الفصل السادس

4 0 00

الفصل السادس

كانت ليلة سوداء ولا قلب الكافر ، حشروا المعتقلين في عربات نقل ، أحكموا إخفاء من بداخلها بقماش من النوع المستعمل في صنع الخيام . وبجوار كل سائق كان يجلس ضابط برتبة رائد ، وفي مؤخرة كل سيارة كان يجلس خمسة من الجنود المسلحين بمدافع رشاشة . كانت القافلة مكونة من خمس سيارات نقل ، كل سيارة محشور فيها أكثر من خمسين معتقلا ، بعضهم يقف علي أطراف الأصابع .

عساكر الهجانة !

الصفحة 54

الصفحة خالية

الصفحة رقم 55

وكان يتقدم القافلة ثلاث سيارات نصف نقل محملة بجنود مسلحين بالمدافع الرشاشة تتقدمهم سيارة نجدة , يتقدمها اثنان من راكبي الموتوسيكلات , وفي مؤخرة القافلة كانت هناك سيارة نجدة وعدة سيارات نصف نقل تحمل جنودا مسلحين وموتوسيكل واحد . وكان العبد لله في حديدة واحدة مع الدكتور عبد الرازق حسن , وهو مستشار اقتصادي برئاسة الوزراء , كما أنه أحد العقول الإقتصادية المشهود لها علي المستوي العربي والدولي أيضا .

وعندما مرت القافلة بميدان الجيزة , واستطعت أن أخطف نصف نظرة علي الميدان وعلي قهوة عبد الله , إنتاب العبد لله حزن شديد . في هذا الميدان مارس العبد لله شقاوته مع شلة الطفولة والصبا , وشهد الميدان خطواتي الأولي في عالم القراءة والكتابة , كتلميذ صغير في ندوة قهوة عبد الله , الذي كان من بين نجومها الدكتور عبد القادر القط والأستاذ أنور المعداوي والشيخ عبد الحميد قطامش والأستاذ زكريا الحجاوي والشاعر محمود حسن إسماعيل , ثم صرت عضوا بالندوة مع الجيل الثاني .. الكاتب المسرحي نعمان عاشور والإذاعي الكبير يوسف الحطاب وفنان الكاريكاتير أحمد طوغان .. وفجأة قطع حبل ذكرياتي صوت المعتقلين في السيارة يرتفع بنشيد :

الحزب الشيوعي المصري

الصفحة رقم 56

نبنيه من عزيمتنا

ونحط الأساس خرسانة

من وحدة إرادتنا

كان النشيد ساذجا وكلماته ركيكة , مع أنه يوجد بين الشيوعيين شعراء أفذاذ وكتاب علي أعلي مستوي , ولكن الخيبة الكبري التي هي بحجم المسافة من هنا إلي شبرا , أن النشيد الذي فرض نفسه علي الحزب الشيوعي كان من وضع مهندس إنشاءات ومبان , وكان هذا واضحا في عبارة ( خرسانة ) وأعتقد أن النشيد كان يحتوي علي كلمات أخري من نفس الصنف .. رمل ودبش وخشب لطزانة .. إلي آخر المواد التي تصلح لبناء البيوت وليس لبناء الأحزاب !

أما لماذا نشيد المهندس بالذات وليس نشيد شاعر ككمال عبد الحليم أو كمال عماد أو إبراهيم شعرواي , فلأن المهندس صاحب النشيد كان يحتل موقعا قياديا في الحركة الشيوعية , وهي من الأسباب التي أدت إلي ضمور الحركة الشيوعية وعدم تجاوزها الحلقة التي ضربت حولها , فظلت دوائر ( ديدانية ) كما وصفها زعيم الحزب الشيوعي السوري – يوما ما – خالد بكداش ..

عندما انطلقت الأصوات بنشيد الخرسانة , إنطلقت في الوقت نفسه كعوب البنادق في رؤوس ووجوه المعتقلين , ثم هدأت الأصوات وتوقفت حركة الكعوب , وعادت القافلة تسير في صمت لا يقطعه إلا أصوات سارينات سيارات الشرطة لكي تفسح الطريق أمام الموكب الحزين ..

عندما اقتربت القافلة من معتقل الفيوم , كان الليل قد انسحب في هدوء وأشرقت شمس الصباح علي استحياء . وعندما أنزلونا من السيارات , تذكرت ما قاله المناضل العجوز عمر رشدي بأننا سنتدحرج إلي أسفل كلما انتقلنا من سجن إلي آخر . لأنهم لم ينزلونا من السيارة ولكنهم دفعوا بنا إلي الأرض , بينما أصوات الجند كانت تصرخ في حركة هستيرية وكأنما جحافل المغول قد هجمت علي البلاد . وأجلسونا علي الأرض بنفس الطريقة التي أجلسونا بها من قبل أمام معتقل القلعة ..

الصفحة رقم 57

كان معنا في القافلة عشرات من الأصدقاء .. لطفي الخولي وجمال كامل وفتحي خليل والفنان زهدي والفنان حسن فؤاد والدكتور لويس عوض وآخرون .

وألقيت نظرة علي معتقل الفيوم , كان في الأصل معسكرا للجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الأخيرة , ويضم ثمانية عنابر مصنوعة من الخشب , في كل عنبر باب واحد في المنتصف تماما , وعلي كل جانب نافذتان , كل نافذة بعرض مترين وارتفاع متر , تسدها 6 أسياخ متينة من الحديد تحول بين المعتقلين والهروب وتسمح لأفراد الحراسة بمتابعة كل ما يجري داخل العنبر . ولكن لدواعي الإهمال والتسيب والتقشف , ضرب السوس في خشب العنابر , وجعلت الوساخة من العنبر شيئا أشبه بجدران حمام بلدي من النوع الذي كان يستخدم في إنضاج الفول المدمس . وكان يقف علي الباب ضابط شرطة برتبة صاغ , ولكن منظره يوحي بأنه كان ضابطا في جيش علي بك الكبير وبنفس الرتبة , فقد كانت هيئت تدل علي أنه يقترب من سن الستين ..

كان هذا الرجل هو مدير المعتقل , وهو ضابط من تحت السلاح واسمه منير بك – هو الذي خلع علي نفسه هذا اللقب – وراح يلقي علي مسامعنا بعض المواعظ التي تحفظنا من كل شر , وأكد لنا في وضوح أنه من النوع الذي ( لا يرحم أمه ) وأنهم جاءوا به مديرا للمعتقل لأنه صاحب دوسيه حافل بكل أنواع ( الجرائم والمضبوطات ) وأعتقد أنه كان يقصد الإنضباط .

وبعد استماعنا إلي المواعظ من الباشا المدير , كان من نصيبي الإقامة في عنبر 4 مع زميلي الدكتور عبد الرازق حسن . ووجدنا عند باب العنبر هيئة استقبال مكونة من صول تجاوز سن المعاش بكثير وأربعة عساكر شرطة درجة أولي , يمسكون في أيديهم مدافع رشاشة وأصابعهم علي الزناد , ومعهم عسكري من الدرجة الثانية برتبة عريف , أعتقد أنه كان جاموسة في الأصل , طويل عريض , ملامح وجهه تثبت أنه معتاد إجرام , وكان اسمه علي ما أذكر أحمد غطاس أو سيد غطاس , المهم أنه

الصفحة رقم 58

غطاس والسلام . وعلي رأس هيئة الإستقبال ضابط شاب يبدو عليه أنه إبن ناس , كان طويلا ونحيفا ووسيما , وأعتقد أنه يدعي حلمي العيسوي أو نظمي العيسوي .. المهم أنه عيسوي والسلام ..

عندما وقفنا – الدكتور عبد الرازق حسن وأنا – أمام هيئة الإستقبال , سأل حضرة الصول الدكتور عبد الرازق حسن :

إسمك إيه ؟

ونطق الدكتور عبد الرازق حسن باسمه , ولكن يبدو أن الطريقة التي نطق بها اسمه لم تعجب سيادة العريف غطاس , فقال بطريقة مستفزة :

إنطق إسمك زي الناس يا وله

واستشاط الدكتور عبد الرازق غضبا , وقال للسيد العريف :

أنا مش وله .. أنا الدكتور عبد الرازق حسن , وفي الحال لهف العريف غطاس الدكتور عبد الرازق حسن قلمين من النوع السمين , وقال له وهو يستعد للدخول في معركة ولا معارك العلمين :

مافيش هنا حاجه اسمها دكتور .. دكتور دي في بيتكم .. هنا إنت وله وبس وستين وله كمان .

وقال عبد الرازق حسن :

أنا أحتج

ويبدو أن الدكتور عبد الرازق حسن إرتكب جريمة الخيانة العظمي في حق سيادة العريف , فانهال عليه الضابط عيسوي ضربا بالأقلام والشلاليت , وهو الذي كان يبدو عليه أنه وديع وابن ناس طيبين .

وبالطبع ساعد العريف غطاس قائده وحسم المعركه , وبشلوت واحد من نوع أرض ظهر , طرح الدكتور عبد الرازق حسن أرضا . ولأن العبد لله مربوط معه في حديدة واحدة , فقد سقطت معه أنا الآخر ونابني من الحب جانب .. قلمين .. واحد علي القفا وواحد علي الوجه . ثم دفعوا بنا داخل العنبر . إذن هذا هو معتقل الفيوم , وأول القصيدة كفر , وآخرها لا يعلم به إلا الله .

الصفحة رقم 59

جلسنا في العنبر تحيط بنا الكراهية من كل جانب , المأمور شبه أمي لا يعرف الألف من عمود النور , سأل مره الفنان زهدي :

بتشتغل إيه ؟

وعندما قال الفنان زهدي إنه رسام كاريكاتير , عقب السيد المأمور قائلا :

شاعر يعني !!

والضابط العيسوي لا هم له إلا اصطياد أخطاء المعتقلين وتوقيع العقاب عليهم , والعريف غطاس من يدفع له ينجو من العقاب , ومن يرفض الدفع أو يعجز عن الدفع , فيانهار أمه أزرق , ويا ليلة أبوه أسود من أسفلت الطريق .

ذكرني معتقل الفيوم بمعتقلات النازي التي ظهرت في أفلام هوليوود .

أنوار كاشفة تمسح المعتقل طوال الليل , وكلاب بوليسية تنبح بحثا عن فريسة , وأصوات كئيبة تنادي علي الأسوار .. واحد تمام , وتصل إلي عشرين تمام . والعريف غطاس ينظر كل لحظة من الشباك ليشرف بنفسه علي انضباط المعتقلين , وحملات تفتيشية تفتح الباب فجأة وفي أي وقت من أوقات الليل والنهار , ثم تبدأ بحثها بين الملابس وتحت السراير , وبين الفتحات التي نتجت عن تشققات في خشب الجدار . والمعسكر في حالة استنفار دائم , ومنير بك لا يكف عن التجوال في أنحاء المعسكر .. ومتعهد الأكل حرامي يقدم طعاما لا يكفي لإشباع قطة , والمعتقلون في توتر دائم وفي خوف من المجهول ..

رأيت من خلال النافذة ذات صباح ألفريد فرج وهو في طريقه إلي دورة المياه فألقيت عليه السلام , وكان جزائي عن هذه الجريمه الرهيبة قلمين مع تهديدي بالجلد إذا عدت إلي ارتكاب مثل هذه الجريمة في قادم الأيام .

واستعانوا بعساكر من الهجانة للمساعدة في إقرار النظام داخل أسوار المعتقل .. وعندما رأينا عساكر الهجانة وهم يدخلون من باب المعتقل , أدركنا أن الموت علي الأبواب .. ولكن .. يا ميت فل علي سلوك الهجانة

الصفحة رقم 60

النبيل وعلي شموخهم وعلي اعتزازهم بأنفسهم وعلي نظافة يدهم وحسن معاملتهم للمعتقلين .

وكانت الذروة عندما طلب قائد المعتقل منير بك من أحد الهجانة أن يضرب معتقلا بالكرباج , ولكن العسكري البسيط رفض تنفيذ الأمر .

وعندما أصر البيه المدير علي تنفيذ الأمر , ألقي عسكري الهجانة بالكرباج في وجهه قائلا له :

أنا مش جاي هنا علشان أضرب .. إن كنت عاوز تضرب .. إتفضل خذ الكرباج واضرب , وابتلع منير بيه الإهانة أمام المعتقلين , وقال لعسكري الهجانة وهو يحاول أن يخفي كسوفه .

أنا هاوريك .. أنا هاعملك محكمة عسكرية .

ونظر إليه العسكري في استخفاف وقال له في احتقار شديد :

إنت ولا حاجة .

وفي المغرب , غادر العساكر الهجانة المعتقل علي ضهور الجمال وفارقونا إلي الأبد , بينما كانوا يلوحون بأيديهم للمعتقلين ويرسلون لهم قبلات في الهواء . وباختفاء الهجانة إختفت نسمة طرية هبت علي المعتقل فجأة وتلاشت فجأة , لم يعد في المعتقل إلا نباح العساكر وكف طاس وصوت العيسوي الكئيب , وتسلط البيه المأمور الذي يتصور نفسه قائدا لجيش هتلر .

إختلفت المنظمات الشيوعية في العنبر الذي كنت أقيم فيه , وفوجئت بعد ثلاثة أيام من بدء الخلاف بثلاثة من نزلاء العنبر يطلبون من العبد لله أن أقدم لهم خدمة , ولخصوا الموضوع في أن لجنة الحياة العامة والتي تتولي توزيع المأكولات والسجاير , ولأنها تثق في العبد لله , قررت أن يكون العبد لله الذي هو حضرتنا مسئولا عن تخزين السلع وتوزيعها . وقبلت العرض علي الفور , وقمت بتخزين السلع تحت سريري وتوليت توزيعها كل صباح علي مندوبي الأحزاب الشيوعية ..

كان سريري في المعتقل يقع بين سرير الدكتور عبد الرازق حسن

الصفحة رقم 61

وسرير معتقل يدعي ضبع شنوده , وهو أصلا من الأسكندرية ويقيم بها , وكان يقوم بتوزيع الخبز علي المنازل في عربة يد صغيرة , ولكنه كان أحيانا يقوم بدس المنشورات الشيوعية في أرغفة الخبز . وانكشف أمره بالطبع , فذهب إلي المعتقل في عهد النقراشي , ثم دخل المعتقل في بداية الثورة , وكانت هذه المرة هي الرابعة في سلسلة غزواته للسجون والمعتقلات . المهم أن ضبع شنوده إقترب مني ذات مساء وهمس في أذني يطلب سجاير لزوم عدل الدماغ , وعندما اخرجت علبة سجائري ليلتقط منها سيجارة , قال ضبع :

إنت يظهر مافهمتش قصدي .. أنا عاوز علبتين من الكوميونة .

وعندما ارتسم علي وجهي تعبير عن عدم الفهم أشار بإصبعه تحت سريري وقال :

إنت مش ماسك الكوميونة دلوقت ؟

وقلت لضبع :

هي دي اسمها كوميونة ؟

وعندما هز ضبع رأسه بالإيجاب , قلت له :

بس انت عارف إن الحاجات دي مش بتاعتي .. دي بتاعة الزملاء .

أيوه عارف .. بس انت مسئول الكوميونة , ومن حقك تتصرف , وعلي كل حال أنا هاردلك العلبتين .

وأعطيت العلبتين لضبع شنوده , فراح يشعل السيجارة وراء الأخري . وأحسست أنه يعاني بشدة , وربما سرح بفكره خارج الأسوار , إلي شوارع الأسكندرية وحواريها , إلي منزل الأسرة التي لابد أن ضبع افتقده كثيرا .. فقررت أن أقطع تفكيره وأشغله بشئ آخر , فسألته :

إيه رأيك يا ضبع , وخصوصا أنك مناضل قديم وخبير بكل أنواع السجون

وكأنما انعشت كلمات الثناء نفس ضبع , فخرج من سرحته وأصغي

الصفحة رقم 62

للعبد لله بكل اهتمام , واعتدل في جلسته عندما ألقيت عليه السؤال التالي :

تفتكر إيه بقي اللي ها يحصل معانا يا ضبع في الفترة الجاية ؟

كنت أسأله طبعا عن مصيرنا كمعتقلين , وهل هناك أمل في إفراج قريب أم أن الحبسة ستطول وستقضي علينا في نهاية الأمر . ولكن ضبع شنوده الذي اعتدل في جلسته وتأهب للدخول في حوار طويل , راح يتكلم وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح :

شوف لما اقولك .. العيش خاص .. والجبنة لازم حلوم و150 جرام , واللحمة يوم طشة في السمنة ويوم مسلوقة .. ولازم حلو وفاكهة .. ولازم الكفالة 6 جنيه للعامل و10 جنيه للموظف .

تصورت أنه سيحدثني عن الإفراج , فكان حديثه عن طيب الإقامة في المعتقل , ولكن الذي أرقني في حديثه هو الكفالات , فسألته :

إحنا كمان هاندفع كفالات للحكومة ؟

لا دي الحكومة اللي ها تدفعلنا .

وراح ضبع شنوده يحكي للعبد لله طول الليل عن حياة المعتقلات في العهد القديم .

كان بين المعتقلين أثرياء يهود , وكانوا يتولون الإنفاق علي جميع المعتقلين , وكانت السلطة تعاملهم باحترام . وفي المعتقل الذي فتح أبوابه بعد حرب فلسطين , تذوق ضبع شنوده أصنافا من الطعام لم يسمع عنها في حياته ولم يرها في أي مكان . كان الإفطار يصل إلي المعتقل مباشرة من جروبي , وكان الغداء يأتي من الشيمي وأحيانا من الدهان , وكانت السجاير كنت وكرافن وملك مصر . وعندما أفرجوا عن ضبع شنوده بكي وهو في القطار المتجه إلي الأسكندرية كما لم يبك من قبل . لقد خرج ضبع شنوده من جنة المعتقل إلي زحام الناس ومتاعب المهنة ومشاكل الأسرة .

وقطع الحديث بيننا زميل همس في أذني بان الزملاء في جميع العنابر قرروا الإضراب عن الطعام غدا , وأن الإضراب سيبدأ من العنبر رقم 1 .

الصفحة رقم 63