(3)

7 0 00

(3)

توفيت السيدة صبحية قبل كتابة رواية روعة بعدة أشهر وقبل مشاهدة وحضور الحادث المأسوي الذي انتزع روح زوجة ابنها وابنه، فخلال عامٍ واحدٍ فقد عصام ثلاثة أرواح قريبة من نفسه وكيانه.

مع رحيل صبحية رحل الخوف الذي لازمها طيلة سنينها الماضية، هذا الخوف الذي صاحبها منذ أن كان عصام صغيراً حزم حقائبه ورحل دون رجعة، إن صبحية في نظر عصام تساوي كل متاهات الخوف التي لا يوجد لها بداية أو نهاية، فالسنون الطويلة التي قضاها عصام مع والدته انبتت داخله حشائش خوف لا ترى أول لها ولا آخر، تظهر عندما يحكي بجرأة في السياسة، لم يتبق من أقارب عصام إلا خاله أمين مرسي الذي يستفيد من زراعة أرض عصام العائدة له من أبيه وأمه.

يؤمن عصام بتفرده وتميزه في أدواره ويستشعر الطفل بداخله، الطفل الذي يريد أن يتعرف ويدرك المعطيات الخارجية ويستشعر ملفاته الداخلية، ونتيجة لهذه الظروف القاسية أصبح عصام إما أن ينكفئ مع نفسه أو أن ينغمس في العالم الخارجي، لكن الشعور بالحرية في داخله وهو يعيش ظروفاً خارجية صعبة، يشعر بحواسه أنه حر طليق فكان دائماً ما يقرب من الطفل بداخله فيصبح أكثر إبداعا، ومن هنا كتب روايته "روعة".

يبدو أن العقل الباطني لعصام قد أنجز مهمة رسم الملامح الرئيسة لرواية روعة التي نشأت من تزاوج الخوف مع الطموح، فأضاف عليها شيئاً من إكسسوارات العمل الفني.

"يا إلهي ما هذه الرواية الجميلة " قالتها روعة حماد بعد انتهائها من قراءة رواية روعة أخذت نفسا وأكملت:

إن حركاتي وسكناتي في الرواية رسمت بشكل دقيق جدا، وهذا شيء عظيم لا يمكن أن أتخيله.

وبدأت تلعب في شعرها الطويل من شدة النشوة والتأثر.

أحست وكأنها فوق جواد بدأ يرتفع عن الأرض من شدة السرعة، لم تكفّ روعة عن النظر إلى الرواية وتصفحتها وهي فوق صهوة الجواد وألوان قوس قزح أمامها.

هذه الرواية التي تحمل اسمها والمتضمنة أفكاراً ومطامح مثالية لا تقل عن أفكار المدينة الأفلاطونية. أدخلتها مرحلة جديدة ليست بالهينة فعمرها الحقيقي أقل بثلاثين سنة عن عمرها في الرواية الذي تخيله لها عصام إنها الآن في حالة تقمص لدورها الجديد وقد يحتاج منها الكثير من الجهد كي تقترب من دورها في الرواية، وكحقيقة واضحة لن تستطيع أبدا أن تقطع ربع المسافة التي قطعتها في الرواية لو أفرغت نفسها من كل مشاغلها.

لم يكن هناك شيء أعظم في حياة روعة من هذه الرواية حيث جعلتها تحس بقيمة المبادئ التي تحملها والتي جعلت من حولها يصفق لها على الدور الذي قامت به، اشترت كميات كبيرة من الرواية تجاوزت خمس مائة نسخة، ووزعتها على أصدقائها وأقاربها ، وعلى بعض المكتبات الرسمية.

في نفس اليوم الذي أكملت فيه الدكتورة روعة قراءة الرواية وبينما كان الدكتور عصام يأخذ قيلولته أيقظه جرس الهاتف:

أهلاً دكتور عصام يسعدني كثيراً أن أتصل بك وأشكرك جزيل الشكر على الدور الرائع الذي أوكلته لي في الرواية، إنه دور قيادي وأنا امرأة تعرفني أدور حول الأدب وليس لي شأن في السياسة بل أكرهها كثيرا لأنها تطبق سياسة فن الممكن ، لقد أضفت لي عدداً من الصفات الجميلة، ويعكس هذا حقيقة رقي فكرك واهتمامك بالقيم الإنسانية.

مرحباً دكتورة روعة، اعذريني إذا كنت قد سببت لك إزعاجا في الرواية، لا أريد أن أنتقص من حقك عندما رسمتك على شكل امرأةٍ شجاعة، فقد كنت أؤمن بأن لا شيء يمنح الشجاعة لدى الخائف مثلي غير إدراك خوف الآخرين وخاصة في المسائل السياسية.

سلمت أناملك التي جعلتني في أسمى درجات الحب والحرية وذلك من خلال عشقك الأبدي لهما.

- مرحلة وعدت.

- كيف؟

- حسنا قد يكون من الأجدى لي لو صرفت الجهد لشيء آخر

- مثل ماذا؟

- مثل القراءة الحرة في حقل المعرفة، إنه حقل ممتع ويستحق منا أن نتعرف عليه فهو يفوق حقول القمح قيمة وإبداعا وراحة نفسية.

- وتتنازل عن كل حبة خردل تشكلت منها نفسك المغموسة بعبق الحرية.

لقد كانت الدكتورة روعة تعرف الخلفية الكاملة وراء كتابة الرواية وأن الصحة النفسية للدكتور عصام هي التي جعلته يقع في حلمه الطويل الذي وصل إلى تسعة أيام متواصلة، وكتب ذلك في الفصل الأخير من الرواية، إنها لا تخلد إلى النوم قبل أن تتأمل غلاف الرواية واسم عصام على الغلاف حيث وضعتها أمامها في غرفة نومها.

حلت بالدكتورة أول إشكالية واجهتها خارج القصة السردية التي سرى بها عصام ليلا فوق أجنحة الخفافيش الليلية طيلة الأيام التسعة، والحقيقة أن الدكتورة انفصلت عن زوجها "زكي قابيل" بعد زواج دام سنتين في الولايات المتحدة، فقد كانت تحضر الماجستير في الأدب السياسي، وكان الطالب زكي أيضاً معها في نفس المستوى، وتم التعارف بينهما ومن ثم الزواج، لكن حدث شيئٌ أدى إلى انفصالهما بعد أن تعرف زكي على طالبة أمريكية تدرس في نفس الجامعة تخصص قانون في درجة الماجستير ولم تكن ذات مال أو جمال، لكن زكي رسم خطة التعرف والزواج من أجل أن يحصل على "القرين كارد" ثم على الجنسية الأمريكية وحصل على ما أراد.

في الغربة أحداث كثيرة يشيب لها الجبين تبين أصالة أو ضعف معدن الشخص هناك، تكون المادة وراء أغلب التغيرات التي حصلت للبعض وأحداث أخرى تكون النزعة العرقية سبباً آخر، وسرعة الانفتاح وتذوق الحرية سبباً مضافاً إلى الأسباب السابقة الذكر.

هنا تذكر عصام الأسرة الفلسطينية التي نزل عليها سوطٌ من العذاب، بسبب إقدام الأب والأم على قتل ابنتهم التي عشقت وأحبت شاباً أسود يعمل في مطعم يرون أن لا مستقبل له، نصحوها كثيراً بأن تبتعد عن ما أقدمت عليه، وأن لا ترتبط به زوجاً، ولكن دون فائدة، نفذ الحكم وماتت الابنة، دون أن يعلم أحد في البداية، ولكن الشيء الذي لا يخطر في الحسبان أن المباحث الأمريكية توصلت إلى القاتلين بطريقة سهلة ومؤكدة، ولا يوجد حولها نقاش، فقد كان منـزل الأسرة الفلسطينية يخضع للمراقبة، ومزروع فيه أجهزة تصنت، زار عصام عندما كان في أيام دراسته بعض المساجين العرب الذين يمضون فترات طويلة في السجن ويعتبر ذلك نوعاً من التعاطف والمواساة لهم، ولكن هذا حدث قبل ظهور ظاهرة الإرهاب بثلاثين عاماً تقريباً التي تجعل الفرد يخاف من أي ارتباط من قريب أو بعيد بمن نسبت لهم هذه التهمة أو الفعلة.

مرت الأيام وحصلت روعة على شهادة الدكتوراه في الأدب السياسي، ثم عادت إلى أرض الوطن، وأصبحت عضوا في هيئة التدريس في جامعة القاهرة، كان الدكتور عصام على دراية كاملة بقصة انفصالها عن زوجها زكي وقد أحس بألم ما حصل لها في ديار الغربة من شخص انتهازي فضل الحصول على كرت أخضر يفتح له باب الإقامة الطويلة في الولايات المتحدة، لأنها شرحت ذلك خلال سفرة لهما خارج أرض الوطن لحضور أحد المهرجانات الثقافية، كما كان من نصيبهما حضور مهرجان "أربد" في الأردن، ولم تكن الدكتورة قادرة على التوقف عن التفكير بعصام، أما هو فقد اكتفى بما كتبه عنها في الرواية.

إن الصفات التي تتمتع بها روعة الحقيقية وليست روعة النخبة بطلة الرواية، بعيدة تمام البعد عن طبيعة وشخصية عصام.فروعة الحقيقية تملك درجة عالية من البرودة حيال القضايا المحلية والمصيرية، فأعصابها لم تستنفر أبدا أمام القضايا العامة، تعيش ليومها وتتمتع بما تملك من مال، وتصرف على أشيائها الجميلة من أدوات "الماكياج"، والملابس والساعات الجميلة الثمينة، وتهتم أيضاً بالأكلات المتنوعة العالمية، لم تكتمل حياتها العاطفية حتى الآن، أو بالأصح لم تستمر حياتها الزوجية، ولا يوجد لديها أي تصور أو توقع لما ستؤول إليه حياتها في المستقبل، خططها ومشاريعها العاطفية لا تتعدى المسافة المحيطة بأنفها، إذن هي خالية من أي نسبة حتى لو كانت قليلة من الوهم، الوهم الذي قلب حياة عصام رأساً على عقب.

يعيش عصام فترة هدوء غير مسبوقة كأنها فترة استعداد لعمل شيء ما، وفي الحقيقة فهو في حالة صفاء ذهني، ولكن لا يستطع الإنسان ضمان استقراره العقلي أو العاطفي في هذه الحياة غير المستقرة أصلا، وهذا هو مربط الإنسان، ولكن ما السبب الذي جعل الدكتور عصام يختار الدكتورة روعة كبطلة لروايته؟ مع أنها لا تملك من الصفات التي أضافها عليها شيئاً، يبدو أن الحلم الطويل هو الذي صمم أجنحة الرواية وطارت دون إذن إلى أيدي القراء، هل يملك عصام حباً دفيناً في قلبه تجاه روعة؟ الأحداث القادمة تبين أن هناك شيئاً من ذلك.