(4)
لم يكن في أسمائنا يومذاك شيء مستغرب، فأغلبها مما حُمّد وعُبّد وبعضها أسماء أنبياء وملائكة وصالحين، ولكن داخل المدرسة لم نكن ندعى بها، وإن شئت الدقة لم يكن بعضنا يُدعَى بها، إذ أنها تتحول بقدرة قادرة إلى "أبو طويلة"، و"الهبلّو"، "أزرق العينين"، ويضاف إلى هذه عند الغضب الشديد لقب آخر فيصبح صاحبه "أزرق العينين عدو المسلمين" وبعد أشهر يُعرَف بيننا بأنه "عدو المسلمين" فقط لا غير. كما أن "الهبلو" تلازمه تلك التسمية حتى تنتقل إلى مدرسة أخرى ليست تحضيرية أهلية – وإنما هي أهلية فقط – فيصبح اسمه "الدُّهلّ" – كما أطلق عليه هناك – ولم أتصور يومها أن "أحمد" الذي هو "الدُّهل" سيدعى بهذا الاسم طيلة حياته، ولكنني اكتشفت حين وفاته مؤخرًا أن اسمه قيد في جداول مرتبات عمال مصنع الكسوة بمكة هكذا: أحمد الدهل "فراش"، وأغلب –إن شئت- كل هذه الأسماء كانت لها دلالاتها في أنفسنا وكانت معانيها معروفة على وجه التحديد أو على وجه التقريب إلا لقبًا واحدًا كان يدعى به زميل لنا اسمه "سفيان"، كان الشيخ "إسحاق" يسميه "النطفة الحرام"، ولما لم يعلم أحد معنى النطفة تلك الأيام، فقد استبدلها الصبية تدريجيًا بكلمة أخرى، فأصبح اسمه كلمة قذف من الناحية الشرعية.
وسفيان هذا لم ينل لقبه المشهور بدن عناء، بل كان يعمل من أجله طيلة ساعات الدرس، وفي أوقات الراحة، وبعد ساعات المدرسة إلى أن يأوي إلى بيته، ولربما استمر في ذلك داخل منزله وحتى خلال نومه.
كان يحضر إلى المدرسة وجيبه ملآن بنبات صغير الحجم كان يسمى يومها "النبق"، وما أن تبدأ ساعة الدرس الأولى حتى يبدأ هو في التهامه، ومن ثم قذف بذوره مغافلة على من بالفصل واحدًا بعد الآخر، بما فيهم المدرس بدون أن يجرؤ أحد على الوشاية به، وكثيرًا ما جلد الفصل كله بسببه لأن المعلم لم يكتشف الفاعل الأصلي ولم يدل على أحد، وبين ساعات الدرس كان يجرب قوة الألواح التي نكتب عليها، بأن يضرب أحدها بالآخر حتى بفلقة، ثم يتركه صريعًا وسط الغرفة، ويبدأ هواية التحرش بالآخرين، فيقف في ركن لا يُرى فيه حتى إذا أقدم أحد الصبية مسرعًا مدّ أمامه إحدى ساقيه فيعثر على الأرض، ثم يبدأ العراك وهو منتشٍ، يجرب كل يوم فنًا من فنونه في القتال.
وكان الشيخ إسحاق يحضر إلى الدرس لابسًا ثوبًا أبيض عليه سترة بيضاء، ومن فوقهما جبة رمادية اللون، وعمامة، وكان يطوي الجبة ويضعها داخل صندوق صغير كان يحفظ فيه بعض أنواع الطباشير الملون، وبعض الوسائل التعليمية الأخرى بما فيها عصاه، ولا يعرف أحد كيف تسلل سفيان إلى هذا الصندوق، ورمى ثقابًا فوق الجبة، فأحدثت ثقبًا فيها بحجم الريال الكامل "المجيدي"، وبالرغم من أن أحدًا لم يره يقوم بتلك المهمة، إلا أن الجميع افترضوا أنه هو صانعها، وقد طُرد يومها من المدرسة ثم أعيد بعد ذلك، كما أعيد عدة مرات بعد أن توسط والده لدى الشيخ إسحاق.
ولقد شوهد أكثر من مرة يقف خلف الشيخ هذا ويعقد ذؤابة عمامته عقدة كبيرة بدون أن يشعر الشيخ بشيء، حتى إذا سار ضحك الصبية منه،وفي مرة أحضر حبلاً طويلاً وربط بأحد طرفيه حجرًا وبالآخر مشبكًا، ثم شبكه بطرف ثوب شيخنا، وانصرف. وظل هذا يسير والحجر من خلفه يزحف محدثًا صوتًا غريبًا، وبالرغم من كل ذلك فقد استمر معنا حتى العام الثالث حيث وقعت الواقعة الكبرى.
ولو كان لي أمر لأرّخت بذلك العام كما كان الناس يؤرخون بعام الفيل فيل الشريف المشهور - وعام السيل الكبير، وعام الرحمة "أي الموت الجماعي"، أو لسميت ذلك العام "عام الزير"، والزير هذا ليس من ذرية الزير سالم، بل هو إناء فخاري كبير يتسع لما قد يصل إلى عشرين جالونًا من جوالين هذه الأيام، جرت العادة أن يملأ بالماء وقت العصر، حتى يبرد طيلة الليل ثم يشرب منه الصبية، مستعملين كأسًا مربوطة في أذنه بسلسلة رفيعة، ومقفولة عليها بقفل صغير منعًا للحوادث، وبالرغم من كسر القفل عدة مرات –مما نتج عنه سرقة الكأس- إلا أن ذلك لم يجعل من الزير موضوع بحث أو تعليق، أما هذه المرة فالأمر مختلف جدًا.
والقصة كما استعدتها –لضعف الذاكرة- من الثقات من أهل الحي –أقصد من بقي منهم على قيد الحياة- سارت على النحو التالي: حضر الشيخ إسحاق صاحب المدرسة ومديرها.. إلخ صباح يوم من الأيام إلى المدرسة كالعادة، وعندما دخل إلى فنائها فوجئ بأن الزير غير موجود في مكانه، الأمر الذي لم يتوقعه ولم يخطر له على بال،فوقف بضع دقائق محملقًا في البقعة الخالية الندية، حيث كان يوجد المختفي –الزير-، ولما لم توح إليه بشيء، تركها ودخل إلى غرف الدرس واحدة بعد الأخرى، لعله يجد ما يدله على ما حدث، ولمّا يئس من ذلك، بدأ هياجه التدريجي، وظل يدخل ويخرج من غرفة إلى أخرى بدون أي نتيجة، ومن ثم خرج إلى الشارع ووقف هناك. وعندما مرّ به بعض سكان الحي أخذ بيدهم وأدخلهم إلى الفناء مشيرًا إلى الموقع الذي أصبح يعرف فيما بعد –بموقع الزير-، ولما كان بعضهم خالي الذهن ولم يسبق له أن شاهد الفناء وما فيه فقد بدأ بالاستفسار والشيخ يرد ويشرح مؤكدًا أن الفقيد كان في موقعه حتى يوم أمس، شارحًا كيف كان آخر عهده به.. الخ. وعندما بدأ التلاميذ بالحضور ووقف يستقبلهم على مدخل المدرسية سائلاً كلاً منهم على حدة: "هل رأيت الزير؟" فإذا ما رد بالنفي – وكلهم فعل ذلك- أمره بفتح يده وضربه عصوين اثنين، لا هما بالقاسيتين ولا هما بالفاترتين، حتى إذا انتهى من ذلك، دخل إلى الفناء مرة أخرى حيث تجمهر الصبية، ومن ثم سألهم سؤالاً واحدًا موجهًا إليهم معًا: هل رأيتم الزير؟ ولما لاذوا بالصمت، أعاده، فنفوا علمهم بشيء، فظل في مكانه يفكر، وقد بدأت آثار الفاجعة تتضح على وجهه، وبعد قليل أمرهم بالإنصراف إلى بيوتهم، وظل هو والمدرس الآخر داخل المدرسة بعد أن أغلق بابها الخارجي يفكر أن بعض الوقت، ثم التفت المدير وقال: "وهو ليس غيره، لا يمكن أن يكون إلا سفيان، ابن الـ." مستعملاً كلمة القذف التي سمع الصبية يستعملونها، وعندما لفت المدرس نظره إلى أن الزير أكبر حجمًا من سفيان، لا يستطيع رفعه من مكانه، أجاب بأن "للشيطان أساليب لا تخطر على بال غيره"، وأنه متأكد من ذلك.
وظلت المدرسة مقفلة ليومين تم خلالهما عقد عدة اجتماعات كان آخرها بمنزل والد سفيان، الذي استبعد أن يكون ابنه مسئولاً عما حدث، ومع ذلك فقد اقترح أن يتبرع الجميع، كلّ بما تجود به نفسه لشراء بديل للفقيد العزيز، وبدأ هو التبرع، ولكن الشيخ إسحاق بعد أن فكر في الأمر أجاب بأنه يقبل ذلك الحل ولكن بشرط أن لا يعود سفيان إلى المدرسة نهائيًا. ولما اعترض الأب موضحًا أن ذلك القرار غير عادل، وأنه إذا أصر الشيخ على رأيه يسحب تبرعه. وحاول الجميع إقناع الشيخ بالعدول عن رأيه ولكنه أصر، وانفض الاجتماع بدون أن يصل المجتمعون إلى حل.
وبعد صلاة العشاء من ذلك اليوم اجتمع وجهاء الحي بالمسجد –مسجد الحي- وتداولوا الأمر والأضرار التي لحقت بهم من جراء ترك الصبية في الشارع طيلة يومين، وقرروا التضحية بسفيان،وجمعوا المبلغ المطلوب، وسلموه للشيخ الذي توجه صبيحة اليوم التالي إلى مصنع للفخار وعاد مبتهجًا يتبعه حمّال نوبي يحمل فوق رأسه القادم الجديد، الذي بدأ أكبر قليلاً من سابقه وأنصع بياضًا منه.
وبالرغم من أن الأمر قد حسم بقرار الحي ووجهائه، إلا أن البعض ظل يتوسط لسفيان، وكان توسطهم يرفض دائمًا، ليس هذا فحسب، بل إن الشيخ قد تنبأ إثر واحدة من تلك الوساطات بأن سفيان سينتهي نهاية تشبه خاتمة أحد صاحبي السجن ليوسف الصديق، ولم يزد على ذلك، مما أثار كثيرًا من التكهنات حول حقيقة مقصده.
واستجلاء للحقيقة التي أغرمت بها في مقبل أيامي، وبعد سنوات عدة وخلال اجتماعي بالمتهم - المتنبأ له بالنهاية المفجعة سألته إن كانت له يد في الأمر؟ فاعترف بأنه كانت له يد، وحجر أيضًا، وشرح لي الأمر بأنه أدخْلَ ذات يوم من الأيام حجرًا كبيرًا إلى المدرسة وتركه هناك حتى العصر، حيث تسلق السور، ومن ثم رمي الحجر في وسط الزير الشهيد، وكان خاليًا من الماء، ففلقه اثنتين، ثم أعاد الكرة فجعله أربع قطع، ثم وضعها واحدة بعد الأخرى على السور حيث تسلق خارجًا مع غروب الشمس ونقل تلك الأشلاء إلى خرابة قريبة من المدرسة. وأضاف أن تلك الأشلاء ظلت هناك لعدة أعوام، ثم انقطعت أخبارها عنه.
***