(2)
كان موضوع الحرية الهم الرئيس في عقل عصام منذ أن كان طالبا في الجامعة وحتى بعد أن نشر روايته الأخيرة (روعة) فقد كان مسكوناً بها وبخيالها في أي مكان يتواجد فيه حيث أصبح هناك جدل للفكر مع الذات دائما وذلك كنتيجة للتخلف النفسي والعقلي العربي ورشح عن ذلك الرواية التي كتبها بعد أن أفاق من نومه الطويل الذي استمر تسعة أيام.
هناك أبطال كثر في رواية الدكتورة (روعة حماد) التي صمدت هي ومن رافقها في رحلتها الطويلة حتى وفاتها في الفصل الثاني والعشرين من الرواية، ماتت ورحل معها سؤالها الذي لازمها طيلة وجودها والذي حولته في آخر عمرها إلى برنامج أسبوعي في قناة حزب " الحب والحرية"، الذي تنتمي إليه وتعمل كمرشدة له منذ سنوات، وفي آخر حلقة من برنامجها سؤال الحرية الذي استضافت فيه الدكتور (عصام أحمد) الأكاديمي والإعلامي المعروف ليتحدث عن تجربته الطويلة مع قضية الحرية، سعدت بالجزء الأول من تجربته الطويلة مع الحرية، ولكنها انقضت عليه وعاتبته على تراخيه و تراجعه وانكفائه في سنواته الأخيرة، إلا أنه لم يجبها، ووجه لها سؤالا على أنها لم تقدم شيئا، إنما هي في حلقة الحلم الكبير وأنها لم تراوح مكانها، وأن غياب العقلانية الناتج عن غياب العلم والمعرفة أدى إلى غياب الموضوعية وسيطرة اللاوعي الجمعي، وطالبها بأن تتراجع عن السير في هذا الطريق المتعب، لكنها أجابته مع ابتسامة عريضة:
عندما يسألني الله كيف قضيت حياتك؟ أقول قضيتها دقيقة بدقيقة في المطالبة بنشر رسالة الحب والحرية، رسالة حملتها ولن أتخلى عنها حتى آخر دقيقة من عمري.
ظلت الدكتورة تناقش وتناقش وتعمل ولم تصل إلى درجة اليأس، فشخصيتها القوية المدعومة بثقافتها تبتعد كثيرا عن الوصول إلى منطقة الغضب، فطرحها العقلاني المبني على الحجج والبراهين والشواهد يمنعها من الوقوع في محرقة الغضب، في السنوات الأخيرة أسعدها كثيراً وجود ابنها (أكثم) الذي قدم من بلجيكا، لقد كان مع أبيه منذ أن كان طفلا، وأصبح نائبا لرئيس الحزب وفي غياب (ريم) تولى الرئاسة، فهي تكن كل الاحترام والتقدير لصديقتها (سعاد الصالح) القريبة من قلبها، فالصديقتان من النخبة التي لها مطالب عديدة في إحداث تغيير يقوم على زيادة هامش حرية التعبير، حركتهما بطيئة، غير تصادمية مع النظام كي تظل شمعتهما مضيئة حتى لو كانت ضعيفة أو كما يقول المثل "أن توقد شمعة خيرا من أن تلعن الظلام".
ومن أبطال الرواية المحامية (ريم منذر) التي لها إسهامات عديدة لا تقل عن الدكتورة فهي التي طالبت بتأسيس الحزب الذي لا يركز فقط على نقد الأنظمة العربية، إنما انغمس في قضية تنشئة الطفل ودور الأسرة للوقوف في وجه التطرف أيا كان مصدره وتطوير الفطرة لدى الإنسان من أجل الديمقراطية، وأصدر مجموعة من الدراسات والبحوث التي تركز على أهمية التعليم في البلدان العربية من خلال تهافت آلاف الباحثين والمتطوعين من شتى البلدان العربية نتيجة لإيمانهم الكبير بدور الحزب، واقتناعهم الكامل بأن الحزب يلعب دور المضاد الحيوي في مرض ضعف الإرادة المنتشر هذه الأيام، يحاول الحزب استشراف المستقبل والدخول إلى قراءة نصوصه المستقبلية من زاوية إنهم يعملون عقولهم في تتبع خطوات الغير المتقدم لفهمهم وليس لتقليدهم، انطلاقا من حقيقة أن الوعي سلطة.
لعبت مرشدة الحزب (روعة) نفس الدور الذي لعبه الإمام أبو حنيفة عندما صنع فريق عمل من ثلاثين رجلا، يتقاسمون مسؤولية إصدار الموقف الفقهي كمجموعة متباينة التخصصات، فعندما يغيب أحدهم يؤجل أبو حنيفة اتخاذ القرار حتى يعود الغائب، من باب الاحترام والاهتمام به، لقد أخذ أبو حنيفة بآراء الآخرين، بالرغم من اختلاف ذلك مع موقفه، فاتبعت (روعة) خطى أبي حنيفة وعاملت جميع أعضاء الحزب بالاحترام والود والابتعاد عن الهوى، إنهم كلوحة فنية متناسقة رسمها فنان ماهر تغذى من حليب شجرة الإبداع المسقاة من هتان الحب الإنساني .
هناك أشخاص أقوياء يعانون بعض الأحيان من حالة ضعف،لأن القلب يضعف أحيانا عندما يزوره بركان الحب بشكل عام، كانت ترفض (ريم) التطلع صوب أحد غير (شاكر).
ضحت (ريم) بشهرة رئاسة الحزب من أجل من تحب ورحلت إلى نيوزلندا وكل شريان في قلبها يكاد ينفجر إنها ترقص في المساء من شدة الفرح كجمرة فوق جليد القطب الشمالي بجوار قطيع من الدببة، ولكن أضحت بعد فترة وجيزة عجوزاً تنشر أحزانها فوق خيوط عنكبوت في قرية إفريقية لا تعرف من أين أتت فقدت الذاكرة وطريق العودة إلى ما كانت عليه عندما أخرجت زوجها (شاكر) من منطقة الإبداع وزجت به في أتون الصراع بين الخير والشر وجراء ذلك جف جريان النهر الموسيقي في عروقه وأوشك على الوفاة بسبب رصاصة أرادت قتله لأنه أصبح يمثل حزب الحب والحرية في نيوزلندا على الرغم من أنه خارج قائمة المؤسسين للحزب، وهذه ثاني مأساة تقصف قلبها بعد وصولها إلى نيوزلندا، فقد سبق ذلك وفاة أمها وأخيها (ناصر) في حادث سير.
الدكتور (منذر صالح) صديق قديم لـ (عصام) قبل أن يترك الجامعة ويعمل في النشاط التجاري وخاصة تجارة الأسهم التي أطاحت بكل مدخراته وغيبت عقله لفترة طويلة تعافى بعدها ولكن بشكل أقل إمتاعا وحيوية مما كان عليه قبل الأزمة وبمساعدة العقاقير الطبية، إنه والد المحامية ريم رئيسة الحزب، وعلاقته بـ (عصام) أقدم بكثير من معرفة (ريم) بالمجموعة.
كشف الدكتور عصام جميع أوراقه أمام الدكتورة على غير عادته، كان قبل أن يتعرف عليها يحتفظ لنفسه بكل الأمور التي يعجز عن تحقيقها، وحتى مرحلة الانكسار التي يعيشها شرحها بتفاصيلها ولم يبخل بشيء من أسراره على الدكتورة التي عشق حركاتها وسكناتها التي تنفث عبق الحرية.
إن شخصية عصام عبارة عن عدة شخصيات متحدة، يملك شخصية الجاد الحازم والقوي في مواضع عديدة، وفي مواضع أخرى تتراقص كلماته المعطرة بماء الورد في وجوه من حوله ويقترب من الطفل البسيط، لا يشكو من عقد نفسية، إنما يضع نفسه حارساً دواليب الحياة التي تقسو على البعض في أحايين كثيرة، تظهر شخصية الطيب الكريم الذي يسعى إلى توزيع ما يملك على من حوله، فهو عبارة عن مجموعة من الوجوه المختلفة حسب المواقف.
وقع عصام في خانة الذين يرون الحياة بمنظور عاطفي يجعله متأثرا ومستنفرا دائما حول قضية الحرية التي عافها بعض الفلاسفة ومن تبناها بسبب محدودية الحياة المحاصرة بالموت، وفي ضوء تأثره العاطفي أصبح يهرب إلى عالم الابتسامة والمواقف الفكاهية، فعلاقته مع الكوميديا متلازمة كعلاقة الروح بالجسد، فلو اختصر الحالة ونظر للحياة بعقله لاكتشف أن الحياة بطبيعتها كوميديا مجنونة ليست في حاجة إلى الفكاهة بل بحاجة إلى العقل الذي يتحكم بالعاطفة ويحد من قوتها فالعقل البشري ليست محفورة فيه قضية الخير والشر، إنما الأحاسيس هي من تفعل ذلك. فهو أحد المعجبين بالشاب "نزار الحلبي" ويسعد كثيرا إذا كان نزار ضمن جماعة اللقاء الأسبوعي لخفة دمه وامتلاء جعبته بمئات المواقف الكوميدية والنكات فنزار يمتلك وجها طفولياً يحمل كل سمات السماحة والخجل والبراءة، ويمكن أن يصل أحيانا إلى درجة الغباء لأنه يحمل بذور الاندهاش دائما وقد يتماشى ذلك مع المقولة التي تتحدث عن "إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفا جيدا هي قدرته على الدهشة".
قد يكون نزار مشروع فيلسوف لو صحت هذه المقولة، يعمل في مطعم للأكلات الشامية قريب من منزل السيدة سعاد انضم إلى مجموعة النخبة حيث يقوم بإحضار أدوات الشواء إلى المنزل وتقديم الخدمة، فهو عازف متمكن للكمان أصبح يعزف على الكمان إلى جانب عازف الجيتار شاكر والمطرب ناصر.
أما شاكر ابن السيدة سعاد فإنه شخصية ينظر للحياة بمنظور يختلف عن بقية من يحيطون به فهو يعتبر الحياة مجرد سويعات غير قابلة لتضيعها في أمور الحياة القاسية مثل الحسد والأوهام الكبيرة والاحتراق من أجل الآخرين أو الارتماء في أحضان السياسة التي يكرهها كثيراً، فهو بعيد جدا عن منطقة الصراع بين الخير والشر إنما أسكَن نفسه في وسط منطقة الإبداع الموسيقي.
إن الافتتان بالوطن والدين أمران غير موجودين في تفكيره ولا يجيد فن التشكي ويعتبر هذه الصفة سلبية لدى الإنسان ويقع فيها الكثير.عزفه على الجيتار الرائع أمتع من حوله وخلق له الكثير من المعجبين وخاصة مجموعة النخبة التي هي جمهوره الوحيد عدا أكثم الذي تقدم لخطبة ريم ولكنها اعتذرت منه بحجة أن قلبها مسكون من قبل شخص آخر يدعى شاكر.
سأل الدكتور عصام نفسه كيف قضيت تسعة أيام نائما دون أكل أو شرب، وكأنني من أصحاب الكهف؟ أكيد أن الحاءات الأربع هن من أوصلنني إلى هذه الحالة الصعبة،
الحاء الأولى حاء الحب، والحاء الثانية حاء الحرية، فالحب والحرية مفردتان قريبتان من بعضهما، يشتاق إليهما الإنسان العربي، لا يوجد في جمجمتي مفردتان أعظم منهما، فحركاتي وسكناتي في محيطهما دون الوصول إلى عمقهما واقتطاف ثمارهما اللذيذة غير المرئية بالعين المجردة، إنما المحسوسة بالقلب، فولادة الحرية في الوطن العربي أصبحت متعسرة وفي حاجة إلى عملية قيصرية،أنا في الحاء الثالثة حاء الحلم بوجودهما، لكن حاء الحياة الرابعة أصبحت ناقصة تفتقر إلى النضج الاجتماعي والنفسي والتربوي، وأصبح عندي حالة انكسار حادة أدخلتني في بوتقة الهروب والنوم الطويل، وقد حدث ذلك نتيجة لتدهور الصحة النفسية للمواطن العربي بشكل عام حيث غابت الحياة الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية الجيدة وفي ظل الغياب للصحة النفسية فالإحباطات عمت المجتمعات العربية، وأصبحت الهموم مصدر تأثير على مخ الفرد وأصبح عرضة للضغط والسكر ويضطر البعض إلى تناول المخدرات والعلاجات الخاصة بالاكتئاب ومن ثم يعيش الفرد يوما بيوم ويفقد الانتماء للوطن، وتضمحل الثقة بين الناس عدا الذين يملكون درجات عالية من الصمود فهم يخرجون عن ذواتهم ليعيشوا الهم العام وغالبا ما يكونون من النخبة التي تريد أن تفعل شيئا للمجتمع.وتتلذذ بما تقوم به حتى لو صاحب ذلك ألماً قاسياً.
من ينظر إلى هذه المجموعة يجد أن هناك نوعا من الاختلاف البسيط، ولكنه لم يقم على زرع أي نوع من العداء أو الكراهية، بل تقع أخطاء ليست قاتلة أو تصادمية.إنهم نتاج ثقافة واحدة، تأثر البعض بثقافات أخرى نتيجة إيمانهم بتلاقح الأفكار، في السياق العام هناك تقارب في أغلب وجهات النظر.
استطاعت هذه المجموعة أن تقفز فوق مواجعها وتشرب من ماء الحب والرحمة الذي يجعل القلم الإنساني يسطر أروع أبيات الشعر التي تنبع من مفردات استمدتها من ذاكرة أصبح لديها مخزونا في فكر وعاطفة جياشة تحس بوجود البشر وتتألم لكل صغيرة وكبيرة تؤذيهم.
تبدو إلهام الآن صامدة في وجه التقلبات، ثابتة في وسط بؤرة التدفق العاطفي تجاه من حولها ابتداءً من منذر وانتهاءً بابنتها ريم، وحتى مع أسرتها الكبيرة، وكان مرد ذلك أنها مرت في حالة من الإغماء الذي استدعى إجراء كثيرٍ من الفحوصات الطبية، قربها ذلك العارض من قابض الأرواح حسب ما أحست به، فخارت عندها قوى المكابرة والأنانية، وأصبحت أكثر لطفاً وإنسانية ومواظبة على الصلاة
لكن يظل السؤال قائماً، هل ستستمر على هذا النهج الجديد القائم على العطاء؟ أم بمجرد الابتعاد، وتجاوز زمن المسبب، ترجع إلى طبائعها القديمة وتنكفئ على ذاتها.