الفصل الثالث

4 0 00

الفصل الثالث

ثلاثة أيام والأبواب مغلقة والمساجين مكدسون كالسردين فى الزنازين .. وأتاحت هذه الأيام الثلاثة العبد لله أن يتأمل الزنازين التى بنيت فى العصور الوسطى لينزل بها الأمراء الخارجون عن طاعة السلطان . كانت الجدران فى سجن القلعة مبنية من حجارة شبيهة بأحجار الأهرامات .

هابيوس كوربوس

صفحة 26

صفحة بيضاء

صفحة 27

وكانت سميكة إلى الحد الذى يكفى لعزل ساكنى الزنزانة عن العالم الخارجى ولم يكن فى الزنزانة أى منفذ للهواء إلا ثقب فى السقف مركب على فتحة ماسورة أشبه " شكمان " السيارة . أما الباب فهو الحديد الصلب وسمكه أكثر من عشرة سنتيمترات ، وله مزلاج خارجى يحدث صريرا عند عملية الفتح والقفل أشبه بصرير ترومواى شبرا عند الدوران .

وفى هذا السجن الكئيب عاش ومات من الأمراء والقادة والوزراء والمماليك . ونزل به عشرات من أبطال ثورة عرابى ، واستخدمته كل العهود وكل الحكومات فى حبس أعدائها والمناوئين لها والذين تحوم الشكوك حولهم . وبسبب هذا السجن لقى البطل العظيم السلطان المظفر قطز حتفه وهو راجع من معركة جالوت أن قال له الظاهر بيبرس : لقد وعدتنى بولاية حلب بعد المعركة ، وأنا الآن فى انتظار تنفيذ وعدك ، ولكن السلطان الظافر قطز ابتسم للظاهر بيبرس وقال له : إنس هذا الوعد فأنا أريدك بالقرب منى فى القلعة ، وقلبت العبارة مخ الظاهر بيبرس فما الذى يقصده قطز بعبارة " أريدك بالقرب منى فى القلعة " أن بالقلعة قصر السلطان والسجن ، وليس هناك شيء آخر ، لابد أنه يقصد السجن ولا شيء آخر . فأضمرها الظاهر بيبرس فى نفسه ، وحانت له الفرصة بالقرب من غزة عندما رمح

صفحة 28

السلطان وراء غزال يريد اصطياده ، فرمح الظاهر بيبرس خلفه ورماه برمحه فاستقر بين ضلوعه وسقط ميتا على الفور !

وعلى جدران الزنزانة نقوش كثيرة وكلمات أكثر . حديث نبوى كتبه أخ مسلم " اتقوا البرد فقد قتل أخاكم أبا الدرداء " والتاريخ نوفمبر 1948 ! على جدار آخر عبارة " تحيا لجنة الطلبة والعمال " والتاريخ 1946 ! فى جانب آخر من الجدار " تسقط الملكية الفاسدة " والتاريخ فبراير 1952 ! تحتها مباشرة عبارة " تسقط الفاشية العسكرية " والتاريخ 1954 بعدها أيضا بيت من الشعر :

ا ولست أبالى حين أقتل مسلما على أى جنب كان فى الله مصرعى آ

والتاريخ 1954 ! فى جزء آخر من الجدار عبارة " عاش كفاح الطبقة العاملة " والتاريخ 1959 ! ثم عبارة أخرى " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " والتاريخ 1957 ! فى أسف الجدار عبارة " عاشت ذكرى مؤسس الأخوان الشيخ حسن البنا " والتاريخ 1965 .

عبارات كثيرة هى فى الحقيقة تاريخ الزنزانة بأقلام الذين دخلوها لقد دخلها الجميع منذ 1946 أخوان وشيوعيون وديمقراطيون وطلبة وعمال وصياع ومتآمرون ومشاغبون ، ناس ضد الثورة ، وناس مع الله ، وناس مع ماركس ، وكلهم جمعتهم الزنزانة غالبا فى عصور متعاقبة وأحيانا فى عصر واحد !

بعد أن ضاق صدرى بالحبس فى الزنزانة ناديت على عم طه الحارس ودار بينى وبينه الحوار التالى :

افتح يا عم طه

ويفتح عم طه الباب فيدور الحوار على النحو التالى :

أنت قافل علينا ليه يا عم طه ، احنا عملنا حاجة .

لا ، انتوا ما عملتوش لكن الواد اللى جنبك دى شتمنى وقل أدبه علّى .

طيب احنا عملنا حاجة .

لا ما عملتوش ، ولكن مافيش فتح خالص

صفحة 29

ثم يغلق عم طه الباب .

وأعود أزعق مرة أخرى بالصوت الحيانى .

افتح يا عم طه الباب .

ويفتح عم طه الباب ويدور نفس الحوار بنفس الكلمات . ثم يغلق الباب من جديد .

وتمضى ثلاثة أيام كاملة ونحن فى الحبس الرهيب ، نأكل ونشرب ونتحاور وننام نوما متقطعا ونستيقظ على أحلام غريبة وكوابيس مزعجة ، وكان المناضل القديم عمر رشدى يحلم بكأس من الويسكى وصحن من الترمس ، وكان رشدى صالح شديد الصمت شدشد الشرود ، ولكن كان أحيانا يفصح عما فى صدره .

تصوروا.. ثلاث مرات أعمل بيت والحكومة تهده !

كان للأسف رشدى عميقا ، فعندما ألقوا القبض عليه كان قد ابتعد تماما عن الحزب الشيوعى وكان يكتب فى الجمهورية مذكراب طالب عراقى بدون امضاء ، عن حالة القهر والتعذيب والارهاب الذى يلقاه المعتقل فى سجون عبد الكريم قاسم ولكن الدوسيهات لا ترحم والقوائم لا تغفر ، وعندما ألقت الحكومة القبض على الشيوعيين ، كان الأمر الصادر إلى رجال الشرطة بالقبض على الشيوعيين والمتعاطفين معهم ومن يوجد معهم لحظة القبض عليهم ، ولكن رشدى صالح كان لديه أمل فى الافراج عنه سريعا ، فقد كتب رسالة الى المرحوم كامل الشناوى وطلب من السيدة حرمه توصيلها إلى الأستاذ كامل فى جريدة الجمهورية ، ولكن الأيام مرت بطيئة دون أى بادرة تلوح فى الأفق عن افراج قريب .

وكان المرحوم فتحى خليل ساهما ومتشائما على طول الخط . وكان من رأيه أنها المعركة الأخيرة مع السلطة ، وأنها ستنتهى بشنق الشيوعيين على أعواد الشجر .

وكان الكاتب المسرحى ألفريد فرج نائما طول الوقت ، وعندما يستيقظ كان يردد عبارة واحدة .. احنا مش معتقلين ، أحنا يا استاذ مخطوفين فى الذرة !

صفحة 30

وجاء الفرج بعد ثلاثة أيام ، فتحوا الأبواب فخرجنا إلى الحوش وكان العبد لله هو أسبق الجميع للخروج ، وهالنى ما رأيت .

فقد كانت فكرتى عن الشيوعيين حتى هذه اللحظة أنهم مجرد مجموعة من الصحفيين والفنانين الذين أعرفهم ومجموعات أخرى من المثقفين كانوا يجلسون على قهوة ايزافيتش بميدان التحرير . ولكن الذى رأيته فى صالة السجن كان يختلف تماما عن الفكرة التى كانت فى رأسى . كانت هناك مجموعة كبيرة من العمال من بينهم رؤساء نقابات ، ورجال أعمال ، وفلاحون ومزارعون ، وعندما رأيت المرحوم الدكتور لويس عوض هرعت إليه كغريق يتعلق بقشة . كنت أعلم أن لويس عوض ماركسى ولكنه على خلاف حاد مع الشيوعيين . فلماذا ألقوا القبض عليه ؟ ولماذا ألقوا القبض على العبد لله أيضا ؟ مع أن بينى وبين الشيوعيين مساحة شاسعة !

لقد وقعت الحكومة فى نفس الغلطة التى وقع فيها الشيوعيون المصريون . فمن ليس معى قهو ضدى . وأذكر أننى ذهبت مرة إلى جردية المساء قبل اعتقالنا بعدة أيام . ورأيت فى الطرقة الضيقة مجموعة من الصحفيين يتحاورون بحرارة . وكان من بينهم الدكتور عبد العظيم أنيس وعندما رآنى قال بصوت عال حتى يسمعه كل الحاضرين :

أهلا .. الأستاذ محمود السعدنى جى يزور الأستاذ محمد عودة .

وكانت هذه اشارة للجميع بأن يكفوا عن الكلام واندهشت لموقف الدكتور عبد العظيم أنيس ، فحمد عودة ليس مع الحكومة ولا هو فى جهاز المباحث . ولكنه كان صاحب رأى وكان يختلف عن رأى الرفاق الشيوعيين .

وكانت هذه الحالة هى احدى الأخطاء القاتلة التى وقعت فيها الحركة الشيوعية المصرية . فكل من ليس عضو فى التنظيم هو امبريالى استعمارى وعميل للشواشى العليا للبورجوازية . ولذلك لم ينفتح التنظيم الشيوعى فى مصر على الجماهير المصرية فى أى وقت من الأوقات ، ولم يستطيع التواجد فى الشارع المصرى فى أى وقت..

صفحة 31

أما عضو التنظيم فهو المناضل الثورى الذى يملك فى يده مفاتيح الحل لكل المشاكل على وجه الخصوص . ما الآخرون فهم أما برجوازى منحل ، وأما عميل للاستعمار ، وأما كلب للسلطة ، ولذلك .. اكتسب الشيوعيون المصريون أعداء كثيرين كان يمكن كسب ودهم ، أو على الأقل تحييدهم !

ولكن .. الحق أقول .. لم يكن كل الشيوعيين من هذا النمط ، كان هناك حسن فؤاد الفنان الطيب ، الذى يصادق فى ود ، ويخاصم بدون عداء ، وكان هناك بكر سيف النصر الذى لم أصادف فى الحياة شخصا مثله. وكان هناك زكى مراد المحامى ذو القلب الكبير والعقل الراجح .

وكان هناك أسعد حليم الهادئ العمبق الذى كان يرى أن الحركة الشيوعية هى قمة الفشل لأنها حركة انطوائية . وكان هناك سيد ابراهيم الذى كان كالمرهم يداوى جروح الآخرين ويحمل همومهم ، وكان هناك على الشلقانى الفارس .

وكان هاك محمود المانسترلى الطيب الهادئ النتفائل دائما الفاهم دون ادعاء المثقف دون جعجعة . وكان هناك على الشوباشى المسالم المندهش دائنا الضاحك فى كل وقت . المهم اننى هرعت الى الدكتور لوبس عوض أسأله فى المحنة التى نمر بها ، واستفسر منه عن الوقت الذى شتنقشع فيه . كان لويس عوض – يرحمه الله - يرتدى روب دى شامبر أحمر اللون وشبشبا سويسريا " بالى " ويركن السيجارة فى ركن فى فمه ، ورد علىّ الدكتور لويس عوض تحيتى قائلا :

هاللو

سألته عن رأيه فى المحنة التى عصفت بنا فقال :

ما تخافشى لازم نخرج بكرة أو بعده . كانت هذه أول بشارة أتلقاها من عمنا لويس عوض . ولكن لكى يطمئن قلبى عاودت السؤال :

يعنى ..انت متأكد ..

وقال الدكتور فى ثقة تامة .

- طبعا .. هابيوس كوربوس.

صفحة 32

وقلت يا فرج الله.. لابد أن له قريبا فى المباحث العامة اسمه هابيوس كاربوس ، ولابد أن الرجل طمأنه وأكد له موعد الافراج ، لابد أن الحكومة فى ذروة الأزمة اضطرت إلى القبض على الكثيرين ، ثم بدأت فى البحث والفحص ولابد أنها ستفرج عن الذين لم يكونوا أعضاء فى الحزل الشيوعى ، وبالطبع سيخرج الدكتور لويس عوض ، وسيخرج العبد لله أيضا .. يا سلام .. هل سيكتب للعبد لله التجول فى شوارع القاهرة مرة أخرى . وندرعلى العبد لله أ، أطوف بالحوارى فى القرى والكفور ، وننام على المصاطب أو على الرصيف .. لا فرق !

وعدت أسأل الكتور لويس عوض لكى يطمئن قلبى :

لكن هوه اللى قالك بنفسه ؟

وارتسمت الدهشة على وجه الدكتور وقال مستنكرا :

هو مين دا ؟

هابيوس كوربوس ، مش هوه لواء فى المباحث .

واتخذ الدكتور لويس عوض هيئة الأستاذ وقال باشمئناط :

أنا ما عرفش مباحث وما عرفش الناس دى .

مش انت اللى قلت هابيوس كوربوس قالك لازم نخرج بكرة أو بعده .

وقال الدكتور لويس عوض :

هابيوس كوربوس دا يا جاهل – قانون رومانى قديم اسمه أبرز الجثة .

قانون رومانى ! .. طيب مالنا احنا ومال القانون الرومانى ده .

القانون دا بيقول ما يمكنش حد يقبض على مواطن أكثر من ثلاثة أيام ، بعدها لازم يظهر المواطن .. إما أمام المحكمة وإما فى الشارع ..

وقلت للدكتور لويس عوض :

وانت مصدق الحكاية دى ؟

وقال الدكتور فى ثقة شديدة :

صفحة 33

طبعا .

وساد الصمت بيننا برهة قطعه العبد لله قائلا :

تصدق بالله ، لو هابيوس كوربوس جه هنا ، هيحبسوه معانا .. وهياكل ضرب ماكلوش حرامى فى مولد ، هابيوس كوربوس مين يا عمنا ، ان كان اعتمادك على هابيوس كوربوس دا ، يبقى مش هنخرج من هنا غير يوم القيامة ؟

وابتسم الدكتور لويس عوض ، وسحب أنفاسا عميقة من السيجارة ومضى فى اتجاه زنزانته شاردا ، وكأنه تأثر برأى العبد لله فى السيد هابيوس كوربوس اياه !

كان الشخص الآخر الذى لفت نظرى فى فناء السجن ، الشاب الطويل الذى كان دائما البكاء ونحن فى انتظار الدخول إلى سجن القلعة . كان منظره يختلف تماما عن منظره فى ذلك اليوم . كان يرتدى الشورت وفانلة مخططة مثل فانلات بتوع الكورة . وكان يحمل فى يداه براد شاى من الحجم الكبير ويزعق بأعلى صوته .

مين عاوز يشرب شاى يا زملا .

وتصورت فى البداية أنه ابن بلد بحبوح يسقى المعتفلين شايا على حسابه ، ثم اكتشفت انه يبيع الشاى مقابل سجاير . لم يكن هدفه التجارة ولكن كان هدفه البحث عن سجاير أكثر بسعر أرخض . فقد كانت سعادته فى الحياة لا تتحقق إلا بوجود الشاى والسجايير ، وسيأكل ضربا خلال السجن الطويل من أجل الشاى والسجاير .

كان اسمه أحمد شوقى عبد الهادى ، وهو من سكان منيل شيحا بالجيزة ، ووالده ناظر مدرسة أولية ، وهو موظف فى مديرية التحرير ، وقد ألقوا القبض عليه مع شقيقه الطالب . وهو فى الحقيقة ليس شيوعيا ولكنه استقبل بعض أصدقائه من العاملين فى مديرية التحرير . وكانت سعادته بهم كبيرة لأنهم كانوا يجلبون معهم الدخان والمعسل والحشيش . وتكررت زيارتهم فى بيت أحمد شوقى وكانوا أثناء القعدة يتحدثون عن حزبهم وضرورة النضال ضد الفاشية . ولكن أحمد شوقى لم يجد فى هذه الأحاديث

صفحة 34

ما يلفت النظر ، فالمهم أن الجوزى شغالة ، والنار لا تنطفئ ، وبراد الشاى شغال عمال على بطال .

وذات ليلة طرق الباب كجهول . ولما سأل شوقى عن شخصية الطارق ، جاء الجواب :

بوليس .

بوليس !! يا ليلة سودة ، كان شوقى يحتفظ معه بقطعة من المزاج فأسرع بالتخلص منها ، ثم فتح الباب بعد أن اطمأن أن كل شيء على ما يرام !

ولكنهم بالرغم من عدم عثورهم على حشيش ، فقد ألقوا القبض عليه مع شقيقه .

ولكن حديثى مع شوقى انقطع فجأة ، فقد دوت الصفافير فى أنحاء السجن تدعو المعتقلين إلى دخول الزنازين .

الصفحة 35

ومرت الأيام بطيئة ومملة فى أول الأمر ، ومر أسبوع كامل قبل أن يظهر عبد الستار الطويلة فى السجن ، وجاء متلهفاً على رؤية الرفاق والأصدقاء ولكنه كان حزيناً لوجوده فى سجن القلعة ، كان يتحرق شوقاً إلى الذهاب لسجن الواحات الخارجة حيث المناضلون الأصلاء الذين سبقونا مع بداية العام الجديد.

ولكن هناك فرق !

الصفحة 37

وعندما رآنى عبد الستار قال على الفور : لقد سمعت بنبأ اعتقالك ولم أصدق بادئ الأمر ، وعندما تأكدت أدركت أن الحملة هذه المرة شديدة ، والهجمة شرسة ، والمعركة ستكون فاصلة لأنها ستكون المعركة الأخيرة ، ثم قال : واعتذر لك عما قلته فى مكتبك بروز اليوسف ، فالحقيقة أنك برجوازى وطنى شريف . وحمدت الله وشكرته لهذه الترقية السريعة .

وجاء الفرج بعد أسبوع واحد ، انطلق صوت الشاويش طه فى الدهليز الضيق الذى يفصل بين الزنازين ينادى بأعلى صوته .. فين أحمد رشدى صالح ، وعندما أجابه الأستاذ أحمد رشدى صالح أمره بالإستعداد للرحيل ، وأوصاه بأن يجمع كل متعلقاته ، وحذره من أن يحمل معه أوراقاً أو خطابات من معتقلين أخرين .

وغاب الشاويش طه دقائق ، استعد رشدى صالح خلالها فارتدى ملابسه وجمع أمتعته وجلس ينتظر ، وجاء الشاويش طه وفتح الباب وسمح لرشدى صالح بالخروج وكان الوقت يشير إلى التاسعة مساء ، وأصوات ميكروفونات تتردد من بعيد تحمل بعض الابتهالات الدينية ، ودعاء من شيخ يدل صوته على أنه كفيف يصرخ بصوت يقطر أسى .. يا أرحم الراحمين ارحمنا ، وتمنيت لو كنت مع الشيخ الضرير فى السرادق ، أو مع جموع الناس الطيبين فى أزقة سيدنا الحسين ، أو معهم على مقاهى السيدة زينب ، أو جالساً على الرصيف مع عمنا

الصفحة 38

زكريا الحجاوى فى قهوة محمد عبد الله ، وانتابتنى حالة من الكآبة ورشدى صالح يغادر الزنزانة.

كان لدى العبد لله احساس بأن رشدى صالح خارج إلى الحرية ، وكان لديه احساس بأنه ذاهب إلى سجن آخر .. ربما إلى الواحات .. وربما إلى سجن مصر تمهيداً لمحاكمته .. وعندما أغلق الشاويش طه باب الزنزانة انتاب الجميع حالة من الشرود والصمت لم يقطعها إلا المناضل العجوز عمر رشدى الذى قال فجأة وبلا مناسبة .. سيأخذ رشدى صالح حماماً ساخناً هذه الليلة ، وبإمكانه أن يخرج إلى الشارع وأن يدخل أى بار ، وأن يطلب واحد ويسكى بالثلج وطبق ترمس ويحلق فى الفضاء العالى ، ونمنا مبكراً تلك الليلة ، وفى الصباح ساقونا جميعاً إلى الحلاق ، وعندما وضع " الموسى " على ذقن العبد لله أدركت أن الحلاقة فى سجن القلعة هى جزء أساسى من التعذيب . فلم يكن " الموسى " الذى يستعمله الحلاق " موسى " من النوع الذى نعرفه ، ولكنه كان قطعة من الصفيح الصدئ ، ويستعمل فوطة سبق استعمالها فى تنظيف مراحيض باب اللوق ، وكان فرضاً على كل معتقل أن يحلق ذقنه ، لأن إدارة السجن كانت حريصة على أن يبدو جميع المعتقلين بهيئة مناسبة تتفق مع حقوق الإنسان وحقه فى الحياة بكرامة حتى وهو خلف الأسوار !!

ولم يكن الحلاق وحده هو سبب تعاسة العبد لله ، كان متعهد الأكل سبباً آخر ، كان الإفطار مكوناً من عشر فولات ورغيف يشبه أرغفة هذه الأيام . وأحياناً كان يضيف إلى الوجبة قطعة من الجبن هى فى الواقع جزء من أصبح طباشير من النوع الذى تستعمله الكتاتيب فى الريف المصرى .

أما الشاى فيحتاج إلى شاعر عبقرى من نوع بيرم التونسى لكى يتمكن من وصفه .. أما " السجاير " فكان مسموحاً بها خصماً من أمانات المعتقل وعلى حسابه . وبالرغم من ذلك استطاع العبد لله أن يألف جو السجن ، وكانت رقة الزنزانة هى خير معين على تجاوز محنة الاحساس بالقهر . ثم جاء الفرج أخيراً وبدأوا فى استدعاء بعض المعتقلين للمثول أمام النيابة ، وأفتى بعض العارفين ببواطن الأمور ، أن الحكومة تقوم بتصفية المعتقل ،

الصفحة 39

وإنها ستكتفى بسجن الذين يثبت ضدهم اتهامات محددة ، أما الناس الذين ليسوا أعضاء فى الحزب الشيوعى المصرى، ولم يضبط لديهم ممنوعات فسيغادرون السجن بعد عدة أسابيع على الأكثر .

واطمأن العبد لله لهذه الإشاعات واعتبرتها حقيقة لا تقبل الجدل . وراح بعض الذين توهموا انهم فى الطريق إلى أعوام طويلة من السجن يوصون العبد لله بمهام كثيرة أؤديها لهم عندما أصبح خارج الأسوار . ولكن – و آه من لكن هذه – جاء مدير المعتقل ذات صباح ونادى على أسماء المعتقلين الذين سيذهبون للتحقيق أمام النيابة ، وكان اسم العبد لله على رأسهم . وبقدر الحزن الذى انتابنى لأننى سأقف أمام النيابة بقدر الفرح الذى شعرت به ، لأننى سأخرج من بوابة السجن وسأشاهد الشارع واتفرج على الناس وعلى الترمايات وعلى الأتوبيسات ، وأستمع إلى نداءات الباعة و .. يللى الهوى هزك يا مشمش ، ولا تين ولا عنب زيك يا خيار يالوبيا .. وجلست فى سيارة السجن وعيناى تلتهمان – من خلال الفتحة الضيقة – كل منظر ، حتى أسفلت الشارع صار له معنى جديد . حتى برك المياه التى تغرق الشارع كانت أجمل فى نظرى ألف مرة من بحيرات جنيف ، وغبطت كل المارين فى الشارع حتى المتسول العجوز الذى كان يقف أمام المتحف الصحى بعابدين ، تمنيت من الله أن أحل محله . يا سلام لو كان الإنسان حراً ومتسولاً : ما أجمل أن يكون الإنسان حراً وعاطلاً ، أو حراً وضائعاً ، وحبسونى فى حجرة مع معتقل آخر كان يجلس على الأرض وبجانبه مطبعة وعشرة صناديق منشورات ، وكان يرتدى جلباباً وشبشباً ، وسألنى عن المضبوطات التى معى فنفيت له ضبط أى أوراق سوى عدة كتب تباع كلها فى الأسواق فقال على الفور .. براءة ! سألته عما معه فأشار إلى أحد الصناديق الضخمة وقال : " ده منشورات وسألته : هل أنت معترف بما لديك من مضبوطات قال طبعاً ولى الشرف ، وعندما سألته عن الحكم الذى ينتظره قال : عشر سنوات لأننى أتشرف بأننى عضو قيادى بالحزب الشيوعى المصرى !

الصفحة 40

وعندما جاء الدور على العبد لله أدخلونى حجرة بها مكتب كبير يجلس عليه رئيس نيابة أمن الدولة وأعتقد أنه كان الأستاذ سمير ناجى على ما أتذكر وكان بديناً بعض الشئ ، وصاحب وجه مستدير ومريح ، وكان هادئاً ومهذباً ، ودعانى للجلوس ، ثم ألقى نظرة على أوراق بجانبه ، وسألنى هل أنت عضو بالحزب الشيوعى المصرى ؟ فأجبته بالنفى ، وسألنى عن رأيى فى المعركة الناشبة بين جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم . وأجبته .. عبد الكريم قاسم مخطئ ، وأعتقد أنه ينفذ مخططاً بريطانياً انتقاماً من عبد الناصرلتأميمه قناة السويس ولموقفه من حرب الجزائر ، وسألنى عن أصدقائى من الشيوعيين فأجبته بأننى صديق للكثير من الناس خصوصاً فى مجال الفن والصحافة ، ولكنى لا أعرف أن كانوا شيوعيين أو رأسماليين ولا يهمنى ذلك .. ثم وضع الرجل القلم الذى فى يده على المكتب وسألنى وهو يبتسم .. أمال همة جايبينك ليه ؟ قلت له : والله ما أنا عارف .. فى هذه اللحظة نهض رجل كان يجلس فى الحجرة على مقربة من مكتب رئيس النيابة واقترب منه ومال على أذنه وهمس بعدة كلمات لم أسمع منها إلا كلمة الحزب الشيوعى المصرى . ولم أهتم بالرجل أو بما قاله وتصورت أنه أحد مساعدى النيابة ولكنى عرفت بعد عودتى إلى الزنزانة أن هذا الرجل يدعى عشوب وكان مفتشاً للمباحث العامة فى مدينة القاهرة .

المهم أن رئيس النيابة قال للعبد لله وبلهجة تنم عن صدقه .. لو كان الأمر بيدى لأمرت بالإفراج عنك من سرايا النيابة . وسألته بسذاجة : أما الأمر بيد مين ؟ .. فأجاب أنت معتقل بقرار جمهورى . ولا يفك أسرك إلا قرار جمهورى آخر ، ثم قال على كل حال مجيئك إلى النيابة أتاح لك فسحة ليست على البال ، وزيادة فى التكريم سأبقيك هنا بعض الوقت وسأطلب لك " فنجاناً " من القهوة لكى تعدل دماغك ، وانست للرجل واطمأنت نفسى فى حضرته فسألته بود شديد : وتفتكر السجن ده لحد امتى ؟ فأجاب : علم ذلك عند ربى ، فهتفت دون وعى : يا خبر اسود ، قال رئيس النيابة ميهمكش السجن للجدعان !

الصفحة 41

عندما عدت إلى السجن أمطرنى زملاء الزنزانة بأسئلة كثيرة عن جو التحقيق وعن سلوك رئيس النيابة ، وحكيت لهم ما حدث بالتفصيل فأفتى عمر رشدى بأن هذه الحبسة ستكون أطول حبسة فى تاريخ الحركة الشيوعية المصرية ، وأن الشيوعيين لن يغادروا السجن إلا إذا غادر عبد الناصر الحياة . وقال فتحى خليل ستنتهى المعركة بتعليق زعماء الحزب الشيوعى على المشانق وتصفية القواعد وقطع دابر الشيوعية من أرض مصر ثم هز رأسه وقال : ولكن ستنتصر الشيوعية فى نهاية الأمر .. ولم يكن يشغل بال العبد لله انتصار الشيوعية أو هزيمتها . كل ما كان يشغل بالى هو الخروج من سجن القلعة إلى الشارع بأى ثمن وبأى وسيلة حتى لو أدى الأمر إلى هروبى من المعتقل ، أو وقوع انقلاب فى مصر يخرجنا بقوة السلاح ، أو بهبوط طائرة هليكوبتر فى فناء السجن تحملنى معها إلى أى مكان ولو إلى جهنم الحمراء : فقد كنت بطبعى أكره البقاء فى مكان واحد وقتاً طويلاً . وكنت دائم التنقل من مكان لآخر كالنحلة ، وكنت أسافر من القاهرة فى الصباح إلى بورسعيد ثم انتقل منها إلى دمياط ثم أعود إلى القاهرة فى مساء نفس اليوم . ولكنك فى السجن مفروض عليك أن تبقى مكانك والزنزانة ضيقة والباب مغلق على الدوام ، حتى المناقشات بيننا انتهت . حتى الكلام أصبح معاداً ولا جديد حتى السرحان خارج الأسوار أصبح محدوداً كأنما خيالنا مسجون هو الآخر مع أجسامنا فى زنزانة سجن القلعة .

ولم تكن لدى أى أخبار عن الأسرة ، لم يكن عندى من الأولاد إلا هالة وكانت فى شهرها الخامس عشر وكانت زوجتى " حامل " فى أكرم منذ شهر ونصف ، ليلة اعتقالى ، ولم يكن لهم مورد سوى مرتبى وسيارتى تركتها فى الجراج لا أدرى عنها شيئاً . وشقيقى صلاح كان فى السنوات الأولى بالمدرسة السعيدية لا حول له ولا قوة ، والوالد كان على المعاش ولا يعلم أحد ماذا يخبئه الغد لأسرتى الصغيرة !

وذات مساء همس السجن كله بأن مدير عام المباحث وصل الى السجن بنفسه ليشرف على إعداد زنزانة لاستقبال شخصية هامة فى طريقها إلى

الصفحة 42

السجن . وضرب الشيوعيين أخماساً فى أسداس ، وراحت التحليلات والتنبؤات إلى كل إتجاه ، بعض العارفين ببواطن الأمور أكدوا أن خلافاً حاداً وقع بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بشأن اعتقال الشيوعيين ، وان عبد الحكيم عامر يرفض بشدة اعتقال أى شيوعى باعتبارهم من القوى الوطنية الذين حاربوا المستعمر 1956 ! وإن عبد الناصر أمر باعتقال عبد الحكيم عامر وهو فى الطريق الآن إلى معتقل القلعة ، وقال البعض الآخر إنه المهندس عبد المنعم شتلة أحد زعماء الحزب الشيوعى المصرى الذى كان يقود النضال من مخبئه قد وقع فى أسر الحكومة . وجاء المعتقل ال VIP فى منتصف الليل وحاول البعض أن يسأل حراس الليل عن اسمه أو عن شكله ولكن أحداً منهم لم يحصل على شئ يفيده . وفى الصباح كانت المفاجأة ، فالسجين الجديد ضابط فى الجيش المصرى برتبة عقيد وكان ملحقاً عسكرياً لمصر فى ليبيا ، ثم سحبوه من ليبيا لسبب أو لآخر وأبقوه فى القاهرة بلا عمل ، فلا هو عاد إلى ليبيا ولا هو عاد إلى صفوف الجيش ، فتحمس الرجل وكان من الضباط الأحرار وكتب برقية إلى زكريا محيى الدين وزير الداخلية نصها : أن السجن الصغير أحب إلى من السجن الكبير ، فكتب زكريا محيى الدين على البرقية : يجاب إلى طلبه ، فألقوا القبض عليه وحبسوه فى سجن القلعة ، لقد صار الملحق العسكرى مسجوناً مثلنا .. ولكن هناك فرقاً ! كانت الزنزانة مفتوحة الأبواب على الدوام ، والملحق العسكرى يشخط وينطر فى جميع الحراس من أول مدير المعتقل إلى الشاويش طه .. وكان الجميع يلزمون الصمت أمامه ويؤدون له التحية العسكرية ، وعندما رفض أكل المتعهد جلبوا له طعاماً من مطعم شهير فى القاهرة ، وسمحوا له بوابور سبرتو وبراد شاى وكنكة قهوة لكى يصنع لنفسه ما يشاء من مشروبات ، وكان من حقه أن يكلف الجندى بشراء أى شئ يلزمه من الأسواق . وكانت زنزانته عامرة بكل أنواع المعلبات ، كما جاءوا له بملاءات بيضاء نظيفة وبطاطين خاصة من منزله ، كما سمحوا له بجهاز راديو ليستمع إلى الأخبار ، ودخل الشيوعيين معه فى حوار ولكنه كان

الصفحة 43

أشبه بحوار الطرشان ، فهو لا يعرف الفرق بين الشيوعية والانكشارية ، وهو رجل ضبط وربط . وخلافه مع الحكومة كان خلافاً حول حقه كضابط من الضباط الأحرار فى اتخاذ القرار المناسب وعدم التقيد بالأوامر المركزية التى تأتيه من فوق . ولم يمكث طويلاً فى السجن ، جاءه مدير المعتقل فى العاشرة مساء كما فعلوا مع رشدى صالح وأمره أن يستعد للخروج ، ولكنه صرخ فى الضابط صرخة عنترية ونهره بشدة ، واتهم الحكومة إنها تدبر مؤامرة لقتله وأقسم أنه لن يغادر سجنه إلا فى الصباح وفى سيارته ومع أشقائه وأهل بيته . وقلت يا سبحان الله .. لو طلبوا من العبد لله مغادرة السجن فى منتصف الليل لوضعت ذيلى فى أسنانى وانطلقت بأقصى سرعة حافى القدمين وإلى غير مكان إلا إلى الشارع .. وبالفعل لم يخرج من سجنه إلا فى الصباح وحاول الرجل توزيع ما لديه من علب محفوظة وكميات شاى وبن على المعتقلين ولكن مدير السجن رفض ، فغادر سجنه بعد أن مر على جميع الزنازين وصافح جميع المعتقلين . وكانت لفتة طيبة من الضابط الذى رفض السجن الكبير وآثر السجن الصغير فأجيب إلى طلبه !

الصحة 44 لا توجد

الصفحة 45