.
وألـّفتما معا قصة العجوز والجلابية البيضاء، للتمويه، للتهرّب من المسئولية، لإخفاء تهاونكما وإهمالكما لإبني البكر.. إبني الوحيد.. أين إبني؟!..هاتا لي إبني الآن!
قلبي يتمزّق، أليست في قلبيكما رحمة؟!
إنهار الثلاثة!..
لفّهم الوجع والهمّ والألم والغموض، واليأس، والرعب.. والصمت المطبق.
نظرات قاسية تنبعث كشرارات حارقة من عيني الأب الباكية، ونظرات بائسة يائسة، باكية بحرقة من عيون الأم والجدّة.
***
ماذا جرى فعلا؟..
يبدو أن"بدرا" بدأ يشعر بالتحوّلات التي أصابت بدنه، وكيانه كله، منذ منتصف ليلة"سبوعه"..
هبّت في روحه شعلة ملتهبة، وكأنما هي نار مقدسة تنضج على وهجها كافة مكوناته وأعضائه وعناصر كيانه الإنساني، المرئية وغير المرئية، وكما في فورة البركان، فار كل شئ، ونضج واستوى، ماحدث يشبه عملاق من البلاستيك، مفرّغ من الهواء وكل شئ، وفي لحظة واحدة يمتلئ بالهواء وكل شئ آخر، فينهض كما طائر الفينيق.
كانت بعض بقايا علامات الطفولة عالقة بكيانه وحواسه وغرائزه، في الساعات الأولى لنهوضه..
لايقوى مثلا على الكلام والنطق..
تعبيرات وجهه بلهاء. أو طفولية. أو صمّاء..لاتحمل أي معنى أو دلالة.
حركته بطيئة بليدة.. إستجاباته متردّدة وضعيفة، مهزوزة.. كأبله.
حتى نشاط أجهزته العصبية والعقلية وغيرها. كان مثل محرّك قوي، تعطـّل لفترة، ثم جاءته دفعة طاقة قوية، فاستعاد وتيرته ونشط معاودا طلاقته.
حدث هذا بينما كانت الأم والجدة تتجادلان حوله..
فتحرّك، دون أن تتنبها، خرج من البيت، وجد نفسه في ساحة صغيرة وأمامه رجل وأمرأة وأطفال، توجهوا جميعا نحو المصعد، توجه معهم نحوه، وصلوا جميعا للطابق الأرضي ومشوا.. مشى خلفهم، مضوا في طريقهم.. ومضى هو.. لايعرف إلى أين!..
خارج العمارة، وقف قليلا يستطلع العالم المحيط.. وجد نفسه وسط ثلة من الصبيان والبنات.. مشى معهم، ومشوا.. حاولوا التحدّث إليه.. تضاحكوا معه، لفتهم أنه حافي القدمين.. ساروا خلفه.. يردّدون سؤالهم له:
- ما اسمك ياعم؟.. ما اسمك ياعم؟
= اسمه"أبو جلابية بيضا"..
ردّد أكبرهم وتحرّك يقود خطاهم في إتجاه"البساتين".. وفي الطريق تراجع بعض الصبيان والبنات وعادوا أدراجهم.. وبقى ثلاثة من الأولاد الكبار..
وصل موكب"أبوجلابية بيضا" إلى منطقة المقابر، كان الولد الكبير الذي يقود ماتبقى من القافلة متجها لزيارة عمته المقيمة هنا، ومعه ولدان آخران يصحبانه في العدو والغدو والرواح.
أما"بدر" فقد نسيه الصبيان الثلاثة لدى وصولهم ودخولهم الجبانة التي تسكنها العمة.