(3)
لا أعرف بالضبط كم كان عمري آنذاك، بل لا أعرف حتى الآن كم هو عمري في هذه اللحظة، وإن كنت أعرف أنني أبدو أصغر من سني الحقيقية، لأنني ولدت "سباعيًا" لم أكمل نموّي داخل رحم أمي، كما أعرف أنني ولدت يوم عرفة، وأن حركة البعير الذي كانت تمتطيه أمي للحج هي التي ربما عجلت بخروجي إلى هذا الكون.
كما أعرف أن هذه المدرسة التي كنت أذهب إليها لم تكن هي دار العلم الأولى في حياتي، بل سبقتها وداران، كتّاب للبنات أرسِلتُ إليه أول الأمر لأفكّ الحرف، ثم نُقلت منه بعد بضعة أشهر حين سألتني أمي: "ماذا تعلمت حتى الآن؟"، فأخبرتها أنني تعلمت سورة "لاشيون عليها"، فضَرَبت على صدري مستعربة كيف أنني لم أتعلم سورة "الحمدو" حتى الآن!! وحين نقلت إلى كتّاب آخر للأولاد استطعت أن أحفظ "الحمدو" وغيرها، ولكني لم أنس أبدًا سورة "لا شيون" هذه أبدًا، وحتى الآن أستطيع أن أردد كما فعلت قبل أكثر من ستين عامًا:
"ألف لاشيون عليها
والباء واحدة من تحتيها
والتاء اثنين من فوقيها".
وبعد سورة "الحمدو" –لا قبلها- تمكنت من فك الحروف، أي أنني تمكنت من التفريق بين الباء والتاء، وإن استعصى عليّ تذكر الظاء كما في "ظبي" لمدة طويلة، ولقد اكتشفت في وقت مبكر أن السبب في ذلك هو عدم وجود أي ظبي في المنطقة حولنا – أو وجود أي إنسان بإمكانه أن يصفه لي- ومع ذلك فقد تمكنت من أن أمضغ ذلك الحرف بطريقة لا يكشفها الأستاذ، وكلما مرت كلمة بها ذلك الحرف مضغته كما لو كنت ألثغ، والغريب أني كنت أتذكر الطريقة التي اخترعتها لنطقه ولا أتذكر الطريقة التي ينبغي أن ينطق بها.
ومن أبجد هوز، إلى حكاية الجَدي الذي عكر الماء على الأسد، والغراب الذي قلد البومة –على ما أظن-، كنا ننتقل في خفة بعد أن أقسم المعلم أن لا يقفل الكتّاب ذلك الصيف قبل أن ينتهي من قراءة الحكايات الخمس التي اختارها لنا والتي تثبت أننا فككنا الحرف فكًا لا رجعة فيه.
وفي نهاية ذلك العام الذي هو سابق للعام الذي التحقت فيه بالمدرسة الأهلية التحضيرية احتفلنا بفك الحرف –احتفالاً مهيبًا- وُزِّعَت فيه قطع من الحلوى المصنوعة من السكر والدقيق ومصبوغة بلون أحمر، كانوا يسمونها "حلاوة بتاسة"، وسرنا في الزقاق الضيق من باب الكتّاب إلى البازان المجاور في موكب ظللت أتذكره كلما رأيت أحدًا يلبس "روبًا" جامعيًا من تلك التي انتشرت هذه الأيام.
ولقد أثبت عام الكُتّاب هذا أنه حاسم في حياتي المدرسية التالية؛ إذ أنه مكنني من البدء في قراءة كتاب القراءة الرشيدة، الذي نطقته أول مرة (القراءة الخشبية) على ما بين الكلمتين من بُعد، ولسبب أيضًا لم أكتشفه بعد.
وعندما التحقت بهذه المدرسة التحضيرية الأهلية، في العام الذي توفي في نهايته عمي، اكتشف الفرق الكبير بين الكُتّاب والمدرسة، فالأول كان عبارة عن غرفة واحدة فقط، بينما الأخيرة عبارة عن ثلاث غرف وفناء، وعدد المدرسين هنا يزيد مائة في المائة عما كان عليه في الكتّاب إذ يبلغ مدرسين بدلاً من واحد، لهذا كان أحد الفصول الثلاثة يدار دائمًا برئيس الفصل، وكان النظام المتبع في ذلك هو على النحو التالي: يوزع المدرسان في الحصة الأولى على الفصلين الثاني والثالث، ويبقى الفصل الأول خاليًا يديره رئيس الفصل، ثم ينتقل أحد المدرسين إلى الفصل الأول في الحصة الثانية، ويدار ذلك الفصل الخالي برئيسه وهكذا، وفي بعض حالات الطوارئ كتلك التي يزورنا فيها بعض الحجاج الأثرياء للتبرع للمدرسة، يكلف أحد التلاميذ في الفصل الثالث من كبار السن بالتواجد في فصلنا على أساس أنه مدرس لا طالب.
وكان الشيخ إسحاق الذي هو مدير المدرسة وصاحبها، أحد المدرسين الاثنين فيها، يتواجد في الفصل الثالث؛ لأن الضيوف عادة يطيلون الوقوف هناك ويسألون التلاميذ بعض الأسئلة المستعصية في التجويد، وكان هو حريصًا على أن يوجه الأسئلة إلى من يظن به خيرًا من التلاميذ حتى لا تبوء الزيارة بالفشل.
***