(4)
قدم عصام نسخة مجانية من روايته روعة لنزار، ليتعرف على تفاصيل الشخصية التي رسمها له بتفاصيل مختلفة.
قرأ الشاب نزار ما كتبه عنه عصام في رواية روعة من أنه يجيد العزف على الكمان وهذه الخاصية غير موجودة عنده، إنه صغير السن و يعمل في مطعم للمشويات الشامية ويخدم عصام بتوصيل طلباته الخاصة بالأكل والمشروبات، أما باقي الصفات فهي موجودة لديه وعلى رأسهن الاندهاش، يستمتع عصام دائما باستفساراته واندهاشاته وخاصة عندما يرافقه في رحلاته الليلية خارج المدينة للتمتع في جو الظلام ومشاهدة النجوم، إن الملامح التي يملكها نزار شبيهة وقريبة من ملامح ابن عصام أنور، الذي رحل مع والدته مبكراً، وهذا السبب الرئيس وراء اهتمام عصام به.
إن الثوب الصعب الذي اقتحم حياة عصام عنوة ليس ككل الثياب، يصعب عليه أن يبيد أو يزول من عقل الإنسان، ولكن تواجده يحتاج إلى نوع من التحرر والإحساس بالجمال والتمكن من إنزال النفس في مكان الدهشة التي تمنح الحد الأدنى من الفهم المطلوب لارتداء هذا الثوب الجميل الذي يؤثر لبسه على الحياة بتفاصيلها.
كان عصام يتابع المشهد الخاص بالثوب الذي وصله هدية من زميله وصديقه في الجامعة منذر وذلك من خلال الرؤيا التي شاهدها، إنه لم يدرك في البداية أن لبس هذا الثوب الواسع ليس كلبس أي ثوب آخر ويحمل الكثير من المفاجأة، وفيما بعد أخذ يتساءل هل سيعيش لياليَ عسيرة كما عاشها الصعيدي الذي غرقت عبارته في عرض البحر الأحمر؟ وفعلاً بدأ يتخيل الصعيدي وهو ملقى على ظهره وعيناه متجهتان نحو السماء تطلب الفرج من الله ولا يوجد في جمجمة العامل البسيط غير الله، إنه يعيش في حالة خطر، يتوقع الموت في كل دقيقة.
بدأ الدكتور عصام يستشعر الخوف من أن يكون لهذا الثوب مضار على جسده وعقله، وقد يكون الثوب مسكوناً بعفاريت من الجن السفلي يصعب إخراجهم فهم ملاصقين لجسده وعقله طيلة عمره، ويصبح مرتعاً خصبا للأمراض النفسية، وحقل تجارب لعلاجات الأطباء النفسيين. تخيل عصام نفسه وهو لابس الثوب الهدية في البحر ووجهه إلى السماء ومستنداً على ظهره ويتأمل الأجرام السماوية، إنه الآن على النقيض من سابقه الذي كان فيه يسرح مع هموم المستضعفين من أبناء جلدته وأبناء الإنسانية عامة.
حاول نزار أن يجد تفسيرا لرؤيا عصام المتعلقة بثوب منذر، إلا أن تفسيراته لم تبتعد كثيراً عن طبيعة عمله، حيث فسر الثوب على أنه (المريلة) التي يلبسها الطاهي أثناء إعداد الطعام، وأنه على تمام الاستعداد أن يهديه واحدة من عنده، ضحك عصام كثيراً على هذا التفسير الظريف.
إن مأدبة فكره التي أفرزت كتبه وأبحاثه الإعلامية ورواياته قد تجمدت بعد دخول الضيف الجديد ثوب الدكتور على خط حياته، وفي الحقيقة يكره عصام الثياب الفضفاضة التي لا يستطيع أن يملأها جسده المتوسط، كما خاف أن يكون هذا الثوب مرضاً يسكن جسده ولن يشفى منه، فسر له أحد المفسرين للأحلام أن الثوب فأل خير قد يكون عبارة عن زوجة قادمة، لكن هذا التفسير لم يرق له لأن حجم الثوب كبير وأنه لن يوافق أبداً على امرأة يكون جسدها بحجم هذا الثوب الذي رآه فيعيش مأساة أخرى، لأنه يعشق جسد المرأة الذي يميل إلى النحافة على أن يكون ضخما.
إن تسجيل الدكتور عصام لتفاصيل حلمه الطويل القديم الذي استغرق تسعة أيام، وأفرغ كل ما في جعبته من إحباط وانكسار في رواية روعة على شكل اجترار لأحداث عاشت في داخله سنوات عديدة ثم أفرغها على الورق وأصبحت روايته منشورة وموزعة في البلاد العربية، وهو الآن ينتظر أن يقرأ عنها شيئاً من كتابات النقاد كي يحس أن عمله قيم واستحق أن يقرأ من قبل ناقد أو مثقف أو حتى قارئ عادي لأنه منطلق من زاوية أوجاع الآخرين ولكن بعد ذلك بدأ وهج الرواية في داخله يضعف شيئا فشيئا بسبب رؤيا ثوب منذر.
مضى على رواية "روعة" التي تم طبعها في بيروت عدة أشهر كان قد أهدى نسخاً منها لزملائه في الكلية وعلى رأسهم صديقه منذر وبعض أصدقائه خارج الحرم الجامعي، يتطاير الفرح من عينيه وهو يوزع رواية الحب والحرية على زملائه وكأن لسان حاله يقول: إني قد أديت جزءاً من رسالة المثقف العربي تجاه مجتمعه في عمل استغرق أكثر من ثلاث سنوات.
كان في عناق حار مع مفردتي الحب والحرية جمد خلال ذلك أنشطته الأخرى، لكن في الحقيقة أن الرواية لم تضف له شيئاً من الناحية الاستشرافية لهذه المعضلة المسماة بفقدان روح الحب واستنشاق عبق الحرية فالناس نيام لم يحن قيامهم وقد يستغرق نومهم عدة عقود يغادر الآخرون كوكب الأرض إلى كواكب أخرى وهم على سجيتهم مواظبون وعن المعرفة هم غافلون.
لم تعاود عصام حالة النوم مرة ثانية على الرغم من أنه كان يتمنى تكرارها ثانية وثالثة كي يستكشف عالم النوم وأحلامه أكثر وأكثر، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، في الحقيقة أن ما شاهده في حلمه الطويل لا يعتبر من الرؤيا التنبؤية بشيء، إنما استذكار لوجوه غابت عنه وأعطاها أدواراً في ذلك الحلم الذي نسجه خياله أو يعتبر صنيعة من صنائع الشيطان وتم إخراجه على الورق برواية في أكثر من مئتي صفحة. وكان تشخيص الطبيب النفسي أن ذلك حالة هروب من ضغوطات كان يواجهها بسبب الإحباطات التي أدت إلى تدهور صحته النفسية، لكنه استطاع أن ينجو من هذه الحالة عدا مرحلة النوم التي اجتاحته ولم تقترب منه ثانية.
أن ثوب صديقه منذر الذي أهداه إياه كبيراً أكبر من حجمه وحجم منذر معا، وألوانه تتكون من الرمادي والأخضر الفاتح، في روايته روعة، لم تكن مفعمة بالرؤى، بل إنها شبه خالية تماماً عدا رؤيا المحامية ريم والتي فسرت نفسها بنفسها ولم تحتاج إلى مهاتفة أو ملاقاة مفسر أحلام .
دخل عصام في عالم التفسيرات لحلم الثوب الكبير الشبيه بثوب أخونا الصعيدي الذي يرفض أن يتنازل عنه، وهذا يبين عمق العلاقة الموجودة بين الثوب وصاحبه، أمّا منذر فقد تنازل عن أحد ثيابه، وسلمه لزميله عصام فهذا يعكس عجز صاحب الثوب عن حمله وحمل ما فيه مما اضطره إلى تسليم الراية لصديقه فهناك سر وراء تنازل منذر عن ثوبه فالأيام القادمة ستكشف السر وتبوح بأشياء كثيرة ولكن لا يمكن محاكمة الأشخاص على ما يفعلونه في الأحلام.
خاف عصام من أن يتنازل منذر في مرة قادمة عن أحد سراويله وهذا المنظر الكوميدي جعل عصام يضحك كثيراً وهو يتخيل صديقه منذر يقوم بالتنازل عن ذلك، فقام عصام مسرعاً بعد هذا التخيل المفاجئ وبدأ يقلب كتاب تفاسير الأحلام الذي أهداه إياه جاره برهان، ليبحث عن كلمة سروال فوجدها تعني "امرأة أعجمية، فمن ملك سراويل جديدة تزوج امرأة أعجمية ومن لبس سروالاً سافر إلى العجم..."، يعتبر برهان من الأشخاص الذين يتابعون الإصدارات الجديدة لكتب تفاسير الأحلام التي تباع ضمن معرض الكتاب الذي يعقد كل عام في العاصمة، وعادة يشتري أكثر من نسخة يهدي واحدة منها لعصام.
في الأوقات التي يتقابل فيها الاثنان برهان وعصام تكون الأحلام في مستهل الحديث، ثم يتفرع الحديث بعد ذلك إلى الشأن العام من خلال متابعة أهم أحداث الساعة، يعمل برهان مديراً لإدارة صحيفة أبو الهول اليومية التي تصدر في القاهرة.
تعرف برهان من خلال عمله على الصحفية النشطة سعاد الصالح، وبعد قصة حب دامت أكثر من عام، توجت قصتهما بزواج ناجح قام على تفاني كل واحد من أجل الآخر.