الفصل الأول - مطار قلندية
ظل جسد طائرة (سكاي هوك) يرتجف لدقائق كعادة الطيارين قبل الإقلاع، جسده أكثر ارتجافاً، حاول الثبات، زاد من التصاقه بجدار مبنى المطار، حتى انساب جسمها محلقاً في الأعالي، هو مطار صغير وحيد فيما تبقى من فلسطين، حاول استنشاق الهواء كله هناك ، قد يكون مجرد ضيق تنفس عارض ، لم يبق له هواء في الهواء، فلتأت نسمة باردة، ربما يريدها دافئة.
تهتزّ الأرض وتدور في حدقتي عينيه، كل خشيته أن يلحظ تلاميذه عليه هذه الأحاسيس، وماذا لو داخ وهو يكتب إيضاحات لطلابه على السبورة؟ يسأل طلابه فجأة
كيف تطير الطائرة في الهواء وترتفع مع أنها معدن ثقيل، ومحملة بالركاب وبأمتعتهم؟ ضحك أحدهم مستنكراً خروج مدرّسه عن موضوع الدرس، حيث كان يشرح لهم عن التغذية السليمة والنظافة والوقاية من الأمراض، رفع أحد الطلاب يده مستأذناً، أجاب في هدوء
مراوح الطائرة تقوم مقام حركات جناحي الطائر، وجسمها منساب كجسم الطائر، قال لهم رحم الله الحمار الذي حاول الطيران دون أن يفطن أنه لا بدّ أن يكون له ذنب، كي يساعده للهبوط في أمان، أزيزها وتسارعها للتحليق في الهواء تجعل عيني وديع غائرتين، يحاول حصرهما في عيون طلابه والسبورة، لكنهم لا يشاركونه تعلقه بالسماء، ينظر عبر النافذة المقوسة، ليست واسعة، لكنه يستطيع مشاهدة سماء زرقاء باهتة، أرضية المدرسة قوية صلبة، وهنا مكان عمل وواجب وحياة، مرت ساعات التدريس بطيئة ذلك اليوم ، أسرع الطلاب في الانفلات من حصار الصفوف والدروس، تفقد المدرسة وساحتها الخارجية فلم يجد طالباً واحداً لمساعدته في إدخال كرسيين، اختفوا كأشباح مذنبة، يلقي بجسده على أحد الكرسيين في ساحة المدرسة، تتلمس أصابعه أضلاع الكرسي المخمشة ومفاصله في قلق، تصدر أصوات راجفة رادفة، تمنى لو يعرف الشخص الذي أراح جسده عليه أول مرة ، الكرسي يتحدّر نازلاً ، وصولاً إلى مدير مدرسة ثانوية ، فمدرسة ابتدائية في مدينة ، حتى قرّ قرار لمسئوول في إدارة التربية والتعليم في تلك المنطقة ، فأمربتحويله لمدرستنا الصغيرة. يرفع شبح طويل قامته ، يتطاول رأسه أعلى من أسطح منازل القرية العتيقة، متشابهة بيوتها تقريباً ، بلباس شبه شرطي، ربما أعرفه ويعرفني جيداً، أهو الذي لعب ورق الشدة معنا قبل يومين، هل أناديه ليحدثني عن مغامراته، يقول: هذه طويلة باردة، وتلك بدينة ورائحة عرقها منفرة، وغيرها قصيرة مشدودة العضلات، والأخرى بيضاء قليلة الكلام، والرابعة زوجها يعمل في مشاغل الجيش بمدينة الزرقاء، لا أحسّ برغبة معارف من هذا القبيل لا أقوى على خوضها. شعره الكث المنفوش المتمرد تحت غطاء رأسه ، يهمش ملامحه ويشوه هيبته. ماذا يريد؟ وعمّ يبحث؟ لا يوجد في باحات البيوت إلا النساء بعد العصر، في يوم خريفي تعيس كهذا اليوم.
سمعتْ أمينة من المذياع وقرأت في الصحف عن نجاحي في الشهادة الثانوية. كأنها تخاطب شبحاً غير مرأي قالت لي ، تركز نظراتها شبه المتجمدة على نقطة واحدة ، حدقتها نملة تسعى ، تتسلل من بين شفتيها كلمات حالمة
كدت أطير من الفرحة ، ارتفعت حرارتي ، أحسست أنني أتسامى، أنساب مع النسيم الذي يغمر المدينة، فيعبر كل صدر وكل أذن، أطيش ذاك يا ترى؟ أم رهبة يغلفها خوف من المستقبل ، أردتك أمامي لحظتها، يا وديع ، وددت اختراق الحجب لأراك ولأشد يديك ، قلت لنفسي حان الوقت لأعيث فساداً في عقلك وقلبك ، أحسست أن نجاحك هو هدية عقلك لي.
وأين هدية قلبك؟
معذرة ومهلاً، دعني أكمل يا وديع، ستحصل على وظيفة في سلك التدريس ، وبدرجة أفضل مني ، فرحتُ! فرحتُ جداً! ، لاحظت والدتي وأختي الصغيرة وأخواي عليّ ذلك ، أما أبي فليس لديه وقت للجلوس معنا طويلاً ، ينام مبكراً بعد العشاء حتى يصحو مبكراً لشهود صلاة الفجر في المسجد.
ينتابني قلق أو هو خوف وأنا أقتعد طرف الجدار المنخفض أمام باب المدرسة ، رفعت رأسي عن يديّ المستندتين على ظهر الكرسي أمامي ، ولماذا لاأفكر بغيره وبغيرها؟ تركت الكرسي قبل قليل وجلست على طرف الجدار، غادر الطلاب الكبار والصغار ، وقبلهم زميلاي المدرسان، كأنني خادم أمين أو حارس للمدرسة، أول من يدخلها وآخر من يغادرها ، تمنيت لحظتها أن أرى بشراً سويا، وليس متلصصاً.
إنسان حقيقي أمام ناظري، ربما غيظ لإغفالي له، أرْقُبُهُ جيداً، والمسافة الأفقية بيننا أقل من ثمانين متراً، أينا يحذر الآخر؟ مالي وللغير، ولماذا ما زلت في المدرسة؟ وبمفردي؟ استقامت قامتي أطراف أصابع يدي اليسرى تتحسس جيبي (الفارغة) ، هل أرتجف؟ رعبا؟ وحشة؟ مرضاً؟ ما أسهل ما تصيبني مثل تلك الرجفة ، استغرب الطبيب حين اشتكيت له مرة، لم يعطني دواءً شافياً ، أو تفسيراً علمياً يقنعني، أكره التخمين والشك والتفسير العشوائي والطب الشعبي، الوهم والتبعية أعداء لي، لا أهتم بالجن ولا بالعفاريت، لا أحتاجها ولا أخشاها ، وإن وجدت فلا حاجة لها عندي.
والدتي! ، تذكرتها، أتحرك متعجلاً لإقفال المدرسة، لا بد من إدخال الكرسي الثقيل القديم، أنت كسول يا وديع، لو وجدت طالباً ولو كان ضعيف البنية هزيلاً مصاباً بفقر التغذية، لكلفته برفع الكرسي أو سحبه أو دفعه لإدخاله، غيوم خريفيه تقترب من سطح الأرض كضباب، غاب شبح الشرطي ، ولم أعد قادراً على رؤية المارين في الشارع القريب، أسرع في التحرك لمغادرة المكان، الهرب!، تصحبني وأنا أغادر المدرسة كمهرة فتية لم تتدرب على السباق بعد ، أسرع لطعام أمي الريفي كما عودتني، ، غياب يوهن العظم، يزيد من ثقل الصمت، ويطيل السبيل إلى السنابل المكتنزة، مسدود ممدود، تنسلّ البسمات من مرافئه والمسارات، تسري أسماؤها على اللسان، رمينة فامينة أمينة ومينا إلى سهر الأسحار، حروف اسمها تنبض في قرص الشمس الغاربة، تتلاحق الهواجس في عينيك.
يقول أمجد، العالم كذبة!
نعم؟ ماذا تقول؟
أقول ، العالم كذبة كبيرة! شفط نفساً طويلاً من سيجارته، ألمّ به شبه اختناق، تردد وتلعثم ثم نطق، إنه مغيَّبٌ! وأوقاتنا أحلام.
- لكنك دوماً تبحث عن حب ، أو سيجارة ، أو لعبة طاولة زهر ، أجابه وديع، ولن تجد كل هذا إلا في عالم ، وستظل بحاجة إلى وقت. فيجيبه أمجد بهدوء غير مسبوق ، وعلى غير عادته.
قلت لك يا وديع الشنيع إن العالم غير موجود. ثم إذا وجد فإنه لا يتحمل المساءلة ، ولا يستطيع أحد أن يحاكمه ، آه لو كان العالم رجلاً واحداً . . . قاطعه وديع قائلاً
وماذا كنت ستفعل؟
وما يدريك فربما أنتحر
أو تهرب أو … تتنكر لآرائك. يحاول وديع إغاظته ، مع أنه لم يفهم ما يقصده صديقه أمجد ، ولأنه يعرف أنه يأخذ الأمور بمعايير الطيش المتمرد، مستهتر هائج أحياناً، لكنه محبط في معظم الأحيان ، لم يشأ وديع أن يطيل جدله مع أمجد. لكنه تذكر فقال
سأقتله.
تواترت لقاءات وديع مع نظرائه الذين كانوا مثله في السنة النهائية من الدراسة الثانوية ، ومنهم أمجد والكركي والدرّاس والساكت والطنان وأكرم وحملوف،
أمجد يقول
الدنيا ستبقى ملك أيدينا ، والبنات سيصبحن أكثر جرأة من الرجال، وأنتم تعلمون أي رجال، لا كأمثلكم من الصعاليك والمهمشين. فيجيبه الطنّان
دعنا من أحلامك ، أنت مهجّر مهرّج صريح فاضح ، قد نعدك محارباً قديما يائساً ، لكنك تبقى فاحشاً، وسفيها لا تحسب العواقب. وهبّ الكركي قائلاً
دعه يبدي رأيه، لكنني أقول أن داءنا هو الدين والتدين والمدعون الذين يجهلون ما يقولون. فقال له الدرّاس
أنت يساري غير شيوعي، جريء وقاس في أحكامك، يظن من يسمعك أنك واثق من نفسك ومدعوم.
إسكت يا درّاس، يكفي أن اسمك (لزقة)، أو انك غراء مزيف ، يظنك الواحد سليم النية، لكن ضحل إذا تكلمت ولوّام، لا تعرف من العالم إلا كتاب وامتحان، ثم يكمل حديثه يوجهه إلى الساكت وأنت ما قولك فيما تسمع وترى؟ فيجيبه الساكت صوبت هادر بعد أناة
تعرف أنني فضل أن أستمع أكثر مما أتكلم. فيتنطع له أمجد قائلاً
تسكت دهراً وتنطق صفراً ، وهل تظن أن المعركة في السكوت أو في الصياح؟ فيرد عليه بصوت أشد ارتفاعاً كأنه غاضب يريد التحدي والصراع.
من الأفضل لحمار أحمر طائش مثلك أن يلتمس الأدب أو السكوت على الأقل، يلفت صوت الساكت أنظار المارة في الشارع وخاصة الإناث، سمعنا إحداهن تقول
معركة حامية، ستسيل داء وتتشوه وجوه، قالت أخرى
ربما تقتصر النتائج على تمزيق ملابس، فتجيبها ثالثة
وهل تحبين التوقف وتأمل ما سيظهر؟ لكن أمجد قاطعه قائلاً
وماذا يفيدنا أشكالك؟ أنت ديكتاتور في أحكامك، ولسنا في مجلس جاهة ولا وجاهة، لا تتراجع عن رأيك ولا يمكنك إقناعك، وتدعي أنك سليل مشايخ، تسكت أكثر الوقت لكنك سرعان ما تغضب وتغضب غيرك.
نحن أسيادكم ، وما عليك إلا لهدوء ومسايرة ركب الجماعة. ولا تنس أننا ما زلنا طلاب. يخفي الآخرون سخطهم منه وسخريتهم، مما يجعله يشتط غضباً وثورة، فيقول للحاضرين، سأنبذكم، يفارقهم عائداً إلى بيت والده الضابط في معسكر على أطراف المدينة، فيتساءل الدراس
وأنت يا طنان ما قولك؟ أو هل تصرّ على أن تبقى طفيلياً لاصقاً منحوساً. فيتدخل أمجد ثانية
لا نعرف متي يتكلم ولا متى يسكت. أما السيد أكرم فهو دائماً وراهم وراهم، لا ضدهم ولا (معاهم). ضحك أكرم فأراد أن يبعد البؤرة عنه، فقال ولماذا لا نسمع من الملحق الهامشي؟
فيتساءل الكركي قائلاً
وماذا ترجو من حملوف الشيوعي، صاحب الادعاءات، يدعي بقدرته على التمرد والعصيان عند الملمات، يريدك تابعاً له حتى الممات. وما رأيكم في الخدّاش يا جماعة؟ فينبري نافخ الشبابة قئلاً
الخدّاش، حمال الأسية يا قلبي، والدتي تقول عن أمثاله -لا في الخيل يردوك ولا في دزّ الرماح- لكن ولوقف هذه التراشقات الكلامية بينكم، اسمحوا لي أن أحكي لكم عن سطور قرأتها عن العرب، حاضرهم ومستقبلهم:
(لقد وضعت الاختراعات والاكتاشفاات العرب في مقدمة أمم العالم في وقت قياسي، وصار اسم العرب يلمع كالذهب عيار 24 قيراطاً في كل مكان، وليس فوق الأرض فقط، وإنما في الكواكب والسماء والمجرات، صار يكفي أن يقول المرء أنه عربي حتى ينحني له الناس في كل مكان، صار يكفي أن يزور الأجنبي إلى ولاية عربية ليستقبله أبناء بلده بالمطار ليحظى المستقبلون بشرف مصافحته قبل غيرهم، وقبل أن تمسح آثار العرب الزكية عن يديه، صار يكفي أن يقول الواحد أو العالم في الغرب والشرق هكذا قالت العرب، فيصمت الآخرون كما صارت اللغة العربية لغة العالم أجمع، وبخاصة في العلو والتكنولوجيا وفي وقت قياسي)
يظل أمجد أعرف الناس بوديع، فهو أكثرهم به التصاقاً برغم المفارقات والتناقضات بينهما.
نيران موقدة، تمتد إلى الأفئدة، لماذا لم ينشئ الإنجليز الخبثاء نفقاً تحت طريق مطار قلندية قبل رحيلهم، لا شرف عندهم ولا ضمير، أولاً:عهد لهم إنشاء دولتين قادرتين على الحياة والبقاء في فلسطين، حسب قرار الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، ففعلوا مافعلوا، وتركوا الناس نهب الفوضى والخوف، يعيشون على الأحلام أو الوهم الكاذب،
اضطرت سيارة الأجرة التوقف عند بوابة المطار، حتى يتم التأكد من سلامة إقلاع الطائرة.، تخاطبك أمينة في حرج لكن في حماس يشبه الطيش ، خالطه شك من رد الفعل.
صرت أدور في حيرة باحثة عما سألبسه، للقاء الغالي ، للقائك بهذه المناسبة يا وديع ، هل تستغرب ماتسمع ؟ عرق يسح تحت إبطي وفي كل مكان ، ذهبت للمرحاض مرات عدة ، موجات من اللفح الحراري تتعاقب على سلقي ، تغمرني بعدها موجة عرق باردة ، فأقشعر ، هل تصدق كنت أقشعر ، أكثر ما أقلقني خشيتي أن لا نلتقي هذا اليوم ، تسكت قليلا ثم تكمل، قلت في نفسي، ً(معظم ملابسي رآها وديع ، أريدني معبرة قلباً وقالباً عن فرحتي للقائه هذا اليوم. نغم هذا اليوم بالذات، أريده أن يشهق تساؤلاً ، إعجاباً ، إسـتهجاناً . . . . )
- أتريدينني هادئاً بارداً مكبلاً، أم حسب صورة مرسومة في ذهنك؟ لم تجب على ملاحظته المقتضبة، وكأنها لم تسمعه. تزداد إصراراً ، تنقل تركيز نظراتها إلى وجهي تخترق أغوارعيني، تصرّ أن تكمل ما يدور في خلدها في حرأة لم أعهدها من قبل.
وديع حاضر حتى لو كان غائباً، وبرفقة أمحد خبير المقاهي والطوشات، يجلس الرفاق على المقهى أو يذهبون إلى السينما ، وينضمّ لهم آخرون أحياناً، في رام الله يمشون، وللنكات يتبادلون ، وبأصوات عالية يتجادلون، وعلى درجات بعضهم في الامتحانات يضحكون ، وإن ثار أحدهم يتصايحون، منهم المهيجون المحرضون، ومنهم المؤيدون أو المعارضون، وأكرم يظل وراهم وراهم، لا ضدهم ولا (معاهم)، والملحق الهامشي حملوف، حمّال الأسية يا قلبي ، يخنس حتى تحسّ كأنه ذاب، أما وديع فيذكرهم بمكان تواجدهم، مقهى أو شارع عام أو ان الفيلم سيبدأ بعد قليل إن كانوا في سينما، يكره الصوت العالي والصياح، ويصرّ على تكرار جملته (الأمور لا تحلّ بالصياح) لكن إن لم يجد أذاناً تهتم لكلامه، ترك الجمع منسلاً في صمت، حزيناً لأنه لم يستطع أن يوقف خلاف الأصدقاء الأعداء، ديوك تكاثرت في زريبة، لا بد من التصفية النهائية لديك واحد، لكن لم يصدف أن بلغ الغرم كي تسيل دماء، كمثل تصفيات الديكة وحرابها بالنقر والرفس والخمش والقفز السريع والاستقواء، كلام في كلام، وأغلبه هراء في الهواء، لا ينفع ولا يضر، لكنه يفض الجمع، ولم يصدف أن قبلوا تأطير الحدود أو دمج المواقف أو تحليل الخلاف. يقاطعهم وديع أياماً بعد كل خلاف، لكنه اعتاد على نكدهم، أو انهم كلهم اعتادو على المخالفات والتحالفات والخروج على المألوف في آخر النهار، وفي صباح اليوم التالي سلام وعناق، اعتادوا على التجمع قرب مدخل الفندق في شارع أعمدة الإذاعة في مدينة رام الله، وأحياناً في شارع الشجر في قاع المدينة قرب الحسبة القديمة، قرب مصنع الدخان.
هل هناك عقلاء في بريطانيا؟ قال أمجد، فيجيبه حمال الأسية
لن يمضي وقت طويل قبل أن تصحو ضمائر العقلاء منهم، وسيحاسبون أنفسهم على ما فعلوا. فيجيبه حملوف الشيوعي
من الذي سيحاسبهم؟ إنه كلام أفلام وروايات، ، الاتحاد السوفياتي فقط لديه حلول لكل مشاكل العالم.
وديع يكره السياسة والسياسيين الضالين، ومهاوش الكركي يقول إننا نعرف العقل حتى لو لم نره ، وذلك بالأعمال العظيمة التي تصدر عنا بأوامره ، ويصرّ أنه أقرب إلى البعث من كل التحزبات الأخرى، كانت طريق الإذاعة في مدينة رام الله شارعهم المفضل ، لأن أشجاراً كبيرة معمرة مزروعة على جانبيها ، تحتضنهم وتحميهم من أشعة الشمس نهاراً ، ويسمونها ملجأ الأشباح ليلاً ، لكنهم يتلفعون بملابس أثقل بعد الغروب تخوفاً من اهتزاز أغصانها وما يعقبها من ارتجاف أوصالهم ، تهبّ ريح باردة من الغرب ، تعانق شفاه الجبال وتحمل معها أنفاساً باردة ، باحثة عمن يدفئها ثانية ، فتلقي في صدور الشباب الرعب، وتتجلى في تقلص مفاصلهم لكثرة ما علق بها من نكهة الخصب ، ثقيلة كأجواء الكهوف، لكنهاعابقة بطراوة جمال بنات المدينة المعروف. (ليتك ما زلت في القرية يا هناء ! فهل سأعود لعمان قريباً؟) . . تزلزلت الأرض ، وتضاءلت أثقالها ، نيران موقدة تمتد إلى الأفئدة ، تهجير يمسح أغلفة الطرقات، أمراض تستفحل أو يقول الناس مالها؟ ووديع لا يوقف التحدّث عن أخبارها، لن يستقرّ العالم مادام يجفل من أسرارها، فضاء معتم دون فضاء. بعيداً كان أو.. قريباً!.
فامينة الأمينة والأستاذ سعيد السعيد - حسب رأيه -، والأستاذ حمدان قريب وديع ثم ال (سـكنك) المسمى صخر ، وتصميم وديع على الدراسة الجامعية وعبء والديه، كلها أثرت في وديع، خيوط قوية تجذبه، بل أسلاك تتشابك حوله ، عصية على التفسخ أو الاختزال ، يتراكم قلقه يوماً بعد يوم ، تضارب وتناقضات تفجرأعماقه أشتاتاً داخل بنيته النحيلة.
تحتضنه فور خروجها من الحافلة ، تضغط أمينة عليه بذراعيها بكل جسدها وبقوة ، أحس بصلابة ثدييها وهما تلتصقان بصدره ، تضغطان حتى على قلبه. فكانت قبلة ذلك اليوم! . . فريدة ومباركة و.و و. . ومعسولة ، حرارة شمس الظهرتشع ، والناس يبحثون عن الظل في مساراتهم ، بعض ركاب السيارة التي حضرت بها من (بيت لحم) لم يكملوا نزولهم بعد ، آخرون نظروا للموقف بفضول ، ربما تمنى البعض معرفة سبب هذا التضامّ ، وحذاءاها المستعاران جعلتا وجهها يكاد يكون على مستوى وجه وديع ، وأتبعت القبلة بهمسة خاطفة خجولة (أحبك) ، نهر هادئ يتمرد على مجراه الطبيعي.
لم يتوقف وديع يوماً ما، وحتى تاريخه عن التخطيط والرغبة في لقاء أبي ميشيل، قد يشتري كتاباً من مكتبته ومن ثم يتحدث إليه، رغبة تراوح مكانها لتصبح سطراً من تاريخ مفقود، أو تبقى أمنية يتيمة محدودبة ، عويل داخلي وحداء ، تنتابه أفكار حوامات غامضات ، يصرّ على أن العالم سوف يتغير، (يا فوق يا تحت)، وأحياناً يقول لأمجد، سنقفز للأمام كثيراً، أو سنعود للوراء أكثر بكثير مما نحن عليه، يتذكر صيحات الرفاق، في شارع واسع أو زقاق، ممزق لا يعرف ماذا يفعل حين تضيق الآفاق.
وديع يسأل الأستاذ سعيد في ظلمة الضلال، في صمت الخيبة، في المنزل المملوكي الطراز بعد منتصف الليل
لماذا أنت وأنا فقط؟
تحت ضوء ضعيف يجس على أريكة خشبية، زال معظم الدهان عنها، تحدث أصواتاً شاكية مخنوقة، خشبها ثقيل، لكن الزمن هدّ من قوته وهدّده، الضوء الهزيل لا يقوى على إنارة الصالة الواسعة، رواق بجدران ثلاثة، والرابع يتوسطه عمود حجري أثري قوي، كل شيء شاحب، شجرة كثيرة أعوادها، وأوراقها لا تغطي إلا رؤوس الأغصان، لكنها مدلاة ضعفاً أو اصفراراً أو عطشاً، الليل يخفي الكثير من الأسرار والعيوب، والعجوز تسير ببطء وبشيء من تعب ، بيضاء لكنها بلا لون، تزيد من إحساس وديع بضعف كل الألوان، في باحة واسعة تحت رحمة ضوء باهت ضعيف، لا يقوى على طرد العتمة ، قلب وديع منقبض ، وروائح غير متطابقة ولا ثابتة هنا وهناك ، عطر يختلط مع عرق بشر وعرق قوارير ، ونتح أشجار مكتومة ، لا تلاقي ما يلزمها من الهواء النقي، أو الري الكافي، شاحب وجه المرأة ، ليست عجوزاً بالمعنى المتآلف عليه بين الناس ، مليئة بطيئة، لا ترى بريقاً في عينيها، حركتها وحجم جثتها تشعرك بثقل الحياة، وحين فطنت، تأملتها بنظرة سريعة مسروقة، تجلى شحوب في عينيك، تلمّسْتَ بشرتك، وترهلات صارت تغطي شرايينك ، يحاول أن ينبئك سعيد بعينيه مالا تقوى لغة على توصيل ما يدور في خلده، لكنه قال لك
مسكين أنت، تنسى أنك من الملعونين، آلاف مؤلفة تتلبسهم اللعنة، ضيقاً خوفاً حزناً أو يأساً، رجال ونساء سواء بسواء ، كلنا في الهم . . . .، هكذا هو العالم، فاجر ظالم أو مظلوم ، والناس راكب أو مركوب، قوي أو ضعيف، وما بين تلك الأصناف ضباب وهباء بلا سيماء، متحجر لا يقبل التحلل ولا التحليل، حلزونات أو مشطوبات، إفهم، إفهم، لعلك تفهم. هذه ظروفنا، فانفذ منها إن اسطعت، أو هات السلطان. لم يتفوه وديع بأي كلمة مسموعة، والعريضة الشاحبة تتأمله، (نوهم أنفسنا أحيانا بأننا نفهم ونعرف أكثر من غيرنا ، ولكن عند المحك الحقيقي نكتشف جهلنا وزيف فكرتنا أو ضحالتها).
قبل أربعة أعوام، يومها أبلع وديع صديقه أمجد أنه حظي بقبلة على الشفتين من صديقته ، أو كما يسميها حبيبته أحيانا ، قال أنها احتضنته وطوّقت وسطه ، نظرت في عينيه قائلة في همس : مبروك يا وديع!
ترفع رامينة وجهها للأعلى لأنني أطول منها ، تفترق شفتها السفلى عن أختها وهي تنظر في عينيّ ، تمتد الشفتان للأمام في ارتخاء ، أراهما تتضخمان ، وأنا كحيوان ، لم يعتد فمي إلا على الطعام والكلام ، يغمق لونهما القرمزي ، لا تدري كيف تمّ الالتصاق؟ وكيف جرؤت عليه؟ نداء الطبيعة لا يحتاج إلى تعليم أو خبرة ، وجدتني محنيّ الرأس أقترب في حذر وتردد ، لكن تلاحم الشفاه لجمني وغلف حيائي ، ترتجف رامينة ، ثم تجفل نائية متراجعة ، خطوة واسعة للوراء ، نصحو للعالم المضطرب حولنا ، سرعان ما سمعنا تعليقا ممضاً من شخص ما ، كنا على طرف الرصيف ، وعلى بعد أمتار قليلة من سور القدس.
تحلق طائرة الكونفيربعيداً وعالياً إلى الشرق ، ثم تلتف قليلاً للجنوب ، تتابعها النظرات في لهفة حتى يبتلعها سراب الآفاق ، فكا وديع يصطكان ، يصبحان مفترسين ، أسنانه تطحن بعضها ، وصريرها مسموع ، تنبه له شخص على مقربة منه، دماغه بيضة تهسهس في مقلاة على نار حامية.
ماذا عليّ أن أفعل حتى أرضيه؟ أو لأوفق بين ما أريد وما يريد ، شبه مستحيل في قوته وتصميمه برغم مرضه وشيخوخته ، يقول والدي العجوز [ لا تنس أن الناس ، كل الناس ، أقاربك وأهل بلدك ، ومعارفنا ، ينظرون لك ، وينتظرون ما ستفعله ، ثم لا تنس أنك ستكون قدوه لإخوانك وأهل بلدتك وحتى لمجتمعك].
ويقول صديقه أمجد عنه أمام زمرة الصحاب
- لا تصدقوه! وديع مارد مجنون ، لكنه كتوم في معظم الأحيان وملعون ، بعد أكثر من ستة شهور على بدء علاقته برامينة لمح لي ، قال أنهما يتبادلان الرسائل وأنها تتقن الكتابة في الحب والتعبير عن أحاسيسها ، وتعرف الكثير عن متاعب الشباب والواقع ، خشيت أن تشغل وديع عن الدراسة ، وعن اجتهاده المعهود ، ثم إننا نحتاجه في الرياضيات واللغة الإنجليزية وحتى في اللغة العربية. حين سمعهم وديع يتحدثون عنه تأخر مع اثنين آخرين عن المجموعة ، كانوا ثمانية في ذلك اليوم، ثم يكمل أمجد كلامه
- لا يفصح عن كل مايحدث معه مثلنا ، يلمح أحياناً ، ونلاحظ سرحانه أحيانا أخرى. ويعلق مهاوش بصوت هادر لكنه بطيء هادئ هذه المرة قائلاً
- ليس سهلا معرفة مداخل وديع أو مخارجه ، أوما الذي يشغل باله ، حتى لو كنت أقرب الأصدقاء إليه، هل قلت أصدقاء؟ شروط الصداقة عنده أصعب من شروط الفلسطينيين في إصرارهم على عودتهم لبلادهم منتصرين، ولا يعلم أن بريطانيا العجوز شامتة في كل العرب. ويعلق ثالث
- معظم حديثه عن التوقعات بعد الشتات ، ويسميه "داياسبورا العرب" يكمل أمجد
كتوم أيها الحمقى! كتوم، لا يحب الكذب حتى ولو هان، حتى الكذب الأبيض أو كذبة نيسان، يجامل أحياناً إن واجه تطرفاً من صديق أوشخص ما ، لكنه لا يحابي. حين تحدث عن تلك القبلة ، كانت فلتة من لسانه يتيمة ، أو أنه وقع تحت ضغط نفسي لم يقو على كتمانه، سألته أكثر من مرة عنها ، وماذا حدث بعد لقائهما الأول ، تهرب وقادني إلى مواضيع دراسية أو جدية أوعن دلف المطر في المخيمات، (لنكرّس أوقاتنا للدراسة ، والأمور الخاصة الأخرى إلى أوقات أخرى، في رحلة مثلاً أو بعد فيلم سينمائي) لم يسبق أن ذكر وديع مثلنا أنه حظي بقبلة من فتاة أو امرأة من قبل ، إلا عن قبلة على خدّ بنت أثناء لعبه معها في سني الطفولة البريئة ، أو بسلام عابر بين الأصدقاء والصديقات في رام الله ، في عيد مسيحي أو ماشابه من احتفال.
(مينة) تحمل شهادة الحد الأدنى، نجحت في مواد تؤهلها للعمل في مهنة التدريس فقط منذ عام ونصف ، مع أنها لم تكمل السابعة عشرة ، تلك الشهادة كانت تسمى (المترك) الأدنى ، وكان التقدم لامتحان تلك الشهادة متاحاً دون تقيد بالسن ولا بالمستوى التعليمي أو الدراسي في المدرسة ، أما الشهادة الثانوية الكاملة فتمنح لمن يجتاز امتحانات المواد المقررة كلها ، والتي تؤهل حاملها للعمل في أي وظيفة في أي وزارة أو أي شركة ، وتؤهله لمواصلة الدراسة في الجامعات، كم معلم حرّض جمعاً من شباب ، أو معلمة أثرت في طالباتها الناضجات ، الصمت موت، ومراعاة النظام في الحداد جبن ، وقبول الدياسبورا بالتخميد والتفرعات خيانة.
ثرثرت رامينة كثيراً وطويلاً ، ويختصر وديع اسمها أحياناً ، فيسميها أمينة، أو مينا، أو مينة، فرحة بنجاحي ، يتأمل ملامحها صامتاً ويصغي إلى كلامها دون مقاطعة، انفعالها غير منضبط حتى بدا له أنها لن تتوقف ، كلامك قيد يا شيخنا!، فأنا بعيد عنك وعن قريتك، أطال الله عمرك يا والدي ((لا تفعل سوءاً يا ولدي في حارتك وبلدتك وبين أهلك ، وإذا سترك الله فلا تفضح نفسك ، أبق ما فعلته من خطأ بينك وبين ربك ، فالعبد ليس له أمان.))، يعجب وديع من نضج أمينة المبكر، ومن وعيها وثقافتها وسعة اطلاعها، ويحب أن يستمع لتأملاتها، تواصل أمينة كلامها وعيناها صوب جدار القدس القديم:
لماذا نخشى التعبير عن فرحنا وحبنا أمام مخلوقات مثلنا يا وديع؟ لماذا لا نكون كالفنانين؟ يعبرون بمقطوعة موسيقية أو بقصيدة، برسمون كاريكاتيراً أولوحة فنية مثلاً ، ولماذا لانقلد زهو الطبيعة بزهرة بديعة ؟ لا أقصد أن نتشبه بالحيوانات ، مع أنها صادقة مباشرة لا تعرف الزيف البشري، طبيعية بدرجة الميتافيزيقا، أبعد عن قدرة الإنسان عن الوصف أو الفهم، حياتك ومستقبلك بل حياتنا ومستقبلنا بدأتا اليوم كما أرى يا وديع! ، لا تنس أننا عرب؟ ونبتة الحرية المعروفة والتي في الكتب موصوفة، لا تزدهر في أرضنا كما في البلاد البعيدة ، أعني قد تورق أحياناً لكنها نادراً ما تزهر ، وإذا أزهرت فنادراً ما تثمر. مرت سنة على صداقتنا ، أو أنك تفضل أن أقول: مرّ عام على بروز نبتة حبنا. أعرف أن عليك التزامات أسرية واجتماعية ، لكنني أريدك أن تطمئن بأنني سأظلّ ساعدأ إضافياً لك ، سنحلق إلى جوّ يعلو على الرؤوس المنخفضة والصغيرة ، وسيكون لنا عالم فريد ونظام جديد ، عالم مختلف مليء بالخلق وبالتطوير ، يهز رأسه وديع وهو يتذكر مقولة والده
"لا تفعل سوءاً يا ولدي في حارتك وبلدتك وبين أهلك ، وإذا سترك الله فلا تفضح نفسك ، أبق ما فعلته أو أخطأت به بينك وبين ربك ، فالعبد ليس له أمان"
سألني الشيخ عبدالله (أبومصطفى) ، جارنا الريفي العجوز قبل أسابيع قليلة: متى نفرح بك يا وديع؟ متى سنرقص في عرسك؟ معظم شباب قريتنا يتزوجون قبل الثامنة عشرة ، وها قد أنهيت دراستك الطويلة، وأنت أول شاب في القرية يواصل الدراسة حتى مرحلة الشهادة الثانوية وتنجح، وكل فرد في قريتنا شارك والديك في فرحتهما بنجاحك، غنى الجميع ورقصوا مساهمين فرحين، كأنها ليلة عرسك، وشربنا الكثير من الشاي والقهوة والدخان، فهل وقعت عيناك على فتاة في القرية؟ أبلغني عن أي واحدة يهواها قلبك ، ودع باقي الأمر لي ، ومن ضمنهن ابنتي الباقية ، وكذلك اياً من بنات أبنائي أو بنات بناتي ، فسآتيك بما يسرك. أقترب منه أضم جسمه المقوس النحيل إلى صدري حباً وإعجاباً بنخوة أهل قريتنا الطيبين وبمسارعتهم للمشاركة في فعل الخير عند الحاجة ، أجيبه بكل احترام وتقدير
أشكرك يا عم أبامصطفى على اهتمامك ، لكنني لا أفكر في الزواج قريباً ، فبماذا تفكر أنت بعد هذا العمر؟
بالحج ، أمنيتي أن أسمع الناس ينادونني (الحج عبدالله)
شباب هذا الزمان مختلفون ، أرضنا وحياتنا نار، والحج والتوبة لا بد أن تكون آخر المسار.
علينا أن نصحح أخطاءكم يا حاج أبامصطفى، وكذلك أخطاء الأنانيين والمغفلين ، أمور كبيرة وكثيرة مغيبة ، ال (داياسبورا) أعني الشتات يا عمّ والصمت المرعب على ما جرى، وكأن شيئا لم يحدث ، أتطلع بالحصول على مؤهلات تمكنني أن أحتل مركزاً نافعاً مؤثراً في المجتمع. يهز العجوز رأسه في حيرة ، لا أجزم إنه وعى ما سمع. لكنه أكمل حديثه:
إسمع ياولدي لا تقلق بهذا البلد ، ولا بوالد ولا ولد ، هناك أمور لا يقدرعليها أحد ، إلا الله الواحد الفرد الصمد ، تزوج! تزوج بسرعة! وأكثر من الأبناء والبنات ، و دع خلفاً من بعدك يقومون بما عجزنا نحن عنه ، ولا تحرك لسانك لتعجل به. ويقول رب العزة (إن علينا جمعه وقرآنه).
العم أبو مصطفى العجوز لا يكاد يغادر المسجد إلا لطعام أو شراب ، وعزاؤه الصلاة والدعاء والتظلم بتمتمات لا نفهم معظمها.
ترفع رامينة صوتها في تواضع، وبعفوية طفولية تتساءل
- ألا ترى يا وديع؟ ألا تتنبه لملابسي؟. فستانها جديد فيه الكثير من البياض ، والقليل من الزهور الخفيفة ، والمنمنمات المطبوعة ، بألوان ربيعية غامقة ، تقول: لا أدري كيف قررت أن أزور الماشطة ، وللمرة الأولى في حياتي ، قبل مغادرة مدينتي.
رفيقي أمجد (المخبول) ، عفواً أسميه المخبول ، لأنه متحرر مستتهتر أكثر مما يقوى أحد على مجاراته ، يتهمني أنني أتهرب من النعمة التي تلاحقني ، تقترب أمينة ثانية مني ، الفتحة واسعة حول العنق ، يطل من الأفق هلال يومض من وراء الحجب، خجول في هيئته، لكن ضعفه في قوة أثره، قال لها متى يصبح الهلال بدراً؟ نظرت إليه باستغراب ، ماذا قلت؟ وما الذي جاء بالهلال وبالبدر في هذه اللحظة إلى عقلك؟ قال في نفسه (لحظة يعزعنها الوصف، قوة تنجي من الظلام والملام ، أجابها كلمة عابرة وسامحيني عليها، لكنه عاد يقول مازحاً: ماذا جرى؟ رأسك أعلى من ذي قبل ، أو هل طالت قامتك خلال الشهرين اللذين لم نلتق بهما يا أمينة؟
ضحكت بطيش وهي تلتصق بجانبي الأيمن ، فلا بد أن أطوق وسطها بيدي اليمنى ، شخص عابر من باب العامود أو هارب، قال (عاهرة!) وهو يهز رأسه.
يرتبك أغلب الناس المتواجدين في ساحة وقوف السيارات فجأة ، يجفلون حين يسمعون صليات من طلقات رشاشات سريعة قوية مدوّية ، خلف المنطقة الحرام بين شطي القدس (القدس الشرقية والقدس الغربية) ، يستعد أكثرهم للالتصاق بسور القدس القديمة ، أو للانبطاح على الأرض أملاً في النجاة من النار. المغتصبون يتحدثون بالرصاص، أي شيء يريدون تحقيقه أو قوله، ينطقونه بلغة الرصاص، وبرشاشات لم نشهدها من قبل، وبسرعة لم نصدق أننا سنسمعها يوماً ما، ينجحون كثيراً في إخافة الضعاف والنساء والأطفال والهامشيين، امينة كانت أسرع الناس نسياناً لطلقات النار ، جفلت أعصابنا كغيرنا في البدء، لكننا لم نعد نفرق بين الموت والحب ، لا تدري مايدور في عقلك ، تجذبك قائلة:
- الحذاء!. . . ألا ترى؟ الأحذية تعزز، ترفع وتمسخ ، و تسريحة شعري!
تطفر خصلة شعر خفيفة، انطلقت من إسار الملاقط مع الريح، ترفرف ممتدة هفهافة، وتدور عينا وديع معها محلقة، ونفس الريح تجلو غباراً عن بعض رؤوس ، وبعض رؤوس تقتنص ما يعلق بكل ريح من غبار. فيحاول أجابتها
ماالذي أنزلنا من الرؤوس والعقول إلى الأحذية؟
استعرت اليوم حذاء ،من إحدى صديقاتي المعلمات ، جميلة لطيفة لكنها أقصر مني ، ولا تشتري إلا الأحذية العالية. سرح وديع بأنظاره إلى الأشواك التي تراكمت في الفراغ لفاصل بين القدس الشرقية حين يقفان وبين القدس الغربية القريبة على مرى حجر باليد، هل كنت تحلم يا وديع؟ تقول أمينة، وبماذا فكرت؟ هل فرحي ضايقك ووجودي ؟ تدعني أتحدث طول الوقت وأنت صامت أو شبه ساه، فهل أنا تحت الاختبار؟ أو تحت التشخيص؟ وهل وجدت لي من علاج؟ وجهك لغز، أرحني بالله عليك ، هل رفقتي تسبب الكمد؟ أو أنها ضحكاتي العالية وطيشي؟
في هدوء وبطء متعمد مددت كفّي صوب فمها، وقلت لها.
- سامحيني أن أناديك مينا أحيانا يا فامينة ، هذا أولاً ثانياً:مرحباً بالجنون يا أمينة! فماذا ترين حتى تجهدينا كلينا؟ هل تظهر آثارآثام على وجوهنا؟ أتبرزأختام من عبث عميقة في جلودنا؟ سيأتي وقت نودع الوهم فيه والخوف.
بان الاستغراب على نظراتها والإعجاب ، لسان وديع ينطلق بتعابير لم تكن تحلم بها ، تباطأ اندفاعها أو أوشك على التوقف أمام انبثاق نبعه الذي حيرها ، روّى بعضاً من ظمئها ، ابتسمت للريح في ارتياح قائلة
- قرأت طويلاً في كتاب جبران خليل جبران ليلة الأمس ، وتوقفت طويلاً عند مزموره (أعطني الناي وغني ، فالغنا سر الوجود) نسيت بقية تلك الكلمات الجميلة ، لا بد أن أحفظها.
بيت أهلي في القرية يصلح أن يكون صالة مقفلة للعبة الكرة الطائرة أو كرة السلة ، بعد المغرب كنا في طفولتنا نلتصق بالسراج ، ونتحلق شتاء حول النار في كانون صغير صنعته والدتي من طين كلسي كالح البياض ، وكلما أحسست بالبرد التصقت بواحدة من أخواتي أو بوالدتي أو دسست يدي في الطاقة السفلية للكانون تحت النار ، ونار السراج تتمايل في تراخ وملل ، يميناً تارة ويساراً تارة أخرى ، لكنه لا يضيء إلا حول نفسه ، وتمايل شعلته بسرعة تدلّ على أن ريحاً يتسلل عبرشقوق الباب ، أو من الفراغات الكثيرة بين أطرافه وبين إطار المدخل الحجري الذي يحتضنه ويحمله. بعدها تدعونا والدتنا للانسحاب للفراش والنوم ، نلتصق ببعضنا طلباً للدفء ، تعاركنا كثيراً تحت اللحف ، لأن أختاً لمست بقدمها المتجمدة من البرد ساق آخر أو أخرى من الأسرة ، ينهرنا والدنا فنهمد ، أو تلهينا والدتنا بحكاية عن الغولة التي لا يعجبها إلا افتراس الرجال ، أو الشاة التي تدافع عن تيوسها ولها سبعة قرون ، لكنها قرون فاعلة مخيفة ، ويحسب لها الغول ألف حساب ، أو عن حكايات حديدون أو بصيلون ، تقول الغولة للرجل العجوز (سأجعل الجبال السبعة تسمع سحق عظامك) لا أدري إن كانت جدتي أو والدتي أو حتى أحداً من الجيران سمع سحق عظام في أي زمان؟ ، نسافر بعدها إلى عالم الأحلام.
مبروك لك ! مبروك لي نجاحك يا وديع ، أقدم لك عمري وقلبي ، وكل ما في عقلي من مخزون رهن رضاك.
لنفعلها ثانية يا أمينة، أعني لنتذوقها! اليس مذاقها عذب؟ مخدر يطيل العمر يا مينا؟ اشتم رائحة علكة النعناع تخرج من فيها ، دنا بوجهه ثانية من وجهها ، فأدارت وجهها مبتعدة قائلة (قبلة واحدة نادرة ، كانت تلك طاقتي وبطاقتي بمناسبة نجاحك) يحسّ وديع ببرود وحياء، وبشيء من ندم بعد لذة ، فقال دون تفكير
صحيح! والحق معك، شارع عام وأنت أدرى بالبقية ، لسنا هنا لنمثل دوراً عاطفيا في فيلم غربي.
تجمد فالتصقت بجانبه أكثر ، ونار مشتعلة ما تزال تكوي شفتيه فتدفئ قلبه، بينما كانت تتأمل وجهه وعينيه البارقتين، ثم تنبه الاثنان لعيون المستطلعين ، قال وديع:
موقف لا يتفق وتقاليدنا ، همست رامينة،
هل هدمنا سوراً أو أطلقنا مدافع مدوية؟ ربما تتسلل الحرية عندنا بعد عشر سنوات أي في الستينيات أو السبعينيات.
بعد ألف عام إن شاءالله!. . يقول وديع، وكلمات والده تقرع عقله المرتبك (لا تفعل سوءاً يا ولدي في حارتك وبلدتك وبين أهلك ، وإذا سترك الله فلا تفضح نفسك ، أبق ما فعلته من خطأ بينك وبين ربك ، فالعبد ليس له أمان.)
قال شخص آخر من باعة البسطات قرب الحافلة : لماذا لا نزفهما في هذا الميدان ، انفجرا في ضحك هستيري ، تباعدا قليلاً ، لم يجد أي منهما كلمة واحدة مناسبة للرد على فضول أولئك ال . . . . بشر. قساة محنطون، يشتكون ، يدينون ، ينددون ، والعالم لاينتظر موافقة منهم ، فيزداد الأذى عليهم والضيق، تبادر رامينة قولها على غير توقع
لا نهتم بأمثالهم ، شتات يمزقهم ، وإصرار على تكرار الأخطاء يزيدنا تماسكاً أو تمسكناً ، التنديد والشجب متنفس الضعفاء .. ...آآآه ... والمنافقين.