11

9 0 00

11

اليتيم

الشفاهي أن يهديني هدية فاخرة، وكنت أعجب من التلامذة الذين كانوا يبكون حينما

لم يسمعوا أسماءهم، وكنت أتصوَّر أنهم يخافون من آبائهم أن يضربوهم أو يهينوهم

لعدم نجاحهم، ثم جاء اليوم المعيَّن للامتحان الشفاهي فدخلنا ووجدنا لكل علم لجنة

مكونة من ثلاثة أساتذة، فسألونا عن أسمائنا، وامتحنونا وأعطونا درجات تدل على

نجاحنا، ثم خرجتُ بعد الامتحان وذهبت لوالدي وبشَّرته بنجاحي، ولم أدرِ ماذا تم حتى

جاءني والدي في اليوم الثالث وأعطاني ساعة ذهبية وقال: »هذه مكافأة على اجتهادك ،«

وبشرني بتمام النجاح، ولم يمضِ شهر حتى ظهرت جريدة الوقائع المصرية، ولا تسل

عن سروري حين وقع نظري على اسمي مطبوعًا في الجريدة، ثم جاءني والدي وقال لي:

»اعلم يا ولدي أني أريد أن أرسلك إلى مدرسة في القاهرة لتتميم دراستك «، فسألته: »وهل

تذهب معي إلى القاهرة لتقيم فيها؟ « فقال: »لا، ولكنك ستكون تلميذًا داخليٍّا في المدرسة،

بين من يخاف عليك ويعتني بأمرك «، فسألته: »ولِمَ لا ترسلني إلى القسم التجهيزي

من مدرسة رأس التين؟ « فأجابني: »إنهم ربما ألغوا القسم التجهيزي من هذه المدرسة،

وسأرسلك إلى أحسن مدرسة في القاهرة، وما رغبتُ في ذلك إلا لكي تتعوَّد على التغرب

ومعاشرة الأساتذة والتلامذة «، فرضخت لأمره وأنا كاره لفراق موطني وابنة جارنا، التي

كانت في ذلك الوقت تزداد لطفًا وجمالًا، وكان قلبي مولعًا بها، حتى إنني كنت لا أهنأ

إلا بجوارها، وكانت دائمًا تحادثني وتذاكرني الدروس، وكنت أشعر بانعطاف نحوها

يزداد يومًا عن يوم، وأنا لا أعرف وقتها غرامًا ولا هوى، بل كنت أتدرَّج في حب طبيعي

ممزوج بالميل، ولو كنت أعرف ما تبطنه الأيام لما علق قلبي بشيء من ذلك، ولكنها

الأقدار تجري بما تشاء.

ولمَّا بلغها خبر سفري إلى القاهرة وأنني لا أراها إلا بعد ستة أشهر على الأقل، أسفت

غاية الأسف، وصارت تجيء إليَّ كل يوم وتقول: »تعالَ نتفسح، وننهب لذة اجتماعنا؛ فقد

قرب وقت سفرك «، وكانت تتبسم نحوي بما يشفُّ عن حبها لي حبٍّا ممزوجًا بالإخلاص،

حتى إنها قالت لي قبل السفر بيومين ونحن جلوس على مقعد بالحديقة: »هل تذكرني

في سفرك؟ « فأجبتها: »كيف لا أذكرك وأنت رفيقة حياتي من الصغر؟ وهبي أني لا

أتذكر هذا المُحيَّا الذي يبسم لي عن وداد ومحبة، فهل أنسى أيامًا قضيناها ونحن خليَّان

من متاعب الدنيا؟ « فقالت: »إن ذكرى ذلك الزمن تولد في قلبي بواعث غريبة، وبودي لو

يعود ونعود كما كنا لا نعرف للفراق اسمًا. «

كل ذلك كان يزيد حبها في فؤادي، حتى كان يوم الخميس فذهبت معها للتنزه

في الحدائق المجاورة لمنزلنا، فقالت: »أظنك مسافرًا غدًا إلى القاهرة «، فقلت لها: »نعم ،«

12