الفصل الأول

10 0 00

الفصل الأول

معهم. ثمشرع في تعليمي القراءة والكتابة بنفسه، وكذلك مبادئ الحساب واللغة العربية

والفرنسوية. واستمر على ذلك حتى بلغت سن الثالثة عشرة، فأرسلني إلى مدرسة رأس

التين الأميرية، وهذه أول مرة رأيت المدرسة والتلامذة والأساتذة، الذين اختبروني وقرروا

إدخالي في السنة الثالثة من القسم الابتدائي، وكان ناظر المدرسة رجلًا سليم القلب، محبٍّا

للتلامذة. وعند المساء كان يأتي خادمي فأذهب معه إلى محل تجارة والدي، التي كانت في

محل يسمونه »بورصة مينا البصل «، فكنت أرى التجار وأغلبهم من الأجانب، ثم أذهب

مع والدي وخادمنا إلى محطة الرمل، ونركب القطار إلى محطة باخوص، ومن ثمَّ نذهب

إلى بيتنا. وهكذا مرت السنة وجاء الامتحان وكنت من المتقدمين في الفرقة. وجاءت أيام

المسامحة، ولله ما كان ألطف تلك المسامحة، التي أمضيتُ أغلب أوقاتها مع ابنة جارنا

التي كانت تذهب إلى مدرسة بالإسكندرية وتعود بعد الظهر!

أما والدها؛ فقد سمعتُ عنه من والدي أنه من كبار المصريين وأغنيائهم، حُر المبدأ،

كريم العنصر، شريف العواطف، يساعد الفقراء والمساكين، ويحثُّ الناس على تربية

أبنائهم، ويجود بماله لتربية أولاد الفقراء لأنه يرى أن بلادنا محتاجة للتربية؛ إذ إن تقدم

الأمم مرتبط بتقدم الأفراد، وكمشرع في تأسيسمدرسة خيرية لتربية أولاد الفقراء! ولكن

أغنياءنا لم يساعدوه، وغاية مُناهم من الدنيا كنز الأموال، حتى يخرج بعدهم أولادهم

الذين يُهملون تربيتهم فيُفقدون ما جمعوه في بعض أيام قلائل، ومن الذي يحصل على

أموال هؤلاء الأغنياء سوى باعة الخمور وأصحاب محالِّ اللهو؟ وبذلك تتحول الثروة من

البلاد وتلبث الأمة في الجهل، والذنب كل الذنب راجع على أغنيائنا وكبرائنا. وكان جارنا

يحبني كما يحب ابنته، وطالما كان يتكلم معي في موضوعات شتى أدبية.

وهكذا مرت الأيام وانقضت المسامحة ما بين إسكندرية وباخوص وسان استفانو،

الذي كنت أزداد محبة في الذهاب إليه. ولما جاء ميعاد افتتاح السنة المدرسية وذهبت

إلى المدرسة، أخبرونا أننا سنمتحن آخر السنة لكي ننال شهادة سموها شهادة الدراسة

الابتدائية، فاجتهدت في مذاكرة دروسي بكل همة ونشاط، وكان والدي يزور المدرسة

ويوصي عليَّ الأساتذة، حتى جاء يوم ٢٥ يونيه سنة ١٨٩٢ وجاء التلامذة من البلاد

المجاورة كدمنهور ورشيد وطنطا، وامتحنَّا تحريريٍّا، وانتظرنا ظهور النتيجة بقلوب

واجفة، وكنت صغيراً لم أفقه مركزي، حتى جاء وقت ظهور النتيجة، وجاء رئيس

الامتحان ونادى بأسماء التلامذة الناجحين، وذكر من ضمنهم اسمي فسُررت جدٍّا،

وذهبت توٍّا إلى والدي وأخبرته بنجاحي، فقبَّلني ووعدني إذا نجحت في الامتحان