مقدمة

6 0 00

الطريق إلى زمش

بقلم محمود السعدني

صفحة ( 5 )

( الفصل الأول )

وهكذا بدأت رحله الضنى والعذاب .. وأصل الحكاية ان العبد لله كان فى دمشق فى شتاء عام 1957 ، وكانت دمشق وقتئذ واحة الديمقراطية والحرية وحلبة الآراء المتصارعة فى العالم العربى ، كان فيها الحزب الشيوعى السورى برئاسة بكداش .. هو الحزب الشيوعى العربى الوحيد المعترف به فى الكرملين .

الطريق إلى ( زمش ) !

صفحة ( 6 )

صفحه خالية

صفحة ( 7 )

كانت له جريدة يومية منتشرة هى جريدة النور ، وكان هناك حزب البعث القديم بقيادته الثلاثية عفلق ، البيطار ، الحورانى ، وكان هناك الحزب الوطنى بقيادة صبرى العسلى ، وكان هناك حزب الشعب بقيادة على بوظو ، وكان إلى جانب هؤلاء يوجد الناصريون واليمينيون والذين مثل طنجة على الحياد ، كانت الصحف السورية بعدد شعر الرأس وكل منها يعبر عن اتجاهه .

وفى الحكم كان هناك الجيش السورى بفرقه المختلفة ، فرقة حزب البعث بقيادة مصطفى حمدون ، والناصريون بقيادة عبد الحميد السراج ، وكانت هناك فرق أخرى مجهولة الهوية أحيانا ومريبة الهوية أحيانا ، ثم بعد هذا وقبل هذا كان يوجد الشيوعيون بقيادة عفيف البرزى رئيس الأركان ، واستهوتنى الحياة فى سوريا وامتدت اقامتى من نوفمبر 57 إلى فبراير 58 ، وخرجت منها بصديق هو أكرم الحورانى رئيس المجلس النيابى ، وعبد الغنى قنوت أحد زعماء الفرق السياسية فى الجيش ، وأحمد جنيدى وكاظم زيتونة من زعماء القبائل العسكرية السورية ، وقدر للعبد لله أن يشهد الاجتماع التاريخى الذى تم بين بكداش وأكرم الحورانى فى مكتب الأخير فى المجلس النيابى ، جاء خالد بكداش يعلن لرئيس المجلس النيابى احتجاجه على عملية الوحدة بين مصر

صفحه (8)

وسوريا واشترط بكداش للموافقة على الوحدة السماح بقيام أحزاب فى القطرين وخصوصا الحزب الشيوعى ، واجراء انتخابات حرة مباشرة لانتخابات الحكومة فى القطرين ، وقال بكداش لرئيس المجلس النيابى ، إذا تمت الوحدة بالشكل الذى تريدونه فإن الشيوعيين سيقاتلون فى المستقبل ولكن ليس على طريقة القومية العربية .

وقال أكرم الحورانى لبكداش : الليلة هى الجلسة التاريخية للمجلس النيابى وتستطيع أن تقول رأيك كما تشاء ، وسننصت لك وسنعطيك الوقت اللازم لعرض آرائك ، وسنعرض الأمر فى النهاية على ممثلى الأمة وما تقرره الأغلبية سيلتزم به الجميع .

وقال خالد بكداش وهو يغادر المكتب : إذن إلى اللقاء فى المجلس النيابى ، وخرج من مكتب أكرم الحورانى إلى المطار واستقل الطائرة وسافر بها إلى موسكو ، وانعقد المجلس النيابى فى المساء ولم يحضره خالد بكداش ، ووافق المجلس بالاجماع على قيام الوحدة بين مصر وسوريا وانفجرت سورية من أقصاها إلى أقصاها ونام الشعب السورى فى الشوارع ورقص الجميع الدبكة ، وانطلقت الصواريخ فى السماء وتعطلت جميع المصالح والمؤسسات لمدة اسبوع ، وعاشت سوريا كلها فى عيدها الأكبر .

فى تلك الأثناء كان زعماء الحزب الشيوعى العراقى يعيشون فى دمشق هربا من جحيم نورى السعيد ، وقدر للعبد لله أن يجتمع بهم عدة مرات مع سياسى مصرى توفاه الله هو المرحوم الدكتور فؤاد جلال وكان رجلا من أخيار ، وكان أول وزير للارشاد لحكومة الثورة ، ثم صار وكيلا لمجلس النواب ، ثم رئيسا لمؤتمر الخريجين العرب ، وهو الذى جمع صفوة شباب الأمة العربية ، وقد حاول المهرجون تقليده ولكنهم لم يفلحوا حتى الآن ولكن لأن الشيوعيين العرب كانت لديهم هواية التحليل ، فقد حللوا مسأله العبد لله ، خرجوا بنتيجة تقول : إننى من كبار المسئولين فى

صفحه ( 9 )

مصر والدليل على ذلك اننى حضرت اجتماعاتهم مع فؤاد جلال ، بل وذهب بعضهم إلى حد انهم تصوروا اننى مسئول عن فؤاد جلال ورقيب عليه ، لأننى التزمت الصمت خلال الاجتماعات التى حضرتها .

وبعد فرار خالد بكداش إلى موسكو فوجئت بالأستاذ عامر عبد الله والأستاذ عزيز شريف والدكتور صفاء وهم من قادة الشيوعيين العراقيين المقيمين فى دمشق يتصلون بالعبد لله ويدعوننى إلى سهرة سياسية فى منزل أحدهم ، ولأن العبد لله هلهلى وعلى بركة الكريم فقد تصورت انها دعوة للسهر والسمر فلبيت الدعوة وبالفعل قضيت سهرة ممتعة فى حى أبو رمانة تبادلنا فيها أنخاب الشراب وتناولنا فيها شرائح اللحم المشوى على الفحم ، إلى جانب الكبة النية والنقانق وبلح الشام ، وفى نهاية السهرة قال لى عزيز شريف : نريد منك طلبا ونرجو أن نجد استجابة لديك ، وتصورت انهم يريدون اقتراض بعض النقود ، أو شيئا اشتريه لهم من القاهرة ، فقلت سأفعل على قدر ما أستطيع ولكنى فوجئت به يخرج مظروفا كبيرا وقال لى فى هذا المظروف رسالة ونريد توصليها إلى الرئيس عبد الناصر ، وفى براءه منقطعة النظير قلت لعزيز شريف : اذن سأسلمها فى الصباح للسفير محمود رياض ، ورد عامر عبد الله : نحن نعرف محمود رياض ونتصل به دائما ولو أردنا توصيلها عن طريقه لفعلنا ، ولكن اخترناك أنت بالذات لأننا ندرك ونعلم أنك تستطيع أن تفعل ذلك فلا تقع الرسالة فى يد انسان آخر ، لأن الهدف هو أن يسمع عبد الناصر صوتنا وأن تصل الرسالة إليه .

وببراءة أشد قلت : ولكنى لا أعرف عبد الناصر ولم أقابله من قبل ، وارتسمت ابتسامة على شفاه الجميع ، لقد تصوروا اننى باعتبارى من كبار المسئولين لا ينبغى لمثلى أن يكشف سره ! واننى رجل حويط أخفى عن نفسى صفتى وأخفى مقامى السامى ومنصبى الرفيع ولما ابتسموا عملت بنصيحة عمنا المتنبى فابتسمت أنا الآخر .

صفحه ( 10 )

فلما صار ود الناس خبا جزيت على ابتسام بابتسام وانتهت السهرة على خير ما يرام وذهبت إلى الفندق وقد نسيت الأمر كله ، ولكن الرسالة لا تزال فى جيبى ومرت ثلاثة أيام وإذا بالعبد لله يتلقى برقية من جريدة الجمهورية تدعونى للعودة بسرعة إلى القاهرة ، وتصورت أن هذه البرقية نتيجة منافسة بين بعض الزملاء فى الجريدة وان البعض يريد ايفاد أحد غيرى لينقل للجريدة أخبار دمشق ، ولذلك قرأت البرقية وصهينت ، ولكنى تلقيت برقية بعدها بيومين تدعونى للعودة ثانيا ، وبعد فترة أصبحت عادة أن أستيقظ كل يوم من النوم فأتلقى مع الافطار برقية من القاهرة تدعونى إلى العودة .

وفجأة وصل إلى دمشق وفد مصرى برئاسة الأستاذ أحمد سعيد المذيع الذى كان اسمه يدوى كالبطل فى أنحاء الأمة العربية وقتئذ ، وقلت لأحمد سعيد : اننى تلقيت عدة برقيات من القاهرة تدعونى للعودة وسألته المشورة ، فنصحنى بالعودة على الفور وقال : لابد أن فى الأمر شيئا ، وبعد اسبوعين من تسلمى رسالة الحزب الشيوعى العراقى وصلت إلى القاهرة ، وكان أول من التقيت به هو السيد أنور السادات رئيس تحرير الجمهورية وقتئذ وهو المسئول الوحيد من رجال الثورة الذى أعرفه ، كما أنه رئيسى المباشر ، وأخبرته بالرسالة التى فى جيبى ، وسلمته الرسالة وعندما وجدها مغلقة لم يحاول فتحها ، ولكنه اتصل تليفونيا بجهة مجهولة وطلب منها ايفاد مندوب لتسلم الرسالة التى جاء بها السعدنى من دمشق ، وبعد دقائق قليلة حضر رجل دخل الغرفة وسلم على رئيس التحرير وصافح العبد لله أيضا ثم تسلم الرسالة ومضى .

وجلست مع الرئيس أنور السادات يرحمه الله أحكى له عما شاهدته فى دمشق وعن آخر التطورات هناك ، ثم قال لى وأنا أغادر مكتبه : يلا بقى روح استلم شغلك وعاوزك تشد حيلك ، وقضيت شهر أبريل كله أشد حيلى ، وعهد إلى المرحوم كامل الشناوى بمهام جديدة فى الجريدة وأضاف

صفحه ( 11 )

إلى العبد لله أعباء أخرى ولكنى كنت حريصا على تنفيذ نصيحة رئيس التحرير وشمرت عن ساعدى وهات ياشغل كما الحمار الحصاوى ، ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان ، وكما تصور الشيوعيون العراقيون الذين يقيمون فى دمشق اننى من كبار المسئولين فى مصر ، تصورت الأجهزة فى مصر اننى من كبار الشيوعيين فى العالم العربى ، وإلا فلماذا اختارنى الجزب الشيوعى العراقى دون بقية خلق الله لكى أحمل الرسالة وأذهب بها إلى الرئيس عبد الناصر ، لابد أننى جهة أمينة وموثوق بها وعلى علاقة ود بكل الأحزاب الشيوعية فى العالم العربى ، ولابد أننى حريص وحويط وجن أزرق مفلفل لدرجة أن جميع الأجهزة المصرية لم تشعر بتحركاتى ولم تكتشف الدور الذى كنت أؤديه على مدى سنوات طويلة ، قدروها بعشر سنوات على أقل تقدير !

وفى أول شهر مايو ذهبت إلى خزينة جريدة الجمهورية لتسلم المرتب ، ولكن مسئول الخزينة الطيب انتحى بى جانبا وراح يعتذر للعبد لله عما حدث ، ولم أكن قد فهمت بعد ما هو الذى حدث ، ثم قدم لى ورقة لكى أوقع عليها ، ثم قدم لى خطابا فإذا به خطاب فصل من الجريدة .

ياقوة الله ، فى المواقف الصعبة من حياتى تنتابنى حالة غباء منقطعة النظير ، تصورت أن أعدائى فى الجريدة قد تمكنوا منى أخيرا ، وسرحت بعيدا استعرض الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا قد اشتركوا فى هذه المؤامرة لفصل العبد لله ، ولكننى اكتشفت أن آخرين محررين مثلى فى الجريدة يوقعون على نفس الورقة ويتسلمون نفس الخطاب ، وكان بعضهم فنانين شبانا كألفريد فرج ، فسألت رئيس الخزينة ، هل هناك كثيرون ، قال حوالى 60 شخصا ، وسألت على الفور ، هل منهم عبد الرحمن الخميسى ، فأجاب بالايجاب ، فضحكت ، ضحكة صافية وعميقة انتزعتها من أعماقى ، وأمسكت بسماعة التليفون واتصلت بالخميسى فى المنزل وبعد

صفحة ( 12 )

السلام والذى منه ، سألنى الخميسى أنت بتتكلم منين ؟ وأجبته من الخزينة فى الجمهورية ، فقال على الفور فى فلوس ، فلما أجبته بالايجاب قال طيب يابنى ماتمشيش من عندك أنا جايلك على طول ، قلتله أنا مستنيك بس فى حاجة عاوز أقولها لك ، قال ايه ، قلتله أنا فصلونى النهاردة ، قال بدهشة شديدة مين الحمار اللى فصلك ده ؟ قلتله مش عارف ، قال خليك ماتمشيش وانت مش ممكن تتفصل ، وان فصلوك أنا هكون معاك ولازم ترجع الليلادى ، استنانى يا ابنى .

عندما أقتحم الخميسى غرفة رئيس الخزينة كنت جالسا أرتشف ما تبقى من كوب الشاى وصرخ الخميسى فى وجه رئيس الخزينة ، الخبر ده صحيح إزاى ترفدوا الصحفى الوحيد فى الجريدة ، وقال الرجل معتذرا أنت عارف احنا ملناش لا فى الطور ولا فى الطحين ، وأنا بعتذر لك انت كمان يا أستاذ عبد الرحمن ولو تكرمت وقع على الورقه دى ، ووقع الخميسى بسرعة على الورقة ثم ناوله المظروف إياه ، فتح الخميسى المظروف وقرأ قرار فصله ، وهاج الخميسى وثار ثورة عارمة وسحبنى من يدى وراح ينزل درجات السلم بسرعة وهو يردد بصوت عال . رضينا بالهم والهم مش راضى بينا ، ناس معندهاش دم ولا أدب ، ترفدوا ناس من جواهر المجتمع المصرى ، ثم قال وبيرم التونسى كمان ده معقول ! ؟ الناس دى اتجننت ، الناس دى اتجننت ، ثم خرج إلى الشارع واستوقف تاكسيا ودعانى إلى الركوب فركبت ، وقال للسائق : اطلع بينا على ميدان التحرير ، وتصورت انه ذاهب إلى جريدة الشعب حيث كانت فى طريقها إلى الصدور وكان يقع مبناها فى شارع قصرالعينى ، ولكن الخميسى صرخ فى السائق ونحن فى ميدان التحرير ، اكسر يمين على كوبرى قصر النيل ، وقلت للخميسى انت رايح على فين ، قال أنا رايح للشعب ، قلتله الشعب كده فى شارع قصر العينى ، سألنى ايه ده ، قلتله الشعب الجريدة ، فصرخ فى وجهى جريدة ايه ومصيبة ايه أنا رايح للشعب المصرى ، قلتله

صفحه ( 13 )

لا .. نزلنى هنا وروح انت لوحدك للشعب المصرى ، أنا رايح الشعب الجريدة .

حاول الخميسى أن يمسك بى ولكنى قفزت من التاكسى وركبت سيارة أجرة إلى منزلى ، وجلست فى المنزل أفكر فى النهاية التى انتهيت إليها بعد عمل مخلص دائب لمدة خمس سنوات فى جريدة الجمهورية ، توليت فيها أمر القسم الداخلى فترة ، والشئون العربية فترة ، والمحرر المقيم فى دمشق فترة ، ورحت أفكر فى الأسباب التى أدت إلى فصلى بلا مقدمات وبلا سبب ، وخطر على نفسى ألف سبب وسبب إلا السبب الحقيقى ، وهو الخطاب الذى حملته معى من دمشق للرئيس جمال عبد الناصر ، ولم أكتشف هذه المسألة إلا بعد ذلك بزمن طويل ، ولو أنهم سألونى أو استفسروا منى لأراحوا أنفسهم وأراحونى من مشاكل كثيرة ومصائب ليس لها مثيل .

وبعد شهر من فصلى اتصل بى الأستاذ كامل الشناوى وطلب منى الذهاب إلى الأستاذ احسان عبد القدوس فى روز اليوسف لأنه ينتظرنى هناك لأمر هام ، فذهبت وقابلت الأستاذ احسان وعرض علي العمل كسكرتير تحرير لروز اليوسف ، ووافقت على الفور ، ولم أناقش معه أى تفاصيل أخرى ، اعتبرت العمل فى روز اليوسف كسكرتير تحرير لها هو رد اعتبار للعبد لله بعد الاهانه التى الى ألحقتها بى جريدة الجمهورية ، وتصورت أن الحياة صفت للعبد لله ، ولم أكن أدرك أن المصائب الحقيقية لم تبدأ بعد ، وهى مصائب ونوائب وكوارث كسرت ظهرى ولونت حياتى بعد ذلك بلون الهباب !

صفحة ( 14 )

صفحه خالية

صفحة 15

الفصل الثانى

كان العمل ممتعا فى روز اليوسف , فقد كان يعمل بالمجلة شلة من الفنانين الكبار , كل منهم مدرسة فى حد ذاته , حسن فؤاد وجمال كامل ورجائى ونيس وصلاح جاهين وبهجت بتاع الفراخ وايهاب وجورج البهجورى .

سجن المماليك !

صفحة 16 خالية

صفحة 17

وكان يشرف على توضيب المجلة عبد الغنى أبو العينين . وكان يعمل بها أثنين من الشعراء البارزين .. صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى , وكان أحمد بهاء الدين يرأس تحرير صباح الخير وفتحى غانم يشرف على تحرير روز اليوسف , وكان احسان عبد القدوس يتولى الاشراف على المجلتين , وتوجيه المسئولين عن التحرير , وأشهد انه كان أستاذا بحق , واستفاد العبد لله من خبرة احسان عبد القدوس , وكان يعمل بالمجلة عدد من الشباب بدأوا من فترة قصيرة خطواتهم الأولى على بلاط صاحبة الجلالة , كان هناك نبيل أباظة , ومحمد تبارك , وكان هناك ممدوح الليثى أحد المسئولين عن التليفزيون المصرى فى الوقت الحاضر , وكان مهمتى هى مراجعة موضوعات المحررين وحذف ما ينبغى حذفه , وإضافة ما ينبغى إضافته , والسماح بنشر ما يليق وحجب ما دون المستوى , كان عبد الستار الطويلة يكتب تحقيقات صحفية جديدة , ولكنه فى كل تحقيق كان يشطح شطحة نضالية خنشفارية عن الشواشى العليا للبرجوازية , والكمبرادوية المتعاونة مع الاستعمار الذى هو أرقى مراحل الرأسمالية , وكنت أسمح بنشر موضوعات عبد الستار على الفور بعد حذف هذه الشطحات التى ليس لها محل من الاعراب على رأى عمنا أبن منظور المصرى عليه رحمة الله .

وذات صباح والحملة على أشدها بين عبد الناصر وبين عبد الكريم قاسم ,

صفحة 18

واذاعة مصر تشن حملة لا نظير لها على قاسم العراق , ومظاهرات الشيوعين فى بغداد تشعل النار فى تماثيل صغيرة لعبد الناصر وتطلق عليه ناصر الرجعيه والاستعمار , فى هذا الجو المجنون دخل مكتبى عبد الستار الطويلة وكانت أول مره أراه شخصيا , وبعد أن مد يده وصافحنى , قدم نفسه قائلا : عبد الستار الطويلة .. شيوعى ! واندهشت جدا أن يعلن أحدهم بدون مناسبة انه شيوعى فى هذا الجو المشحون بالكراهية والعداء , فصافحت عبد الستار وقلت له . محمود السعدنى مخابرات أمريكية . وبهدوء شديد يصل إلى حد البرود قال عبد الستار الطويلة : احنا معلوماتنا أنك مخابرات انجليزية . فقلت له : الانجليز افتقروا عشان كدة غيرت

ثم جلس عبد الستار الطويلة وراح يمتدح سلوكى فى سكرتارية التحرير

لأننى لا أعطل نشر مقالات أحد بسبب خلافات سياسة أو مذهبية , وقال إن هذا السلوك من جانبك يجعلك عدوا سياسيا شريفا . كان يبدو من لهجته وهيئته انه ريفى وانه ساذج على نحو ما . وان تجربته كلها تنحصر فى العمل السرى فى التنظيمات الشيوعية التى أشترك فيها منذ كان صبيا فى الخامسة عشرة , وسألته عن الأحوال فقال ببساطة : الجو كما ترى ليس على ما يرام , والحملة ضد الشيوعين على أشدها , وبعد أيام سأكون نزيل المعتقل , وكل ما أرجوه منك هو أن تعمل بشدة من أجل ان تستمر الجريدة فى صرف مرتباتنا , وأن تقف مع قضية الديمقراطية بكل قوة . وقلت للطويلة : ما عليك اذهب الى السجن ومن الأفضل أن تقيم هناك أطول مدة ممكنة , وسأقاتل من أجلك بأشد ما تشتهى . وضحك عبد الستار وغادر مكتبى .

وفى ليلة رأس السنة لعام 1959 , شنت الأمن حملة اعتقالات واسعة ضد الشيوعين المصريين , واعتقلت عشرات من المثقفين اللامعين , وبعض القيادات العمالية , ولكن عبد الستار الطويلة ظل حرا طليقا يأكل ويشرب ويمشى بين الناس فى الأسواق , ولذلك أصبح عبد الستار موضع سخرية المحررين فى روز اليوسف , ولكنه كان يعدهم

صفحة 19

خيرا بأنه سيحل ضيفا على المعتقل فى القريب العاجل , ولم تحل نهاية شهر مارس حتى كانت الحملة قد بلغت أوجها بين حكومة مصر وحكومة العراق , وأشترك فى الحملة طبعا خالد بكداش إلى جانب الحزب الشيوعى العراقى .

ولما كان الشيوعين العراقيون محدثى سلطة , فقد تدنوا فى الخلاف إلى أحقر مستوى , ولم يتركوا نقيصة إلا وألصقوها بعبد الناصر . ولم تقصر أجهزة الاعلام المصرية أيضا فنسبت إلى الشيوعيين ما ليس فيهم . وأتهمتهم بالانحلال واحتقار القيم وعدم الشرف والعمل لحساب من يدفع أكثر .

كان يوم 27 مارس 1959 هو اليوم العاشر على ما أعتقد فى شهر رمضان المبارك .. فى هذا اليوم دخل مكتبى عبد الستار الطويلة , وأبلغنى أن مسألة أعتقاله هى مسألة ساعات , وانه غالبا سيكون الليلة مع الرفاق الذين سبقوه إلى المعتقل , وأوصانى مرة أخرى بأهل بيته وبحقوقه لدى الجريدة , ومرة أخرى وعدته خيرا بشرط أن يذهب إلى المعتقل هذه المرة ولا يخلف وعده كما حدث منه فى المرة السابقة . وبعد انتهاء العمل فى المساء غادرت مكتبى فى شارع محمد سعيد خلف مجلس الوزراء وذهبت إلى منزلى , ولم يكن عندى من الاطفال إلا (( هالة )) وكان عمرها عاما وبضعة شهور , وزوجتى حامل فى شهرها الثانى .

وبعد السهرة قمنا لتناول طعام السحور , ولكن جرس الباب دق عدة مرات متواصلة فقمت أفتح الباب , وفوجئت الطارق أفندى فى الثلاثينيات من عمره ومعه شخصان , وقال الرجل بأدب شديد : لدينا أذن بتفتيش الشقة . وسألته عن السبب .. فأجاب للبحث عن منشورات , ولما لم يكن لدى أى منشورات من أى نوع فقد رحبت بهم ودعوتهم لدخول الشقة , ويبدو أنهم أصيبوا بخيبة أمل لعدم العثور على منشورات فأستولوا على بعض الكتب من بينها كتب أدبية وكتب ثقافية وكتب سياسية ووقفوا طويلا أمام أحدها كان يحمل غلاف شعار الشيوعية العالمية (( المطرقة والسندان )) وهو كتاب أثرت الحرية – لكرفيشينكو ,

صفحة 20

وهو - فيما يبدو من اسمه – مواطن سوفيتى كان يعمل عميلا للمخابرات المركزية الامريكية , وتصورت أن الامر انتهى عند هذا الحد , ولكن الضابط طوسون طلب منى - فيما يشبه الرجاء – أن أصحبهم إلى مباحث الجيزة مؤكدا للعبد لله أن الامر لن يستغرق إلا دقائق . وأرتديت ملابسى على عجل وأكتشفت ان الضابط تنتظره أسفل البيت سيارة شرطة وسيارة نقل بها عدد كبير من الجنود والمخبرين . وأصابتنى الدهشة لهذا العدد الوفير من رجال الحكومة , واستبعدت أن يكون الهدف هو القبض على العبد لله . لأن فردا واحدا يكفى لهذه المهمة . وركبت السيارة البوكس إلى جانب الضابط وأنطلق الموكب بنا إلى بيت فى الدقى . وصعد الضابط بصحبة اثنين من المخبرين وغابوا فترة وعندما نزلوا كانوا قد أصبحوا أربعة . وأركبوا الزائر الجديد فى العربة اللورى ولم أتبين شخصيته إلا بعد أن وصلنا إلى إدارة المباحث بالجيزة التى كان يتولى رئاستها المرحوم حسن طلعت الذى صار مديرا عاما للمباحث فى مصر فيما بعد .

أكتشفت ان زميل الرحله هو الكاتب الكبير المرحوم أحمد رشدى صالح أحد العلامات الثقافية المضيئة فى تاريخ مصر , أكتشفت أيضا أن معه شنطة بها ملابس و(( عدة )) حلاقة وفوطة وشبشب وكأنه قرر أن يمكث فى المباحث عدة أيام , وسألته عن سبب أصطحابه للشنطة ونحن لن نمكث فى المباحث أكثر من خمس دقائق . فرد على رشدى صالح بسخرية شديدة : أنت صدقتهم ؟ وهتفت صارخا : يا خبر اسود أمال هانقعد كتير ؟ وأجاب رشدى صالح : ربك وحده هو الذى يعلم . وحبسونا فى الحجرة مع غيرنا من المعتقلين لم أتعرف على أحد منهم إلا رشدى صالح . كان مع بعضهم منشورات ومع بعضهم أجهزة ألات كاتبة , وكان بعضهم يرتدى ملابسه وبعضهم بالفانلة واللباس , وبعضهم هيئته طبيعية و البعض الأخر مضروب ضرب غرائب الابل .

وفى التتاسعة صباحا سمحوا لصلاح السعدنى شقيقى بدخول الغرفة التى يوجد بها جميع المعتقلين . كان فى السنة الاولى بمدرسة السعيدية الثانوية , وبكى عندما رأنى فنهرته بشدة وأفهمته أننا فى رحلة لمدة

صفحة 21

أسبوع نععود بعدها إلى المنزل , وهدأ صلاح وجلس بعض الوقت يتحدث مع أحمد رشدى صالح وخرج مطمئنا عندما اكتشف ان شقيقه ليس وحده فى هذه الرحلة ولكن هناك عشرات أخرين .

وعند الظهر تماما حملونا فى سيارت نقل ضخمة والحديد فى أيدينا , ولحسن الحظ جاءت قرعتى فى حديدة واحدة مع أحمد رشدى صالح . وتوقفت بنا السيارة أمام سجن القلعة , وهو سجن قديم بناه المماليك ليسجنوا داخلة العصاة من المماليك , الذين يخرجون عن طاعة السلطان , والذين يدخلون ضده معركة , فإذا نجحوا فى خلعه جلسوا مكانه , وأذا فشلوا أقاموا فى سجن القلعة !

نزلنا من السيارات وطلبوا مننا أن نجلس القرفصاء على الأرض , وقلت لرشدى صالح : الأن أدركت سر تمثال الكاتب الجالس القرفصاء عند قدماء المصريين , يبدو أنه كان هو الأخر من نزلاء سجن القلعة . وضحك أحمد رشدى صالح بفتور وقال للعبد لله : هو ده وقته !

لم تكن مباحث الجيزة فقط التى تقوم بترحيل المعتقلين إلى سجن القلعة , ولكن كانت كل مباحث جمهورية مصر تقوم بنفس العمل وفى نفس الوقت . كنت أنا ورشدى صالح فى منتصف الطابور وكان الطابور يمتد أمامنا أكثر من خمسين مترا , ويمتد خلفنا أكثر من خمسين مترا , وكان كل صف يتكون من أربعة معتقلين .

وبدأ الطابور يزحف ببطء إلى داخل السجن , فقد كانوا يأخذونا فردا بعد أخر , وعندما تصاعد أذان العصر من فوق مئذنة جامع محمد على , كان الصف الذى ننتظر فيه قد اقترب من باب القلعة , وبدأت أتبين عددا من الأشخاص الذين كانوا فى الصفوف الأمامية لحظة دخولهم من باب السجن .

كان هناك الدكتور لويس عوض , والاستاذ لطفى الخولى والصحفى فتحى خليل والفنان زهدى , ولكن الذى جعل قلبى ينقبض بشدة هو وقوع بصرى على شخص لم أتوقع وجوده فى هذا المكان على الأطلاق .

ولمحت الفنان جمال كامل وهو يدخل من الباب إلى السجن وهو فى حالة أقرب إلى الذهول . وكان من حقه أن يصاب بالذهول لأنه كان فنانا

صفحة 22

فحسب , ربما كانت له أفكار تقدمية شأنه شأن كل شباب الجيل , ولكن جمال كامل لم يكن من النوع الذى ينتمى لتنظيم أو يمارس نشاطا سريا . وعلق أحمد رشدى صالح على وجود جمال كامل بين المعتقلين قائلا : يبدو أنهم لن يتركوا أحدا فى الخارج !

ولمحنا فى الصفوف الخلفية الكاتب المسرحى الفريد فرج , والمناضل العجوز عمر رشدى الذى كان شيوعيا فى عام 1945 , وكان قد كف بالتأكيد عن أى نشاط سياسى واكتفى بالجلوس على قهوة ايزايفتش بميدان التحرير يتتكلم فى السياسة ولكنه لا يمارسها , ورحت أفتش بين الصفوف عن عبد الستار الطويلة ولكنى لم أعثر له على أثر . وظننت أنه وصل مبكرا ودخل السجن مبكرا وهو الاَن مع الرفاق الذين كان يتشوق لرؤيتهم .

كان يجلس فى الصف الذى أمامنا مباشرة أربعة أشخاص يرتدون الجلاليب , أحدهم كان مضروبا بشدة ودمه مجفف على وجهه ورأسه , وكان زميله فى الحديد رجل عجوز عرفنا فيما بعد أنه رئيس نقابة فى كفر الدوار , أما الاثنان الاَخران فقد كانا فى سن الشباب , كان أحدهما طويلا بشكل ملحوظ وكان الاَخر أقصر منه بقليل , وكان الطويل يبكى باستمرار وبصوت عال , وشعر أحمد رشدى صالح بالضيق من بكاء الرجل الطويل ونهره بحزم وطلب منه أن يكف عن البكاء قائلا له : يا ابنى عيب عليك تبقى طويل كده وتقعد تعيط . ولوى الشاب عنقه نحونا وقال لرشدى صالح : والله يا سعادة البيه أنا ما عملت أى حاجة , ورد عليه رشدى صالح قائلا : انت بتقوللى أنا , ابقى قولهم لما يسألوك , ودلوقتى بطل عياط وبلاش توجع دماغنا احنا مش ناقصين , وكف الشاب عن البكاء ومسح دموعه بطرف جلبابه , ثم ألتفت إلى رشدى صالح وقال له : احنا هنخرج أمتى يا سعادة البيه ؟ ورد عليه رشدى صالح بغضب : ما احنا بره أهه , انتظر لما تخش جوه وبعدين اسألهم هانخرج امتى .

وأضحكت نكتة رشدى صالح المعتقلين الذين كانوا بالقرب منا , وألتفت أحد الضباط لمصدر الضحك ووضع سبابته على فمه وقال :

صفحة 23

هس .. وبععد دقائق كنا أمام قائد معتقل القلعة الذى جردنا من الساعات والأوراق والأقلام والنقود وأحزمة البنطلونات ووضعها فى أظرف على سبيل الامانة , ثم وزعنا فى زنزانات وكان حظى سعيدا , لأننى دخلت زنزانة كانت تضم أربعة أشخاص بالاضافة إلى العبد لله , أما الاربعة فهم المناضل العجوز عمر رشدى والكاتب المسرحى الفريد فرج والصحفى فتحى خليل والأستاذ الكبير أحمد رشدى صالح . ولما كان بالزنزانة ثلاثة أسرة فقط فقد أفترش الفريد فرج الأرض ثم انضم إليه فتحى خليل وانضم إليهما ثالث وفد علينا فى اليوم الثانى هو الأستاذ يوسف عيسى موسى وهو مدرس لغة أنجليزية جاء من الأسكندرية . ولولاه لمتنا فى الزنزانة من شدة الكسل والقذارة . فقد تولى مسئولية النظافة ومسئولية اعداد الطعام , وكان نعم الرفيق والصديق .

ولمدة ثلاثة أيام لم يفتح فيها الباب لحظة واحدة إلا وقت تسليم الوجبات , أما بقية الوقت فالباب مغلق , والنافذة أضيق من صدر الكافر , وهكذا بدأت الرحلة الميمونة التى أستمرت خمسة أعوام بالنسبة للبعض , والتى أنتهت بنا إلى (( زمش )) أشهر وأغرب تنظيم عرفته الحركة الشيوعية فى تاريخها الحافل المثير !!

صفحة 24 خالية

صفحة 25