(1)
لم أرَ في حياتي إنسانًا يموت قبل اليوم.. وعندما مات أبي وأنا صغير لا أميز، كنت يومها لدى جدتي العجوز التي لم تستطع أن تشهد وفاة ابنها، فلما عُدْتُ إلى المنزل في اليوم التالي علمْتُ أن أبي مات لا أكثر ولا أقلّ، لهذا كان موت عمي شيئًا جديدًا بالنسبة إليّ –لا لأنني تألمت يومها- فكثير من الأطفال في مثل سني لا يفرّقون بين أن يكون في بيتهم مأتم أو عرس، وكل ما يهمهم من الحالتين التغيير الذي يطرأ على حياة البيت، والحرية التي ينعمون بها بسبب الحوادث الطارئة، وكثرة الضيوف، والأنوار، وتغيّر نوع الطعام، وأخيرًا السهر حول المنزل إلى أن يتقدم الليل.
كنت يومها طالبًا خاملاً في مدرسة أهلية لا يفصلها عن بيتنا سوى شارع ضيق كان مسرحًا لنا خلال فترات الراحة بين ساعات الدرس، وكان ملعبنا في العصر عندما تنتهي دراستنا.. وكان عمي في تلك الأيام –وقبل وفاته بطبيعة الحال- يقول لي دائمًا: إنني لا أصلح لشيء.. وإنني لن أنجح في الحياة، وسأكون عالة على غيري. وكان يراهن على ذلك دائمًا بلحيته الكبيرة البيضاء المنتشرة حول وجهه، ويقول: "إذا نجحت فاحلق ذقني"، ثم يمسكها بيده ويشدها برفق، وأحيانًا كان يستبدل تلك الجملة بجملة أخرى طالما حيّرتْني وسبّبَت لي كثيرًا من الضيق.. كان يقول: "إذا أفلحتَ في شيء فتعالّ وبُل على قبري"، ولما لم تكن للقبر في ذهني أية صورة واضحة، فقد كنت أفكر دائمًا في الطريقة التي يمكن أن يبول بها إنسان على قبر غيره، وطالما ساءلت نفسي: هل هناك كثيرون يبولون على القبور؟ وأين هي يا ترى..؟ لا شك أنها بعيدة.. إذ لم أمرّ بها لا في طريقي إلى المسجد، ولا إلى بيت جدتي.
ولكثرة ضيقي به كنت أتمنى أن يحدث شيء للحيته.. يحلقها أو تتساقط من نفسها لأرتاح منها.. ولأرى كيف يصبح بدونها، وبقسوة الأطفال كنت أحيانًا أتعمّد مضايقته، بل كنت كثيرا ما أتمنى أن يموت وأن أقف على قبره أنفذ وصيته. إلا أن طيبة الطفولة كانت تتغلب عليّ فأبكي كثيرًا بعد هذه الفكرة أو أتعلّق به وأربت على لحيته خوفًا من أن يتحقق ما تمنيته.