اليتيم
اليتيم
تأليف
أحمد حافظ عوض
اليتيم
أحمد حافظ عوض
رقم إيداع ١١٣٥٥ / ٢٠١٤
تدمك: ٩٧٨ ٩٧٧ ٧١٩ ٩١٢ ٤
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ٨٨٦٢ بتاريخ ٢٦ / ٨ / ٢٠١٢
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
٥٤ عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ١١٤٧١ ، القاهرة
جمهورية مصرالعربية
تليفون: ٢٠٢ ٢٢٧٠٦٣٥٢ + فاكس: ٢٠٢ ٣٥٣٦٥٨٥٣ +
البريد الإلكتروني: [email protected]
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
تصميم الغلاف: إيهاب سالم.
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي
للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية
العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2015 Hindawi
Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.
المحتويات
كلمة للمؤلف
كلمة للمؤلف
7
الفصل الأول
الفصل الأول
9
الفصل الثاني
الفصل الثاني
15
الفصل الثالث
الفصل الثالث
27
الفصل الرابع
الفصل الرابع
33
الفصل الخامس
الفصل الخامس
39
الفصل السادس
الفصل السادس
45
الفصل السابع
الفصل السابع
51
الفصل الثامن
الفصل الثامن
59
الفصل التاسع
الفصل التاسع
69
الفصل العاشر
الفصل العاشر
77
الخاتمة
الخاتمة
83
كلمة للمؤلف
في النصف الأخير من سنة ١٨٩٨ ظهرت هذه الرواية في عالم المطبوعات العربية تحت
اسم »رواية اليتيم أو ترجمة حياة شاب مصري «، بلا مقدمة أو كلمة واحدة من قلم
كاتبها، الذي لم يكن إذ ذاك معروفًا إلا لدى أصدقائه وأقرانه في المدرسة، ولهذا السبب
لم يرَ أن يتهجم على مواقف المؤلفين ويتقحَّم على صفوف المصنفين بنشر مقدمة يقول
فيها شيئًا عن نفسه أو قصده، واختار أن يُلقي حبل تلك الرواية التي كتبها بمداد التعليم
المدرسي على غاربها؛ لتنال حظها من المكانة لدى الأدباء والقُراء إما مدحًا وإما قدحًا،
سيما وهو إذ ذاك طفل في عالم الأدب، متطفل على موائده، وما كان ليخطر بباله يوم أن
فتح لروايته هذه باب الظهور في الوجود أنه سيضطر في يوم من الأيام بالرغم عنه لكتابة
كلمة عنها ومقدمة لها، بل ما كان ليؤمِّل مع غرور الشباب في مثل ذلك السن أن تعيش
روايته هذه في مثل هذا العصر، وتنفد نسخها بعد بضعة أشهر من صدورها أو أن تُطبع
مرة ثانية.
وسواء كان رواج »رواية اليتيم « وإقبال الناس عليها يرجع إلى أنها تستحق ذلك، أو
لأنها كانت صادرة من القلب فوصلت إلى القلوب، فهو ما أتركه للمستقبل أو لحكم الغير.
ولكن ما لا أنكره على القارئ أنني لولا رغبتي في بقاء أثر من آثار الشبيبة الأولى مرتديًا
بالرداء الذي وُلد فيه وقائمًا بالفطرة التي وُجد عليها؛ لرأيت فيها شيئًا كثيرًا يستوجب
التغيير والتبديل، فلهذا أزفُّها للقراء كما ظهرت لهم أول مرة، وفي اعتقادي أنها ستبقى
— ما دامت تقدر على المقاومة في معترك حياة الكتب — على ما هي عليه.
كثيرًا ما سُئلت عن موضوع هذه الرواية، وعما إذا كانت حقيقية أو خيالية، فكنت
أجيب تارة بالتصريح وتارة بالتلميح، ولهذا رأيت أن أعيد الآن كلمة صغيرة في هذا
الباب قلتها في مقدمة رواية »الحال والمآل «، وهي أنه لا يلزم أن تكون الحادثة قد وقعت
اليتيم
لأشخاص معلومين معروفين، بل يكفي أنها كالحوادث التي تقع كل يوم، وقد تكون
حدثت بعض حوادثها لأفراد مختلفين، فاجتمعت مع بعضها، ولمستها ريشة الخيال
بمسحة من خطراتها؛ فتألف منها ما تراه شكلًا كاملًا، وأظن في ذلك ما يكفي.
وكثيرًا ما انتُقد على هذه الرواية بأنها صورة سوداء من الصور التي تُبْغَض في
الحياة وتسيء الظنونُ بها، بمعنى أنها مُحزِنة، وأن مثل هذه الحوادث المؤلَّفة لا تتراكم
بمثل هذا الحال على أحد، وحتى لقد طُلب مني عند هذه الطبعة الثانية أن أخفف بعض
سوادها، فرفضت رفضًا باتٍّا. أما عن الانتقاد ففيه بعضالحقيقة التي تختلف في تقريرها
العقول، إلا أن هذه الرواية إن كانت قد أحزنت كثيرين فقد خففت في وقت تأليفها عن
صدر كاتبها حِملًا ثقيلًا، وأراحت ضميره قليلًا.
لأسباب شخصية لا محل لها هنا كان كاتب هذه القصة في زمن من الأزمان محملًا
بصنوف الحزن وضيق الصدر، حتىصغرت في عينه الحياة، وحتى خُيِّلَ له أنها لا تصفو
أبدًا، فلهذا نظر إلى العالم بذلك المنظار الأسود، وصبغ روايته في ذلك الوقت بهذا اللون،
وربما حمل بطلها من التعاسة والشقاء شيئًا كثيرًا؛ لأن نفس التعيس ترتاح لتعاسة
غيرها حتى ولو كان ذلك في الخيال، فلهذا كان المؤلف كلما ضاق صدره خفَّ إلى قلمه
فساقه في روايته هذه، فظهرت على هذا الحال.
ولا أحب أن أطيل الكلام فالكتابة عن شخصالإنسان فيهاشيء من الأثََرة والأنانية،
وهو ما لا أرتاح إليه. ولولا أن ناشرمسامرات الشعب اضطرني لكتابة هذه الكلمة لبقي
أمرها في طيات الضمير إلى ما شاء لله.
فأكتفي بهذا حتى تجمعني وهذه الرواية فرصة أخرى.
والسلام.
أ. حافظ عوض
المطرية في ١٠ صفر الخير سنة ١٣٢١
8
الفصل الأول
زمن الطفولة »أيام كنا والزمان مساعد «
في سنة ١٣٠٢ هجرية تبتدئ قصتي، حيث كنت أبلغ إذ ذاك العاشرة من العمر، وإنني
كنت في ذلك الوقت صغير السن لا أفقه ولا أعي أغلب الحوادث، غير أنني أذكر للقارئ
ما يصل فكري إليه من ترجمة حياتي، التي أكتبها الآن وأنا في سن الثانية والعشرين،
وإذا سمحت الظروف وعُدت إلى بلادي نشرتها، وإن جاء القدر ضد مقاصدي — كما هي
العادة — فلا أعدم واسطة من إرسالها لصديق صباي ورفيق شبيبتي … وليكن في علمك
أيها القارئ، أن ما أكتبه عن نفسي وقع لي بدون مبالغة أو تحريف.
ولدت في سنة ١٢٩٣ ، وكان ميلادي بمنزل في رمل إسكندرية بالقرب من محطة
»باخوص «، ولغاية ما أتذكر من الحوادث أقول: إنني كنت ألعب مع ابنة صغيرة تعادلني
في السن، وهي ابنة جارنا في المنزل، الذي كان منقسمًا إلى مسكنين: أحدهما جهة الشرق
والآخر جهة الغرب، وكان يسكن القسم الشرقي رجل من كبار المصريين، كان يأتي لنا
وأنا ألعب مع ابنته فيلاطفني، وكنت أذهب معها إلى مسكنهم الذي لم يكن في الحقيقة إلا
قسمًا من منزلنا، حيث لم يكن يفصلنا عنهم شيء، ولنا حديقة واحدة. أما والدي فكان
رجلًا في سن الأربعين، متوسط القامة، واسع العينين، أسود الشعر، وكنت تراه دائمًا
ملازمًا للصمت، كمن يفتكر في أمر مهم، ولذلك كان لا يلعب معي كثيرًا، كما يفعل جارنا
مع ابنته، وكان يذهب في الصباح إلى الإسكندرية، ويعود في المساء، حيث يتناول العشاء،
ويذهب للمحادثة مع جارنا، ثم يعود إلى النوم.
اليتيم
أما والدتي فياللأسف! تحققت أني لم أرها إلا وأنا طفل رضيع، وأما من كنت أظنها
والدتي لم تكن في الحقيقة إلا مربيتي، وهي مصرية الأصل، وكان عندنا في المنزل خادم
وخادمة يقومان بلوازم المطعم والمَلبَس. أما أنا فكنت كثير اللعب مع تلك الابنة، وكنا بعض
الأحيان نذهب مع والدها إلى الإسكندرية وإلى سان استفانو، حيث كنا نُرَيِّضأنفسنا على
شاطئ البحر ونعود إلى المنزل عند المساء مارِّين بين الحدائق والأزهار المجاورة للطريق.
وعلى مثل هذا الحال قضيت زمن الطفولة زمن الهناء والسعادة.
?هو ?ا ?ل ??ط ?ف ?ل? أ ?ه ?ن ??ى ا ?ل ??خ ?ل ?ق? لا ?ي ?عر ?ف الأ ?س ?ى ولا ي?ع??ر?ف ال?ب ??ل ??و?ى ولا ي?ع??ر?ف ال?ه??و?ى
ولما بلغتُ الثامنة من العمر شرع والدي في تربيتي، فلم يترك فرصة تمر دون أن
يعلمني فيها ويرشدني إلى الفضائل والتحلي بالآداب. وأول شيء وضعه في عقلي وثبَّته
بالإرشادات الصدق وفوائده، أذكر أنه ذات مرة قال لي: »إذا رأيت أن تُخلِّص نفسك
بالكذب هل تفعل؟ « فأجبته: »نعم «، فاغتاظ مني، ولولا شفقته عليَّ وحبه لي لأني كنت
وحيده وثمرة حياته، لضربني، ولكنه وبَّخني، وقال: »اعلم يا ولدي، أن الكذب مهما
كانت نتيجته من الخلاص، فلا بد من الوقوع في شره يومًا ما، واعلم أن هذه الدنيا لا
تدوم، وكلنا مائتون، ومن لم يمت صغيرًا مات كبيرًا، فكيف يكذب الإنسان سعيًا وراء
خلاصحياته وهي لا تدوم؟! أليس منشرف المبدأ وواجب الدِّين أن يصدق الإنسان ولو
كان في الصدق فقدان روحه؟ « وكمضرب لي الأمثال! ومما أتذكر منها حكاية واشنطن
محرر أمريكا، الذي لم يكذب على أبيه حين سأله: من الذي قطع شجر الكريز؟ وكان
واشنطن القاطع له، بل قال بكل ثبات: »أنا يا والدي «، فاشتُهر بعد ذلك بالصدق حتى
صار رئيس جمهورية تلك البلاد. وكان في أثناء كلامه يزيدني من المعلومات العمومية،
حتى إنني لما كنت في المدرسة كنت مشهورًا بمعرفة الغرائب، وكنت معصغر سني أعرف
بعض معلومات عن الدول وقوادها وتواريخها وعن السياسة وبعض رجال السياسة،
وذلك من المبادئ التي علَّمنيها والدي.
وكان والدي محافظًا على أصول دينه، وأوَّل شيء وضعه في ذهني أصول الدين
والتمسك به، حتى إن إخواني التلامذة حين ذهبتُ فيما بعد إلى المدرسة كانوا يستغربون
مني حينما يرونني أصلي كل وقت وأحافظ على الفرائض الدينية، ولذلك كنتُ محترمًا
عند أساتذتي وعند إخواني. ثم فضلًا عن تثقيف ذهني فإنه لم يمنعني عن اللعب في
الحدائق مع ابنة جارنا، وكان يوصيني بالأدب معها ومع والدها والأولاد الذين نلعب
10