13

8 0 00

13

اليتيم

جاء فركبت أنا ووالدي فقط، وسلم علينا والد سكينة وقدَّم إليَّ صورته مع ابنته التي

سلَّمت عليَّ وعيناها مُغْرَوْرَقَتان بالدموع، وقدمت لي الباقة فأخذتُها، ويعلم لله أني بلَّلتها

بالدموع التي انحدرت من آماقي على تلك الزهور، ولمَّا صفَّر القطار نظرت إلى سكينة

ووالدها ورياض الرمل، وقلبي واجف ودموعي تسيل على خدودي، ولما سار القطار

صرت أزود نظري من محاسن رفيقة صباي حتى احتجبت عن نظري، ولم أعد أرى

سوى أشجار الرمل، فدخلتُ العربة ورأيت والدي يقرأ إحدى الجرائد، ولما رآني والدموع

ملء عيني شرع في ملاطفتي قائلًا: »لو كنتُ محلك ما بكيت كما تبكي، بل لكنت أكثر

سرورًا «، فسألته: »وهل تظن يا والدي أن فراق الموطن والإخوان سهل؟ « فأجاب: »أنا لا

أنكر أن الفراق صعب، ولكن إذا كان الفراق لنيل المعالي والحصول على الشرف فإني لا

أستصعبه، ولا سيما إذا كان الإنسان سيجتمع بإخوان يؤنسونه ويضاعفون مسراته ،«

فأجبته مترددًا: »إذا كان! «

قال: »كن على يقين أنك ستكون مسرورًا بين إخوانك التلامذة، فإن زمن التعليم كله

سرور وهناء، لا سيما وأن المدرسة التي تذهب إليها مشهورة بحسن موقعها، ولطف

أساتذتها، وجميل أخلاق ناظرها، وأدب تلامذتها. «

قلت: »وما اسم هذه المدرسة؟ «

قال: »المدرسة التوفيقية «، فقلت: »طالما سمعت عنها أنها مدرسة أولاد الأغنياء،

فهل يدفعون فيها مبالغ وافرة؟ «

قال: »قد كان ذلك من قبل، وأما الآن فجميع المدارس الثانوية على حد سواء، وإنما

تمتاز هذه المدرسة بحُسن نظامها وحرية التعليم فيها، ولذلك فكبار الأمة يرسلون

أولادهم إليها، وإني آمل أن تتخلق بآداب أحسنهم، وأن تختار لك من الأصدقاء من

يعاونونك على أعمالك؛ فإن أصدقاء المدرسة يكونون أعظم أعوان المستقبل «، ثم انتقل

للكلام معي في مسائل أخرى تهذيبية، حتى وصلنا إلى محطة مصر، وإذا بأصحاب

الفنادق ينادون: »أوتيل كديفيال » ،« أوتيل شبارد » ،« أوتيل رويال «، ونحو ذلك، فنادى

والدي رجلًا يقول أوتيل كديفيال، وأعطاه جعبة السفر، ومن ثَم ركبنا إلى النُّزل، وإذا

به في سناءٍ يشرف على الأزبكية. ولا أطيل على القارئ؛ فأقول إني توجهت في الصباح إلى

المدرسة، وبعد الكشف الطبي أمُرت بالعودة ثانية بعد أسبوع، وهكذا فعلتُ.

14